كما مرَّ.
ويَرِدُ عليه أن الاستناد إلى كون الأصل العدم لا يكفي عن البحث كما في المجتهد.
ويُجاب بأنه اكتُفي به هنا للضرورة (^١).
* قال المقلِّدون: إنا نراكم قد عُدتم إلى قولنا راغمين، فإنكم احتجتم إلى الرجوع إلى المجتهد وسؤالِه، وأوجبتم العملَ بقوله، وهذا هو التقليد بعينه.
[ص ٥٦] * قال المانعون: كلَّا، ما كان لنا أن نعود إلى قولكم بعدَ إذ تبيَّن لنا بطلانُه، والفرق بين الأمرين واضح. وذلك أنكم تقولون: إذا سأل القاصرُ المجتهدَ كفى المجتهد أن يجيبه بقوله: الحكم كذا أو كذا، بدون أن يخبره بدليله. وأما نحن فنقول: إن سؤال القاصر للمجتهد إنما هو سؤال عن حكم الله تعالى، لا عن الرأي المحض، وحينئذٍ فالواجب على المجتهد أن يذكر له الدليل من كتاب الله تعالى وسنة رسوله. وعلى هذا كان عمل السلف
_________________
(١) ذكر المؤلف هذا الموضوع بصيغة أخرى في صفحة، ونصها: "إن الرواية بالنفي شرطها أيضًا القطع، وهذا غير قاطعٍ بإخباره بأنه قد راجع ونظر، إذ لا يلزم من عدم الوجدان عدمُ الوجود، فقد يكون هنالك مخالف لم يُوفَّق لفهمه، لهذا لا يمكنه أن يقطع بالنفي بأن يقول: ليس في كتاب الله تعالى ما يخالف هذا، ولذلك لا يجوز للمجتهد أن يستند إلى مثل هذه الرواية. ومع ذلك فقد يكون دليل الاستنباط ودليل دلالة اللفظ غامضًا يتعذّر على العامي فهمه. نعم قد يقال: نسلِّم أن الرواية فيما ذُكر غير مستجمعة للشروط، ولكنه جاز العمل بها للضرورة".
[ ٤ / ٥٣ ]
الصالح أهل القرون الثلاثة.
قال الشوكاني في رسالته "القول المفيد" (^١) ما لفظه: "لا نطلب من كل فردٍ من أفراد العباد أن يَبلغ رتبة الاجتهاد، بل المطلوب هو أمرٌ دون التقليد، وذلك بأن يكون القائمون بهذه المعايش والقاصرون إدراكًا وفهمًا كما كان عليه أمثالهم في أيام الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهم خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، وقد عَلِمَ كلُّ عالم أنهم لم يكونوا مقلدين، ولا منتسبين إلى فردٍ من أفراد العلماء، بل كان الجاهل يسأل العالم عن الحكم الشرعي الثابت في كتاب الله تعالى أو سنة رسوله ﵌، فيفتيه به ويرويه له لفظًا أو معنًى، فيعمل بذلك من باب العمل بالرواية لا بالرأي، وهذا أسهل من التقليد، فإن تفهُّم دقائق علم الرأي أصعب من تفهُّم الرواية بمراحل كثيرة " إلخ.
* قال المقلِّدون: الكلام معكم في مقامين:
الأول: قولكم "بل المطلوب " إلخ، إن أردتم أنه يلزم عوامَّ اليوم أن يشتغلوا بطلب العلم حتى يساووا عوامَّ الصحابة والتابعين، فهذا هو المشقة التي لأجلها عدلتم عن القول بوجوب بلوغ رتبة الاجتهاد، بل المجتهد اليوم لا يستطيع أن يبلغ هذه الدرجة، لأن عوامَّ ذلك القرن كانت علوم اللسان جميعها ملكةً لهم بدون طلبٍ ولا تكلف.
وإن أردتم أن يكونوا بحيث إذا فُسِّرت لهم الآية من كتاب الله تعالى تفسيرًا بلغتهم أو تُرجِم لهم الحديث فهموه، فالناس جميعًا هكذا.
_________________
(١) (ص ١٤).
