لباب العاشر: في البشائر الإلهيّة بالعزّة المحمّديّة
في البشائر الإلهية بالعزّة المحمّدية:
وتشتمل على قسمين: نذكر في القسم الأوّل: ما نصت عليه الأنبياء من لدن إبراهيم إلى المسيح - ﵈ - مما يشهد بنبوة محمّد رسول الله ﷺ ويحقّق رسالته وأنه ﵇ أفضل النّبيّين والمرسلين. فلو لم يبعث محمّد ﷺ لاختلفت أقوال الأنبياء ورُدَّت شهاداتهم وعكَّر ذلك على نبواتهم بالإبطال. وقد بالغوا - ﵈ - في التنصيص على اسمه ونعته وحليته وذكر أرضه وبلده وجميل سيرته وصلاح أمته / (٢/٩٩/ب) وسعادة ملته وأنه من ولد إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن. وأن دعوته تدوم إلى قيام القيامة.
والقسم الثاني: ر فيه ما جاء من الآيات البيّنات والخوارق الباهرات مما تضمّنه الكتاب العزيز واشتملت عليه السنة الطاهرة فأوجب الله به الحجة وأنار المحجة وأقام منار الأبرار ومحى بذلك آثار الكفار. ولتقع البداءة بما في التوراة من ذلك١.
- البشرى الأولى:
قالت التوراة في الفصل العاشر من السفر الأوّل منها: "إن الله تعالى قال لإبراهيم: إن في هذا العام يولد لك ولد اسمه إسحاق. فقال إبراهيم: ليت٢
_________________
(١) ١ لقد حرصت على تتبع مواطن ذكر هذه البشارات في كتب الأديان التي ألّفها العلماء المسلمون. وخاصة العلماء الذين كانوا من أهل الكتاب وهداهم الله إلى الإسلام ذلك لتمكنهم من لغة التوراة والإنجيل ومعرفتهم الجيدة بمعانيها. فاستشهادهم بهذه البشارات يعتبر حجة على من يعتقدون قدسية تلك الكتب. ٢ في م: كيت.
[ ٢ / ٦٥١ ]
إسماعيل هذا يحيى بين يديك يمجدك. فقال الله تعالى: قد استجبت لك في إسماعيل وإني أباركه وأُيَمِّنه وأعظمه جدًّا جِدًّا بما قد استجبت فيه وأُصيِّره لأمة كبيرة وأعطيه شعبًا جليلًا وسيلد اثني عشر عظيمًا"١.
قلت: قد علم الموالف والمخالف والموافق والمفارق أنه لم يكن في ذرية إسماعيل مَنْ ظهرت بركته / (٢/١٠٠/أ) ونمت أمته وأعطي الشعب الجليل سوى محمّد رسول الله ﷺ. فلقد ملئوا الأرض برحبها٢ وطبقوا من شرق الدنيا إلى غربها. ودوخوا الآفاق وأربوا في العدد على أولاد إسحاق. وهم - والحمد لله - لا يزدادون على مرّ الأيام إلاّ نماءً وكثرةً. وهذا بالغ في شرف إسماعيل إذ فخر الولد يكسب الوالد فخرًا ويرفعه دنيا وأخرى. وناهيك بمن يصفه الله بالعظم والبركة واليمن والجلاله وبأقل من هذه الوعود يثبت الفضل على سائر المخلوقات؛ إذ اليسير من الله عظيم والعظيم منه فلا شيء أعظم منه.
_________________
(١) ١ تكوين ١٧/١٥-٢٠. وقد وردت هذه البشارة في المراجع الآتية: (الدين والدولة ص ١٣١، للمهتدي إلى الإسلام علي بن ربن الطبري. إفحام اليهود ص ١١٥-١١٦، للمهتدي السموأل المغربي. الجواب الصحيح ٣/٣٣١، لابن تيمية، أعلام النبوة ص ١٩٨، للماوردي. هداية الحيارى ص ١١٥، لابن القيم، الأجوبة الفاخرة ص ١٦٣، للقرافي، الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأهوام ص ٢٦٥، للقرطبي، مقامع هامات الصلبان ص ٢١٧، لأبي عبيدة الخزرجي، إظهار الحقّ ص ٥١٧، لرحمة الله الهندي، ومحمّد رسول الله هكذا بشرت به الأناجيل ص ٦٤، للمهتدي بشرى زخارى ميخائيل، محمّد ﷺ في التوراة والإنجيل والقرآن ص ٣٦، للمهتدي إبراهيم خليل أحمد) . وقد ذكر السموأل - الذي كان من أحبار اليهود فأسلم - النّصّ العبري للنّصّ السابق ١٧/١٩ كالآتي: "وليشماعيل شمعيتَخَا هَنِّي يبرخْتى أونوا وهفريثي أوثو وهِزْ بيثي أوثو بماد ماد". ثم قال السموأل: فهذه الكلمة (بماد ماد) إذا عددنا حساب حروفها بالجمل كان اثنين وتسعين. وذلك عدد حساب حروف اسم (محمّد) ﷺ. فإنه أيضًا اثنان وتسعون ١٠هـ. وتوضيح كلامه كالآتي: ب=٢+م=٤٠+أ=١+د =٤=٤٧، عدد كلمة (بماد) م=٤٠+أ= أ=١+د=٤=٤٥ عدد كلمة (ماد) . ومجموع تلك الحروف:٤٧-٤٥=٩٢. وهو عدد حروف اسم (محمّد) م=٤٠+ح=٨+م=٤٠+د=٤، المجموع: =٩٢، وقد نقله القرطبي في الإعلام ص ٢٦٥، ٢٦٦. وذكره أيضًا عبد السلام - الذي كان من أحبار اليهود فأسلم - في كتابه: (الرسالة الهادية) . (ر: إظهار الحقّ ص ٥١٨) . ٢ في م: (بر حربا) .
[ ٢ / ٦٥٢ ]
- البشرى الثّانية:
قالت التوراة في الفصل التّاسع من السفر الأوّل: "إن الملك ظهر لهاجر وقد فارقت ساره. فقال يا هاجر مِن أين أقبلت؟ وإلى أين تريدين؟ فلما شرحت له الحال قال: ارجعي فإني سأكثر ذريّتك وزرعك حتى لا يحصون وها أنت تحبلين وتلدين ابنًا تسمينه إسماعيل، لأن الله قد سمع تذللك١ وخضوعك. / (٢/١٠٠/ب) وولدك يكون وحشي الناس٢. وتكون يده فوق الجميع ويد الكل به. ويكون مسكنه على تخوم جميع إخوته"٣.
فهذه بشارة شافه الله تعالى بها هاجر على لسان ملكه وأخبرها أنه جاعل يد ابنها العليا ويد من سواه السفلى. ولم تتم هذه البشرى إلاّ بمبعث محمّد ﷺ.
_________________
(١) ١ في م: نداءك. ٢ وردت العبارة في الدين والدولة ص ١٣١، كالآتي: "وهو يكون عَيْر الناس". ويبيّن لنا المهتدي عبد الأحد داود أن العبارة محرفة وتصحيحها كالآتي: "وسوف يصبح إسماعيل ذا ذرية كثيرة". ويقول: لقد قام المسيحيون بترجمة نفس هذه الكلمة التي تعني: (وفير أو كثير) من الفعل: (PARA) الذي يرادفه بالعبرية لفظ: (وفير) ترجموها إلى معنى مغاير لحقيقة اللفظ ألا وهو: (الحمار الوحشي؟!) أليس من العار والكفر أن ينعت إسماعيل بالحمار المتوحش وهو النبي الذي كرمه الله فنعته (بصاحب الذرية الخصية الكثيرة العدد؟!! ". ٣ تكوين ١٦/٧-١٢. (ر: هذه البشارة في الدين والدولة ص ١٣١، وأعلام النبوة ص ١٩٧، للماوردي، تحفة الأريب في الرّدّ على أهل الصليب ص ٢٥٨، للمهتدي عبد الله الترجمان، الجواب الصحيح ٣/٣٠٥، وهداية الحيارى ص ١١٤، الأجوبة الفاخرة ص ١٦٤، مقامع هامات ص ٢١٧، ص ٢٦٦، محمّد ﷺ في الكتاب المقدس ص٦٠، ٦١، للمهتدي البروفسور عبد الأحد داود، محمّد رسول الله ﷺ ٦٤) .
[ ٢ / ٦٥٣ ]
- البشرى الثّالثة١:
قالت التوراة في الفصل الثالث عشر من السفر الأوّل أيضًا: "قال الله لإبراهيم: إني جاعل ابنك إسماعيل لأمة عظيمة لأنه من زرعك"٢.
- البشرى الرّابعة:
قالت التوراة في الفصل العشرين من السفر الخامس: "قال موسى: أقبل الله من سينا٣.وتجلى من ساعير. وظهر من جبال فاران. معه ربوات الأطهار عن يمينه"٤.
_________________
(١) ١ في م: الثالث. ٢ تكوين ٢١/١٢، ١٣، كالآتي: "قال الله لإبراهيم لأنه بإسحاق يدعى لك نسل وابن الجارية أيضًا سأجعله أمة لأنه نسلك". المراد بابن الجارية هو إسماعيل ﵇. وهذا من تحريف أهل الكتاب لتوراتهم. وتثبيت نظرة الحقد الاحتقار إلى ذرية إسماعيل ﵇ واعتبارهم أبناء الجارية. ويؤكد لك ما ورد في رسالة بولس إلى غلاطية ٤/٢١-٣١، وفيه: "كن ماذا يقول الكتاب اطرد الجارية وابنها لأنه لا يرث ابن الجارية مع ابن الحرة. إذًا أيّها الإخوة لسنا أولاد جارية بل أولاد الحرة". اهـ. (ر: البشارة في الدين والدولة ص ١٣٢، والجواب الصحيح ٣/٣١١، وهداية الحيارى ص ١١٤، الأجوبة الفاخرة ص ١٦٥، محمّد رسول الله ﷺ ٦٤) . ٣ في م: الواو ساقطة. ٤ تثنية ٣٣/١-٣. وقد تكرر معنى هذه البشارة في سفر حقبوق ٣/٣ كالآتي: "الله جاء من تيمان والقدوس من جبال فاران، سلاه. جلاله غطى السماوات والأرض أمتلات من تسبيحه وكان لمعان كالنور". وقد وردت البشارة في الدين والدولة ص ١٣٨، الإعلام بمناقب الإسلام ص ٢٠٣، للعامري، أعلام النبوة ص ١٩٩، الفصل في الملل والنحل ٨/١٩٤، لابن حزم، الجواب الصحيح ٣/٢١٢، وهداية الحيارى ص ١١٢، الأجوبة الفاخرة ص ١٦٥، إفحام اليهود ص ١١٨، الإعلام ص ٢٦٤، تحفة الأريب ص ٢٦٥، مقامع هامات ص ٢١٦، إظهار الحق ص ٥١٧، محمّد رسول الله ﷺ ٦٣، النصيحة الإيمانية في فضيحة الملة النصرانية ص ٣٤٦، للمهتدي نصر بن يحيى المتطبب، محمّد ﷺ ص ٣٢،عبد الأحد، محمّد رسول الله ص٦٣، محمّد ﷺ ص ٦٥-٦٧، إبراهيم خليل) .
[ ٢ / ٦٥٤ ]
فسيناء١ الجبل الذي كلم الله فيه موسى. وساعير٢ هو جبل الخليل بالشام. وكان المسيح يتعبد فيه ويناجي ربّه. وفاران٣ جبل بني هاشم الذي كان رسول الله ﷺ يتحنث فيه ويتعبد٤. وقد خصت التوراة محمّد ﷺ / (٢/١٠١/أ) بزيادة على موسى وعيسى، فقالت: "معه ربوات الأطهار عن يمينه". وذلك كناية عن أصحاب رسول الله ﷺ يعني بالربوات: الجماعات من الأكابر والمعظمين في الدين على مذهب تسمية العظيم القدر "ربًا". فجمعوا الرّبّ ربوات ولم يقولوا (أربابًا) لفساد التعبير وسوء الترجمة. كما قال فولس مفسرهم: "إن جبل فاران متّصل ببلاد أرابيا"٥. يريد بلاد العرب.
_________________
(١) ١ سيناء: أو حوريب اسم جبل واقع في شبه جزيرة سيناء جنوبًا. وهناك رأيان في موقعه: أحدهما أنه جبل سربال في واد فيران. والآخر: أنه جبل موسى. (ر: قاموس ص ٤٩٨، الموسوعة الميسرة ص ١٠٥٧) . ٢ ساعير: جبال ممتدة في الجهة الشرقية من وادي عربة من البحر الميت إلى خليج العقبة سميت كذلك نسبة إلى سعير الحوري. ويطلق على جبل في أرض يهوذا. بين قرية يعاريم وبيت شمس. (ر: قاموس ص ٤٦٦، دائرة المعارف ٩/٦٢٣، للبستاني) . ٣ فاران: كلمة عبرانية معربة. من أسماء مكة أو جبال الحجاز. وقيل: إن (فاران) اسم أحد العمالقة السبعة الذين اقتسموا الأرض. فجعلوا الفاران الحجاز. (ر: معجم البلدان٤/٢٢٥،ياقوت الحموي، النصيحة الإيمانية ص٣٤٦،تحفة الأريب ص٢٦٥) . قال شيخ الإسلام في تعليقه على البشارة السابقة: "وعلى هذا فيكون ذكر الجبال الثلاثة حقًا. جبل حراء الذي ليس حول مكة، جبل أعلى منه، ومنه كان نزول أوّل الوحي على النبيّ ﷺ. وحوله من الجبال جبال كثيرة حتى قد قيل: إن بمكة اثني عشر ألف جبل. وذلك المكان يسمى فاران إلى هذا اليوم والبرية التي بين مكة وطور سيناء تسمى (برية فاران) . ولا يمكن أحد أن يدّعي أنه - بعد المسيح - نزل كتاب في شيء من تلك الأرض ولا بعث نبي". (ر: الجواب ٣/٣٠١. ٤ ذكر هذه النبوات الثلاثة في هذه البشارة نظير ذكرها في أوّل سورة: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الأمِينِ﴾ . (ر: للتوسع في ذلك هداية الحيارى ص ١١٣، ١١٤) . ٥ لم أقف في رسائل بولس على ما نقله المؤلِّف. ولكن ورد في رسالة بولس إلى غلاطية ٤/٢٥، النّصّ الآتي: "لأن هاجر جبل سيناء في العربية".
[ ٢ / ٦٥٥ ]
ويحتمل أن يكون أراد بالربوات جماعة الملائكة وهو الأقرب. لأن الربوات الجماعات واحدها: ربوة. قال داود في المزمور الثالث: "الرّبّ ناصري لا أخاف من ربوات الشعوب المحيطين بِيَ"١. فيكون ذلك كناية عن تأييد الله نبيّه محمّد ﷺ وبالملائكة في حروبه وغزواته وترددهم إليه بالوحي والتَّنْزِيل. وفي التوراة: "إن إسماعيل سكن برية فاران ونشأ بها وتعلم الرمي"٢.
وذلك كلّه بمكة وإذا كان ذلك كذلك، فلم يأت من جبال فاران من دعا إلى الله وأظهر أحكامه ونشر أعلامه وشرع الدين القويم ونهج للأمم الطريق / (٢/١٠١/ب) المستقيم ومهد الحاج وعمّر الأندية وعمر رؤس الجبال وبطون الأودية بالتلبية سوى محمّد رسول الله ﷺ.
- البشرى الخامسة:
قالت التوراة في الفصل الحادي عشر من السفر الخامس: "يا موسى إني سأقيم لبني إسرائيل نبيّا من إخوتهم. مثلك. أجعل كلامي في فيه. ويقول لهم ما آمره به. والذي لا يقبل قول ذلك النبي الذي يتكلم باسمي أنا أنتقم منه ومن سبطه"٣.
_________________
(١) ١ المزمور ٣/٥، ٦. ٢ تكوين ٢١/٢. ومما يؤكّد أن مسكن إسماعيل ﵇ وذريته من بعه في جزيرة العرب وفي أرض الحجاز خاصة ما ورد في تكوين ٢٥/١٧، ١٨: "ومات إسماعيل وانضم إلى قومه وسكنوا من حويلة إلى شور التي أمام مصر". وقد ورد في قاموس الكتاب: "إن حويلة من أبناء يقظان وقد سكنوا بجهة اليمن والحجاز يبن اليمن وأشور أمام مصر". (ر: تكوين ١٠/٧، ٢٩، ٣٠، قاموس ص ٣٢٩، ٤٦٧، ٩٣٩) . ٣ تثنية ١٨/١٨، ١٩. وقد وردت البشارة في الدين والدولة ص ١٣٧، إفحام اليهود ص ١١١، الإعلام بمناقب ص ٢٠٢، أعلام النبوة ص ١٩٨، هداية الحيارى ص ١٠٩، الأعلام ص ٢٦٣، مقامع هامات الصلبان ص ٢١٤، الأجوبة الفاخرة ص ١٦٤، تحفة الأريب ص ٢٦٠، إظهار الحقّ ص ٥٠٨، محمّد رسول الله ص ٦٤، محمّد ﷺ ص ٦٧، ٦٨، إبراهيم خليل، محمّد ﷺ ص ٣١، عبد الأحد، الانتصارات الإسلامية ص ١٢٠، ١٢١، نجم الدين البغدادي الطوفي.
[ ٢ / ٦٥٦ ]
قلت: هذه آثار النقمة على من فارقه لائحة وآثار النعمة على من وافقه واضحة. واعلم أن إخوة بني إسرائيل هم ولد إسماعيل ولا يجوز أن يكون هذا النبيّ المذكور من بني إسرائيل ألبتة لأن الله تعالى يقول لموسى: "نبي مثلك". ولم يبعث من بني إسرائيل نبي مثل موسى جاء بكتاب منَزَّل وشرع مبتدأ١. فوجب أن يكون من ولد إسماعيل ولم يقم من ولد إسماعيل من يمكن تنْزِيل هذا الوعد الحقّ عليه سوى٢ رسول الله. فلو لم يبعث محمّد ﷺ لأخلفته أقوال التوراة - وخبر الله تعالى محاشا عن الخلف بل قوله الحقّ ووعده الصدق ﷾ / (٢/١٠٢/أ) .
- البشرى السّادسة:
قالت التوراة في هذا السفر: "قال موسى لبني إسرائيل: لا تطيعوا العرافين ولا المنجّمين. فسيقيم لكم الرّبّ نبيًّا من أخوتكم مثلي، فأطيعوا ذلك النبي"٣.
_________________
(١) ١ ذكر الشيخ رحمة الهندي عشرين وجهًا في المماثلة بين نبيّنا محمّد ﷺ وموس ﵇. (ر: إظهار الحقّ ص ٥١٢) . ٢ ليست في م. ٣ تثنية١٨/١٤، ١٥.وقد وردت البشارة في الدين والدولة ص١٣٧، والإعلام بمناقب ص٢٠٣،إفحام اليهود ص١١١، الأجوبةالفاخرة ص١٦٤،هداية الحيارى ص١١٥. ومما يؤكّد هذه البشارة والتي قبلها وأنها في نبيّنا محمّد ﷺ وليست في المسيح ولا غيره من الأنبياء قول بطرس في سفر أعمال الرسل ٣/١٩-٢٤: "فتوبوا وارجعوا لتمحى خطاياكم لكي تأتي أوقات الفرح من وجه الرّبّ ويرسل يسوع المبشر به لكم قبل الذي ينبغي أن السماء تقبله إلى أزمنه رد كلّ شيء التي تكلم عنها الله بفم جميع أنبيائه القديسين منذ الدهر. فإن موسى قال للآباء: إن نبيّنا مثلي سيقيم لكم الرّبّ إلهكم من إخوتكم له تسمعون في كلّ ما يكلمكم به ويكون أن كلّ نفس لا تسمع لذلك النبي تباد من الشعب وجميع الأنبياء أيضًا من صموئيل فما بعده جميع الذين تكلموا سبقوا وأنبأوا بهذه الأيام". فهذا القول من بطرس الحواري المعظم عند النصارى - فيه التصريح بأن النبي الآتي ليس هو المسيح ولا غيره من الأنبياء؛ لأنهم قد بشروا به. فلا يعقل أن يكون واحدًا منهم. ولأنهم من بني إسرائيل وليس أحد منهم يشبه موسى ﵇ في سيرته وإتيانه بشريعة جديدة. فقد وجب على العاقل المنصف منهم أن يقرّ بالنبي المبشَّر به بأنه محمّد ﷺ الذي تنطبق عليه أوصاف هذه البشارة تمامًا.
