من كتاب الله تعالى، أو روى له حديثًا عن رسوله - ﵌ - = فهم المراد منه غالبًا. وإلّا كأن كان أعرابيًّا بَحْتًا، وفي الآية أو الحديث ألفاظ خصَّها الشارع بمعانٍ شرعية، أو كان أعجميًّا لا يعرف [لغة] العرب، فإنه يستفسر المفتي عن معنى الآية أو الحديث، فيفسِّره له، إمّا بأن يخبره أن هذا اللفظ خصَّه الشارع لهذا المعنى، ويروي له في ذلك ما يدلُّ على ما قاله، وإما أن يخبره أن معناه في لغة العرب كذا بطريق الترجمة. والمفتي في جميع ذلك راوٍ لا غير.
ومن هذا يظهر لك أن عوامَّ ذلك القرن كانوا في حكم المجتهدين، إلّا أن الإنسان كان يعمل بما أُفتي به، أو أخبره غيره أنه أُفتي به مع رواية الدليل، بدون أن يكتب معه جميع كتاب الله تعالى ولا الكثير من السنة، ولا يعلم الناسخ والمنسوخ، فكان يكتفي أحدهم بإخبار العالم أن هذا الدليل لا يعلم له ناسخًا ولا معارضًا، ولا مخصِّصًا ولا مقيِّدًا، ولا يشترط أن يكون الخبر بذلك لفظًا، بل يكفي فيه عدم ذكر المفتي لشيء من ذلك. وحينئذٍ فهل يقال: إن المستفتي بالنسبة إلى هذه الأمور مقلِّد أُبيح له التقليد للضرورة أو لا؟ الظاهر الثاني، ويكون قول المجتهد له ذلك بمنزلة بحثه ومراجعته، فإن ذلك أقصى جهده، ولكنه لا يجوز له الاستناد إلى مجرد قول آخر في دليل: إنه لا يعلم، بل يجب عليه البحث لقدرته.
بل كان أحدهم إذا بلغه ولو بغير إفتاءٍ دليلٌ يدلُّ على حكم لم يتوقف عن العمل به، ولا يخلو أن يجيبه العالم بدليل يمكن أن يفهمه أو لا، وعلى الأول فإن قال له العالم: ولا أعلم ما يخالف هذا الدليل= فقد مرَّ حكمه، وإلّا فكما لو بلغه الدليل من غير مفتٍ، وقد مرَّ حكمه أيضًا. وعلى الثاني
[ ٤ / ٣٦ ]
فإنه يجزئه قول العالم: هذه الأدلة تفيد هذا الحكم، ولا أعلم ما يخالف ذلك. وهل قبول العاميّ لذلك تقليد أُبيح للضروة أو لا؟ الظاهر الثاني، ويكون قول العالم "هذه الأدلة تفيد هذا الحكم" كافيًا في حقّه، لأنه في معنى الرواية بالمعنى. وقوله: "ولا أعلم ما يخالف ذلك" بعد البحث بمنزلة بحثه ومراجعته، لأن ذلك جهد استطاعته.
والحاصل أن العالم في تلك العصور كان يعمل ويقضي ويفتي ويروي ما بلغه ما لم يطلع على ما يخالفه، وكذلك العامي، والعالم كان يجتهد له ولغيره، بأن يراجع مظانّ الأدلة في صدور الرجال أو الكتب، ويدقّق النظر، فإن وجد دليلًا ظاهرًا لا يعلم له مخالفًا قال به، وإلّا اجتهد، بمثابة وجود العالم له. وكذلك العامي، فإن سؤاله للعالم عن حكم قضية لنفسه أو لغيره هو كمراجعة العالم للماهر، وذكْرِ العالم له الدليلَ الذي لا يعلم له مخالفًا. والعالم يراجع علماء اللغة فيما خفي عليه، فكذلك العامي في استفهامه للعالم. وكما قيل في العالم عند التعارض وعدم الترجيح قيل في العامي عند تعارض المفتين، وكما أن العالم إذا لم يؤدِّه اجتهاده إلى ترجيح شيء توقّف، فعلى نحو ذلك العامي.
وقد كان هذا يقع من الصحابة في حياته - ﵌ - ومع القرب منه، ولم ينكره ولا قال: إذا فهمتم فهمًا في كتاب الله تعالى أو بلغكم عني حديث فلا تعملوا به حتى تراجعوني، بل قد بقي بعضهم يعمل بما نُسِخ بقيةَ حياة النبي - ﵌ - وبعد وفاته، حتى بلغه الناسخ بعد ذلك، وربما مات قبل أن يبلغه.