[ ٤ / ٥٤ ]
ولكنه ينشأ من هنا المقامُ الثاني، وهو أنه لا يكفي فهم الآية من كتاب الله تعالى أو فهم الحديث في معرفة الحكم، وذلك أن حصول المعرفة المعتبرة متوقف على أمور كثيرة، مثالُه الحديث المختلَف في حسنه، الدالُّ على حكمٍ من الأحكام دلالةً مختلَفًا فيها، المعارَضُ بحديثٍ آخر معارضةً مختلَفًا في الترجيح فيها، مع إمكان أن يكون [في الكتاب أو السنة] (^١) [ص ٥٧] ما يخالفه بنسخٍ أو تخصيصٍ أو تقييد أو تأويلٍ أو غير ذلك.
فالمجتهد مُلزَمٌ بالنظر في أمورٍ:
منها: النظر في وجوب العمل بخبر الآحاد، ويحتاج في هذا إلى اجتهاد مستقل.
ثم النظر في رُواته واحدًا واحدًا، ويحتاج في هذا إلى اجتهاد آخر.
ثم النظر إلى دلالته، ويحتاج فيها إلى اجتهاد ثالث بالنظر في علوم اللسان لمعرفة كيفية الدلالة وكونها معتبرة.
ثم إلى اجتهاد رابع بالنظر في الكتاب والسنة، هل تلك الدلالة معتبرة شرعًا أم لا؟
ثم إلى اجتهاد خامس بمراجعة الكتاب والسنة، هل فيهما ما يخالف ذلك من ناسخ أو مخصص أو غيره مما مرّ.
ثم يحتاج إلى اجتهاد سادس، وهو النظر في الترجيح عند وجود المعارض.
_________________
(١) تآكل في طرف الورقة أتى على عدّة كلمات، ولعلها ما أثبت.
[ ٤ / ٥٥ ]
وقد يعرض في الحكم الواحد أبحاث أكثر من هذه، كلٌّ منها يستدعي اجتهادًا خاصًّا.
ولنفرضْ أن قاصرًا سألَ مجتهدًا عن الماء الذي وقعت فيه نجاسة، فإن المجتهد يحتاج إلى النظر في عدة أدلة من الكتاب والسنة، منها قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، وقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]، ومن السنة كحديث "الصحيحين" (^١): "لا يبولنَّ أحدكم في الماء الراكد الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه". وفي روايةٍ لمسلم (^٢): "لا يغتسِلْ أحدكم في الماء الدائم وهو جُنُبٌ" قالوا: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولًا.
وحديث "السنن" (^٣) عن ابن عمر قال: سُئل رسول الله ﵌ عن الماء يكون في الفلاة من الأرض وما ينوبه من الدوابّ والسباع، فقال: "إذا كان الماء قُلَّتينِ لم يحمل الخبث". وفي روايةٍ لأبي داود (^٤): "فإنه لا ينجس".
وحديث "السنن" (^٥) أيضًا عن أبي سعيد الخدري قال: قيل: يا رسولَ
_________________
(١) البخاري (٢٣٩) ومسلم (٢٨٢) من حديث أبي هريرة.
(٢) رقم (٢٨٣) من حديث أبي هريرة أيضًا.
(٣) أخرجه أبو داود (٦٣، ٦٤) والترمذي (٦٧) والنسائي (١/ ٤٦) وغيرهم.
(٤) رقم (٦٥).
(٥) أخرجه أبو داود (٦٦) والترمذي (٦٦) والنسائي (١/ ١٧٤). وقال الترمذي: حديث حسن.
[ ٤ / ٥٦ ]
الله! أنتوضأُ من بئر بُضاعة؟ وهي بئرٌ يُلقَى فيه الحِيَض ولحوم الكلاب والنتن، [ص ٥٨] فقال رسول ﵌: "إن الماء طهورٌ لا يُنجِّسُه شيء".
وحديث "السنن" (^١) عن كبشة بنت كعب بن مالك أن أبا قتادة دخلَ عليها، فسكَبَتْ له وَضوءًا، فجاءت هرَّة تشرب منه، فأصغَى لها الإناءَ حتى شربت. قالت كبشة: فرآني أنظر إليه فقال: أتعجبينَ يا ابنةَ أخي؟ قالت: فقلت: نعم، فقال: إن رسول الله ﵌ قال: "إنها ليست بنجسٍ، إنها من الطوَّافين عليكم والطوّافات". ونحوه عند أبي داود (^٢) من حديث عائشة.