[ ٢ / ٦٥٧ ]
فإن قيل: فلعلّ هذا الموعود به بنو إسرائيل هو هارون أخو موسى ووزيره. أو يوشع خادمه ومشيره.
قلنا: التوراة تأبى ذلك. إذ قد أخبرت أن هارون توفي في حياة موسى وعاش موسى بعده. وأما يوشع بن نون فهو من بني إسرائيل والله تعالى يقول: "من إخوتهم". ولم يقل من أنفسهم. والتوراة أيضًا قد١ سدت هذا الباب فقالت في آخر ورقة فيها من السفر الخامس: "ومات موسى فكان بنو إسرائيل يسمعون من يوشع ويطيعونه ولم يقع من بني إسرائيل بعد موسى مثل موسى الذي عرف الله وجهًا قِبَل وجه وصنع الآيات والعجائب"٢. ثم هارون ويوشع قد كانا أقيما للنبوة قبل صدور هذا الخطاب من الله.
ولا يصحّ أن يُنَزَّل على المسيح بإجماع الأمم. أما اليهود فهو عندهم كذَّاب أشِر. وأنه ما أحيا ميتًا قط ولا أبرأ أبرص. وأما / (٢/١٠٢/ب) النصارى فهم يزعمون أنه الرّبّ الذي بعث الأنبياء وأرسل الرسل وأنه الذي خلق الخلق وأتقن العالم. فإن رجعوا القهقري وقالوا: إن المسيح مثل موسى فقد تناقض قولهم وخبطوا عشوى. وأما المسلمون فالمسيح عندهم نبي كريم غير أنه من بني إسرائيل والله تعالى يقول: "من إخوتهم" ولم يقل من أنفسهم. فبطل أن يكون المسيح أو غيره وتعيّن أن يكون محمّد ﷺ ضرورة الوفاء بقول الله تعالى٣.
- البشرى السّابعة:
قالت التوراة: "لما حضرت إسرائيل الوفاة وهو بمصر عند يوسف دعا أولاده فحضروا بين يديه فباركهم واحدًا واحِدًا ودعا لهم ولما انتهت النوبة إلى ابنه
_________________
(١) ١ ليست في (م) . ٢ تثنية ٣٤/٥-١٢. ٣ تعليق المؤلِّف على البشارة نقله من كتاب الدين والدولة ص ١٣٨.
[ ٢ / ٦٥٨ ]
يهوذا قال فيه: لا يعدم سبط يهوذا [مَلِكًا مُسلَّطًا] ١ وأفخاذه [نبيًّا مرسلًا] ٢ حتى يأتي الذي لهالكل"٣.
وإنما عنى بذلك رسول الله ﷺ وقد ثبت ذلك فيما تقدم فهذه.
سبع بشائر من التوراة باقية خالدة قد صانها الله عن التحريف وحماها عن التغيير والتصحيف ولو غسل / (٢/٢٠٣/أ) الخاطر٤ من وضر الهموم وإنجاب عن القلب غيوم الغموم حتى تطهر النفس ويضيء الحسّ ويصفوا دهن الذهن لتوسعت في استخراج جميع ما في التوراة من أعلام نبيّنا محمّد ﷺ وفي هذا القدر بلاغ وكفاية.
- البشرى الثّامنة:
من مزامير داود في مزمور له: "سبحوا الله تسبيحًا جديدًا، وليفرح بالخالق من اصطفى الله له أمته وأعطاه٥ النصر وسدد الصالحين منهم بالكرامة. يسبحونه على مضاجعهم، ويكبرون الله بأصوات مرتفعة، بأيديهم سيوف ذوات شفرتين لينتقم بهم من الأمم الذين لا يعبدونه"٦.
_________________
(١) ١ في م: مسلك. وفي ص (ملك مسلط) والصواب ما أثبتّه. ٢ في ص، م (نبي مرسل) والصواب ما أثبتّه. ٣ ورد النّصّ في سفر التكوين ٤٩/١-١٢، وقد سبق تفسير هذه البشارة والتعليق عليها. (ر: ص: ٢٩٨) . وقد وردت البشارة في محمّد ﷺ ص ٧٧-٨٤، عبد الأحد. الأجوبة الفاخرة ص ١٦٤، إظهار الحقّ ص ٥١٨، ٥١٩، مقدمة تعليق د. السقا على كتاب الإعلام ص ٣١، ٣٢، محمّد نبيّ الإسلام للطهطاوي ص ٤، ٥) . ٤ في م: (الخاضر) . ٥ في م: زاد (الله) . ٦ مزمور ١٤٩/١-٩، وقد وردت البشارة في الدين والدولة ص ١٤٢، وأعلام النبوة ص ٢١٠، الجواب الصحيح ٣/٣١٥، هداية الحيارى ص ١٤٣، الأجوبة الفاخرة ص ١٧٠، والإعلام ص ٢٦٦، ومقامع هامات ص ٢١٨، إظهار الحقّ ص ٥٢٥.
[ ٢ / ٦٥٩ ]
وقوله: "يكبرون الله بأصوات مرتفعة" إشارة إلى ما يفعله الحجيج من التلبية وهذه كلها صفات النبيّ محمّد وأمته١.
- البشرى التّاسعة:
قال داود النبي ﵇: "من أجل هذه بارك الله عليك إلى الأبد. فتقلد أيّها الجبار السيف لأن البهاء لوجهك والحمد الغالب عليك، اركب كلمة الحقّ وسمت التأله. فإن ناموسك وشرائعك مقرونة بهيبة يمينك / (٢/١٠٣/ب) وسهامك مسنونة والأمم يخرون تحتك"٢. ليس متقلد السيف من الأنبياء بعد داود سوى نبيّنا ﵇ وهو الذي خَرَّت الأمم تحته وقرنت٣ شرائعه بالهيبة. فإما القبول وإما الجزية وإما السيف. وتصديقه قوله ﷺ: "نصرت بالرعب"٤.
فإن قالوا: سماه المزمور جبارًا. قلنا: لا يمتنع أن يكون النبيّ جبارًا على الكافرين رحيمًا بالمؤمنين. كقوله تعالى: ﴿أَذِلَّةً عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةً عَلَى الكَافِرِين﴾ . [سورة المائدة، الآية: ٥٤] . وقد شهد
_________________
(١) ١ قال الإمام ابن تيمية معلّقًا على هذه البشارة: "إن هذه الصفات إنما تنطبق على محمّد ﷺ وأمته. فهم الذين يكبرون الله بأصواتهم المرتفعة في أذانهم للصلوات الخمس وعلى الأماكن العالية في الحج وفي عيد الفطر وعيد النحر. وليس هذا لأحد من الأمم لا أهل الكتاب ولا غيرهم سواهم فإن اليهود يجمعون الناس بالبوق والنصارى بالناقوس. وقوله: "بأيديهم سيوف ذات شفرتين" فهي السيوف العربية التي فتح الصحابة بها البلاد وهي إلى اليوم معروفة لهم. وقوله: "يسبحون على مضاجعهم" هو: نعت للمؤمنين الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم". اهـ. بتصرف بسيط. (ر: الجواب الصحيح ٣/٣١٥-٣١٨، هداية الحيارى ص ١٤٣، ١٤٤) . ٢ ذكر النّصّ في المزمور ٤٥/٢-٥، وقد وردت البشارة في الدين والدولة ص ١٣٩، والجواب الصحيح ٣/٣١٨، وهداية الحيارى ص ١٤٥، والإعلام ص ٢٦٧، مقامع هامات ص ٢١٩، إظهار الحق ص ٥٢٠، ٥٢١، وقد أفاض وأجاد الشيخ رحمة الله في تحليل هذه البشارة ومطابقة الصفات الواردة فيها لنبيّنا محمّد ﷺ. فمن أراد التوسع فعليه مراجعة كلامه في إظهار الحقّ. ٣ في م: وقونت. ٤ أخرجه البخاري في كتاب التيمم. (ر: فتح الباري ١/٤٥٣) . عن جابر ﵁، وملسم ٢/١٦٤، وأحمد في مسنده ٢/٤١٢، عن أبي هريرة ﵁) .
[ ٢ / ٦٦٠ ]
المزمور له بالنبوة صريحًا إذ أخبر أن له ناموسًا وشرائع كنواميس الأنبياء وشرائعهم. وقال: إن دينه يظهر على كلّ دين فلم يُخْرم ما أخبر به.
- البشرى العاشرة:
قال داود في مزمور له: "إن ربّنا عظيم محمود جدًّا، وفي قرية إلهنا قدوس، ومحمّد قد عَمَّ الأرض كلها فرحًا"١.
فقد نصّ داود على اسم محمّد وبلده وسماه قرية الله تعالى. وأخبر أن كلمته تعُم أهل الأرض٢.
- البشرى الحادية عشرة:
قال داود في مزمور له: "إن الله أظهر من صهيون / (٢/١٠٤/أ) إكليلًا محمودًا"٣.
فهذا داود قد أكثر في مزاميره من ذكر سيدنا محمّد رسول الله ﷺ فهو محمود وأحمد والمحمود. ووصف داود له بأنه (إكليل) ٤ يشير إلى أنه رئيس الأنبياء ﵈. إذ الإكليل هو الذي يجعل على الرأس.
_________________
(١) ١ ورد النّصّ في مزمور ٤٨/١، ٢ كالآتي: "عظيم هو الرّبّ، وحميد جدًّا في مدينة إلهنا. جبل قدسه جميل الارتفاع. فرح كلّ الأرض جبل صهيون. فرح أقاصي الشمال مدينة الملك العظيم". وكذلك في مزمور ٦٦/٤، ونصّه: "لأن الرّبّ عظيم وحميد جدًّا. مهوب هو على كل الآلهة ". وأمّا نصّ ما ذكره المؤلِّف فقد ورد في الدين والدولة ص ١٣٩، والجواب الصحيح ٣/٣١٩، هداية الحيارى ص ١٤٧، الأجوبة الفاخرة ص ١٧١، والمعنى بين النصين واحد وواضع أيضًا في معنى اسم نبيّنا محمّد ﷺ. ٢ وهذا مما أخبر به نبيّنا محمّد ﷺ. فقد جاء في الحديث عنه ﷺ أنه قال: "إن الله زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها". أخرجه أحمد ٥/٢٧٨، ومسلم ٤/٢٢١٥. ٣ ورد في مزمور ٥٠/٢ ما نصّه: "من صهيون كمال الجمال الله أشرق يأتي إلهنا ولا يصمت". وقد ورد النّصّ الذي ذكره المؤلّف في الدين والدولة ص ١٤٠، أعلام النبوة ص ٢١٠، هداية الحيارى ص ١٤٦، والإعلام ص ٢٦٧. ٤ في ص، م (إكليلًا) والصواب ما أثبتّه.
[ ٢ / ٦٦١ ]
- البشرى الثّانية عشرة:
قال داود في مزمور: "لترتاح البوادي وقراها. ولتصر أرض قيدار مروجًا. ولتسبح سكان الكهوف. ويهتفوا من قلل الجبال بحمد الرّبّ ويذيعوا تسابيحه في الجزائر"١.
فليت شعري لمن البوادي من الأمم سوى أمة محمّد؟ ! ومن قيدار٢ سوى ابن إسماعيل جدّ رسول الله ﷺ؟!. ومَنْ سكن الكهوف وقلل الجبال سوى العرب؟!.
- البشرى الثّالثة عشرة:
في صفة رسول الله ﷺ قال داود في مزمور له: "ويجوز من البحر إلى البحر ومن لدن الأنهار إلى منقطع الأرض. تخر أهل الجزائر بين يديه. وتلحس أعداؤه التراب وتسجد له ملوك الفرس. وتدين له الأمم بالطاعة / (٢/١٠٤/ب) والانقياد. ويخلص المضطر البائس ممن هو أقوى منه. وينقذ الضعيف الذي لا ناصر له. ويرأف بالمساكين والضعفاء ويُصلَّى عليه ويبارك في كلّ حين"٣.
_________________
(١) ١ ورد النّصّ في سفر أشعيا ٤٢/١١، ١٢، وليس في مزمور داود كما ذكر المؤلّف. وقد وردت البشارة في الدين والدولة ص ١٤٣، أعلام النبوة ص ٢٠٢، الجواب الصّحيح ٣/٣٢٢، هداية الحيارى ص ١٤٧، الأجوبة الفاخرة ص ١٧١، الإعلام ص ٢٧٣، مقامع هامات ص ٢٢٥، إظهار الحقّ ص ٥٢٦. ٢ قيدار: سام سامي معناه: "قدير أو أسود". وهو ابن إسماعيل الثاني بنصّ التوراة في سفر التكوين ٢٥/١٢-١٨. "وهذه أسماء بني إسماعيل بأسمائهم حسب مواليدهم، نبايوت بكر إسماعيل، وقيدار وأدبئيل " وهو أب لأشهر قبائل العرب وتسمى بلادهم أيضاص: قيدار. (ر: قاموس ص ٧٥١) . ٣ مزمور ٧٢/٨-١٥. ونصّه كالآتي: "ويملك من البحر إلى البحر ومن النهر إلى أقاصي الأرض. أمامه تجثو أهل البرية. وأعداؤه يلحسون التراب. ملوك ترشيش الجزائر يرسلون تقدمه. ملوك شبا وسباء يقدمون هدية. ويسجد له كلّ الملوك. كلّ الأمم تتعبد له. لأنه ينجي الفقير المستغيث والمسكين إذ لا معين له، يشفق على المسكين والبائس، ويخلص أنفس الفقراء من الظلم والخطف، يفدي أنفسهم ويكرم دمهم في عينيه ويعيش ويعطيه من ذهب شبًا ويصلي لأجله دائمًا اليوم كله يباركه". ويلاحظ الفرق بين النّصّ الموجود حاليًا في المزامير. وبين نص المؤلِّف الذي ذكره علماؤنا في كتبهم. وإن الاختلاف بين النّصّين يرجع إلى تحريف أهل الكتاب لأسفارهم محاولة منهم لطمس الحقّ بالبشارات الورادة في نبيّنا محمّد ﷺ. (ر: البشارة في الدين والدولة ص ١٤٠، وتحفة الأريب ص ٢٧٥، ٢٧٦، أعلام النبوة ص ٢١٠، الجواب الصّحيح ٣/٣٢٢/ هداية الحيارى ص ١٤٦، الإعلام ص ٢٦٧، مقامع هامات ص ٢١٩، الأجوبة الفاخرة ص ١٧١) .
[ ٢ / ٦٦٢ ]
وهذه صفات محمّد رسول الله ﷺ فلقد جرت الملوك بين يدي أصحابه، وأسروا ملوك الفرس والروم، ودانت له ولأمته الأمم ولحسوا التراب وصُلِّي عليه على توالي الأيام١.
- البشرى الرّابعة عشرة:
قال داود في مزمور تنبأ به على نبيّنا ﵇: "دامت شكايتي، ونزلت في مساكن قيدان. وكثيرًا ثوت نفسي مع الذين يغضون السلم، وبالسلم كنت أتكلم فيهم وهم كانوا يحاربونني"٢. فهذا تنويه بأن الساكن (ماسكن قيدار) هو رسول الله. وإلاّ فمتى فارق داود البيت المقدس ونزل بمكة في منازل قيدار ابن إسماعيل؟!.
- البشرى الخامسة عشرة:
قال داود في مزموره تنبأ به على كثرة أمة محمّد ﷺ ودوام شرعه إلى الأبد / (٢/٢٠٥/أ) ووجوب النبوة له قبل خلق العالم: "ثماره مثل الزروع الكثيرة على وجه الأرض
_________________
(١) ١ قال ابن رَبَّن: "ولحس أعداؤه التراب، وأتته ملوك اليمين بالقرابين إلى النبيّ ﷺ وأمته وإلى مكة. ولا نعلم أحدًا يصلي ويبارك عليه في كلّ وقت غير محمّد ﷺ وهو قول الأمم: "اللهم صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد وبارك على محمّد وعلى آل محمّد". (ر: الدين والدولة ص ١٤٢) . ٢ مزمور ١٢٠/٥-٧، ونصّه: "ويلي لغربتي في ماشك لسكنى في خيام قيدار. طال على نفسي سكنها مع مبغض السلام. أنا سلام وحينما أتكلم فهم للحرب".
[ ٢ / ٦٦٣ ]
كالذي يطلع من لبنان، ويدوم ذكره إلى الأبد. وإن اسمه لموجود قبل الشمس، وكلّ الأمم يتبركون به ويحمدونه"١. وهذه كلّها صفاته وصفات أمته وقد أخبر داود بتأبيد شرعه وتأييده وأنه لا نبيّ بعده وأنه خاتم الأنبياء.
- البشرى السّادسة عشرة:
قال داود في مزمور من المزمور الثاني له وتنبأ به على اتّساع خطة الإسلام: "أنت ابني وأنا اليوم ولدتك. سلني أعطيك. الشعوب ميراثك. وسلطانك إلى أقطار الأرض. ترعاهم بقضيب من حديد. ومثل آنية الفخار تسحقهم"٢.
قال مؤلِّفه: اعلم أنه لا يتصور من عارف صرف هذا المزمور عن سيّدنا محمّد رسول الله ﷺ. لأنه ﵇ هو الذي ورث الشعوب كلّها وبلغ سلطانه إلى أقطار الأرض ورعى الأمم وحاطهم بسيفه. ولا يمكن صرف هذا المزمور إلى داود؛ لأنه لم يرث سائر الشعوب / (٢/١٠٥/ب) ولا بلغ سلطانه إلى أقطار الأرض، إذ ما ملك سوى ناحية من الأرض وهي البيت المقدس. ثم خرجت من بعده إلى أمة هذا النبيّ والأقطار والنواحي. وقد بلغ سلطان محمّد ﵇ جوانب الدنيا وأطراف العالم ففتح الله عليهم الحجاز واليمن والحبشة والنوبة والهند والسند إلى الصين. ودوخت أمته الشام والعراق وفارس إلى الترك. وافتتحوا أرض مصر والمغرب الأقصى إلى بحر طنجة. فقد ورث محمّد سائر الشعوب وبلغ سلطانه إلى أقطار الأرض. فصارهذا المزمور مضاهيًا لبشرى يعقوب في التوراة بمحمّدصلى الله عليه وسلم الذي نقلناه.
_________________
(١) ١ مزمور ٧٢/١٦-١٧، ونصّه كالآتي: "تكون حفنة بر في الأرض في رؤوس الجبال تتمايل مثل لبنان ثمرتها. ويزهرون من المدينة مثل عشب الأرض. يكون اسمه إلى الدهر قدام الشمس يمتد اسمه. ويتباركون به كلّ أمم الأرض ويطوبونه". وقد تقدم ذكر مقدمة هذه البشارة في (البشرى الثّالثة عشرة) . ر: الدين والدولة ص ١٤١. ٢ مزمور ٢/٧-٩، نقل هذه البشارة القرافي في الأجوبة الفاخرة ص ١٧٠.
