تكلم على هذه المسألة في تمهيد وثلاث مقامات.
أما التمهيد فلم نعثر منه إلا على بضعة أسطر، أفادتنا بذكر المقامات الثلاثة وهي:
المقام الأول: في الاطلاع على الغيب (^١)
ذكر أولًا العلم القطعي وأقسامه الثلاثة، ثم عرَّف الغيب وذكر قسميه، ثم ذكر الصور الست لـ «علم الغيب» الناتجة عن الأقسام السالفة، ثم تكلم على الصور الستّ، لكن لم نعثر إلا على كلامه على الصورة الخامسة، أما باقي الصور (الأربع الأول والسادسة) فلم نقف عليها في قطع الكتاب التي وقفنا عليها.
وفي الصورة الخامسة ــ وهي: العلم الخبري بما هو غيب عن جميع الخلق ــ ذكر أن العلم الخبري إنما يحصل بأحد خمسة أمور، فذكرها، ثم ذكر ما الذي يقع منها للأنبياء والملائكة والبشر وما الذي لا يقع.
ثم شرع في الكلام على القسم الأول من الغيب، وذكر بعض ما يستدل به أهل الأرض على الغيب وهو لا يحصّل إلا الظن، فذكر:
_________________
(١) صدر هذا المقام (من ص ٣١٢ إلى ص ٣٢٧) وجدناه في المجموع رقم [٤٧٠٧].
[ ٢١ ]
١ - الرؤيا، وهل يلزم منها علم الغيب؟ (٣٢٨ - ٣٤٠).
وقع في أول هذا المبحث نقص، وأول الموجود منه في حجج مَن يرى أن في الرؤيا دليلًا على علم الغيب ثم أجاب عنها فيما بعد. وتكلم على الرؤيا وأقسامها وصورها بكلام طويل نفيس، ورؤية النبي في النوم وتمثّل الشيطان به.
ثم عقد فصلًا في مسألة مفارقة الروح للجسد عند النوم فذكر المذهبين وأدلتهما، واختار المؤلف الوقف والرد في علم ذلك إلى الله تعالى.
ثم تكلم عن التنويم المغناطيسي ومعناه، وما يقاس عليه من أنواع السحر وتحضير الأرواح وغيرها، وهل تفارق الروح الجسد فيه، وتعرّض الروح لتلاعب الشيطان في تلك الأحوال.
ثم ذكر عدة أشياء مما يَستدلُّ به أهلُ الأرض على بعض الغيب من القسم الأول وهو في حقيقته لا يُحَصِّل إلا الظنَّ، فذكر:
٢ - التحديث (٣٤١ - ٣٤٣).
٣ - والكهانة (٣٤٣ - ٣٤٨).
٤ - والنظر في النجوم (٣٤٨ - ٣٥١)، وذكر من متعلّقاتها.
٥ - ومعرفة الأنواء (٣٥١ - ٣٥٢).
٦ - ومعرفة أحوال النجوم المتعلقة بذواتها (٣٥٢ - ٣٥٣).
٧ - والخط في الرمل (٣٥٣ - ٣٥٤).
٨ - والعرافة (والفأل والطيرة) (٣٥٤ - ٣٥٥).
[ ٢٢ ]
٩ - والطّرْق بالحصى (٣٥٦).
١٠ - والتفاؤل بالقرآن وغير ذلك (٣٥٦).
ثم تكلم المصنف في فصلين متتاليين الأول عن استقلال الله سبحانه بعلم الغيب وأنه لا يشركه معه نبيّ ولا ولي، وساق النصوص والأدلة على ذلك. والثاني في علم النبي بالغيب، ذكر فيه حجة مَن قال بذلك وأجاب عنها، وذكر الأدلة على عدم علمه بالغيب من الكتاب والسنة وأنها في حقيقة الأمر لا تُحصى.
ثم ذكر حديث حذيفة: أن النبي - ﷺ - قام مقامًا ما ترك شيئًا يكون إلى قيام الساعة إلا حدَّث به » وأجاب عمن استدل به على علم النبي - ﷺ - للغيب وأطال في ذلك.
ثم تكلم عن القسم الثاني من علم الغيب، وهو ما يكون غيبًا بالنسبة إلى بعض الخلق دون بعضهم، فذكر أنواعه الثلاثة، وهي: ما يختص بمشاهدته الملائكة، وما يختص بمشاهدته الجنّ، وما يشاهده البشر.
وذكر أشياء مما يستدلون به على هذه الأنواع، فذكر منها الكهانة ووسوسة الشياطين، والنظر في النجوم والعرافة والطرق والخط والتنويم المغناطيسي وغير ذلك.
وذكر مما يدخل في هذا الباب: ما يُؤثر عن أهل الرياضيات كالإشراقيين من الفلاسفة والبراهمة وبعض المتصوّفة فتكلم عن هذا النوع وما يصيب أولئك في تلك الأحوال، وما تُخيّله الشياطين لهم، ثم نقل نصًّا طويلًا عن ابن عربي الطائي نقله عنه الآلوسي في بعض كتبه ما يُفصح
[ ٢٣ ]
عن هذه الخيالات والوساوس.