وحديث ابن ماجه (^٣) عن أبي سعيد أن رسول الله ﵌ سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة تَرِدُها السباع والكلاب والحُمر، عن الطهر منها. فقال: "لها ما حملتْ في بطونها، ولنا ما غَبَرَ، طَهورٌ".
وحديث "الصحيحين" (^٤) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله
_________________
(١) أخرجه مالك في "الموطأ" (١/ ٢٢، ٢٣)، ومن طريقه أبو داود (٧٥) والترمذي (٩٢) والنسائي (١/ ٥٥) وابن ماجه (٣٦٧). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(٢) رقم (٧٦).
(٣) رقم (٥١٩). قال البوصيري في "الزوائد": في إسناده عبد الرحمن [بن زيد بن أسلم]، قال فيه الحاكم: روى عن أبيه أحاديث موضوعة. قال ابن الجوزي: أجمعوا على ضعفه. وأخرجه أيضًا الدارقطني (١/ ٣١) والبيهقي (١/ ٢٥٨).
(٤) البخاري (١٧٢) ومسلم (٢٧٩).
[ ٤ / ٥٧ ]
عليه وآله وسلم: "إذا شربَ الكلبُ في إناء أحدكم فليغسِلْه سبعَ مرات". وفي روايةٍ لمسلم (^١) قال: "طهور إناء أحدكم إذا وَلَغَ فيه الكلبُ أن يَغسِلَه سبعَ مراتٍ، أولاهن بالتراب" وغير ذلك.
أما الآية الأولى فيحتاج إلى مراجعة اللغة ليعرف معنى الطهارة، ثم مراجعة التصريف ليعرف صيغة "طَهور"، ثم مراجعة علم البلاغة لمعرفة إطلاق "فَعُول" الذي يقتضي المبالغة في الفعل على الماء الذي لا يمكن فيه ذلك، إذ معنى "فلانٌ شَرُوبٌ للَّبَن" أنه يُكثِر ما يشربُه مرةً بعد أخرى، فقياس لفظ "طَهور" أنه يَكثر ما يَطهُرُ مرةً بعد أخرى، وهذا المعنى غير ظاهر، فقال بعضهم: حيث لم يمكن حملُه على كثرة العدد في الفعل الذي هو الحقيقة تعيَّن حملُه على المجاز، وهو أن يُراد القوة في الفعل، بمعنى أن طهارته قويَّة، وذلك أنه طاهر في نفسه ويُطهِّر غيره، بخلاف سائر الأشياء. وقال آخرون: بل يُحمل على كثرة العدد في التطهير، أي أنه يُطهّر مرةً بعد أخرى. ويحتاج المجتهد هاهنا إلى القوة في هذه العلوم حتى يتمكن من الترجيح.
ثم بعد ذلك مراجعة الكتاب والسنة لمعرفة الطهارة في عُرف الشرع، ثم مراجعة كتب اللسان وأصول الفقه لينظر هل وَصْف الماء بالطهورية يقتضي أن لا ينجس بمجرد الملاقاة أو لا يقتضي. وبعد أن يقرر ذلك يحفظه، فينظر في الآية الثانية على نحو مما مضى، فإذا تقرر له فيها حكمٌ حفظه أيضًا. ثم ينظر في غير ذلك من الآيات التي يمكن أن يكون فيها دلالةٌ على المسألة، بأن ينظر في كل آية نظرًا خاصًّا على نحو ما تقدم، ثم يحفظ ما تقرَّر
_________________
(١) رقم (٢٧٩/ ٩١).
[ ٤ / ٥٨ ]
له منها.