[ ٢ / ٦٦٤ ]
فأما قوله في أوّل المزمور: "أنت ابني"، فجرى فيه داود على عادتهم في إطلاق لفظة البنوة على النبيّ والمطيع لله فقد قال في التوراة: (إسرائيل ابني بكري"١. وقال المسيح في الإنجيل: "أنا ذاهب إلى أبي وأبيكم".
- البشرى السّابعة عشرة:
قال داود في مزمور له مخاطبًا لربّه ومتنبئًا على رسوله ﷺ / (٢/٢٠٦/أ): "إلهي من الرجل الذي ذكرته، والإنسان الذي أمرته، ألبسته الكرامات والمجد، وملّكته على خلقك؟! "٢.
- البشرى الثّامنة عشرة:
من نبوات نبيّ الله أشعيا قال أشعيا مبشرًا برسول الله ﷺ: "قيل لي: قم نظارًا فانظر ماذا ترى؟ فقلت: أرى راكبين مقبلين، أحدهما على حمار والآخر على جمل. يقول أحدهمالصاحبه: سقطت بابل وأصنامها للمنحر"٣.
_________________
(١) ١ خروج ٤/٢٢. ٢ لم أقف في سفر المزامير على نصّ هذه العبارة. ولكن ورد في مزمور ١٤٤/٣، ٤، النّصّ الآتي: "يا ربّ أي شيء هو الإنسان حتى تعرفه، أو ابن الإنسان حتى تفتكر به، الإنسان أشبه نفخة أيامه مثل ظل عابر". وقد نقل القرافي هذه البشارة عن المؤلِّف في كتابه وعلّق قائلًا: "فمن هذا الذي جعل أميرًا ملكًا من قبل الله تعالى على جميع الخلق في جميع الأرض؟! ولم يوجد ذلك إلاّ بمحمّد ﵇. فيكون هو المبشَّر به". (ر: الأجوبة الفاخرة ص ١٧٢) . ٣ سفر أشعيا ٢١/٦-٩، البشارة في الدين والدولة ص ١٤٩، أعلام النبوة ص ٢٠١، ٢٠٢، والجواب الصّحيح ٣/٣٢٣، هداية الحيارى ص ١٤٨، الإعلام ص ٢٨٥، مقامع هامات ص ٢٢٧، الأجوبة الفاخرة ص ١٧٢.
[ ٢ / ٦٦٥ ]
فراكب الحمار هو المسيح ابن مريم١. وراكب الجمل هو محمّد ﷺ وهو أشهر بركوب الجمل من المسيح بركوب الحمار. وبمحمّد ﷺ سقطت أصنام بابل٢.
البشرى منها أيضًا - قال أشعيا ﵇ متنبئًا على مكة - شرفها الله تعالى -: "ارفعي ما حولك بصرك فتبتهجين وتفرحين من أجل أن الله يُصيّر إليك ذخائر البحرين. ويحجّ إليك عساكر الأمم، حتى يعم٣ بك فطر٤
_________________
(١) ١ ورد في إنجيل متى ٢١/٥-٧. أن المسيح ﵇ دخل أورشليم راكبًا على الحمار وقد استقبله جموع كثيرة من الناس في الطريق. ٢ قال شيخ الإسلام في تعليقه على هذه البشارة: "ومما ينبغي أن يعرف أن الكتب المتقدمة بشرت بالمسيح، كما بشرت بمحمّد ﷺ. وكذلك أنذرت بالمسيح الدجال. والأمم الثلاثة - المسلمون واليهود والنصارى - متفقون على الإخبار بمسيح هدى من نسل داود. ومسيح ضلالة. وهم متفقون على أن مسيح الضلالة لم يأت بعد وسيأتي. ومتفقون على أن مسيح الهدى سيأتي. ثم المسلمون والنصارى متفقون على أن مسيح الهدى هو عيسى بن مريم. واليهود ينكرونه مع إقرارهم بأنه من ولد داود. والنصارى يقرون بأن المسيح مسيح الهدى بُعث. وبأنه سيأتي مرة ثانية، لكن يزعمون أن هذا الإتيان الثاني هو يوم القيامة. وهو - في زعمهم - هو الله، والله الذي هو اللاهوت في ناسوته كما زعموا أنه جاء قبل ذلك. وأما المسلمون فآمنوا بما أخبرت به الأنبياء على وجهه. وهو موافق لما أخبر به خاتم الرسل حيث قال في الحديث الصحيح: "يوشك أن ينْزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا وإمامًا مقسطًا. فيكسر الصليب ويقتل الخنْزير ويضع الجزية ". ولما كان المسيح ﵇ نازلًا في أمة محمّد ﷺ صار بينه وبين محمّد الاتصال ما ليس بينه وبين غير محمّد ﷺ. ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "إن أولى الناس بابن مريم لأَنَا. إنه ليس بيني وبينه". وروى: "كيف تهلك أمة أنا في أوّلها وعيسى في آخرها؟! ". وهذا مما يظهر به مناسبة اقترانهما فيما رواه أشعيا حيث قال: "راكب الحمار وراكب الجمل". (ر: الجواب الصّحيح ٣/٣٢٤-٣٢٦ بتصرف) . ٣ في م: يعلم. ٤ قَطَر الإبل قطرًا: قُرِّب بعضها إلى بعض على نسق. (ر: القاموس ص ٥٩٦) .
[ ٢ / ٦٦٦ ]
الإبل المؤبلة١. وتضيق أرضك عن القطرات التي تجمع إليك. وتساق إليك كباش مدين. / (٢/١٠٦/ب) وتأتيك أهل سبأ. وتسير إليك أغنام فاران. وتخدمك رجال [نبايوت] ٢ يريد سدنة الكعبة وهم أولاد نبايوت٣ ابن إسماعيل. وهذه الصفحات كلها حصلت بمكة فحملت إليها ذخائر البحرين. وحجّ إليها عساكر الأمم. وسيقت إليها أغنام فاران للهدايا والأضاحي.
- البشرى التّاسعة عشرة:
قال أشعيا النبيّ والمراد مكة: "أيتها المتغلفة في الهموم التي لم تنل حظوة إني جاعل حجرك بَلُّور. ومُوَنِّق أساسك بالحجر الاسما نجوني، ومزين حياطانك باللازورد. ومزخرف خدودك بالأحجار النفسية. وأعم أبناءك بالسلم. وأزينك بالصلاح والبر. وأبعد عنك الأذى والمكاره وأجعلك آمنة. ومن انبعث إليّ فإليك قصده وفيك حلوله. وتصيرين ملجأ [ووزرًا] ٤ لقاطنيك وسكانك"٥.
_________________
(١) ١ أي: الإبل الكثيرة المقتناه. (ر: القاموس ص ١٢٣٩) . ٢ في ص وم (مأرب) وصححت من النّصّ في سفر أشعيا ٦٠/١-٧، بألفاظ متقاربة. وقد وردت البشارة في الدين والدولة ص ١٦١، أعلام النبوة ص ٢٠١، والجواب الصّحيح ٣/٣٢٦، وهداية الحيارى ص ١٤٩، مقامع هامات ص ٢٧٧، الأعلام ص ٢٧٩، الأجوبة الفاخرة ص ١٧٢. محمّد ﷺ ص ٣٣، عبد الأحد، محمّد رسول الله ﷺ ٦٩، محمّد ﷺ ٧٠، إبراهيم خليل. ٣ نبايوت: الابن الأكبر لإسماعيل. وذكره ابن كثير باسم "نابت" وذكر ابن إسحاق أن عدنان - جد عرب الحجاز - من سلالة نابت بن إسماعيل ﵇. (ر: البداية ٢/١٨٤، ١٩٥، قاموس ص ٩٥٢) . ٤ في ص، م (ووزا) . وصححت من كتاب الدين والدولة ص ١٥٩، والوَزَرُ: الجبل المنيع. وكلّ معقل والملجأ والمعتصم. (ر: القاموس ص ٦٣٣) . ٥ أشعيا ٥٤/١١-١٥.
[ ٢ / ٦٦٧ ]
وهذه صفات مكة والكعبة والمسجد الحرام. لأن مهدي١ بني العباس والملوك قبله وبعده قد تأنقوا في بناء المسجد الحرام بالأحجار النفيسة والذهب والأصباغ / (٢/١٠٧/أ) واللازورد. وحملت تيجان الملوك وذخائرهم فحليت بها الكعبة. ولقد شاهدت شقوف الحرم وهي تكاد تلمع البصر حسنًا. فمن رام صرف كلام النبيّ أشعيا هذا إلى غير مكة من البلاد أَكّد خاطره وأكدى سعيه ولم يظفر ببيت آخر وحرم آخر ينْزل ذلك عليه. ولا يمكن تنْزيل ذلك على البيت المقدس؛ لأنه لم يكن متغلغلًا في الهموم ولا سقوط الحطوة٢ بل هذه صفة الكعبة فاعلم ذلك.
-[البشرى] ٣ العشرون:
قال أشعيا يخاطب الناس عن محمّد رسول الله ﷺ: "تفهّمي أيّتها الأمم إن الرّبّ أهاب بِيَ من بعيد. وذكر اسمي وأنا في الرحم. وجعل لساني كالسيف الصارم وأنا في البطن. وحاطني بظل يمينه. وجعلني كالسهم المختار من كنانته. وخزنني لسره وقال لي: أنت عبدي. فصر في وعد لي حقًا قدام الرّبّ. وأعمالي بين يدي إلهي. وصرت محمّدًا عند الرّبّ. فبإلهي حولي وقوتي"٤.
فهذا (٢/١٠٧/ب)
_________________
(١) ١ أبو عبد الله محمّد بن المنصور عبد الله. ولد سنة ١٢٧هـ. وبويع له بالخلافة العباسية سنة ١٥٨هـ. ومن أعماله في مكة: أنه جرد الكعبة وكساها بالثياب القبطية والخز والديباج. وطلى جدرانها بالمسك والعنبر. وأمر بالزيادة الكبرى في المسجد الحرام. وأدخل في ذلك دورا كثيرة. وحمل إلى المسجد الحرام من مصر (٤٨٠) عامودًا من الرخام. وعمل للمسجد (٢٣) بابا وجعل سلاسل قناديله ذهبًا. وقد أمر بعمارة طريق مكة وغير ذلك. وقد مات سنة ١٦٩هـ. (ر: أخبار مكة ٢/٧٤-٨١، للأزرقي، إتحاف الوري بأخبار أم القرى ٢/٢٠٥-٢١٤، لابن فهد، البداية والنهاية ١٠/١٤٧-١٥٢، الجوهر الثمين في سير الخلفاء والسلاطين ص ٩٥-٩٧، لابن دقماق) . ٢ في م: الحطوط. ٣ ليست في ص، وأثبتها من م. ٤ أشعيا ٤٩/١-٥، ولم يذكر في النسخة الحالية اسم محمّد ﷺ وذكر في موضعه العبارة الآتية: "فأتمجد في عيني الرّبّ". وقد وردت البشارة في الدين والدولة ص ٩٦، والنصيحة الإيمانية ص ٣٥٣، الأجوبة الفاخرة ص ١٧٣، ١٧٤.
[ ٢ / ٦٦٨ ]
نبي الله أشعيا قد صرح باسم نبيّنا ولم يجمجم وأعرب عنه ولم يجمجم. فلا حاجة بنا مع بيان أشعيا ﵇ إلى مترجم. وقوله: "إنّ الرّبّ أهاب بِي من بعيد". يريد أنه لم يكن من بني إسرائيل ولا من بلدهم بل من غيرهم. فليرونا آخر اسمه محمّد جاء بشريعة جديدة داعية إلى الله إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب حتى تنصرف هذه البشارات إليه.
- البشرى الحادية والعشرون:
قال أشعيا النبي والمراد هاجر أم العرب: "سبحي أيتها النزور١ الرقوب٢ واغتبطي بالحمد لقد زاد ولد الفارغة المَجفُوَّة على ولد المَشْغُولة المَحْظِيّة. وقال لها الرّبّ: أوسعي مواضع خيامك ومُدِّي مضاربك وطَوِّلي أطنابك واستوثقي من أوتادك. فإنك ستنبسطين وتنتشرين في الأرض يمينًا وشمالًا. ويرث ذريتك الأمم. ويسكنون القرى المعطلة البنيان"٣.
فهل بقي بعد هذا البيان بيان؟! وهل تليق هذه النبوة بغير هاجر ونسلها أو الكعبة شرفها الله تعالى. / (٢/١٠٨/ب) .
- البشرى الثّانية والعشرون:
قال أشعيا نبؤة على محمّد رسول الله ﷺ: "عبدي الذي يرضي نفسي. أعطيه كلامي. فيظهر في الأمم عدلي. ويوصيهم بالوصايا. لا يضحك ولا يصخب. يفتح العيون العور. ويسمع الآذان الصم. ويحيى القلوب الميتة.
_________________
(١) ١ النّزُور: المرأة القليلة الولد. كالنَّزِرة. أو القليلة اللبن. وكلّ شيء يقل. (ر: القاموس ص ٦١٩) . ٢ الرَّقُوب: الناقلة التي لا يبقى لها ولد أو مات ولدها. (ر: القاموس ص ١١٦) . ٣ أشعيا ٥٤/١-٣، بألفاظ متقاربة. ر: البشارة في الدين والدولة ص ١٥٨، الأجوبة الفاخرة ص ١٧٤، وإظهار الحقّ ص ٥٢٧، ٥٢٨، مقامع هامات ص ١٧٥، الإعلام ص ٢٧٨، هداية الحيارى ص ١٥٠، محمّد رسول الله ص ٦٧.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
وما أعطيه لا أعطيه غيره. أحمد يحمد الله حمدًا حديثًا. يأتي من أفضل الأرض، فتفرح به البرية وسكانها، ويوحدون الله على كلّ شرف. ويعظمونه على كلّ رابية. لا يضعف ولا يغلب. ولا يميل إلى الهوى ولا يذل الصالحين الذين هم كالقصب الضعيف بل يُقوي الصديقين المتواضعين. وهو نور الله الذي لا يطفئ. أثر سلطانه على كتفه"١.
فهذا أشعيا نبي الله قد أعلن باسم رسول الله ﷺ كما أعلنت به الأنبياء. وهذا الكلام من أشعيا إبانة واضحة لمن كان مطلبه الحقّ والهدى ولم يمل به التعصب والهوى إلى الاعتداء.
_________________
(١) ١ أشعيا ٤٢/١-٩. ولم يذكر فيه التصريح باسم محمّد ﷺ. وقد وردت البشارة بنصّ المؤلّف في الجواب الصّحيح ٣/٢٨١، هداية الحيارى ص ١٥٣، ١٦٢، الأجوبة الفاخرة ص ١٧٤، ١٧٥، الإعلام ص ٢٧٣، ومقامع هامات ص ٢٢٥، تحفة الأريب ص ٢٧٩، ٢٨٠. وهذه البشارة مطابقة تمامًا لما أخرجه البخاري في كتابه البيوع. (ر: فتح الباري ٤/٣٤٣) . والإمام أحمد ٢/١٧٤، كلاهما من طريق عطاء بن يسار. قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله تعالى عنهما -: قلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة. قال: أجل. والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن. يا أيّها النبيّ إنا أرسلنا شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا. وحرزًا للأميين. أنت عبدي ورسولي. وسميتك المتوكل. ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق. ولا يدفع بالسيئة السيئة. ولكن يعفو ويغفر. ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله الله ويفتح بها أعينا عميًا وآذانًا صمًا وقلوبًا غلفًا". قال الإمام ابن تيمية: ولفظ التوراة (في الحديث) يراد به جنس الكتب التي يقر بها أهل الكتاب. فيدخل في ذلك الزبور. ونبوة أشعيا وسائر النبوات غير الإنجيل.
[ ٢ / ٦٧٠ ]
- البشرى الثالثة والعشرون:
قال نبيّ الله أشعيا / (٢/١٠٨/ب) مُنَوِّها باسم رسول الله ﷺ: "لتفرح البادية العطشاء ولتبتهج البراري والفلوات ولتزهو. فإنها ستعطي بأحمد١ أحسن محاسن لبنان حتى تصير كالدساكر٢ والرياض، وسيرون جلال الله وبهاء إلهنا"٣.
فذكر البراري القفار أنها تصير بأحمد ﷺ مأهولة معمورة محجوجًا إليها. أفلا يستحيي من يُحجم عن الإسلام من نبيّ الله أشعيا أن يرد قوله؟!.
وكيف يصح الإيمان بأشعيا مع إبطال أقواله ورد أخباره وتكذيب شهادته والقدح في رواياته؟! وأَيّ شكّ في صدر لبيب بعد سماعه أشعيا ينصّ على اسم نبينا واسم أرضه.
- البشرى الرّابعة والعشرون:
قال أشعيا: "هتف هاتف في البدر وقالوا: خلوا طريق الرّبّ. وسهلوا لإلهنا السبيل في القفر. فستمتلئ البادية مياهًا ونقيص فيضًا. وتصيرًا الآكام٤ دكادك٥.
_________________
(١) ١ ليست في م. ٢ الدَّسكرة: القرية. والصومعة. والأرض المستوية. وبيوت الأعاجم يكون فيها الشراب والملاهي. أو بناء كالقصر حوله بيوت. (ر: القاموس ص ٥٠١) . ٣ أشعيا ٣٥/١-٢، ونصّه كالآتي: "تفرح البرية والأرض اليابسة. ويبتهج القفر. ويزهر كالنرجس يزهر أزهارًا. ويبتهج ابتهاجًا ويرنم. يدفع إليه مجد لبنان. بهاء كرمل وشارون. هم يرون مجد الرّبّ بهاء إلهنا". وقد وردت البشارة بنصّ المؤلِّف في الدين والدولة ص١٥٣، أعلام النبوة ص ٢٠٢، وهداية الحيارى ص ١٥٠، ١٥١، ١٧٢، والأجوبة الفاخرة ص ١٧٥، ١٧٦، ومقامع هامات ص ٢٢٨، ٢٧٨. ٤ الأَكَمَة: التل من القف من حجارة واحدة. أو هي دون الجبال. أو الموضع يكون أشد ارتفاعًا مما حوله. وهو غليظ لا يبلغ أن يكون حجرًا. (ر: القاموس ص ١٣٩١) . ٥ الدّك: ما استوى من الرمل. والدكداك من الرمل: ما تكبس واستوى أو ما التبد منه بالأرض. (ر: القاموس ص ١٣٩١) .
[ ٢ / ٦٧١ ]
والوعر سهلًا. وتظهر كرامة الرّبّ. الرّبّ يقول ذلك١. وذلك كله إشارة إلى ما مهد الله برسله محمّد ﵇ والصلاة. / (٢/١٠٩/أ) .
- البشرى الخامسة والعشرون:
قال أشعيا: "يا آل إبراهيم خليلي الذي قويته ودعوته من أقاصي الأرض. لا تخف ولا ترهب فأنا معك. ويدي العزيز مهدت لك. جعلتك مثل الجرجر٢ الحديد تدق ما يأتي عليه دقًا. وتسحقه سحقًا حتى تجعل هشيمًا. تلوي به هوج الريح. وأنت تبتهج وترتاح وتكون محمدًا"٣. ألا ترى هذا النبي الكريم الذكر العظيم القدر لا يكاد يخلي كلامه من التبرك باسم سيد المرسلين حتى كان ذلك عليه ضربة لازب وحتم واجب٤.