ثم عرض لما يزعمه بعض المتصوّفة من أنهم يرون النبي - ﷺ - يقظةً وسبب زعمهم هذا والرد عليهم. وختم البحث بـ «خاتمة» ذكر فيها أنه أتى على جل ما يُستدل به على المغيبات، وأنه بقي كشف الصوفية وهو لا يخرج في جملته عما ذُكِر آنفًا.
ثم خرج إلى موضوع متعلّق بكشف الصوفية وهو دعوى الإلهام عند بعض المتصوّفة، وكلامهم في حجيّته، ونقل كلام الشوكاني في «إرشاد الفحول» في الموضوع ثم علق عليه وردّ من زعم حجيّة الإلهام وأطال في نقاش حججهم بما لا مزيد عليه (٣٧١ - ٣٨٥).
وبهذا يكون انتهى الكلام على المقام الأول وهو علم الغيب.
المقام الثاني: في تصرُّف بعض بني آدم في الكون
ذكر أولًا قسميه، وهما: ما جرت به العادة، وهذا ثابت للأحياء، وما لم تجر به العادة، وهو ما يمكن أن يكون معجزة لنبي أو كرامة لولي، وذلك بحسب ما يتفق مع الحكمة الربانية.
ثم ذكر حال النبي - ﷺ - وما ملّكه الله إياه مما هو داخل تحت قدرة البشر أما ما فوق ذلك فيملك الدعاءَ به فقط وقد يملك شيئًا منه على سبيل خرق العادة.
ثم ذكر أنه من المعلوم أن النبي - ﷺ - لم يكن متصرفًا في الكون وحجّة ذلك، وذكر قصة الخضر وما يمكن أن يستدلّ بها على قضية التصرف في الكون والجواب عن ذلك، واستطرد إلى قضية الإنكار على المخالفين في
[ ٢٤ ]
تلك المسألة استدلالًا بفعل موسى مع الخضر.
ثم ذكر أن الأدلة صريحة واضحة في إبطال ادِّعاء أن بعض الصالحين يملك التصرف في الكون، والذي غرّ أولئك المدّعين أمور تتعلّق بالتزوير وانتحال الفضل أو التقشّف أو أصحاب سوء يتأكّلون باسم الشيخ وغير ذلك.
ثم انفصل إلى ذكر أن حالات أولئك المشايخ المتصوفة لا تخلو من أربع حالات:
١ - أن يكونوا من أهل الزيغ والإلحاد تستّروا باسم التصوّف وإظهار الزهد والتقشف ليكيدوا للإسلام.
٢ - أن يكونوا من أهل الإسلام لكن تلاعب بهم الشيطان.
٣ - أن يكونوا من أهل الخير والصلاح، لكنهم أرادوا أن يتكلموا بما ظاهره الكفر استدعاء لذم الناس لهم؛ ليكتسبوا بذلك كسر نفوسهم والأجرَ للاعتداء عليهم.
٤ - أن يكون لهم في كلامهم مرادات صحيحة، لكنهم عمّوها على الناس فجعلوها من قبيل الإلغاز، كما هو شائع في كلامهم ..
واختار المؤلف أن كل أمر من هذه الأمور يوجد عند طائفة منهم، لكن الذي يدين الله به حُسن الظن بأشخاصهم وأنهم لا يعتقدون ما تدل عليهم مقالاتهم وإنما قالوها لغرض من الأغراض ظنوها حسنة، وذلك لا يمنعنا من انتقادهم وإنكار المنكر وبيان أن اعتقاد الظاهر منه فسق أو كفر أو جهل بحسب رتبته. مع النصيحة بالإعراض عن كتب هؤلاء ومؤلفاتهم.
[ ٢٥ ]
ثم تكلم على الصوفية وكتبهم ودعاواهم أن أناسًا دسّوا عليهم فيها وكيف ركّبوا من كل أولئك خطة محكمة لترويج باطلهم ونشر خرافاتهم.
ثم ذكر أن بعض من يُنسب إلى التصوّف يعدّ من أئمة الهدى كالجنيد، وأن بعض الصالحين ثبتت لهم كرامات، لكن ليس كل ما يدّعيه القصاصون صحيحًا بل كثير من حكاياتهم منقطعة ورواتها مجاهيل
وأنه ينبغي أن توزن أمور الناس بميزان العدل، (فإن كان الشخص ملازمًا للطاعات، عاملًا بالكتاب والسنة معظمًا لهما فالظاهر أن الخارقة الواقعة على يده كرامة وإن كان بخلاف ذلك فالأمر بالعكس). وبهذا انتهى هذا المقام الثاني.
المقام الثالث: النداء والطلب
فذكر أولًا ما تقرر من أن الغيب لا يعلمه إلا الله وحده أو ما يُطْلِع عليه بعض خلقه، وأن المخلوق لا يملك شيئًا ولا يتصرف إلا بما جرت عليه عادة الخلق عليه، وبنى على ذلك أن كل نداء للغائب باعتقاد أنه يسمع أو يُبلّغ كل شيء أو بعض الأشياء لا يسوّغ نداءَه ولا الطلب منه.
