[ص ٤٨] السؤال الثالث: قولكم: "ما تعتقدون في المقلدين من علماء وغيرهم وهم جمهور الأمة: أعلى حقٍّ أم ضلالة؟ ".
الجواب: فقد علمتم أننا نعتقد أن من كان من العلماء بالغًا رتبةَ الاجتهاد فهو مجتهد، وإن لم يُصرِّح بذلك، لما مرَّ. والمجتهدون كلُّهم على هدًى من ربهم وصراطٍ مستقيم.
وأما من كان قاصرًا عن ذلك، فإن كان من المتعصبين المضادِّين لكتاب الله تعالى وسنة رسوله ولأهل العلم بهما، قائمًا بعداوتهم وإثارةِ العامة عليهم، فهذا هالك بلا شكٍّ. وإن لم يكن بهذه الصفة فهو كمن دونَه من العامة إن لم تقُمْ حجة الله عليهم بمنع التقليد، ومنعِ الإعراض عن كتاب الله تعالى واتخاذِه مهجورًا، والمنعِ من عداوة رسول الله ﵌ بمقاطعة سنته، فهو معذور إن شاء الله. وإلّا فأمره إلى الله، إن شاء غفر له، وإن شاء عذَّبه، ما دام محرزًا للإيمان المعتبر.
السؤال الرابع: قولكم "ما تعتقدون في مشايخكم الذين أخذتم عنهم العلم، ومشايخهم وهلمَّ جرًّا"؟
الجواب: أنهم قد دخلوا في عموم العلماء، وقد تقدم حكمهم. ومع هذا فهم على قسمين:
قسم بلغَ رتبةَ الاجتهاد، فنحن نعتقد فيه كما كان الإمام أحمد بن حنبل يعتقد في الإمام الشافعي، وكما كان الشافعي يعتقده في الإمام مالك، وكما كان مالك يعتقده في كبار التابعين، وكما كان التابعون يعتقدونه في الصحابة ﵃. ولنا أسوةٌ بهم في مخالفة كل واحدٍ منهم لشيخه أو مشايخه
[ ٤ / ١٢٨ ]
في بعض الأحكام، إيثارًا لدلالة كتاب الله تعالى وسنة رسوله، عملًا بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١]، وقوله ﵌: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به" (^١). قال النووي في "أربعينه" (^٢): هذا حديث صحيح، رويناه في كتاب "الحجة" بإسناد صحيح.
وقِسم لم يبلغوا رتبة الاجتهاد، فهؤلاء نعتقد فيهم كما كان يعتقده الأئمة في الرواة.
السؤال الخامس: "ما تعتقدون في مؤلِّفي هذه الكتب التي تأخذون عنها العلم"؟
الجواب: أنهم قد دخلوا في عموم العلماء، وقد تقدم حكمهم. ومع ذلك فإننا نعتقد فيهم ما كان الأئمة يعتقدونه في الرواة. ولنذكر هاهنا حديثًا (^٣) ذهبَ كثيرًا من صدوركم، وهو حديث "الصحيحين" (^٤) عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﵌: "مثلُ ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثلِ الغيثِ الكثير أصابَ أرضًا، فكانت منها طائفة طيبة قَبِلتِ الماءَ فأنبتتِ الكلأ والعُشْبَ الكثير، وكانت منها أجادبُ أمسكتْ الماء فنفع الله بها الناسَ، فشرِبوا وسَقَوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى
_________________
(١) سبق تخريجه (ص ٩٠).
(٢) انظره مع شرحه "جامع العلوم والحكم" (٢/ ٣٩٣).
(٣) خرم بمقدار كلمة.
(٤) البخاري (٧٩) ومسلم (٢٢٨٢).
[ ٤ / ١٢٩ ]
إنما هي قِيعانٌ لا تُمسِك ماءً ولا تُنبِتُ كلأً. فذلك مثلُ مَن فَقِهَ في دين الله ونفعَه ما بعثني الله به فعَلِمَ وعلَّم، ومثلُ من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يَقبلْ هُدى الله الذي أُرسِلْتُ".
* * * *
[ ٤ / ١٣٠ ]