_________________
(١) ١ أشعيا ٤٠/٣-٥ بألفاظ متقاربة. قال عليّ بن ربّن الطبري معلقًا على البشارة. - "فهل تعرفون أمة دعاها الله من البدو القفار. وسهل لها الوعورة. وأخصب الجناب. وأمرع الجدوب، وأترع لعطاشهم الأودية إتراعًا. وأذلّ لها الجبارة والملوك الذين شبههم بالروابي والجبال إلاّ هذه الأمة التي صارت دجلة بين أيديهم كالشرك الذلل". اهـ. (ر: الدين والدولة ص ١٥٣، ١٥٤، وردت البشارة أيضًا في أعلام النبوة ص ٢٠٢) . ٢ الجَرْجَر: ما يداس به الحبّ المحصود المجموع والفول ويكسر. ر: القاموس ص ٤٦٤. ٣ أشعيا ٤١/٨-١٦. وقد ورد في عبارة طويلة أنقل منها هذه العبارات: "وأما أنت يا إسرائيل عبدي يا يعقوب الذي اخترته نسل إبراهيم خليلي الذي أمسكته من أطراف الأرض ومن أقطارها دعوته وقلت لك: أنت عبدي اخترتك ولم أرفضك لا تخف لأني معك تدرس الجبال وتسحقها وتجعل الأكمام كالعُصَافة تذريها فالريح تحملها والعاصف تبددها. وأنت تبتهج بالرّبّ. بقدوس إسرائيل تفتخر". ويلاحظ الفرق بين النّصّ الموجود حاليًا في نسخ الكتاب المقدس، وبين نصّ المؤلِّف الذي نقله مختصرًا من ابن ربن في الدين والدولة ص ١٥٥، ١٥٦، وإنّ الاختلاف بين النّصّين يرجع إلى تحريف اليهود والنصارى لكتبهم محاولة منهم لطمس البشارات بالنبي ﷺ وتحريفها. لأن تكون في بني إسرائيل وبأنها وعد من الله لهم بالتمكين في الأرض والانتصار على الأعداء. وذلك من إفكهم وكفرهم. ٤ قال ابن ربن في تعليقه على البشارة: "وإن شغب شاغب فأكثر ما يمكنه أن يقول: إن تفسير اللفظة السريانية هو أن يكون محمودًا وليس بمحمّد. ومن عرف اللغة وفهم نحوها لم يخالفنا في أن معنى محمود ومحمّد شيء واحد".
[ ٢ / ٦٧٢ ]
فهؤلاء الأنبياء الأطهار والأصفياء الأبرار يصرحون باسم محمّد. فلا حاجة بنا بعدها إلى الاستنباط والاستخراج.
- البشرى السّادسة والعشرون:
قال أشعيا النبي ﵇ معلنًا باسم رسول الله ﷺ: "إني جعلت اسمك محمّدًا. يا محمّد يا قدوس الرّبّ اسمك موجود من الأبد"١.
فهل بقي بعد ذلك لزائغ مقال أو لطاعن عن مجال؟ وقول أشعيا أن اسم محمّد موجود من / (٢/١٠٩/ب) الأبد موافق لقول داود الذي حكيناه: "إن اسمه موجود قبل الشمس"٢. وقوله: "يا قدوس الرّبّ". يعني: يا مَنْ طَهَّره الرّبّ وخلّصه من شوائب بشريته واصطفاه لنفسه.
- البشرى السّابعة والعشرون:
وشهد لهذه الأمة بالصلاح والديانة: "سأرفع علمًا لأهل الأرض بعيدًا، فيصفر لهم من أقاصي الأرض فيأتون سراعًا"٣. فالنداء هو ما جاء به النبيّ ﵇ من التلبية في الحجّ. وهم الذين جعلوا لله الكرامة فوحدوه وعبدوه
_________________
(١) ١ أشعيا ٦٣/١٥-١٦، ونصّه كالآتي: "تطلع من السماوات وانظر من مسكن قدسك ومجدك. أين غيرتك وجبروتك؟ زفير أحشائك ومراحمك نحوي امتنعت. فإنك أنت أبونا وإن لم يعرفنا إبراهيم وإن لم يدرنا إسرائيل، أنت يا ربّ أبونا ولينا منذ الأبد اسمك". ويلاحظ الاختلاف بينه وبين ما أورده المؤلِّف وغيره من علماء المسلمين. (ر: هذه البشارة في الدين والدولة ص ١٦٦، والجواب الصّحيح ٣/٣٢٦، وهداية الحيارى ص ١٥١، والأجوبة الفاخرة ص ١٧٦) . ٢ مزمور ٧٢/١٧، وقد تقدم النّصّ في البشارة الخامسة عشرة. ٣ أشعيا ٥/٢٦. لقد اقتصر المؤلِّف على ذكر مقدمة هذه البشارة وقد وردت تامة في الدين والدولة ص ١٤٥، كالآتي: "قال أشعيا: إني رافع آية للأمم من بلد بعيد. وأصفر لهم من أقاصي الأرض سفيرًا فيأتون سراعًا عجالًا. لا يملون ولا يعثرون ولا ينعسون ولا ينامون ولا يحلون مناطقهم. ولا ينقطع معقد خفافهم. سهامهم مسنونة. وقسيهم موترة. وحوافر خيلهم كالجلاميد صلابة. وعجلهم مسرعة مثل الزوابع. وزئيرهم كنهم الليوث. وكشبل الأسد الذي يزأر وَبَنْهَم للفريسة. فلا ينجو منه ناج. ويرهقهم يومئذ مثل دوي البحر واصطكاكه. ويرمون بأبصارهم إلى الأرض فلا يرون إلاّ النكبات والظلمات. وينكشف النور عن عجاج جموعهم. (وهذا النّصّ موجود في النسخة الحالية بألفاظ متقاربة سفر أشعيا ٥/٢٦-٣٠) . قال ابن ربن: "فهؤلاء بنو إسماعيل ﵇ وأُمّة النبيّ ﷺ الذين صَفَّر الله لهم صغيرًا فجاؤا من بلدانهم سراعًا لا يملون ولا يسأمون وكانت سهامهم مسنونة"الخ. اهـ. (ر: البشارة في مقامع هامات ص ٢٧٥، الجواب الصّحيح /٣٢٧، وهداية الحيارى ص ١٥٠، الأجوبة الفاخرة ص ١٧٦، الإعلام ص ٢٧٨، ٢٧٩، إظهار الحقّ ص ٥٢٧، مقامع هامات ص ٢٧٥) .
[ ٢ / ٦٧٣ ]
وأفردوه بالربوبية وكسروا لأصنام وعطلوا الأوثان. والعلم المرفوع هو النبوة، وصفيره هو دعاؤهم إلى بيته ومشاعره فيأتونه سامعين مطيعين.
- البشرى الثّامنة والعشرون:
قال أشعيا النبي والمراد مكة شرّفها الله: "سُرِّي واهتزي أيتها العاقر التي لم تلد. وانطقي بالتسبيح. وافرحي إذ لم تحبلي. فإن أهلك يكونون أكثر من أهلي"١.
يعني بأهلي: أهل بيت المقدس. ويعني بالعاقر: مكة شرّفها الله. / (٢/١١٠/أ) لأنها لم تلد قبل نبيّنا ﵇ نبيًّا٢. ولا يجوز أن يريد بالعاقر بيت المقدس؛ لأنه بيت الأنبياء ومعدن الوحي فلم تزل تلك البقعة وَلاَّدة.
_________________
(١) ١ أشعيا ٥٤/١، ونصّه: "ترنمي أيتها العاقر التي لم تلد أشيدي بالترنم أيتها التي لم تمخضي لأن بني المستوحشة أكثر من بني ذات البعل) . (ر: البشارة في الدين والدولة ص ١٥٨، والجواب الصّحيح ٣/٣٢٧، وهداية الحيارى ص ١٥٠، والأجوبة الفاخرة ص ١٧٦، الإعلام ص ٢٧٨، ٢٧٩، إظهار الحق ص ٥٢٧، ٩٢٨، مقامع هامات ص ٢٧٥) . ٢ وأما إسماعيل ﵊ فإنه لم يولد بمكة. وإنما قِدم إليها بعد ولادته مع أبيه إبراهيم ﵊. لذلك لم يولد بمكة نبيّ سوى نبيّنا محمّد ﷺ.
[ ٢ / ٦٧٤ ]
- البشرى التّاسعة والعشرون:
قال أشعيا النبيّ - ونصّ على خاتم النبوة: "ولد لنا غلام يكون عجبًا وبشيرًا. والشامة على كتفه. أركون السلام. إله جبار. سلطانه سلطان السلامة. وهو ابن عالمه. يجلس على كرسي داود"١.
قال المؤلِّف (الأركون) هو العظيم بلغة الإنجيل، والأراكنة، المعُظَّمون: (لما أبرأ المسيح مجنونًا من جنونه قالت اليهود: إن هذا لا يخرج الشياطين من الآدميين إلاّ بأركون الشياطين"٢. يعنون: عظيمهم.
وقال المسيح أيضًا في الإنجيل: "إن أركون هذا يدان"٣. يريد إما إبليس أو الشرير العظيم الشّرّ من الآدميين.
وسماه إلهًا على نحو قول التوراة: "إن الله جعل موسى إلهًا لفرعون"٤. أي: حاكمًا عليه ومتصرفًا فيه. وعلى نحو قول داود للعظماء من قومه: / (٢/١١٠/ب) إنكم آلهة"٥. فقد شهد أشعيا بصحّة أمر محمّد رسول الله ووصفه بأخص علاماته وأوضحها وهي: شامته٦. فلعمري لم تكن الشامة لسليمان ولا للمسيح. وقد
_________________
(١) ١ أشعيا ٩/٦. "لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابنًا. وتكون الرياسة على كتفه. ويدعى اسما عجيبًا. مشيرًا إلهًا قديرًا. أبا أبديًا. رئيس السلام لنمو رياسته وللسلام. لا نهاية على كرسي داود وعلى مملكته ليثبتها ويعضدها بالحق والبر من الآن إلى الأبد". (ر: البشارة في الدين والدولة ص ١٤٦، ١٤٧، الجواب الصّحيح ٣/٣٢٧، ٣٢٨، والأجوبة الفاخرة ص ١٧٧) . ٢ متى ٩/٣٢-٣٤. ٣ يوحنا ١٦/١١، كالآتي: "فلأن رئيس هذا العالم قد دين". ٤ خروج ٤/١٦. ٥ مزمور ٨٢/٦. ٦ جاء في الحديث عن جابر بن سمرة ﵁ قال: رأيت خاتمًا في ظهر رسول الله ﵇ كأنه بيضة حمام ". أخرجه مسلم ٤/١٨٢٣، والترمذي ٥/٦٠٢، وغيرهم. وعن السائب بن يزيد ﵁. وفيه: "فنظرت إلى خاتمه بين كتفيه". أخرجه البخاري ٤/١٦٣، ومسلم ٤/١٨٢٣.
[ ٢ / ٦٧٥ ]
وصفه بالجلوس على كرسي داود. يعني: أنه سيرث بني إسرائيل نبوتهم وملكهم ويبتزهم رئاستهم.
- البشرى الثّلاثون:
قال أشعيا ووصف أمة محمّد ﵇: "ستمتلئ البادية والمدن من أولاد قيدار. يسبحون من رؤوس الجبال ينادون، هم الذين يجعلون لله الكرامة ويسبحونه في البر والبحر"١.
- البشرى الحادية والثّلاثون:
وقال أشعيا والمراد هاجر أو مكة: "أنا رسمتك على كفي، وستأتيك أولادك سراعًا. ويخرج عنك من أراد أو يخيفك ويخزيك، فارفعي بصرك إلى ما حولك فإنهم سيأتونك ويجتمعون إليك. قسمًا باسمي إني أنا الحيّ لتلبسي الحلل وتزيني بالأكاليل مثل العروس، ولتضيقن خراباتك من كثرة سكانك والراغبين فيك. ولينهزمن كلّ من يناوؤك ولتكثرن أولادك / (٢/١١١/أ) حتى تقولي من رزقني هؤلاء كلهم وأنا وحيدة فريدة نزور رقوب؟: فمن رَبَّى هؤلاء ومن تكفل لي بهم؟! "٢.
_________________
(١) ١ أشعيا ٤٢/١١-١٢. بألفاظ متقاربة. (ر: البشارة في الجواب الصّحيح ٣/٣٢٨، هداية الحيارى ص ١٥٢، الإعلام ص ٢٧٣، مقامع هامات ص ٢٢٥، إظهار الحقّ ص ٢٢٦، ٢٢٧، محمّد رسول الله ﷺ ٦٥، ٦٦. قال الإمام ابن تيمية: "وقيدار هو ابن إسماعيل باتّفاق الناس. وربيعة ومضر من ولده. ومحمّد ﷺ من مضر. وهذا الامتلاء والتسبيح في البر والبحر لم يحصل لهم إلاّ بمبعث محمّد ﷺ. والتسبيح: الصلوات الخمس، وقد جعلت لهم الأرض مسجدًا وطهورًا. فهم يصلون الخمس في البر والبحر". اهـ. ٢ أشعيا ٤٩/١٦-٢١، بألفاظ متاقربة. (ر: البشارة في الدين والدولة ص ١٦٤، ١٦٥، الجواب الصّحيح ٣/٣٢٨، ٣٢٩) .
[ ٢ / ٦٧٦ ]
وذلك إفصاح من أشعيا بشأن الكعبة. فهي التي ألبسها الله الحلل الديباج الفاخرة ووكّل بخدمتها الخلفاء والملوك. ومكة هي التي رَبَّى لها الأولاد من حجاجها والقاطنين بها. فالحمد لله الذي أوضح لنا الدين وقمع الملحدين.
- البشرى الثّانية والثّلاثون:
قال أشعيا: "مثل الريح العقيم يأتي من التيمن. والظالم يظلم. والمنتهب ينتهب"١.
(التيمن) تهامه. وشُبِّه رسول الله ﷺ بالريح العقيم في تدميره الكافرين، وأنه ﵇ يبعث في زمن جاهلية يظلم بعضها بعضًا وينتهبه، فجاء الأمر كما تنبأ به أشعيا ﵇.
- البشرى الثّالثة والثّلاثون:
قال أشعيا ونَبَّه على انتشار العلم من الحجاز إلى أقطار الأرض: "يا سكان التيمن اسقوا العطاش الماء، وقوتوهم بخبزكم"٢. فالماء هَا هنا كناية عن العلم. قال المسيح في الإنجيل: / (٢/١١١/ب) "من شرب من هذا الماء يعطش. ومن شرب من الماء الذي أسقيه لا يعطش أبدًا. بل تنبع مع بطنه عين ماء الحياة"٣.
_________________
(١) ١ أشعيا ٢١/١، ٢، كالآتي: "وحي من جهة برية البحر. كزوابع في الجنوب. عاصفة يأتي من البرية من أرض مخوفة. قد أعلنت لي رؤيا قاسية. الناهب ناهبًا والخرب مخربًا ". وردت هذه البشارة في: الدين والدولة ص ١٤٨-١٥١، في نصّ مطول فقد كان النّصّ مقدمة للبشارة الثامنة عشرة. ٢ أشعيا ٢١/١٤، ١٥، كالآتي: "هاتوا ماء لملاقاة العطاش يا سكان أرض تيماء. وافوا الهارب بخبزه. فإنهم من أمام السيوف قد هربوا ". قال ابن ربن في تعليقه على البشارة: "فمن هؤلاء العطاش الذين أقبلوا من جهة التيمن الذين أمر الله عزوجل أهل بلدانهم بتلقيهم؟ أو من هؤلاء الذين أجلتهم الحروب أو شردت بهم؟ ومن الذين أمر الله باستقبالهم بالمياه والمطاعم غير العرب عند نهوضها لمحاربة الأمم المحيطة بهم الحائلة بينهم وبين المرعى والماء من الفرس والروم وغيرهم؟ (ر: الدين والدولة ص ١٥٢، وذكرت هذه البشارة في كتاب محمّد ﷺ ص ٣٣، عبد الأحد". ٣ يوحنا ٤/١٤.
[ ٢ / ٦٧٧ ]
يريد بالماء: العلم والحكمة. وذلك إخبار من أشعيا عن ظهور كتاب الله وسنة نبيّه. وكذلك قوله: "قوتوهم بخبزكم" على نحو قول المسيح في الإنجيل: "أنا هو خبز الحياة الذي من أكل منه لم يمت"١. وهذه كلّها كلمات متروكة الظاهر مؤولة.
-[البشرى] ٢ الرّابعة والثّلاثون:
قال أشعيا حاكيًا عن الله تعالى: "اشكر حبيبي وابني أحمد"٣. فسمّاه الله حبيبًا وسمّاه ابنًا على اصطلاح اللسان العبراني. كتسمية إسرائيل ابنًا غير أنه خصّه عليهم بمزيه. فقال: "حبيبي ابني اشكره". فَتَعَبُّد مثل أشعيا بشرك محمّد ﷺ ووضف عليه وعلى قومه شكره وإجلاله ليتبيّن قدره ومنْزلته عنده. وتلك منقبة لم يؤتها غيره من المرسلين.
-[البشرى] ٤ الخامسة والثّلاثون:
قال أشعيا: "إن الأمة التي كانت في الظلمات رأت نورًا باهرًا. والذين كانوا في الدجى وتحت ظلال الموت سطع عليهم الضوء. فلقد أكثرت من الأتباع / (٢/١١٢/أ) والأحزاب لم يستكثر للاغتباط بهم. فأما هم فإنهم فرحوا بين يديك كمن يفرح يوم الحصاد وعند اقتسام الغنائم. لأنك فككت النير أيضًا الذي كان أذلهم والعصا التي كانت على أعناقهم. وكسرت القضيب الذي كان يستعبدهم مثل كسرك من كسرت في يوم مدين"٥.
_________________
(١) ١ يوحنا ٦/٣٥، ٤٨. ٢ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٣ لم أقف على هذا النّصّ في سفر أشعيا. وقد ذكر النّصّ أيضًا في الجواب الصّحيح ٣/٣٢٩، ٣٠٠، وهداية الحيارى ص ١٦٢، والأجوبة الفاخرة ص ١٧٧. ولم يقف د. السقا أيضًا على موضع هذا النّصّ في تعليقه على كتاب: هداية الحيارى. ٤ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٥ أشعيا ٩/٢-٤، بألفاظ متقاربة. ر: البشارة في: الدين والدولة ص ١٤٦.
[ ٢ / ٦٧٨ ]
وذلك موافق لقول الله تعالى في نعت نبيّه محمّد ﷺ: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُم إِصْرَهُم وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَت عَلَيهُم﴾ . [سورة الأعراف، الآية: ١٥٧] . وبرسول الله ﷺ زالت١ ظلمة الشرك وحصل ضوء الإيمان. فكسر الأصنام وأباد الأوثان. وأعلن بالقرآن وعبد الرحمن.
-[البشرى] ٢ السّادسة والثّلاثون:
قال أشعيا: "إنا سمعنا من أطراف الأرض صوت محمّد"٣.
وهذا إفصاح وليس بجمجمة وإعراب من أشعيا باسم رسول الله ﷺ، فليُرنا أهل الكتاب نبيًّا نصّت الأنبياء على اسمه صريحًا سوى رسول الله ﷺ.
-[البشرى] ٤ السّابعة والثّلاثون:
قال أشعيا - وسمي رسول الله ﷺ / (٢/١١٢/ب) ربًّا وإلهًا كتسمية موسى في التوراة -: "إنّ الرّبّ الإله سيظهر بالعزّ والحول والقوّة. أجره معه وعمله أمامه. فهو كالراعي الذي يحوط غنمه ويذودهم عن مراتع الهلاك"٥.