ثم ذكر المؤلف أن دعاء النبي قد لا يُستجاب لسَبْق الكتاب كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ وذكر آيات وأحاديث أخرى تدل على ذلك.
ثم قرر أن كل من له اطلاع على السنة علم أن الصحابة ﵃ لم يكونوا ينادون غائبًا ولا حتى النبي - ﷺ -، وإنما كانوا يطلبون منه ما يمكنه تحصيله بالأسباب العادية، وإلا سألوه الدعاء وذكر جملة من الأحاديث في ذلك، ثم قال: والأحاديث أكثر من أن تُحصى.
[ ٢٦ ]
أما عند موته فلم يُنقل عن أحدٍ من الصحابة ولا التابعين أنه طلب منه شيئًا البتة، بل غاية أمرهم إن حضروا إلى قبره أن يسلموا عليه وعلى صاحبيه، ولا يطلبوا منه شيئًا، وحديث الاستسقاء بالعباس صريح في أنهم كانوا لا يرون الطلب منه إلا في حياته، أما بعد قبضه فلا.
ثم أدار المؤلف حوارًا بين المجيزين للطلب منه حال موته، وبين المانعين من ذلك وأطال في تقرير حجج المانعين.
ثم ذكر حجة المجيزين بأنهم يجتهدون في الدعاء فلا يجدون إجابة حتى إذا ذهبوا إلى القبر ودعوا استجيب لهم وذكر كثيرًا من الأمثلة على ذلك مثل حمل النساء، وإنزال الأمطار، والوفاء بالنذر، وشفاء المريض، ووقع الكثير من الخوارق للعادات.
فأجاب المؤلف عن ذلك بجواب تأصيلي، ثم ذكر أن الخوارق قد قسمها العلماء إلى أقسام: معجزات للأنبياء، وكرامات للأولياء (وقد سلف التفصيل فيها)، ومنها ما هي من قبيل: الاستدراج، أو السحر والشعبذة والكهانة وغيرها.
والكلام على هذه الخوارق من وجهين:
١) إنكار وقوعها مطلقًا وأنها لا تثبت إلا عن مشاهدة أو تواتر، ثم إن ثبتت فيمكن أن تكون شعبذة أو سحرًا أو مخرقة .. فيجب وزنها بميزان الشرع كما سلف، وهي وإن ثبتت فلا يبنى عليها شيء مخالف للشرع.
٢) الكلام على هذه الخوارق التي ذكروها واحدة واحدة بالتفصيل وبيان الحكم فيها وتلاعب الشياطين بعامة الناس في نسجها والتضليل بها.
[ ٢٧ ]
ثم ذكر تنبيهًا أجاب فيه عما استَبْعَد به الناس من وجود الشياطين عند قبور الصالحين.
ثم عاد إلى حوار المجيزين والمانعين وقد ناقش فيها مسائل مهمة في الاستعانة والاستغاثة، والطلب من المخلوقين، واعتقاد الضرر والنفع، والتوسّل، والتمسّح بالأضرحة، والنذر لها والذبح وغيرها.
وفي نهاية البحث عقد عنوانًا بـ «الميزان» دعا فيه علماء الأمة للاستيقاظ من الغفلة والاجتماع وتأليف كتاب يكون ميزانًا في الاعتقاد، وبيَّن منهج وطريقة ذاك التأليف، وأن هذا هو الطريق الوحيد في ضم شمل الإسلام وأهله والتأليف بين قلوبهم.
ثم ذكر جماع القول في تلك المسائل وهو: أن الله إنما يُعبد بما شرع، وتلك الأمور إما محدثة قامت الأدلة على بطلانها، أو فيها خلاف ونزاع فهي دائرة بين الحرام والمكروه أو المباح، فالسلامة منحصرة في ترك تلك الأشياء، فمن تركها فهو سالم لا محالة، والمسلم من حَرَص على السلامة بأيّ تقدير كان، ولا أسلم ولا أعلم ولا أفضل مما كان عليه النبي - ﷺ - وأصحابه وتابعوهم.
وبه ينتهي الكلام عن المقام الثالث وينتهي الكتاب.
ثم أتبعنا الكتاب بعدّة ملاحق وهي:
١، ٢ - ملحقان يتعلقان بمباحث الاجتهاد والتقليد.
٣، ٤ - ملحقان يتعلقان بالسنة والبدعة.
٥ - ملحق يتعلق بالرؤيا في المنام وعلاقتها بعلم الغيب.
[ ٢٨ ]
وهي مباحث متفرقة بمسائل تتعلق بكتابنا، لم نجدها كاملة، ووقعت فيها خروم عديدة، وإدخالُها في متن الكتاب يشوّش ترتيبه ولا يتسق مع جملة مباحثه فألحقناها لتستفاد وأملًا في العثور على مكمّلاتٍ لها، يسّر الله ذلك بمنّه.