وقبل الشروع في الجواب نُبيِّن حقيقة الظن، فنقول: لا يخفى أن حكم الذهن ينقسم إلى جازمٍ وغيره، فالجازم هو العلم والاعتقاد، وغيرُ الجازم إما أن يترجح أحد الطرفين: فالراجح الظنُّ، والمرجوح الوهمُ، وإما أن يتساويا وهو الشكُّ.
وقد يُطلق العلم على الظن مجازًا، والعلاقةُ المجاوَرةُ في الذهن، كما يُطلق الظنُّ على العلم، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]، وعلى الشكّ، وعلى الوهم.
[ص ١٣] ثم اعلم أن الظنّ الذي يُعتبر حجةً شرعيةً هو حكم الذهن الراجح، وله شروط:
منها: أن لا يعارضه دليلٌ آخر يُبطِله أو يُضعِفه، إذا كان هذا المعارض ظاهرًا في نفسه، بحيث يُعَدُّ الشخصُ مقصِّرًا في عدم التنبُّه له والبحث عنه.
ومنها: أن يكون عن دليل. فلو فُرِض أن شخصًا وقعَ في ذهنه ترجيحُ حكم من غير أن يستند إلى دليلٍ لم يكن حجةً، وشرطُ الدليل أن يكون مما يُحصِّل مثلُه الظنَّ، فلو وقع في ذهن أحدٍ ترجيحُ حكمٍ لحديث ضعيف لم يكن حجةً. ومن الدليل الضعيف: التقليد، قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨].
قيل: ومنها
_________________
(١) أي الشروط : أن يكون في غير أصول الدين، فلا يكفي فيها إلّا القطعُ. إلى غير ذلك. إذا تقرر هذا فالجواب عن الآيات السابقة بطريقين: إجمالي وتفصيلي. أما الإجمالي فنقول: إن (الظنّ) قد يُستعمل لمجرد الوهم، كما في
[ ٤ / ٢٥ ]
قوله تعالى في الحجرات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [١٢]، وفي الحديث: "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث" (^١). وعليه فتلك الظنون التي نعاها الله تعالى جلُّها أو كلُّها مجردُ أوهامٍ ضعيفة يبعدُ أن تكون راجحةً في ذهنِ عاقلٍ، ولذلك فسَّرها الله تعالى في الآية الأولى والثانية والرابعة بالخرص، والخرص يُطلق على الكذب وعلى الحَزْر والتخمين. وقال في الآية السادسة: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣]، فعطْفُ الهوى على الظنّ يدلُّ أن المراد به مجرد وهمٍ وخيالٍ وسوسَ لهم به الشيطانُ، وقلَّدوا آباءهم فيه، وشقَّ عليهم مخالفةُ آبائهم، وتكبَّروا عن الرجوع إلى الحق بعد أن كذَّبوه، إلى غير ذلك. ويُبيِّنه قوله بعد ذلك: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾، وذلك أن الذي جاءهم من ربهم هو بيان الحجج القواطع والبراهين الجلية التي تُبطِل ذلك الظنَّ، وقد بُيِّنتْ لهم أوضحَ بيانٍ حتى فهموها وعرفوها، فلم يبقَ مجالٌ لأن تكون أذهانُهم مرجِّحةً لما يخالفها، إذ لا يتصور أن يجتمع العلم والظنّ بشيء واحد في ذهن واحد باعتبارٍ واحد، فتعيَّن أن يكون المراد بالظنّ في الآية مجردَ الوهم الفاسد.
ونحو هذا يقال في بقية الآيات، فإن الكون مشحونٌ بالأدلة والبراهين من آيات الآفاق والأنفس، ومن بيان الرسل والكتب، فإن فُرِض أن بعض الأشخاص قصَّر عن البحث والتنبُّهِ لتلك البراهين ولم ينبَّه عليها، فإن الظنّ حينئذٍ يكون على بابه، لأنه يصدُق عليه بالنظر إلى ذلك الشخص أنه حكمُ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٠٦٤) ومسلم (٢٥٦٣) من حديث أبي هريرة.
[ ٤ / ٢٦ ]