_________________
(١) ١ في م: أزالت. ٢ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٣ ورد في سفر أشعيا ٢٤/١٦، بنصّ مقارب لما ذكره عليّ بن ربن في الدين والدولة ص ١٥٢، ١٥٣. فقال: "قال أشعيا: إنا سمعنا من أطراف الأرض مزمورًا وترتيلًا للبر والخير وهو يقول: إن لي سرًا إن لي سرًا. ويقول: يا ويحي. فجر الفجار فجر الفجار فجورًا فهأنذا محدق بكم يا سكان الأرض الرعب والمهواة والفخ. فمن نجا من الحرب وقع في المهواة، ومن صعد من المهواة اشتمل عليه الفخ. لأن أبواب السماء تفتحت وتزعزعت أساسيات الأرض وارتاعت". فهذا في تفسير ما رقوس. فأما في العبراني الذي هو الأصل فإنه يقول: "إنا سمعنا من أطراف الأرض صوت محمّد". ومكة أطراف الأرض وعلى ساحل البحر. فليعلمونا متى وفي أي دهر نزل بأهل الإشراك والكفر من الروعات والنقم والنكبات مثل ما عَمَّهم ونزل بهم في هذه الدولة؟!! ". اهـ. (ر: البشارة في: الجواب الصّحيح ٣/٣٣٠، وهداية الحيارى ص ١٦٢، والأجوبة الفاخرة ص ١٧٧) . ٤ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٥ أشعيا ٤٠/١٠، ١١، وقد وردت البشارة في الدين والدولة ص ١٥٤.
[ ٢ / ٦٧٩ ]
والدليل على ما قلناه أنه جعل (الرّبّ الإله) المذكور هو إنسانًا له أجر وعمل. وقوله: (أجره معه) . يشير إلى الغنائم التي أحلت له وصفاياها، وقد وصفه أشعيا بالجهاد في سبيل الله واستيلائه على أعدائه بالحول والقوّة والعزّ. وكذلك كان ﵇. وهو١ وأمته الذين قهروا الجبابرة وكسروا الأكاسرة وأبادوا الفراعنة والقياصرة واستولوا على ممالك العالم٢ وهابتهم طبقات بني آدم. ومن شَدَّ طَرَفًا من مغازيهم عرف صحّة ما قلناه.
-[البشرى] ٣ الثّامنة والثّلاثون:
قال أشعيا وذكر ما امتن الله به على أهل الحجاز واليمن من أهل ملة محمّد ﷺ: "إن المساكين والضعفاء والذين جفت ألسنتهم من الظمأ سأسقيهم ماء حيث لا ماء لهم. / (٢/١١٣/أ) أنا الرّبّ أجيب دعوتهم ولن أهملهم بل أفجر لهم في الجبال الأنهار. وأجري بين القفار العيون. وأجعل في البدو آجامًا. وأجري في الأرض العطشى معينًا. وأنبت في القفار غروسًا. ليعلم الناس أن يد الرّبّ فعلت ذلك. وقدوس إسرائيل ابتدعه"٤.
فقد نصّ على أرض رسول الله ﷺ ووصفها بصفاتها وما فجر بها من الأنهار وأجرى من العيون وأنبت من الخيرات لأهلها. وذكر أن يده هي التي فعلت ذلك. وقد أكثر أشعيا ﵇ من ذكر محمّد وأحمد ووصفه أرضه وبلاده وبيته ومنازل أبيه إسماعيل. فلم يبق لجاحد علة ولا لمنكر ريبة.
_________________
(١) ١ ليست في م. ٢ في م: العجم. ٣ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٤ أشعيا ٤١/١٧، ٢٠. وقد وردت هذه البشارة في: الدين والدولة ص ١٥٦، وأعلام النبوة ص ٢٠٣.
[ ٢ / ٦٨٠ ]
-[البشرى] ١ التّاسعة والثّلاثون:
قال أشعيا أيضًا: "لتسبحني وتحمدني حيوانات البر من بنات آوى حتى الأنعام. لأني أجريت الماء في البدو لتشرب منها أمتي المصطفاة التي اصطفيتها"٢.
هذا يصدّقه قول رسول الله ﷺ وقد وَلَّى على أهل مكّة عتاب بن أسيد فقال له: "يا عتاب / (٢/١١٣/ب) أتدري على ما ولّيتك؟. ولّيتك على أهل الله". قالها مرّتين أو ثلاثًا٣. وكنَّى عن أهل الحجاز والبراري ببنات آوى والأنعام لسكنى الفيافي والقفار. وأخبر أشعيا أن الله تعالى اصطفى هذه الأمة من بين سائر الأمم.
-[البشرى] الأربعون:
قال أشعيا: "أنا الرّبّ ولا إله غيري. أنا الذي لا يخفى عليه خافية. بل يخبر العباد بما لم يكن قبل أن يكون، وأكشف لهم الحوادث والغيوب. وأُتِم مشيئتي كلها إني سأدعو طائرًا من البدو البعيد الشاسع"٤.
والطائر المدعو من البدو البعيد الشاسع هو محمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم٥.
_________________
(١) ١ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٢ أشعيا ٤٣/٢٠، ٢١. وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٥٧، والأجوبة الفاخرة ص ١٧٧. ٣ تقدم تخريجه. ر: ص: ٢٥٠. ٤ أشعيا ٤٦-٩-١١. كالآتي: "اذكروا الأوليات منذ القديم. لأني أنا الله وليس آخر الإله. وليس مثلي مخبر منذ البدء بالأخير ومنذ القديم بما لم يفعل. قائلًا رأيي. يقوم، وأفعل كلّ مسرتي. داع من المشرق الكاسر من أرض بعيدة. رجل مشورتي قد تكلمت فأجريه". وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٥٧، والأجوبة الفاخرة ص ١٨٢. ٥ قال القرافي موضحًا البشارة السابقة: "فهذا (طائرًا) هو: محمّد ﷺ. لأنه من البدو الشاسع عن إقليم بني إسرائيل. وسماه طائرًا لطيران ملكه. وهديه في الآفاق. والحمل على الطائر الحقيقي لا يبقى في هذا الكلام العظيم فائدة. فتعين حمله على معنى نفيس لائق بهذا السياق العظيم ولم تقع في هذا العالم ما يليق بهذا الخبر سوى محمّد ﷺ فتعيّن". اهـ. (الأجوبة الفاخرة ص ١٨٢، ١٨٣) .
[ ٢ / ٦٨١ ]
-[البشرى] ١ الحادية والأربعون:
قال أشعيا متنبئًا على ما شرحه الكتاب العزيز من نعيم أهل الجنة: "يا معشر العطاش توجهوا إلى الماء والورود. ومن ليس معه فضة فليذهب و[يمتر] ٢ ويأكل ويشرب من الخمر واللبن مجانًا بلا ثمن"٣. ذلك تصديق لقوله تعالى: / (٢/١١٤/أ) ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّر طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّن خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٍ مِّن عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُم فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ . [سورة محمّد ﷺ، الآية: ١٥] . وفي ذلك تكذيب للنصارى واليهود وكطائفة من أهل الأهواء إذ قالوا: ليس في الجنة شيء من هذه الملاذ.
[البشرى] ٤ الثّانية والأربعون:
قال أشعيا وتنبأ على دعاء محمّد رسول الله ﷺ الكافة وأخبر أن رسالته عامة إلى الناس أجمعين: "إني أقمتك شاهدًا للشعوب، ومدبّرًا وسلطانًا للأمم. لتدعو الأمم الذين لم تعرفهم. ويأتيك الأمم الذين لم يعرفوك هرولة وشدًّا من أجل الرّبّ إلهك. قدوس إسرائيل هو الذي أحمدك، فاطلبوا ما عند الرّبّ واستجيبوا له. وليرجع الخاطئ عن خطيئته والفاجر عن فجوره وليتب٥ إلي لأرحمه"٦.
_________________
(١) ١ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٢ في ص، م (يمتار) والصواب ما أثبتّه. ٣ أشعيا ٥٥/١، وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٦٠. ٤ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٥ في م: زاد (ولينيب) . ٦ أشعيا ٥٥/٤-٧، كالآتي: "هو ذا جعلته شارعًا للشعوب. رئيسًا وموصيًا للشعوب. ها أمة لا تعرفها تدعوها وأمة لم تعرفها تركض إليك من أجل الرّبّ إلهك وقدوس إسرائيل. لأنه قد مجدك. اطلبوا الرّبّ ما دام يوجد ادعوه، وهو قريب ". وقد وردت البشارة بنصّ المؤلِّف في: الدين والدولة ص ١٦٠.
[ ٢ / ٦٨٢ ]
فهذه نبوة مفصحة وبشرى مصرحة باسم أحمد ﷺ. وكأن كلماتها قد جمعها أشعيا من الكتاب العزيز والسنة الطاهرة.
-[البشرى] ١ الثّالثة والأربعون:
وقال أشعيا: "إن الله سبحانه نظر في الناس فلم ير من يعين على الحقّ فأنكر ذلك. / (٢/١١٤/ب) وبعث وليه فأنفذه بذراعه ومهد له بفضله. فاستلأم العفاف والبر كالدرع ووضع على رأسه إكليل الإغاثة والفلح. ولبس الخلاص لينتقم من المبغضين له المعاديين. ويجزي أهل الجزاء٢ جزاءهم أجمعين ليدوم اسم الله في مغارب الأرض وليخشع في مشارقها لجلاله سبحانه"٣. فقد استلأم ﵇ بالبر والتقى ولبسه والتحفه وارتدى، وخلّص أولياءه وانتقم من أعدائه. وأعلن باسم الله في مشارق الأرض ومغاربها. فهذه نبوات ظاهرة وبشارات متضافرة يؤمن بها من قضى الله له بالتوفيق ويجحدها من عدل به عن نهج الطريق.
-[البشرى] ٤ الرّابعة والأربعون:
قال أشعيا وتنبأ بها على مكّة: "قومي وأزهري مصباحك فقد دنا وقتك وكرامة الله طالعة عليك، فقد تخلل٥ الأرض الظلام وغطى على الأمم كلّها
_________________
(١) ١ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٢ في م: الجزائر. ٣ أشعيا ٥٩/١٦-١٩، وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٦٠، ١٦١. ٤ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٥ في م: (محل) .
[ ٢ / ٦٨٣ ]
الضباب، يشرق عليك إشراقًا. يظهر عليك كرامته. فتسير الأمم إلى نورك. والملوك إلى ضوء طلوعك١./ (٢/١١٥/أ) إنهم سيأتونك ويحجون إليك من البلد البعيد. ويتربى بنوك وبناتك على السرر والأرائك"٢.
وهذه نبوءة على تخصيص مكّة بشدّ الرحال إليها وتمليك أهلها وظهور الإيمان بالله منها. وإزالة ظلم الجهل بمصباح العلم المأخوذ عن أولادها. فمن أبى من المخالفين تنْزيل هذا الكلام على مكّة والكعبة [فليرنا] ٣ كعبة أخرى في الأرض شرقًا وغربًا وشريعةً هاديةً من الضلال. وملة ثابتة خالدة على مرّ الأحوال.
-[البشرى] ٤ الخامسة والأربعون:
وقال أشعيا باسم الكعبة وحجها وتعظيمها: "إنه سيرد عليك أبناؤك من بلد بعيد. ومعهم فضتهم وذهبهم من أجل اسم الرّبّ إلهك قدوس إسرائيل الذي أحمدك. وتبنى أبناء الغرباء سورك. وتخدمك ملكوهم. وتفتح أبوابك آناء٥ الليل والنهار فلا تغلق. وتدخل إليك أرسال الأمم. وتقاد إليك ملوكهم أذلة. وكلّ أمة لا تخضع لك تتبدد تبديدًا. والشعوب التي لا تخدمك/ (٢/١١٥/ب) تصطلم اصطلامًا. وتأتيك الكرامة من صنوبر لبنان البهي. ومن الأبهل لتبخر به بيتي وموضع قدمي ومستقر كرامتي. والقوم الذين كانوا يذلونك يأتون لتقبيل آثار أقدامك. وأجعلك كرامة إلى الأبد وغبطة وفرحًا إلى دهر الداهرين
_________________
(١) ١ في م: طوع. ٢ أشعيا ٦٠/١-٤. وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٦١، مقامع هامات ص ٢٧٦،الإعلام ص ٢٧٩، هداية الحيارى ص١٤٩،الأجوبة الفاخرة ص١٧٧. ٣ في ص، م (فليرينا) والصواب ما أثبتّه. ٤ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٥ في م: لها.
[ ٢ / ٦٨٤ ]
و[سترضعين] ١ ألبان الشعوب. وتصيبين من ذخائر الملوك. و[تعلمين] ٢ أني أنا الرّبّ مخلصك. والذي يجعل مصابحك تزهر إلى الأبد"٣.
فهذا أشعيا قد نصّ فصرح وحقق أمر بيت الله العتيق وأفصح [فليوجد لنا] ٤ المخالف بيتًا لله تعالى موصوفًا بهذه الصفات مخصوصًا بهذه الكرامات مشتملًا على قدم إبراهيم مقبلًا مقبولًا في الغداة والأًصيل.
-[البشرى] ٥ السّادسة والأربعون:
قال أشعيا مخاطبًا للنبيّ محمّد ﷺ: "هكذا يقول الرّبّ قدوس إسرائيل ستقوم لك الملوك إذا رأوك وتسجد لك السلاطين. لأن وعد الله حقّ وأنا الذي انتخبتك واخترتك وفي / (٢/١١٦/أ) شدائدك أعنتك. لنفسي اجتبيتك وجعلتك ميثاقًا للشعوب ونورًا للأمم. لترث الأرض وتطلق الأسرى المسجونين وتؤمنهم. وتجعل الجبال طرقًا مذللة. وتوافيك الأقوام من بلاد شاسعة. فسبحي أيتها السماء٦ واهتزي أيتها الأرض فرحًا وابتهجي أيتها الجبال بالحمد. فقد تلاقى الرّبّ شعبه ورحم المساكين من خلقه"٧.
اعلم أن هذه النبوة لا تليق بغير رسول الله ﷺ فهو مختار الله ومجتباه ومنتخبه من خلقه. الذي أعانه على شدائده. وهو رجل واحد بغير أعوان ولا معتضد بأنصار حتى قهر الملوك فدانوا بدينه. والتزموا شرعه وتقيدوا بأحكامه وأخذوا بسنته طوعًا وكرهًا واختيارًا وجبرًا. وورث الأرض وفتحها هو وأمته شرقًا وغربًا
_________________
(١) ١ في ص، م (سترضعين تعلمي) والصواب ما أثبتّه. ٢ في ص، م (تعلمي) والصواب ما أثبتّه. ٣ أشعيا ٦٠/١-٩، وقد وردت البشارة في: ب ٢ ١٦٣، وذكرت مقدمة هذه البشارة في نفس الإصحاح في البشارة الثامنة عشرة. ر: ص: ٤٨٨. ٤ في ص، م (فليوجدنا) والصواب ما أثبتّه. ٥ في ليست في ص، وأثبتها من م. ٦ في ص: تكررت لفظه: (أيتها) . ٧ أشعيا ٤٩-٧-١٣. وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٦٣، ١٦٤. وذكرت مقدمة هذه البشارة في نفس الإصحاح في البشارة العشرون ص: ٤٨٩.
[ ٢ / ٦٨٥ ]
وجنوبًا وشمالًا. وقيد الملوك والطغاة. وفكّ الأسرى والمسجونين. وأمن الجبال الوعرة ودكّها فصارت شرائع وطرقًا١ مسلوكة. وقد كانت العرب قبل مبعثه ﷺ / (٢/١١٦/ب) محبوسة بأرضها [لا يتجاوزونها] ٢ من خوف فارس وكسرى وقيصر وغيرهما من الملوك. وأطلقها الله برسوله من سجنها. وأورثهم أرض فارس وقيصر وغيرهما وملكهم أموالهم فاستخرجوا ذخائرهم وحازوا معاقلهم وتملكوا عقائلهم.
فإن قيل: ما معنى قول أشعيا في أوّل هذه البشارات: "يا قدوس إسرائيل".
قلنا: هو إنما يخاطب في أيامه بني إسرائيل. وبنو إسرائيل إذا دعوا الله قالوا: يا قدوس إسرائيل افعل بناكذا وكذا. فاحتاج أن يخاطبهم بما يفهمون.
-[البشرى] ٣ السّابعة والأربعون:
قال أشعيا وتنبأ على الكعبة والركن الأسود: "هكذا يقول الرّبّ: هأنذا ناصب للأمم علمًا وآية. وهي أنهم يأتونك بأبنائهم وبناتهم على أيديهم وأكتافهم وتكون الملوك ظؤورتك٤ وعاقل نسائهم مرضعاتك ويخرون على وجوههم سجدًا لك ويلحسون تراب أقدامك. فتعلمين حينئذٍ أني أنا الرّبّ الذي لا يخزى الراجون لدى"٥.
الظوؤورة: جمع ظئر. وهي: الداية والمزيِّنة / (٢/١١٧/أ) والمرضعة يشير إلى ما قام الملوك ونساء الملوك من خدمة المسجد الحرام وتحلية الكعبة وتزيينها بالديباج والذهب والفضة وتغليفها بالمسك وغسلها بالماورد المفتوق فيه الطيب٦ الفاخر. وتذللهم
_________________
(١) ١ في م: (طرق) وهو خطأ. ٢ في ص (لا يتجاوزها)، وفي م (لا يتجاوزها) والصواب ما أثبتّه. ٣ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٤ في م: خاوورتك. ٥ أشعيا ٤٩/٢٢-٢٣. وقد وردت هذه البشارى في: الدين والدولة ص ١٦٥، ١٦٦. وذكرت مقدمة هذه البشارة في نفس الإصحاح في البشارتين: العشرين والسّادسة والأربعين. ٦ في م: زاد: (و) .
[ ٢ / ٦٨٦ ]
حولها وخضوعهم لأهلها وتطوافهم حولها. وتقبيلهم حجرها. حفاة الأقدام حسر الرؤوس مبتذلين متواضعين. فأي بيان أبين من هذا البيان لمن نوّر الله قلبه وجوهر لبه وأراد به الخير وحماه من الهوى؟!!.
-[البشرى] ١ الثّامنة والأربعون:
قال هوشاع٢ النبيّ وتنبأ على محمّد رسول الله ﷺ: "قال الرّبّ أنا الرّبّ الإله الذي رعيتك في البدو. وفي أرض قفر خراب غير مأهول. وفي أرض لا أنيس بها"٣.
وما يعرف من هذا حاله سوى محمّد رسول الله ﷺ أو أبوه إسماعيل ﵇.
-[البشرى] ٤ التّاسعة والأربعون:
قال هوشع متنبأ على أمة محمّد ﵇: "قال الله: إنها أمة جليلة عزيزة لم يكن مثلها قط / (٢/١٧٢/ب) ولا تكون. النار تحرق من أمامها ومن خلفها"٥.
وتلك أمة النبيّ محمّد ﷺ وهي التي لا تقوم لها شيء من الأمم كأنها النار في إحراقها، وقد وصفها الله بالجلالة والعزّة٦ وأنه لم يكن في العالم مثلها ولا يكون
_________________
(١) ١ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٢ هوشع: اسم عبري معناه: (الخلاص) . وهو ابن بئري. وهو عند أهل الكتاب من الأنبياء الصغار الاثني عشر. وقد عاصر هوشع سقوط السامرة التي كان ينتمي إليها - سنة ٧٢٢هـ. ق. م. وكان معاصرًا لأشعيا الذي تنبأ في مملكة الجنوب (يهوذا) . وينسب إلى هوشع سفر باسمه يحتوي على (١٤) إصحاحًا. (ر: قاموس ص ١٠٠٥، ١٠٠٦) . يقول سبينوزا: "إن سفر هوشع قد كتب بعد موته بمدة طويلة. ولا يذكر السفر إلاّ جزءًا ضئيلًا من نبوته - ثم يقول: - ولكني أعجب حقًا من أننا لا نعرف شيئًا عن رجلٍ استمرت نبوته أكثر من ٨٤ سنة. كما يشهد الكتاب نفسه. (ر: رسالة في اللاهوت ص ٣١٤، ٣١٥) . ٣ هوشع ١٣/٤-٦ بألفاظ متقاربة. وقد وردت البشارة في: كتاب الدين والدولة ص ١٦٧. ٤ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٥ لم أعثر على هذا النّصّ في سفر هوشع. وقد وردت في البشارة في: الدين والدولة ص ١٦٧، ١٦٨. ٦ في م: العز.
