بعد الخطبة وبيان مناسبة التأليف قدم له بمقدمة في بيان التكليف وما يتصل به، وذكر في أثنائها أن بقاء التكليف لما كان متوقفًا على بقاء الكتاب والسنة واللسان الذي وردا به، تكفَّل الله ﷾ بذلك. بيَّن المؤلف طريقة حفظ القرآن والسنة واللغة، وأن بحفظها حصل حفظُ الدين، وقامت الحجة على العالمين.
ثم عقد فصلًا لبيان الدليل القطعي والظني، وأن الأحكام أيضًا على قسمين: قطعي وظني، وأحال للتفصيل إلى أصول الفقه، ثم عقد فصلًا لبيان حقيقة الظنّ، وحكم العمل بالدليل الظنّي، وما هو الظنّ الذي ذمّه الله سبحانه في القرآن الكريم، وأجاب عنه بجوابين: إجمالي وتفصيلي، بحيث تناول كل آية، وبيَّن معناها، وذكر الأدلة الموجبة للعمل بالظن بشرطه، ثم عقد فصلًا لبيان أن الله تعالى خلق بني آدم على الفطرة، وركَّب فيهم العقول، وأمدّهم بآلات توصلهم إلى المطلوب منهم من السمع والأبصار والأفئدة وغير ذلك من الحواس الظاهرة والباطنة. ثم أرسل إلى كل قوم رسولًا بلسانهم، وأرسل محمدًا - ﷺ - إلى الخلق كافة وأنزل عليه الكتاب وأمدَّه مع ذلك بالسنة بيانًا للقرآن وإيضاحًا له، واختار له أصحابًا أمناء حفظ الله بهم كتابه وسنة نبيه. ثم فصَّل القول في طريقة تلقي الصحابة الأحكام عن النبي - ﷺ -، وكيف كان عوامُّ القرن الأول يستفتون العلماء ويعملون، وكيف كان
[ ١٠ ]
حالهم في زمن التابعين وأتباعهم ومن بعدهم.
ثم عقد فصلًا ذكر فيه أنه لما كان معرفة الدليل من الكتاب والسنة متوقفًا على العلم بهما، وجب أحد أمرين: إما أن تكون معرفة ذلك فرض عين على كلِّ مكلَّف، أو تكون فرض كفاية. وعليه فما هو فرضُ القاصر؟ أتقليد أحد المجتهدين أم غيره؟ ومن هنا ينشأ الكلام على المسألة الأولى في هذا الكتاب، وهي الاجتهاد والتقليد.
وطريقة المؤلف فيها ذكر حجج الفريقين غالبًا بقوله: «قال المقلدون» و«قال المانعون»، ليطلع القارئ على ما أدلى به الفريقان، فيتيسر له الحكم بينهما.
بدأ المؤلف كلامه في الاجتهاد والتقليد بذكر أن تحصيل العلم مراتب:
١ - تحصيل علوم اللسان العربي.
٢ - العلم بأصول الفقه.
٣ - العلم بالكتاب والسنة.
وفرض المجتهد هو الاجتهاد في كل ما يعرض له، وفرض من لم يحصّل المرتبة الثالثة سؤال المجتهد، فيتلو عليه المجتهد الآية أو يروي له الحديث، ويُخبره أنه قد اجتهد فلم يجد ما يعارض ذلك، ويفسّر للعامي أو الأعجمي الآية أو الحديث بلغته.
وعقد فصلًا بعنوان «سؤال المجتهد» بيَّن فيه كيف كان العمل في حياة رسول الله - ﷺ - وفيما بعد من القرون الثلاثة، ثم بدأ الحوار بين المقلدين
[ ١١ ]
والمانعين، يذكر وجهة نظر كل طائفة وأدلتها، وأشار في أثنائه إلى نهي الأئمة الأربعة عن تقليدهم، وبيَّن أن إفتاءهم للناس على طريقة السلف من إجابة السائل بتلاوة الآية أو رواية الحديث وتفسير ذلك وبيان دلالته.
وذكر أجوبة المانعين عن خمسة أسئلة للمقلدين، وهي:
(١) أأنتم أعلم أم الأئمة الأربعة، فإن قلتم: هم أعلم، فكيف يسوغ لكم مخالفتُهم؟
(٢) أأنتم أعلم أم الأئمة الذين جاءوا بعدهم مقلِّدين لهم؟ فإن قلتم: هم أعلم، فلِمَ لا تقلِّدون كما قلَّدوا؟
(٣) ما تعتقدون في المقلِّدين من علماء وغيرِهم وهم جمهور الأمة، أهم على حقّ أم على ضلالة؟
(٤) ما تعتقدون في مشايخكم الذين أخذتم عنهم العلم ومشايخهم وهلمَّ جرًّا؟
(٥) ما تعتقدون في مؤلفي هذه الكتب التي تأخذون عنها العلم.
وبالرد على هذه الأسئلة بتفصيل من قبل المانعِين تنتهي المسألة الأولى المتعلقة بالاجتهاد والتقليد.