الوفاء بمقصدها الديني بوسيلته التي كان العمل عليها في عهده ﵌. ومن هذا إجماع الصحابة ﵃ على جمع القرآن في مصحف واحد، وذلك أن المحافظة على القرآن هي أهم الأمور الدينية، وكانت الوسيلة لذلك في عهده ﵌ الحفظ، فلما استحرَّ القتلُ بالقرَّاء في عهد الصدِّيق، وانتشر المسلمون في الآفاق، وبدأت الهِمَمُ تَكِلِّ عن الحفظ، [و] رأى الصحابة ﵃ أن الوسيلة الأولى قد ضعُفت عن الوفاء بالمقصد الذي هو المحافظة على القرآن، وأن الاقتصار عليها يُخشَى أن يؤدّي إلى ضياع المقصد= قرروا أن الأمر بالمحافظة على القرآن يلزمهم أن يعملوا لتحصيله بكل وسيلة، فإن أمكن حصولُه بالوسيلة التي كان [العمل] عليها في عهده ﵌ تعيَّن ذلك، وإلّا نظروا وسيلة أخرى، وعملُهم بالوسيلة الأخرى من السُّنَّة، لأنه عملٌ بمقتضى الدليل.
والحاصل أن الإذن في هذا كأنه على الترتيب، فلا يجوز العمل بالمحدث حتى يمتنع العمل بما قبله، فالعمل بالمحدث من غير أن يمتنع ما قبله بدعة، والعمل به بعد امتناع ما قبله [سنة].
وأما القسم الثاني ــ وهو المقاصد ــ فالمحدَث منه كلُّه بدعة ضلالة، وليس منه صلاة التراويح كما يظن بعضهم، فإنها من السنة، كما ثبت في "الصحيحين" (^١) عن زيد بن ثابت أن النبي ﵌ اتخذ حُجرةً في المسجد من حصيرٍ، فصلَّى فيها لياليَ حتى اجتمع عليه ناس، ثم فقدوا صوتَه ليلةً وظنُّوا أنه قد نام، فجعل بعضُهم يتنحنح ليخرج إليهم،
_________________
(١) البخاري (٧٢٩٠) ومسلم (٧٨١).
[ ٤ / ١٥٤ ]
فقال: "ما زال بكم الذي رأيتُ من صنيعكم حتى خشيتُ أن يُكتَب عليكم، ولو كُتِب عليكم ما قمتم به، فصلُّوا أيها الناسُ في بيوتكم، فإن صلاة المرء في بيته أفضلُ إلَّا المكتوبةَ".
وقوله: "ما زال بكم الذي رأيتُ من صنيعكم" يريد ــ والله أعلم ــ من اجتماعهم وحرصهم على الحضور، كما يدل عليه قوله: "فصلُّوا أيها الناس " إلخ. فقطعَ ﵌ أن يخرج للصلاة بهم خشيةَ أن تُكتَب عليهم، وأرشدهم إلى أن يُصلُّوا في بيوتهم، لأن صلاة المرء في بيته أفضل إلا المكتوبة، وخشيةُ أن تُفرض هو المانع في الحقيقة. فأما عدولهم عن الصلاة في بيوتهم فإن غاية ما فيه أنه خلاف الأولى، ومع ذلك فكان ينجبر بائتمامهم به ﵌، ولكن لما انقطع ائتمامهم به للمانع الأول انتفى الانجبار كما هو ظاهر. فلما توفي ﵌ انتفى الأمر الأول الذي هو المانع في الحقيقة، وبقي المانع الآخر وهو كون الأفضل صلاتهم في بيوتهم، فبقي الحال على ذلك خلافةَ الصدّيق وبعضَ خلافة عمر، ثم كان ما أخرجه البخاري (^١) عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاريّ قال: خرجتُ مع عمر بن الخطاب ليلةً إلى المسجد، فإذا الناسُ أوزاعٌ متفرقون، يصلِّي الرجل لنفسه، ويصلِّي الرجلُ فيصلِّي بصلاته الرهطُ، فقال عمر: إني لو جمعتُ هؤلاء على قارئ واحدٍ لكان أمثلَ، ثم عزَم فجمعَهم على أُبي بن كعب. قال: ثم خرجتُ معه ليلةً أخرى والناسُ يصلُّون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعمتِ البدعةُ هذه! والتي ينامون عنها أفضلُ من التي يقومون، يريد آخر الليلة، وكان الناس يقومون أوّلَه.
_________________
(١) رقم (٢٠١٠).
[ ٤ / ١٥٥ ]