[ ٢ / ٦٨٧ ]
أبدًا. وتلك تزكية ومدحة جليلة وثناء فخم من الله لهذه الأمة. وهو دليل محبته لها لأنه تعالى إذا أحب شيئًا فخّمه وعظمه. فلله ربنا الحمد السرمد والمدح المؤبد.
-[البشرى] ١ الخمسون:
قال هوشع النبيّ على محمّد ﷺ: "وقد بلغ وقت النعمة ودنا ميقات الجزاء، فليعرف بنو إسرائيل الجهلة النبي السفير وليتبينوا٢ شأنه. فإنه لا خفاء بالرجل الذي عليه روح السفارة. وإن كثرة إثمهم وخطاياهم هي التي حملتهم على الخبث"٣.
قوله: "قد بلغ وقت النعمة". يعني بذلك وقت محمّد ﷺ، فشهد هوشاع أنه نعمة على العالمين نظيره قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ . [سورة الأنبياء، الآية: ١٠٧] .
-[البشرى] ٤ الحادية الخمسون:
قال هوشاع وهو أحد الاثني / (٢/١١٨/أ) عشر وتنبأ على أمة محمّد ﵇: "إن
_________________
(١) ١ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٢ في م: وليهوا. ٣ ورد النّصّ في سفر هوشع ٩/٧-٩، كالآتي: "جاءت أيام العقاب جاءت أيام الجزاء، سيعرف إسرائيل النبيّ أحمق إنسان الروح مجنون من كثرة إثمك وكثرة الحقد. أفرايم منتظر عند إلهي النبي فخ صياد على جميع طرقه. حقد في بين إلهه. قد توغلوا فسدوا كأيام جبعة سيذكر إثمهم سيعاقب خطاياهم". وقد ذكر هذه البشارة أيضًا القرطبي في الأعلام ص ٢٧٥، ٢٧٦، بلفظ مقارب لما ذكره المؤلِّف. ولكنه أخطأ في نسبه النّصّ إلى سفر أشعيا. ٤ ليست في ص، وأثبتّها من م.
[ ٢ / ٦٨٨ ]
إفرام قد اكتفى بالكذب والفرية، وبنو إسرائيل ويهوذا قد عنوا بالكذب والخيانة حتى نزلت أمة الله الأمة المقدسة المؤمنة"١. وهذه صفة أمة محمّد ﷺ.
-[البشرى] ٢ [الثّانية] ٣ والخمسون:
قال ميخا النبيّ وتنبأ على بيت الله الحرام وما يحجه من الناس: "إنه يكون في- آخر الأيام بيت الرّبّ مبنيًا على قلل الجبال وفي أربع رؤوس العوالي. يأتيه جميع الأمم يقولون: تعالوا نطلع إلى جبل الرّبّ"٤.
وذلك كله صفة البيت العتيق وجبل عرفة. فإن زعم أهل الكتاب أن ذلك بيت المقدس لم يصحّ قوله: "إن ذلك إنما يكون في آخر الأيام". وبيت المقدس قد كان موجودًا معظمًا في زمن ميخًا قائل هذه النبوءة. والنبيّ إنما يتنبأ على شيء لم يأت ولا يتنبأ على ما هو حاضر عنده.
-[البشرى] ٥ الثّالثة والخمسون:
قال حبقوق وسمى محمّد رسول الله مرّتين في نبوته: "إن الله جاء من التيمان. والقدوس / (٢/١١٨/ب) من جبل فاران. لقد أضاءت السماء من بهاء محمّد. وامتلأت الأرض من حمده. شعاع منظره مثل النور. يحوط بلاده بعزّة. تسير المنايا أمامه. وتصحب سباع الطير أجناده. قام فمسح الأرض فتضعضعت له الجبال
_________________
(١) ١ ورد النّصّ في سفر هوشع ١١/١٢، كالآتي: "قد أحاط بِيَ أفرايم بالكذب. وييت إسرائيل بالمكر. ولم يزل يهوذا شاردًا عن الله وعن القدس الأمين". وقد نقل القرافي هذه البشارة عن المؤلِّف في الأجوبة الفاخرة ص ١٧٧، ١٧٨. وقال: "فصرح بأن بني إسرائيل واليهود على الكذب والضلال حتى تأتي الأمة المقدسة. ولم يأت بعد نبي إسرائيل أمة غيرنا. فإن النصارى داخلون في بني إسرائيل. فيكون نحن الأمة المقدسة. وهو المطلوب". اهـ. ٢ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٣ في ص، م (الاثنى) والصواب ما أثبتّه. ٤ سفر ميخا ٤/١، ٢، وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٦٨، وتحفة الأريب ص ٢٧٨، والأجوبة الفاخرة ص ١٧٨. ٥ ليست في ص، وأثبتّها من م.
[ ٢ / ٦٨٩ ]
القديمة. وانخفضت الروابي. وتزعزعت ستور أهل مدين. ولقد حاز المساعي القديمة - ثم قال: زجرك في الأنهار واحتدام أصواتك في البحار. وركبت الخيول. وعلوت مراكب الإنقاذ. وستترع في قسيك إغراقًا وترعًا. وترتوي السهام بأمرك يا محمّد ارتواء. ولقد رأتك الجبال فارتاعت. وانحرف عنك شؤبوب١ السيل. ونعرت٢ المهاري نعيرًا ورعبًا. ورفعت أيديها وجَلا وخوفًا. وسارت العساكر في بريق سهامك ولمعان نيازكك٣. تدوخ الأرض غضبًا وتدوس الأمم زجرًا. لأنك ظهرت بخلاص أمتك وإنقاذ تراث آبائك"٤.
اعلم أنه من رام صرف نبوة حبقوق هذه عن محمّد ﷺ فقد رام ستر النهار وحبس الأنهار. وأنّى يقدر/ (٢/١١٩/أ) على ذلك وقد سماه باسمه مرّتين وأخبره بقوة أمته وسير المنايا أمامهم واتباع جوارح الطير آثارهم. وهذه النبوة لا تليق إلاّ بمحمّد ولا تصلح إلاّ له ولا تنَزَّل إلاّ عليه فمن حاول صرفها عنه فقد حاول ممتنعًا.
-[البشرى] ٥ الرّابعة والخمسون:
قال صفنيا النبي ﵇ وتنبأ على كلمة التوحيد هي شهادة أن لا إله إلاّ الله: "أيّها الإنس تَرجوا اليوم الذي أقوم فيه للشهادة. فقد حان أن أُظهر
_________________
(١) ١ الشُّؤبوب: الدفعة من المطر. وحدّ كلّ شيء. وشدّة دفعه. وجمعه: شآبيب. (ر: القاموس ص ١٢٧) . ٢ النعير: الصراخ والصياح في حرب أو شر. (ر: القاموس ص ٦٢٤) . ٣ في م: بناؤكك. ٤ ورد النّصّ في سفر حبقوق ٣/٣-١٥، كالآتي: "الله جاء من تيمان. والقدوس من جبل فاران. سلاه - جلاله غطى السماوات والأرض امتلأت من تسبيحه، وكان لمعان كالنور ". ولم يذكر بالنسخة الحالية اسم محمّد ﷺ كما ذكر المؤلِّف. وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٦٩، ١٧٠، أعلام النبوة ص ٢٠٤، مقامع هامات ص ٢٢٧، الإعلام ص ٢٧٤، الجواب الصّحيح ٣/٣٣٠، هداية الحيارى ص ١٦٢، ١٦٣، محمّد ﷺ ص ٧١، إبراهيم خليل، الأجوبة الفاخرة ص ١٧٨. ٥ ليست في ص، وأثبتّها من م.
[ ٢ / ٦٩٠ ]
حكمي لحشر الأمم كلها. هنالك أجدد لهم اللغة المختارة ليعلنوا باسم الرّبّ جميعًا ويعبدوه في ربقة واحدة. ويأتون بالذبائح في تلك الأيام من معابر أنهار كوش"١.
واللغة المختارة هي لغة العرب. وهي التي طبقت الأرض وملأت الدنيا وتكلم غير أهلها وهجروا لغاتهم لخفتها. ومعابر أنها ركوش هي نواحي اليمن والحجاز، وهي التي تساق منها الأغنام والهدي إلى بيت الله الحرام. فمن ظن أن (كوش) تحمل أغنامه وذبائحه إلى الشام وبيت المقدس فقد ظنّ عجزًا.
-[البشرى] ٢ الخامسة والخمسون: (٢/١١٩/ب)
قال زكريا النبيّ وتنبأ أيضًا على جمع كلمة التوحيد وصيرورة الدين دينًا واحدًا: "أنه يكون الرّبّ يومئذٍ ربًّا واحدًا ويكون اسمه اسمًا واحدًا"٣.
وقد صار الأمر كذلك بمحمّد رسول الله ﷺ، شرقًا وغربًا فجنوبًا وشمالًا، فمن شَذَّ عن ذلك فإلى النار.
-[البشرى] ٤ السّادسة والخمسون:
قال زكريا أيضًا: "وفي ذلك اليوم يكون اسم الرّبّ القدوس على كلّ شيء حتى على لجام الفرس"٥.
فقد تمت هذه النبوة ببعثة محمّد ﷺ. وصار اسم الله على كلّ شيء من ثوب
_________________
(١) ١ ورد النّصّ في سفر صفنيا ٣/٨-١٠، كالآتي: "لذلك فانتظروني يقول الرّبّ إلى يوم أقوم إلى السلب. لأن حكمي هو بجمع الأمم وحشر الممالك لأصب عليهم سخطي كلّ حمو غضبي. لأنه بنار غيرتي تؤكل كلّ الأرض. لأني حينئذ أحول الشعوب إلى شفة نقية ليدعوا كلّهم باسم الرّبّ ليعبدوه بكتف واحدة. من عبر أنها كوش المتضرعون إلي. متبددي يقدمون تقدمتي". وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٧١، ١٧٢، وأعلام النبوة ص ٢٠٦. ٢ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٣ سفر زكريا ١٤/٩، وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٧٢، ١٧٣. ٤ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٥ ورد النّصّ في سفر زكريا ١٤/٢٠، كالآتي: "في ذلك اليوم يكون على أجراس الخيل قدس للرّبّ". وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٧٣.
[ ٢ / ٦٩١ ]
ودار وسلاح وذهب وفضة وغير ذلك. وذلك شيء لم يكن يعرف قبل بعثه رسول الله ﷺ.
-[البشرى] ١ السّابعة والخمسون:
قال أرميا النّبيّ ﵇ وخاطب بها محمّدًا صلى الله عليهما حاكيًا عن الله: "من قبل أن أصورك في الرحم عرفتك. ومن قبل أن تخرج من الرحم قدستك وجعلتك نبيًّا للأمم. لأنك بكل ما آمرك تصدع٢. وإلى كلّ من أرسلتك تتوجه. وأنا معك لخلاصك يقول الرّبّ: / (٢/١٢٠/أ) أفرغت كلامي في فمك إفراغًا. فانظر فقد سلطتك اليوم على الأمم والممالك لتنسف وتهدم وتبتر وتسحق وتغرس وتبني ما رأيت"٣.
قال المؤلِّف: قول أرميا: "أفرغت كلامي في فمك إفراغًا"، نظير لقول الله تعالى في التوراة: "أجعل كلامي في فمه"٤. يعني النبيّ ﵇. وهذه نبوات متضافرة ودلالات متظاهرة. فسبحان من بخس اليهود والنصارى حظهم من الإيمان بها والتمسك بسببها.
-[البشرى] ٥ الثّامنة والخمسون:
قال أرميا أيضًا وتنبأ على نصر الأمة المحمّدية على اليهود والنصارى وغيرهم: "إني مُهيِّج عليكم يا بني إسرائيل من البعد أمة عزيزة أمة قديمة. أمة
_________________
(١) ١ ليس في ص، وأثبتها من م. ٢ في م: تصنع. ٣ أرميا ١/٤-١٠. وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٧٣، ١٧٤، مقامع هامات ص ٢٢٣، هداية الحيارى ص ١٧٠، ١٧١. ٤ تثنية ١٨/١٨. ٥ ليست في ص، وأثبتها من م.
[ ٢ / ٦٩٢ ]
لا تفقهون لسانها وكلّها مجرب جبار"١. فهذه هي الأمة الحنيفية العربية التي سلطها الله على كلّ من كفر به وعبد معه عجلًا ووثنًا. واتّخذ من دونه آلهة أخرى. وقد صدق الله في خبره ووفى بقوله سبحانه تعالى.
-[البشرى] ٢ التّاسعة والخمسون:
وقال أرميا متنبئًا على أمة محمّد ﷺ: "إني جاعل شريعتي في / (٢/١٢٠/ب) أفواههم وأكتبها في قلوبهم، وأكون لهم إلهًا ويكونون لي شعبًا. ولا يحتاج الرحل أن يتعلم من غيره الدين والملة ومعرفة الله. بل يصير الكلّ عارفين بالله صغيرهم وكبيرهم، وأنا أغفر حينئذٍ ذنوبهم ولا أقرعهم بخطاياهم"٣.
هذه النّبوة الجليلة القدر شاهدة بأن هذه الأمة هي أمة الله. وأن هذا الشعب الطاهر شعبه، وكفى بذلك فضلًا وشرفًا. فلا نعلم أمة تقرأ كتاب ربّها عن ظهر قلب المَلِك إلى الأتوني سوى هذه الأمة المحمدّية. فأما من عداها من الأمم فإنما يقرؤون من الصحف ويسمعون من غيرهم.
-[البشرى] السّتّون:
قال أرميا أيضًا وتنبأ على إزالة ملك الفرس وهلاك فارس بالمسلمين من أمة محمّد ﷺ: "يقول الرّبّ: إني كاسر قوس٤ [عيلم] ٥ رأس عزّهم وجبروتهم
_________________
(١) ١ سفر أرميا ٥/١٥، ١٦. وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٧٤. والأجوبة الفاخرة ص ١٨٢. ٢ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٣ سفر أرميا ٣١/٣٣-٣٥. وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٧٤. ٤ في م: نفوس. ٥ في ص، م (عيكم) . والتصويب من نصّ سفر أرميا. وعليكم أو عيلام: اسم عبري من أصل أكادي معناه: (مرتفعات) وهي بلاد فيما وراء دجلة، وإلى الشرق من مملكة بابل. وقد سميت بعيلام نسبة إلى عيلام بن سام ونسله العيلاميون. (ر: قاموس ص ٦٥١) .
[ ٢ / ٦٩٣ ]
وإني أغري بعيلم أربعة رياح من أربع جهات السماء، وأبدد أهلها في تلك الجهات، وأفض عيلم قدام أعدائهم فضًّا. وأفُلُّهم قدام طالبي أنفسهم فلًاّ، وأنْزل عليهم البلاء والرجز / (٢/١٢١/أ) الأليم حتّى أفنيهم ثم أنصب كرسي بعيلم، وأبيد من هناك من الملوك"١.
عيلم هي العراق. والملوك الذين كانوا بها هم ملوك الفرس ونزوله تعالى (بعيلم) هو نزول الأمة المحمّدية التي ذكر في النبوة المتقدمة أنها شعبه وأمته، ونصب كرسيه بها هو إقامة الخلفاء من أهل بيته بها وبناؤهم بها المساجد والجوامع والمدارس لإقراء كلامه وسنن رسله، ولا خفاء أن ذلك كلّه لم يتحقق إلاّ بمحمّد وأمته.
-[البشرى] ٢ [الحادية] ٣ والسّتّون:
قال أرميا وشافه بها محمّدًا رسول الله ﷺ: "أعد آلات الحرب فإني أُبدد بك الشعوب، وأبدد بك الخيل وفرسانها والمراكب وركبانها، وأبدد بك الطغاة لتجازي الكذابين بأوزارهم التي ارتكبوها. هذا قول الرّبّ"٤. فقد صدق الله ورسله، وبدّد برسول الله ﷺ شعوب المشركين وخيلها وفرسانها ومراكبها وركبانها وانتقم به وبأمته من الكذابين من الفرس والديلم والروم وأهل الكتاب، فكذب الفرس أنهم / (٢/١٢١/ب) أناطوا الألوهية والربوبية بالنار. واليهود أنهم قذفوا أنبياءهم وحكموا بأن معبودهم جسم من الأجسام. وكذب النصارى لاعتقادهم أن ربّهم الذي خلقهم ورزقهم هو رجل من بني آدم. وكذب اليهود
_________________
(١) ١ أرميا ٤٩/٣٥-٣٨. وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٧٥. ٢ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٣ في ص، م (الأحد) والصواب ما أثبتّه. ٤ أرميا ٥١/٢٠-٢٤، وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٧٦.
[ ٢ / ٦٩٤ ]
إناطتهم الربوبية بالأنداد من الحجارة والخشب، وكذب الصائبة وغيرهم إناطتهم الربوبية بالكواكب ونجوم السماء، فسلط الله عليهم رسوله محمّدًا ﷺ، فأباد١ أبدادهم وأخمد نيرانهم وكسر صلبانهم ومحق أوثانهم وأفنى فرسانهم.
-[البشرى] ٢ الثّانية والسّتّون:
قال حزقيال النبيّ متنبئًا على هذه الأمة العربية المحمّدية: "إن كرمة أخرجت ثمارها وأغصانها، فأشرفت على الأكابر والسادات، وارتفعت وبسقت أفنانها، فلم تلبث تلك الكرمة أن قلعت٣ بالسخط ورمي بها على الأرض فأكلتها. فعند ذلك غرس٤ غرس في البدو وفي الأرض المهملة المعطلة / (٢/١٢٢/أ) العطشى وخرجت من أغصانه فأكلت تلك حتى لم يوجد فيها [عصا] ٥ قوية ولا قضيب بأمر السلطان"٦.
يريد بالغرس الأوّل: ملل النصارى واليهود وسائر الطوائف. وكيف سخط الله عليهم وأباد جموعهم واجتثت أصولهم وفروعهم. ويريد بالغرس الجديد الذي غرسه في البدو والأرض العطشى هذه الأمة الغريبة والشريعة المحمّدية
_________________
(١) ١ في م: زياد (أيد) . ٢ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٣ في م: قلت. ٤ ليست في م. ٥ في ص، م (غضوا) والتصويب من الدين والدولة ص ١٧٧. ٦ حزقيال ١٩/١٠-١٤، وقد وردت البشارة في الدين والدولة ص ١٧٧، أعلام النبوة ص ٢٠٥، ومقامع هامات ص ٢٢٨، والإعلام ص ٢٧٦، هداية الحيارى ص ١٧٢، محمد رسول الله ص ٦٩، ٧٠، الأجوبة الفاخرة ص ١٧٨، ١٧٩.
[ ٢ / ٦٩٥ ]
واستيلاءها على ممالك من تقدم حتى لم يدع لها عزًّا ولا سلطانًا إلاّ احتوت عليه وأكلته وهذه نبوءة واضحة وبشارة صادقة.
-[البشرى] ١ الثّالثة والسّتّون:
وقال حزقيال أيضًا وهو يتهدد اليهود ويصف أمة محمّد ﷺ: "وأن الله مظهرهم عليكم وباعث فيهم نبيًّا، ومنَزِّل عليهم كتابًا. ومملكهم رقابكم فيقهرونكم ويذلونكم بالحقّ، وتخرج رجال بني قيدار في جماعات الشعوب، معهم ملائكة على خيل بيض متسلحين فيحيطون بكم، وتكون عاقبتكم إلى النار"٢. نعوذ بالله من النار.