[ص ٥٩] ثم ينظر في الحديث الأول على نحو ما تقدم، حتى يُقرِّر هل فيه دلالةٌ على أن الماء ينجس أو لا؟ وما تقرَّر له في ذلك حفِظَه. ثم يَعمِدُ إلى حديث القلَّتين، فينظر أولًا في إسناده، فإن ظهر له أنه صالح للاحتجاج به نظر فيه على نحوٍ مما تقدم. ونظر في الآثار تحديدَ القلتين، ونظر هل فيه دلالة على أن ما دونهما يتنجس بمجرد الملاقاة أو لا؟ وما تقرر له في ذلك حفظه. ثمَّ وجَّه نظره إلى حديث بئر بضاعة على نحو ما ذُكِر، وهل فيه دلالةٌ على أن الماء لا ينجس أو لا؟ وما تقرر له منه حفظه أيضًا. ثم في حديث أبي قتادة على نحو ذلك، وهل في قوله ﵌: "إنها ليست بنجس" دلالةٌ على أن الماء ينجس بمجرد الملاقاة أو لا؟ ثم في حديث أبي سعيد على المنوال المذكور، وهل في قوله ﵌: "لها ما حملتء في بطونها، ولنا ما غَبَرَ، طهور" دلالةٌ على أن الماء لا ينجس أو لا؟ ويحفظ ما تقرر له. ثم في حديث "الصحيحين": "إذا شرب الكلبُ " إلخ، وهل فيه دلالةٌ على أن الماء ينجس بمجرد الملاقاة أو لا؟ ويحفظ ما ظهر له. ثم ينظر في غير ذلك من الأحاديث التي يمكن أن يكون فيها دلالة على المسألة على السبيل المشروح.
وبعد استيفاء الأدلة جميعًا ينظر ما بين المحفوظات، فيعمل بمقتضى اجتهاده، فيخصِّص عامَّها بخاصِّها، ويحمل مطلَقها على مقيَّدها، ويجمع بين المتعارضين منها. فإن لم يمكن الجمع نظرَ هل ثَمَّ دليلٌ على كون أحدهما منسوخًا، فإن لم يجد ذلك رجع إلى الترجيح، حتى يتقرر له وجهٌ واحدٌ هو الحكم الذي يجوز لك العمل به.
[ ٤ / ٥٩ ]
فأنتم ترون هذه المسألة التي كل أحدٍ مضطرٌّ إلى معرفتها كيفَ تشعَّبتْ واستصعبتْ، حتى لو تصدَّى عارفٌ لبسط النظر فيها وشرح الأدلة لتحصَّل من ذلك مؤلَّف مستقل.
* قال المقلِّدون: إذا قُرِّر هذا، فما قولكم أيها المانعون في جواب المجتهد للسائل القاصر؟ هل يجب على المجتهد أن يجيب القاصرَ بجواب يُحصِّل له المعرفةَ التي حصَلتْ للمجتهد نفسه، حتى يتلو عليه القرآن من أوله إلى آخره، ويفسِّر له كلَّ آيةٍ أمكنَ أن تكون فيها أدنى دلالةٍ، ويسردُ له أحاديث السنة ويشرح له كلَّ ما أمكن أن يكون فيه أدنى دلالة، ويذكر له من كتب اللسان على نحو ما ذُكِر إلخ، أو لا يجب عليه ذلك؟ لا شكَّ أنكم لا تكلِّفون المجتهدَ ولا السائلَ هذه الشُّقَّةَ البعيدة التي أيسرُ منها تكليف القاصر أن يتعلَّم [ص ١٤٦] حتى يبلغ درجة الاجتهاد.
وإن قلتم: إنه لا يجب عليه إلَّا أن يتلو عليه إحدى الآيتين إن ترجَّح له مدلولُها، أو أحد الأحاديث إن ترجَّح له مدلوله، ويُفسِّر له معناه، فيكون السائل عاملًا بالآية أو بالحديث.
فنقول لكم: وهل يكفي في العمل بالكتاب والسنة هذا القدرُ؟ حتى لو عمدَ مجتهدٌ إلى آية أو حديث، فعمِلَ به بدون نظرٍ إلى ما يُوافقه أو ما يخالفه كفاه، ولو عمدَ قاصر إلى آيةٍ في كتاب الله تعالى فهمَ معناها أو حديثٍ كذلك جاز له أن يعمل به، بدون معرفة هل هو منسوخ أو لا، مخصَّصٌ أو لا، مقيَّدٌ أو لا، مؤوَّلٌ أو لا، والحديث حجةٌ أو لا إلخ، لا شك أنكم لا تجيزون ذلك، فنسألكم: ما هو الفرق بين الأمرين: العمل بعد سؤال
[ ٤ / ٦٠ ]
المجتهد حيث أخَّرتموه، والعمل بدون سؤاله حيث لم تُجيزوه؟ هل هو إلا إخبار المجتهد الذي يحصل به الظنُّ؟ هو هو ولا محالةَ، وعليه فذلك هو التقليد بعينه وإن أبيتم.
