تعالى وسنة رسوله، واختيار ما ظهر لهم رجحانُه.
وبهذا تبيَّن أوضحَ البيان أن باب العمل بالدليل مفتوح بالاتفاق، أما على القول بوجود المجتهدين اليوم فواضح، وأما على القول بانقطاع الاجتهاد فالأدلة الشرعية محفوظة، وأقوال المجتهدين مدوَّنة، ولا مانعَ من تقليد أيّ مجتهدٍ كان، فلا أقلّ من ترجُّح من يوافق قوله الدليل، ولا أقلّ من أن يكون مدَّعي الاجتهاد اليوم أهلًا للترجيح، مع أنه لو فُرِض أنه ليس مجتهدًا وأنه أخطأ في الترجيح، فليس في ذلك محذور، لأن القائلين بالتقليد يجيزون التقليد ابتداءً، فلأن يجوز بعد بذل الوسع في طلب المرجِّح الشرعي أولى وأحرى. وبهذا يَسْلَم القاصر من محاربة الله ورسوله باتخاذ القرآن مهجورًا والزيغ عن اتباع الرسول ﵌، والله ﷾ يقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. وفي الحديث الصحيح: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئتُ به" (^١). ويَسْلَم من الجهل بالدليل الشرعي في عمله، ويَسْلَم من سوء الأدب مع بعض الأئمة المجتهدين بتنقُّصِهم والتعصُّب عليهم والترجيح عليهم بدون مرجِّح معتبر، ويَسْلَم من عناد علماء عصره القائمين بعلوم الكتاب والسنة وغير ذلك، وحَسْبُه أنه موافق للشرع بيقين.
فهذه الميزان، لا "ميزان" الشعراني ﵀، فإنه بناها على أن كل فردٍ من أفراد المجتهدين في المسائل الخلافية مصيبٌ باعتبارٍ مخطئ باعتبارٍ، أما إصابته ففي نسبته الحكمَ الذي قال به إلى الشريعة، وأما خطأه ففي زعمه
_________________
(١) سبق تخريجه (ص ٩٠).
[ ٤ / ١٣٨ ]
إطلاقَ الشريعة ذلك الحكم. مثاله: الماء المستعمل، قال أبو ثور وداود وأصحابه: إنه طاهر مطهِّر غير مكروهٍ استعمالُه، وقال مالك وأصحابه: طاهر مطهِّر مكروهٌ استعمالُه، وقال الشافعي: طاهر غير مطهِّر، وقال أبو يوسف: إنه نجس. كذا في "بداية المجتهد" (^١). فالشعراني ﵀ يقول (^٢):
الأول مخفف، وهو محمول على أن يكون المستعمل نبيًّا أو وليًّا، فيبقى الماء على أصله، لا يتقاطر فيه شيء من الذنوب.
والثاني أشدُّ منه قليلًا، وهو محمولٌ على ما إذا كان المستعمل مستورًا ومريدُ التطهير غير مُكَاشَف، فهو شاكٌّ هل تقاطَرَ فيه شيء من الخطايا أو لا؟ ولما كان الظاهر التقاطر كُرِه له التطهُّر به، وكذا إذا كان مكاشفًا، ووجد أن الماء لم يتقاطر فيه إلّا شيء من المكروهات ونحوها.
والثالث أشدّ، وهو محمول على ما إذا كان المستعملُ مسرِفًا على نفسه ومريد التطهير غير مكاشف، فإنه حينئذ يتأكَّد عنده أنه تقاطر في الإناء شيء من المعاصي، ولكنه لما لم يكن مشاهدًا لها لم يُحكَم في حقه بنجاسة الماء، غير أنه غير مطهِّر. وكذا إذا كان مريد التطهير مكاشفًا، وشاهد الماء، فإذا هو لم يتقاطر فيه إلّا شيء من الصغائر.
والرابع أشدُّ من الجميع، وهو خاصٌّ بما إذا كان مريد التطهير مكاشفًا، وشاهد الماء قد تقاطر فيه شيء من الكبائر.
هذا قضية كلام الشعراني ﵀ أو نحوه، وحاصل ما ذكر أن الحكم
_________________
(١) (١/ ٣٠).
(٢) انظر "الميزان الكبرى" (١/ ١٠٨).
[ ٤ / ١٣٩ ]
الشرعي في الماء المستعمل أنه يختلف باختلاف الأحوال، ففي الحال الأول طاهر ومطهِّر غير مكروه، وفي الثاني مكروه، وفي الثالث غير طهور، وفي الرابع نجس. وحينئذ فأبو ثور وداود وأصحابه وإن أصابوا في قولهم بالنسبة إلى ما حمل عليه قولهم، فإنهم أخطأوا في إطلاق ذلك وتعميمه، وذلك أنهم رأوا بعض الأدلة تدل على أن شيئًا من المستعمل طاهر طهور غير مكروه، فقالوا به وعمَّموه في جميع الأحوال، والحال أنه واقع فيما إذا كان المستعمل نبيًا أو وليًّا فقط. وعلى هذا فقِسْ.
والحاصل أن قضية ميزانه أنهم جميعهم على خطأ، لم يصيبوا الحكم الشرعي، وإن أخذ كلٌّ منهم بطرفٍ منه. وهكذا عمَّم ميزانه في جميع مسائل الخلاف، فإذا جميع أئمة الصحابة والتابعين وتابعيهم والأئمة المجتهدين الأربعة وغيرهم كلهم عنده كما ترى مخطئون.
وهذا ضدُّ ما قاله قوم: إن كل مجتهد مصيب، وإن الحق متعدد. وكلاهما باطل، وقوله ﵀: أظهر بطلانًا لاقتضائه إجماعَ الأئمة على الخطأ في جميع مسائل الخلاف ما عداه.
فإن قيل: إنه أراد بميزانه دفعَ ما يُوهمه الاختلاف من تناقض الأدلة الشرعية.
فالجواب: أن هذا مندفعٌ بما هو معلوم أن المجتهدين غيرُ معصومين عن الخطأ في الاجتهاد، فقد يجهل أحدهم الدليل، وقد ينساه، وقد يَعزُب عنه، وقد تَعزُب عنه دلالته، إلى غير ذلك. فلا جَرمَ كانوا معرَّضين للخطأ، وهذا يقتضي أن يكونوا في المسائل الخلافية على قسمين: مصيب فحسبُ،
[ ٤ / ١٤٠ ]