-[البشرى] ٣ الرّابعة والسّتّون: / (٢/١٢٢/ب)
قال دانيال النبيّ ﵇ وذكر محمّدًا رسول الله ﷺ باسمه فقال: "ستنْزع في قسي إغراقًا، ترتوي السهام بأمرك يا محمّد ارتواء"٤. فهذا تصريح بغير تعريض وتصحيح ليس فيه تمريض. فإن نازع في ذلك منازع فليوجد لنا] ٥ آخر اسمه محمّد له سهام تنْزع. وأمر مطاع لا يدفع.
_________________
(١) ١ ليست في ص. وأثبتّها من م. ٢ لم أعثر على هذا النّصّ في سفر حزقيال بالنسخة الحالية. ولكن توجد بعض ألفاظ هذا النّصّ في سفر حزقيال ٣٨/١٤-٢٣، وقد ورد البشارة بالنّصّ الذي ذكره المؤلِّف في الجواب الصّحيح ٣/٣٣١، وهداية الحيارى ص ١٦٤، ومقامع هامات ص ٢٢٥، والإعلام ص ٢٧٣، الأجوبة الفاخرة ص ١٧٩. ٣ ليست في ص. وأثبتّها من م. ٤.لم أعثر على نصّ بهذا اللفظ في سفر دانيال. وقد تقدم ذكر هذا النّصّ في البشارة الثّالثة والخمسون التي وردت في سفر حبقوق. وقد وردت هذه البشارة بنصّها في: الجواب الصّحيح ٣/٤، الأجوبة الفاخرة ص ١٧٩. ٥ في ص، م (فليوجدنا) والصواب ما أثبتّه.
[ ٢ / ٦٩٦ ]
-[البشرى] ١ الخامسة والسّتّون:
قال دانيال ﵇: "طوبى لمن أدرك أيام الألف والثّلاثمائة والخمسة والثّلاثين"٢.
وقد اعتبر العلماء العارفون بأيام الناس وتواريخهم فلم يجدوا ذلك ينْزل على واقعة بعد أيام دانيال سوى عدد من كان من المسلمين مع رسول الله ﷺ في عام الحديبية وهي مقدمات الفتح٣.
-[البشرى] ٤ السّادسة والسّتّون:
قال دانيال النبيّ ﵇ حين سأله بختنصر عن تأويل رؤيا رآها ثم نسيها: "رأيت أيّها الملك صنمًا عظيمًا قائمًا بين يديك رأسه من ذهب، وساعداه من الفضة. وبطنه وفخذاه من الناس وساقاه من حديد، ورجلاه من خزف،
_________________
(١) ١ ليست في ص. وأثبتّها من م. ٢ سفر دانيال ١٢/١٢، وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٨٣، وقال ابن ربن معلقًا عليها: "فأعملت فيه الفكر فوجدته يوحي إلى هذا الدين وهذه الدولة العباسية خاصة. وذلك أنه لا يخلو دانيال من أن يكون أراد بهذا العدد الأيام والشهور والسنين. أو سرًا من أسرار النبوة يخرجه الحساب. فإن قال قائل: إنه أراد به الأيام. فإنه لم يحدث لبني إسرائيل ولا في العالم بعد أربع سنين فرح ولا حادثة سارة. ولا بعد ألف وثلاثمائة وخمس وثلاثين شهرًا. فإن ذلك مائة وأحد عشرة سنة وأشهر فإن قالوا: عنى به السنين، فإنما ينتهي ذلك إلى هذه الدولة، لأن زمن دانيال إلى المسيح نحو من خمسمائة سنة. ومصداق ذلك ما أوحي إليه: "إنه يأتي عليه وعلى قومه سبعون أسبوعًا في السبي، ثم يرجعون إلى بيت المقدس ويبعث المسيح". ومن المسيح إلى سنتنا هذه ثمانمائة وسبع وستون سنة. وينتهي ذلك إلى هذه الدولة العباسية منذ ثلاثون سنة أو يزيد شيئًا. فإن قال قائل: إنه ليس بسنين أيضًا بل سرّ من أسرار النبوة يخرجها الحساب. فإني فكرت فيه فوجدت عدد هذه الأيام مساويًا لما يجتمع مع عدد حروف: "محمّد خاتم الأنبياء مهدي ماجد". فإنه إذا جمع حروف هذه الألفاظ بحساب الجمل خرج منها ما بيّنا وهي خمسة أسماء ". اهـ. ٣ قال ابن حزم في جوامع السيرة ص ٢٠: "اختلف في عدد المسلمين في غزوة الحديبية، فقيل: إنهم بضع عشرة مائة من الصحابة. وقيل: ألف وخمسمائة لا تزيد أصلًا. وقيل: ألف وثلاثمائة. وقيل: ألف وأربعمائة. وقال بعضهم: كانوا سبعمائة. وهذا وهم شديد ألبتة. والصحيح بلا شكّ بين الألف والثلاثمائة إلى ألف وخمسمائة". (ر: السيرة ٣/٤٢٧، ٤٢٨، لابن هشام، الطبقات ١/٦٩، لابن سعد، المغازي (تاريخ الإسلام) ص ٣٦٣، للذهبي، البداية والنهاية ٤/١٦٤، لابن كثير". ٤ ليست في ص، وأثبتّها من م.
[ ٢ / ٦٩٧ ]
ورأيت حجرًا لم يقطعه يد إنسان قد جاء وصَكَّ / (٢/١٢٣/أ) ذلك الصنم فتفتت وتلاشى وعاد رفاتًا. ثم نسفته الريح فذهب وتحوّل ذلك الحجر فصار جبلًا عظيمًا حتى ملأ الأرض كلّها. هذا ما رأيت أيّها الملك.
فقال بختنصر: "صدقت. فما تأويلها؟ ".
قال دانيال: "أنت الرأس الذي رأيته من الذهب. ويقوم بعدك ولداك اللذان رأيت من الفضة وهم دونك. ويقوم بعدهما مملكة أخرى وهي دونهما وهي التي تشبه النحاس. والمملكة الرّابعة تكون قوية مثل الحديد الذي يدق كلّ شيء. فأما الرجلان التي رأيت من خزف فمملكة ضعيفة وكلمتها مشتتة. وأما الحجر الذي رأيت قد صَكَّ ذلك الصنم العظيم ففتته فهو نبيّ يقيمه الله إله السماء والأرض من قبيلة شريفة قوية، فيدق جميع ملوك الأرض وأممها حتى تمتلئ منه الأرض ومن أمته. ويدوم سلطان ذلك النبيّ إلى انقضاء الدنيا. فهذا تعبير رؤياك أيّها الملك"١. فقد أخبر دانيال عن الله تعالى أن٢ نبيّنا هو خاتم الأنبياء ودولته خاتمة الدول. وصدق بنبوته هذه جميع النبوات الواردة في رسول الله صلى الله عليه وسلم٣.
_________________
(١) ١ سفر دانيال ٢/٣١-٤٥. وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٨٠، ١٨١، أعلام البنوة ص ٢٠٧، ٢٠٩، مقامع هامات ص ٢٢٩، ٢٣٠، الإعلام ص ٢٧٧، الفصل ١/١٩٤، ١٩٥، لابن حزم. الجواب الصّحيح ٤/٣، هداية الحيارى ص ١٦٥، محمّد ﷺ ص ٦٩، ٧٠، إبراهيم خليل، الأجوبة الفاخرة ص ١٧٩، ١٨٠، إظهار الحقّ ص ٥٣٠، ٥٣١، الفصل في الملل والنحل ١/١٩٤، ١٩٥. ٢ ليست في (م) . ٣ يوضح لنا الأستاذ إبراهيم خليل - الذي كان قسيساص فأسلم - تحقق هذه النبوة التي أخبر بها دانيال على النحو الآتي:
(٢) سنة ٧٠١ ق. م مملكة بابل. ويرمز لها بالرأس من الذهب في عهد نبوخذ نصر.
(٣) سنة ٦١٢ ق. م مملكة الكلدانيين في عهد ميداس، ويرمز لها بالفضة.
(٤) سنة ٣٢٦ ق. م المملكة الإغريقية في عهد الإسكندر المقدوني. ويرمز لها بالناس.
(٥) سنة ٥٣ ق. م الإمبراطورية الرومانية في عهد بومباي. ويرمز لها بالحديد.
(٦) سنة٦١٢م الإمبراطورية البيزنطية في الغرب. والإمبراطورية الساسانية في الشرق.
(٧) سنة ٦٣٧م الإسلام. وكتب الرسول ﷺ إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام، وتفويض الإمبراطورية البيزنطية والفارسية.
[ ٢ / ٦٩٨ ]
-[البشرى] ١ السّابعة والسّتّون: / (٢/١٢٣/ب)
قال دانيال النبيّ أيضًا: "رأيت في نومي كأن الرياح الأربع قد هاجت وتموج بها البحر. واعتلج اعتلاجًا شديدًا. ثم صعد منه أربع حيوانات عظام مختلفة الصور؛ الأوّل مثل الأسد وله أجنحة نسر. والحيوان الثاني مثل الدّبّ وفي فمه ثلاثة أضلاع، وسمعت قائلًا يقول له: قم فكل من اللحم واستكثر منه. والحيوان الثالث مثل النمر. وفي جبينه أربعة أجنحة من حديد عظام فهو يأكل ويدق برجليه ما بقي. ورأيته مخالفًا لتلك الحيوانات وكانت له عشرة قرون فلم يلبث أن نجم له قرن صغير من بين تلك القرون ثم صار لذلك القرن عيون، ثم عظم القرن الصغير جدًا أكثر من سائر القرون، فسمعته يتكلم كلامًا عجيبًا وكان ينازع القديسين ويقاوهم. قال دانيال: فقال لي الرّبّ: تأويل الحيوان الرابع مملكة رابعة تكون في آخر الممالك وهي أفضلها وأجلها تستولي على جميع الممالك وتدوسها وتدقها وتأكلها / (٢/١٢٤/أ) رغدًا"٢.
فقد شهد دانيال النبيّ ﵇ وأخبر عن الله أن أمتنا هي الدائمة إلى الأبد. وأن ملتنا هي التي لا يقاومها أحد. وهي التي كانت أكلت الأمم ودقتها وداستها واستولت عليها بإذن الله. ووعده الحقّ وخبره الصدق. فهل يبقى بيان أبين من الله تعالى على ألسن أنبيائه الأطهار؟ وقد٣ قال من فسر كتب أهل الكتاب: "إن الحيوان الأوّل هو
_________________
(١) ١ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٢ دانيال ٧/٢-٢٢. وقد وردت البشارة في الدين والدولة ص ١٨١، ١٨٣، أعلام البنوة ص ٢٠٧، الأجوبة الفاخرة ص ١٨١، ١٨٢، محمّد ﷺ ص ٨٦، ١٠٥، ١٣٣، عبد الأحد داود. ٣ هذا كلام عليّ بن ربن الطبري.
[ ٢ / ٦٩٩ ]
دولة أهل بابل. والحيوان الثاني دولة أهل الماهين١. والحيوان الثالث دولة الفرس، والحيوان الرابع دولة العرب. وفي ذلك تصديق قول الله في التوراة لإبراهيم ﵇: "إني أبارك إسماعيل ولدك وأعظمه جدًّا جِدًّا٢ ومن تولى الله تعالى تعظيمه وتفخيمه وبركته كيف لا يكون كذلك؟ !!.
-[البشرى] ٣ الثّامنة والسّتّون:
قال دانيال: "سألت الله وتضرعت إليه أن يبيّن لي ما يكون من بني إسرائيل، وهل يتوب عليهم ويرد إليهم ملكهم ويبعث فيهم الأنبياء أو يجعل ذلك في غيرهم؟ قال دانيال / (٢/١٢٤/ب) ﵇: "فظهر لي الملك في صورة شاب حسن الوجه فقال: السلام عليك يا دانيال إن الله يقول: إن٤ بني إسرائيل أغضبوني وتمردوا عليَّ وعبدوا من دوني آلهة أخرى. فصاروا من بعد العلم إلى الجهل ومن بعد الصدق إلى الكذب. فسلطت عليهم بختنصر فقتل رجالهم وسبي ذراريهم وهدم بيت مقدسهم وحرق كتبهم وكذلك فعل من بعده بهم. وأنا غير راضٍ ولا مقيلهم عثرتهم. فلا يزالون في سخطي حتى أبعث مسيحي ابن العذراء البتول فأختم عليهم عند ذلك باللعن والسخط فلا يزالون ملعونين، عليهم الذلة والمسكنة، حتى أبعث نبيّ بني إسرائيل الذي بشرت به هاجر وأرسلت إليها ملاكي فبشرتها، فأوحي إلى ذلك النبيّ وأعلمه الأسماء، وأزينه بالتقوى. وأجعل البر شعاره. والتقوى ضميره. والصدق قوله. والوفاء طبيعته. والقصد سيرته. والرشد سنته. أخصه بكتابٍ مصدق لما بين يديه من الكتب وناسخ لبعض ما فيها، أسري / (٢/١٢٥/أ) به إليّ، وأرقيه من سماء
_________________
(١) ١ هي: دولة الماديين: نسبة إلى مادي بن يافث. وكانت مملكتهم قوية تشتمل على فارس وتوابعها وأشور وغيرها. (ر: قاموس ص ٧٢٩-٧٣١) . ٢ تكوين ١٧/١٧. ٣ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٤ ليست في (م) .
[ ٢ / ٧٠٠ ]
إلى سماء، حتّى يعلو فأُدنيه وأُسلِّم عليه وأوحي إليه ثم أرده١ إلى عبادي بالسرور والغبطة، حافظًا لما استودع، صادعًا بما أمر، يدعو إلى توحيدي باللين من القول والموعظة الحسنة. لا فظّ ولا غليظ. ولا صخاب في الأسواق، رؤوف بمن والاه، رحيم بمن آمن به، خشن على من عاداه، فيدعو قومه إلى توحيدي وعبادتي، ويخبرهم بما رآى من آياتي فيكذبونه ويؤذونه - قال المؤلِّف - ثم سرد دانيال قصة رسول الله ﷺ حرفًا حرفًا مما أملاه عليه الملك حتى وصل آخر أيام أمته بالنفخة وانقضاء الدنيا"٢. ونبوته كبيرة وهي الآن في أيدي النصارى واليهود يقرؤونها. وفيها ما وصفنا من إشادة الله بذكر هذه الأمة وذكر نبيّها واتصال مملكتهم بالقيامة. ولكن الحسد وفساد المربي صار قتّار عن السعادة والله الموفّق.
-[البشرى] ٣ التّاسعة والسّتّون:
قال يوحنا الإنجيلي: قال يسوع المسيح في الفصل الخامس عشر / (٢/١٢٥/ب) من إنجيله: "إن الفارقليط روح الحقّ الذي يرسله أبي هو يعلمكم كلّ شيء"٤.
_________________
(١) ١ في م: أردوه. ٢ ورد النّصّ مطولًا في سفر دانيال الإصحاحات: (٩، ١٠، ١١، ١٢) . وبألفاظ مختلفة عما ذكره المؤلِّف. والنّصّ في النسخة الحالية ليس ملزمًا لأهل الكتاب لأن يعد من البشارات. وقد وردت البشارة في: الجواب الصّحيح ٤/٤، ٥، وهداية الحيارى ص ١٦٦، ١٦٧، الأجوبة الفاخرة ص ١٨١، ١٨٢. ٣ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٤ ورد النّصّ في إنجيل١٤/٢٦،كالآتي:"وأما المعزى الروح القدس الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم كلّ شيء ويذكركم بكلّ ما قلته لكم". وقد وردت بشارات الأناجيل المصرخة بلفظ (الفارقليط) في المراجع الآتية: الدين والدولة ص١٧٤،١٨٥، أعلام النبوة ص٢١١-٢١٣، الجواب الصّحيح ٤/٦-٨، هداية الحيارى ص ١١٧-١٣٤، تحفة الأريب ص ٢٦٧-٢٧٠، الإعلام بمناقب ص ٢٠٣، للعامري، الإعلام ص ٢٦٨-٢٧٠، للقرطبي، النصيحة الإيمانية ص ٣١٩-٣٢٠، مقامع هامات ص ٥٥٠، محمّد ﷺ ص ٢١٩، ٢٢٩، عبد الأحد داود، محمّد ﷺ ص ٧٢، إبراهيم خليل، الرسالة السبعية بإبطال الديانة اليهودية ص ٤٠، للمهتدي إلى الإسلام الحبر إسرائيل ابن القطان شموئيل الأورشليمي، الفصل في الملل والنحل١/١٩٥،الأجوبة الفاخرة ص١٦٥،١٦٨، السيرةالنبوية١/٢٩٥، لابن هشام.
[ ٢ / ٧٠١ ]
(فالفارقليط) هو: محمّد رسول الله ﷺ الذي أرسله الله بعد المسيح، وهو الذي علّم الناس كلّ شيء، قال يهودي لرجل من الصحابة١: علمكم نبيّكم كلّ شيء حتى الخراة؟ فقال أجل: "لقد نهى أن يستقبل أحدنا القبلة ببول أو غائط"٢. وقد سماه المسيح (روح الحقّ) وذلك غاية المدحة وأعلى درجات المنحة.
واعلم أن النصارى اختلفوا في تفسير لفظة الفارقليط على أقوال: فقيل: إنه (الحماد) . وقيل: (الحامد) . وقيل: (المعز) . وأكثر النصارى على أنه (المخلًِّص) . فإن فرّعنا عليه فلا خفاء بكون محمّد رسول الله ﷺ مخلِّصًا للناس من الكفر والمعاصي والجهل. ومنقذهم من دركات الهلاك بإرشادهم إلى توحيد الله وعبادته. قال ﵇: "إني آخذ بحجركم وأنتم تقحمون في النار"٣. وبذلك سمّى المسيح نفسه في الإنجيل؛ إذ قال: "إني لم آت لأدين العالم بل لأخلّص العالم"٤. والنصارى يقرؤون في صلاتهم: "يا والدة الإله لقد ولدتي لنا / (٢/١٢٦/أ) مخلّصًا". وإذا كان المسيح مخلّصًا لا بدّ من مخلص آخر لأمته.
فأما على بقية الأقوال، فليس لفظ أقرب إلى محمّد من الحامد والحماد. فقد وضح أن
_________________
(١) ١ هو سلمان الفارسي ﵁. والقائل له ذلك هو: رجل من المشركين وليس من اليهود كما ذكر المؤلِّف. ٢ أخرجه مسلم ١/٢٢٣، ٢٢٤، وأحمد ٥/٤٣٨، وأبو داود ١/٣. ٣ أخرجه البخاري في كتاب الرقاق باب ٢٦. (ر: فتح الباري ١١/٣١٦) . ومسلم ٤/١٧٨٩، عن أبي هريرة ﵁. ٤ يوحنا ١٢/٤٧.
[ ٢ / ٧٠٢ ]
(الفارقليط) هو: محمّد عليه السلام١.
-[البشرى] ٢ السّبعون:
_________________
(١) ١ إن الطبعات الحديثة للأناجيل لا توجد فيها لفظة: (فارقليط) . وأبدلت بألفاظ أخرى مثل: (المُعزي، المحامي، المعين، المخلص، الوكيل، الشافع) . علمًا بأن كلمة (الفارقليط) كانت موجودة في الترجمة العربية للأناجيل المطبوعة في لندن سنة ١٨٢١م، ١٨٣١م، ١٨٤٤م. وقد وقفت على مخطوطة لترجمة التوراة والزبور والإنجيل في إسطنبول بمكتبه عاطف أفندي تحت رقم: (٧) . وفيها ذكرت لفظة (الفارقليط) . ومعلوم لدينا أن اليهود والنصارى يسعون إلى إخفاء البشارات بالنبيّ ﷺ من كتبهم المقدسة لديهم أو تحريف معناها. وذلك مما أخبرنا الله عزوجل عنهم فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [سورة البقرة، الآية: ١٤٦] . فما معنى كلمة: (فارقليط) التي اخلف النصارى في معناها؟ إن (فارقليط) معربة من كلمة: (بيركليتوس) اليونانية (PERIQLYTOS) التي تعني اسم: أحمد، صيغة المبالغة من الحمد. والأدلة على ذلك كثيرة منها:
(٢) شهادة العلامة علي بن ربنّ الطبري - الذي كان مسيحيًا فأسلم - في القرن الثالث الهجري بذلك في كتابه: الدين والدولة ص ١٨٤.