* قال المانعون:
أما المقام الأول فإننا نختار الشِّقّ الثاني، وهو أنهم أي عوامُّ اليوم يكونون بحيث إذا فُسِّرت لهم الآية من كتاب الله تعالى، أو تُرجم لهم الحديث بلغتهم، فهموا. على أنه قد تقدم في أول الرسالة أن تعلُّم العربية فرض عين على كل مسلم، ولكنه على كل حال أن العامي أو الأعجمي قبل تعلُّمه العربية محتاجٌ إلى التفسير بلغته.
وأما المقام الثاني وإن أطلتم بما لا طائل تحته، [ص ١٦١] فإنا وإياكم متفقون على أن الاجتهاد على المجتهد فرضُ عينٍ لقدرته عليه، وأنّ أخْذَ القاصر بقول المجتهد إنما هو للضرورة، لأنه لو كُلِّف الناس جميعًا بلوغَ رتبة الاجتهاد لضاعت المعايش والمصالح التي هي فروض كفاية، ولعظُمتِ المشقةُ، وعليه فإنه يسقط عن القاصرِ القدرُ الموجب للمشقَّة فقط. وليس من المشقَّة أن يسأل المجتهد عن حكم من الأحكام، فيُخبره المجتهد بالدليل، ويُفسِّره له، فيكون عاملًا بذلك الدليل بما فهمه منه.
[ص ١٦٢] وقولنا: إنه يسقط عن المستفتي البحثُ والمراجعة، ولا يجب على المفتي أن يُبيِّن له جميعَ ما يتعلق بالبحث مما لا يبلُغه فهمُه، أولى من قولكم: إن للعامي في هذه الأعصار استفتاءَ فقيه مقلِّدٍ، فيُخبره الفقيه بما فهمه من كلام متأخري فقهاء مذهبه، ولا يلزمه أن يشرح له جميع ما يتعلَّق
[ ٤ / ٦١ ]
بالبحث، فهذا الفقيه اجتهد في كلام متأخري فقهاء مذهبه، ومتأخرو فقهاء مذهبه إنما اجتهدوا في كلام مَن قبلَهم، والذين قبلَهم اجتهدوا في كلام من تقدمهم، وهكذا تسلسلت الاجتهادات حتى تصلَ الإمامَ المجتهد المطلق.
فإن قلتم: إن هذا العامي بالصفة المذكورة مقلِّدٌ لذلك المجتهد المطلق صاحب المذهب، فأولى منه أن نقول: إن العامي المستفتي للمجتهد عامل بالدليل، لا مقلِّد لذلك المجتهد، وإنما عَمِلَ بقوله في نفي المعارض، وهذه رواية ظنية على النفي، جاز العمل بها للضرورة، مع موافقتها للأصل الذي هو عدم المعارض.
وإن قلتم: إن العامي المستفتي للمقلِّد مقلِّد له، وهَلُمَّ جرًّا، فقد نسلِّم أن المستفتي للمجتهد قد يضطرُّ إلى نوع من التقليد للضرورة التي ذكرتموها، ولكن ما جاز للضرورة قُدِّر بقدرها، ولا يلزم من جواز الشيء للضرورة جوازه مطلقًا. وهذا بخلاف حال العامي المستفتي للفقيه المقلّد فإنه مقلّد له بلا ضرورة، لقدرته على سؤال المجتهدين وتحصيلِ علمٍ مقتبسٍ من الدليل. وكذلك المفتي في تقليده لمن قبله، والذين قبله في تقليدهم في بعض المسائل لمن قبلهم، وكذلك الذين قبلهم في تقليدهم لمن تقدمهم، وهكذا حتى يبلغ إلى الإمام.
ولا يستوي البحران، فإن مستفتي المجتهد لم يُقلّده في المسألة من أصلها، فإننا نوجب أن يتلو عليه الآية أو يُخبره بالحديث، فهو إنما عمِلَ بتلك الآية أو بذلك الحديث، وإنما قلَّده في عدم المعارض ونحو ذلك للضرورة، على فرض تسليم أن ذلك تقليد.
[ ٤ / ٦٢ ]