أولًا: لما فيه من تأخُّر البيان عن وقت الحاجة مع عموم التكليف، وهو ﷾ يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، و﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧].
وثانيًا: لقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، أي مما يحتاج إليه الناس في أمر الشريعة ويسألون عنه، بدليل قوله تعالى قبلها: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النحل: ٨٩]. فهذه الآية دلَّت على عدم الإهمال والإجمال. ومما بيَّنه القرآن وجوب طاعة الرسول واتباعه، فكمل واتضح البيان بالكتاب العزيز وبسنة محمد ﵌، ولذلك أنزل تعالى قُبيلَ وفاة رسوله - ﷺ -: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فدلت هذه الآية على الإكمال الذي هو عدم الإهمال والإجمال، وعلى إتمام النعمة الذي من جملته ذلك، وكلاهما متوقف على كون العمل بالظن بشرطه حجةً.
ومن أدلة العمل بالظن قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨]. إن اللفظ إذا احتمل معنيين، ولكنه ظاهر راجح في أحدهما، فلا شك أن الظاهر الراجح أحسن من الخفي المرجوح.
ومن الظني خبر الواحد، وقد دلَّ القرآن على قبوله، قال تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ
[ ٤ / ٣١ ]
آمَنُوا إِنْ (^١) جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، ومفهومه أن خبر العدل يُعمل به مطلقًا. وقد تواتر أن النبي ﵌ كان يُرسِل الآحادَ إلى الملوك والجهات والقبائل، ويكتفي بذلك في إقامة الحجة وتبليغ الأحكام. كما أجمع الصحابة على الاحتجاج باللفظ في المعنى الراجح منه.
والأدلة في هذا كثيرة، نعم ما خصَّصه الدليل فله حكمه، كاشتراط أربعة شهود على الزنا، وغير ذلك.
* * * *
_________________
(١) في الأصل: "إذا" سبق قلم.
[ ٤ / ٣٢ ]