ثم كان صغار التابعين مع كبارهم على هذا النحو، يجيء العامي فيسأل من لقيه من العلماء عن مسألة، فيتلو عليه الآية أو يروي له الحديث ويُفهِمه
[ ٤ / ٣٧ ]
معناه إن لم يفهمه، فيذهب فيعمل به، ويرويه لغيره فيعمل به ذلك الغير بدون توقف، وهكذا. مع أن العوامّ حٍ (^١) قد ضعُفتْ عربيتهم، بل الكثير منهم من الموالي الأعاجم، فقد صاروا قريبًا من عامة زماننا في انتفاء جميع شروط الاجتهاد.
ثم تابِعو التابعين ثم تابعوهم على هذا المنوال، فكان العامي يجيء إلى العالم كأحد الأئمة الأربعة، فيسأله عن مسألة، فيذكر له آية أو يروي له حديثًا بما يدل على الحكم في مسألته، ولا يزيده على ذلك، فيذهب السائل فيعمل بذلك ويرويه لغيره، وهكذا على نحو ما مرَّ.
وفصل الخطاب فيما ذُكر أن أهل تلك القرون على قسمين: عامي وعالم، والنوازل قسمان: متعلق بالنفس ومتعلق بالغير، والأحكام على وجهين: ما وُجد فيه دليل ظاهر وغيره. فالصور ثماني:
(١ - ٢) عالم ونازلة تتعلق به، ووجد لها دليلًا ظاهرًا، أو لا.
(٣ - ٤) أو تتعلق بغيره، ووجد لها دليلًا ظاهرًا، أو لا.
(٥ - ٦) عامي ونازلة تتعلق به، ووجد لها دليلًا ظاهرًا، أو لا.
(٧ - ٨) أو تتعلق بغيره، ووجد لها دليلًا ظاهرًا، أو لا.
فالأولى حكمها ظاهر، بأن يعمل بما دل عليه الأصل.
وكذلك الثالثة، فيقضي بمقتضى ذلك الدليل أو يذكره للمستفتي، ويُفهِمه إن احتاج، فيعمل به.
_________________
(١) أي: حينئذ.
[ ٤ / ٣٨ ]
وقريب من هذا الخامسة والسابعة. كان العامي في تلك العصور يعمل بما يبين له فهمه من الأدلة بدون توقف، ويرويه لغيره فيعمل به ذلك الغير بدون توقف.
وأما الصورة الثانية فكان النبي - ﵌ - على ما سبق من التفصيل إن رأى مجالًا للاجتهاد اجتهد، وإلَّا انتظر الوحي، لأن الأدلة لم تكن قد أكملت. وأما أصحابه القريبون منه فيردُّون الأمر إليه، فيخبرهم أو يجتهد لهم أو ينتظر الوحي. وأما غيرهم فإن كانت النازلة تستدعي بيان الحكم حالًا تعين الاجتهاد، وإلّا فلا. وذلك لمن كان من الصحابة بعيدًا عن النبي - ﵌ - أو بعد وفاته، أو من علماء التابعين، وهكذا. فإن أداه اجتهاده إلى شيء فيها وإلَّا توقَّف.
وأما الصورة الرابعة فقد مضى بيانها في حق النبي - ﵌ -، وأما أصحابه فمن كان قريبًا منه - ﵌ - أحال الأمر إليه، وأما غيرهم فإما أن لا يوجد في الجهة عالم غيره أو يوجد، وعلى كلٍّ إما أن تكون تلك النازلة تحتاج إلى البيان حالًا أو لا، فإن لم يوجد في الجهة غيره كمعاذ حين بعثه إلى اليمن وكانت النازلة تحتاج إلى البيان حالًا تعيَّن الاجتهاد، وإلّا فلا، بل هو جائز، ومن اجتهد فلم يظهر له شيء توقَّف.
وأما السادسة فإن كانت النازلة تستدعي بيان حكمها حالًا تعيَّن عليه استفتاء عالمٍ، وإلَّا فلا.
وأما الثامنة فلا يلزمه شيء مطلقًا، غير أنه لا يمتنع أن يستفتي عالمًا ثم يروي لصاحبه.
[ ٤ / ٣٩ ]