(٣) إن هذه الكلمة كانت سببًا في إسلام القس الأسباني: أنسلم تورميدا في القرن التاسع الهجري بعدما أخبره أستاذه القسيس (نقلًا ومرتيل) - بعد إلحاح منه - أن الفارقليط هو اسم من أسماء محمّد ﷺ. فكان ذلك سببًا في إشهار إسلامه وتغيير اسمه إلى عبد الله الترجمان وتأليف كتابه: تحفة الأريب في الرّدّ على أهل الصليب، وذكر فيه قصته مفصلة. ر: ص: ٦٥-٧٥.
(٤) شهادة القسيس (دافيد بنجامين كلداني) - الذي هداه الله إلى الإسلام وغيّر اسمه إلى: (عبد الأحد داود) - في كتابه القيم: (محمّد في الكتاب المقدس) بذلك فقد وضح فيه أن الفارقليط ليس هو الروح القدس وليس أي شيء يدعيه النصارى، وإنما هو اسم محمّد ﷺ. وبيّن ذلك بأدلة من نصوص الأناجيل وقواميس اللغة اليونانية. (ر: ص: ٢٠٧-٢٢٩ من كتابه المذكور) .
(٥) ذكر الأستاذ عبد الوهّاب النجار في قصص الأنبياء ص ٣٩٧، ٣٩٨، أنه كان في سنة ١٨٩٤م زميل دراسة اللغة العربية للمستشرق الإيطالي. (كارلو نالينو) وقد سأله النجار في ليلة ٢٧/٧/١٣١١هـ ما معنى: (بيريكلتوس)؟. فأجابه قائلًا: إن القسس يقولون إن هذه الكلمة معناها: (المعزي) . فقال النجار: إني أسأل الدكتور كارلونالينو الحاصل على الدكتوراه في آداب اليهود باللغة اليونانية القديمة. ولست أسأل قسيسًا. فقال: إن معناها:"الذي له حمد كثير".فقال النجار: هل ذلك يوافق أفعل التفضيل من حمد؟ فقال الدكتور: نعم. فقال النجار: إن رسول الله ﷺ من أسماء (أحمد) فقال الدكتور: يا أخي أنت كثيرًا ثم افترقا. (ر: للتوسع في المزيد من الأدلة: إظهار الحق ص ٥١١-٥١٤، دراسة الكتب المقدسة ص ١٢٥-١٢٩، موريس بوكادي) . ٢ غير موجودة في ص، وأثبتّها من م.
[ ٢ / ٧٠٣ ]
قال يوحنا التلميذ أيضًا لتلاميذه: "إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي وأنا أطلب من الأب أن يعطيكم فارقليطًا آخر يثبت معكم إلى الأبد. روح الحقّ الذي لم يطق العالم أن يقبلوه؛ لأنهم لم يعرفوه. ولست أدعكم أيتامًا لأني سآتيكم عن قريب"١.
قد نقلنا تفسيرهم (للفارقليط) وأنه على صحيح أقوالهم: (المُخلِّص) وقد ذكر المسيح أنه لا بدّ من (فارقليط) آخر يثب إلى الأبد. وثبوت النبي إلى الأبد ممتنع. فلم يبق إلاّ حمل الكلام على الشريعة التي جاء بها النبيّ. وهذه شريعة نبيّنا ﷺ باقية على أس قويم ومنهج من الحقّ مستقيم. لا تنقض بوفاقه ولا تنقرض ولا يتخلل الخلل خلالها ولا يعترض. وذلك نظير قوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّين﴾ . [سورة الأحزاب، الآية: ٤١] . وقوله ﷺ: "لا نبي بعدي"٢.
فالنصارى في ذلك بين أمرين: وهو إما أن يقولوا: إنه محمّد رسول الله، / (٢/١٢٦/ب) وإما أن يقولوا: إن المسيح أخلف قوله ولم يفِ بوعده وتركهم أيتامًا بغير نبيّ يتكفل بأمورهم ولم يأتهم عن قريب كما وعد، بل إنما أراد أن هذا النبيّ المخلص هو الذي يأتيهم عن قريب، ولم أر أحدًا من النصارى يحسن تحقيق مجيء هذا (الفارقليط) الموعود به. إذ بعضم يزعم أنه ألسن نارية نزلت من السماء على التلاميذ٣ ففعلوا الآيات والعجائب. وذلك خلاف ما أخبر به المسيح؛ إذ المسيح ذكر (فارقليطًا) آخر. وذلك يشير إلى أوّل تقدم لهم. وهذه الألسن لم يتقدم محيؤها ولم تعرف أوّلًا. ثم ذلك كذب من قائله؛ إذ سِير التلاميذ تشهد بأنهم بعد المسيح امتهنوا تقتيلًا وعذبوا بأنواع
_________________
(١) ١ يوحنا ١٤/١٥-١٩. ٢ أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء باب (٥٠) . (ر: فتح الباري ٦/٤٩٥) . ومسلم ٣/١٤٧١، عن أبي هريرة ﵁. وأخرجه أحمد ٥/٢٧٨، وأبو داود ٤/٤٥٢، والترمذي ٣/٣٣٨، عن ثوبان ﵁. وقال الترمذي: "حديث صحيح". ٣ أعمال الرسل ٢/١-٤.
[ ٢ / ٧٠٤ ]
العذاب. وذلك تكذيب لمن زعم أنه نزل عليهم من السماء ألسن من نار تؤيدهم على أعدائهم. ثم المسيح يقول: إن هذا (الفارقليط) الآخر يأتي بعده ويدوم مع الناس إلى الأبد ويعلّم الخلائق كلّ شيء. وأنه قد سمي روح الحقّ. فكيف تقول النصارى إنه هو هذا الذي يزعمون أنه ألسنة من نار نزلت ثم انقضت ومضت ولم تدم إلى الأبد ولم تعلّم أحدًا شيئًا؟!. / (٢/١٢٧/أ)، هل هذا إلاّ جهل من قائله، وحمل لكلام الأنبياء والرسل على الخلف والكذب؟!
فقد وضح أن هذا الموعود به على لسان المسيح إنما هو محمّد رسول الله ﷺ. وقد وصفه المسيح: "بأنه لم يطق العالم أن يقبلوه؛ لأنهم لم يعرفوه". يريد أنه يأتي في زمن الغالب على أهله عبادة الأوثان وتعظيم الصلبان وسجر النيران. قد نبتت على ذلك أجسادهم وثبتت عليه آباؤهم وأجدادهم فما راعهم إلاّ رسول قد جاءهم من التوحيد بما لم يعرفوه. وهاجم جمعهم بفطم١ ما ألفوه فقالوا ما سمعنا بهذا في آبائنا الأوّلين٢. وقالوا: أجعل الآلهة إلهًا واحدًا إن هذا لشيء عجاب٣. فلذلك لم يقبلوه والنبيّ على الحقيقة لا يعرفه إلاّ من فاض عليه من فيضه. وارتاض في فسيح روضه.
-[البشرى] ٤ [الحادية] ٥ والسّبعون:
قال يوحنا: "قال المسيح: من يحبني يحفظ كلمتي، وأبي يحبه وإليه نأتي،
_________________
(١) ١ في م: بعظم. ٢ اقتباس من قوله تعالى: ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأوَّلِينَ﴾ . [سورة القصص، الآية: ٣٦] . ٣ اقتباس من الآية الكريمة في سورة ص: الآية: ٥. ٤ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٥ في ص، م (الأحد) والصواب ما أثبتّه.
[ ٢ / ٧٠٥ ]
وعنده نتخذ المنْزل، كلمتكم بهذا لأتي عندكم مقيم، والفارقليط روح القدس الذي يرسله أبي هو يعلمكم كلّ شيء / (٢/١٢٧/ب) وهو يذكركم كلّ ما قلت لكم، أستودعكم سلامي لا تقلق قلوبكم ولا تجزع فإني منطلق وعائد إليكم، لو كنتم تحبونني كنتم تفرحون بمضيي إلى الأب. فإن أنتم ثبتم فيّ ثبت كلامي فيكم كان لكم كلّ ما تريدون وبهذا يمجد أبي"١.
وقد شهد المسيح ﵇ بأن محمّدا هو (روح القدس) ٢. كما شهد أوّلًا بأنه روح الله، وأن الله أرسله، وأنه يعلم الناس كلّ ما يحتاجونه إليه من أمر معاشهم ومعادهم، وأخبر تلاميذه أنهم إن ثبتوا على وصيته في تعظيم أمر هذا المخلّص الثاني والتزام أوامره واجتناب نواهيه والحثّ على اتباعه كان لهم ما أرادوا. نظير ذلك من الكتاب العزيز قوله تعالى: ﴿وَلَو أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوا لَكَفَّرْنَا عَنْهُم سَيِّئَاتِهِم وَلأَدْخَلْنَاهُم جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَلَوْ أَنَّهُم أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِم لأَكَلُوا مِن فَوْقِهِم وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾ . [سورة المائدة، الآية: ٦٥-٦٦] .
قال المؤلِّف: إنه لما قربت مدة المسيح وانتهاء مقامه في الأرض ودنا رفعه منها حمَّل أصحابه هذه الأمانة ليؤدوها إلى من بعدهم. / (٢/١٢٨/أ) وكذلك فعل سائر الأنبياء والرسل كما نقلنا عنهم. ولهم في ذلك مقاصد:
_________________
(١) ١ يوحنا ١٤/٢٣-٣١. ٢ اعترض بعض علماء البروتستانت بشبهات على هذه البشارة. ذكرها الشيخ رحمة الله الهندي وردّ عليها. ومن تلك الشبهات: أنه جاء في هذه العبارة تفسير (فارقليط) بروح القدس وروح الحقّ وهما عبارتان. عن الأقنوم الثالث. فكيف يصحّ أن يراد بـ (فارقليط) محمّد ﷺ؟!. وقد ردّ الشيخ رحمة الله الهندي على ذلك بجواب مفصل مقنع خلاصته: "وليس المراد بروح الله وروح الحقّ الأقنوم الثالث الذي هو عين الله على زعمهم كما هو ظاهر. فتفسير (فارقليط) بروح القدس وروح الحقّ لا يضرنا لأنهما بمعنى: (الواعظ) . كما أن روح الحقّ وروح الله بهذا المعنى في رسالة يوحنا الأولى فيصح إطلاقها على محمّد ﷺ بلا ريب". اهـ. ر: إظهار الحقّ ص ٥٤٤-٥٤٥.
[ ٢ / ٧٠٦ ]
أحدها: أن يقوموا لله تعالى بما وجب من حقّه في تعظيم من عظَّم من أهل صفوته، فقد قال الله تعالى في التوراة لإبراهيم: "إني سأعظّمه جدًّا جِدًّا"١. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُم رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ . [سورة آل عمران، الآية: ٨١] .
والثّاني: أن يحصلوا لأممهم أجرين: أجر الإيمان بنبيّ حاضر ونبيّ كريم مرتقب ودليله قوله ﷺ: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتّين - وذكر منهم - رجلًا من أهل الكتاب آمن بنبيّه ثم أدركه وآمن به"٢.
والثّالث: دفع الشكوك عن ضعفاء أتباع هذا النبيّ فإنه اتصل بهم أن الأنبياء من المتقدمين قد تنبؤا عليه وذكروه باسمه ووصفوا بلده وأرضه وقومه وميزته زالت عنهم عوارض الشكوك فأثبتوا فيهم. لذلك قال الله تعالى في محكم كتابه: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُم فِي التَّورَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾ . [سورة الأعراف، الآية: ١٥٧] . وعزّ من قائل: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ٣ وَمُوسَى﴾ . [سورة
الأعلى، الآية: ١٨-١٩] . وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾ . [سورة الشعراء، الآية: ١٩٦] .
_________________
(١) ١ تكوين ١٧/١٧. ٢ أخرجه البخاري في كتاب العالم باب (٣١) . (ر: فتح الباري ١/١٩٠)، ومسلم ١/١٣٤، ١٣٥، وأحمد ٢/٣٣، عن أبي موسى الأشعري ﵁. قال الحافظ ابن حجر: "وقد ثبت أن الآية الموافقة لهذا الحديث وهي قوله تعالى: ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرّتين﴾ . نزلت في طائفة آمنوا منهم كعبد الله بن سلام وغيره". ٣ / (٢/١٢٨/ب) .
[ ٢ / ٧٠٧ ]
-[البشرى] ١ الثّانية والسّبعون:
قال المسيح وتنبأ بذلك على شهادة الرسول له بالنبوة والرسالة وتكذيب اليهود فيما رموه به من الكذب والزور ونسبوه إلى أمه الطاهرة من الفجور. قال فيما حكاه يوحنا عنه: "إذا جاء الفارقليط الذي أبي أرسله، روح الحقّ الذي من أبي هو يشهد لي، قلت لكم هذا حتّى إذا كان تؤمنوا به ولا تشكوا فيه"٢.
تدبّروا - أتَمَّ الله علينا وعليكم نعمة الإسلام ووفّقنا وإيّاكم لشكر متابعته ﵇ - ما اشتملت عليه فصول (الفارقليط) من الإفصاح بشأن رسول الله ﷺ.
واعلموا أن رسول الله ﷺ قد شهد للمسيح في غير موضع من الكتاب العزيز بالنبوة والرسالة وصدقه فيما جاء به من عند الله كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ . [سورة المؤمنون، الآية: ٥٠] . وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ . [سورة النساء، الآية: ١٧١] .
وقد أكذب اليهود في فريتهم على المسيح وعلى أمه إذ نسبوه إلى بنوة الزنا. وقالوا: إن به شيطانًا يتخبطه ويغويه. / (٢/١٢٩/أ) وزعموا أن (بعل زبول) رئيس الشياطين هو الذي يعينه على الآيات والعجائب كما شهد بذلك الإنجيل. فلهذا استشهد المسيح بمحمّد رسول الله ﷺ فقال: "روح الحقّ الذي أبي أرسله هو يشهد لي". وقول المسيح هذا يشعر بتقدم رسالة محمّد
_________________
(١) ١ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٢ يوحنا ١٥/٢٦، ٢٧.
[ ٢ / ٧٠٨ ]
رسول الله ﷺ، لأن المسيح ﵇ ذكر ذلك بلفظ الماضي فقال: "الله أرسله"، ولم يقل: (إنه يرسله) . ويؤيدّ ذلك قول محمّد رسول الله ﷺ: "وقد سئل: متى وجبت لك النبوة؟ فقال ﵇: كنت نبيًّا وإن آدم لمنجدل في طينته"١. وقول المسيح للتلاميذ: "ذكرت لكم هذا قبل أن يكون حتى إذا كان لا تشكوا". تحريض لهم على متابعته والمسارعة إلى متابعته. والكلام وإن كان مع من كان حاضرًا من التلاميذ، والمطلوب منه ما قدمناه من المقاصد الثلاث.
وقد روي أن بعض أصحاب رسول الله ﷺ أدرك بعض الحواريين وهو سلمان الفارسي ويوصيه ذلك الحواري: / (٢/١٢٩/ب) "أسلم سلمان٢. ولا جرم أن طائفة من
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه. (ر: ص: ٤٢١) . ٢ قصة إسلام سلمان الفارسي ﵁ أخرجها ابن إسحاق. (ر: السيرة ١/٢٧٣-٢٨٢) لابن هشام) . وعنه الإمام أحمد في مسنده ٥/٤٤١-٤٤٤، وابن سعد في الطبقات ٤/٧٥-٧٧، والبيهقي في الدلائل ٢/٨٢-٩١، الطبراني في الكبير ٦/٢٢٢-٢٢٦. وقد وهم المؤلِّف رحمه في ظنه أن سلمان ﵁ قد أدرك بعض الحواريين. وإنما كان الذي أدركه سلمان أسقف الكنيسة في الشام. ثم صاحب الموصل. ثم نصيبين. ثم في عمورية بأرض الروم. ممن كانوا على الدين الصحيح لعيسى ﵇. وقد أنبأه صاحب عمورية بعلامات النبي ﷺ. ولا يعقل أن يكون سلمان قد أدرك بعض الحواريين الذين كانوا مع عيسى ﵇. لأن ما بين عيسى ومحمّد صلوات وسلامه عليهما ٦٠٠ سنة تقريبًا.
[ ٢ / ٧٠٩ ]
النصارى عند مبعثه ابتدرت إلى الإيمان كنصارى نجران١. وإلى هلم جرا الداخلون في دين محمّد ﷺ من النصارى واليهود أكثر من الخارجين منه. فما يحصى٢ من أسلم منهم من علمائهم وصنفوا الكتب في معائب ما كانوا عليه ومحاسن ما صاروا إليه. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وحقَّ القول على آخرين فلم يستنيروا بنور الهدى. وصدف بهم عن وصايا٣ المسيح ما حقّ عليهم من الارتكاس في مهاوي الرّدى. فهم المرادون بقول الكتاب العزيز: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيهِ كَلِمَةُ العَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ . [سورة الزمر، الآية: ١٩] . ويقول أشعيا النبيّ ﵇: "عرف الثور والحمار ربّه وجهل ذلك بنو إسرائيل"٤. ولقد بَكَّتهم بطرس صاحب المسيح في الفصل الثالث من رسالته الثانية فقال: "لقد كان خيرًا لهم ألا يعرفوا طريق الحقّ من أن يعرفوه ثم ينصرفون إلى خلافه ولنوكهم الظاهره أنالتهم الأمثال الصادقة القائلة، إنهم كالكلب العائد في قيئه والخنْزير الذي اغتسل ثم تمرغ / (٢/١٣٠/أ) في الحمأة"٥.
_________________
(١) ١ قدم على النبيّ ﷺ وفد نصارى نجران وفيهم رؤوساهم السيّد والعقائب والأسقف فساءلهم وساءلوه ونزل فيهم الوحي بصدر سورة آل عمران في الرّدّ عليهم والفصل من القضاء بينه وبينهم ثم نكولهم عن المباهلة (الملاعنة) التي دعاهم النبي ﷺ إليها. وموادعتهم للنبي ﷺ على أن يتركهم على دينهم ويدفعون له الجزية ويبعث معهم رجلًا من الصحابة يحكم بينهم. فأرسل النبي ﷺ أبا عبيدة بن الجراح معهم. وقد أخرج ابن إسحاق القصة مطولة. ر: السيرة ٢/٢٥٤-٢٦٦)، وعنه البيهقي في الدلائل ٥/٣٨٢-٣٩١، موصولًا عن كرز بن علقمة ﵁. الذي كان أخ أسقف نجران أبو حارثة وقد أقر له بنبوة محمّد ﷺ وأسلم بعد رجوعهم إلى نجران فضرب كرز وجه ناقته نحو المدينة حتى أتى النبي ﷺ فأسلم. وأخرج القصة مطولة أيضًا ابن سعد في الطبقات ١/٣٥٧-٣٥٨، من طريق محمّد بن عليّ القرشي. وذكر أن السيد والعاقب رجعا بعد ذلك فأسلما. وأخرج البخاري القصة مختصرًا. (ر: فتح الباري ٨/٩٣، ٩٤)، ومسلم ٤/١٨٨٢، عن حذيفة ﵁. ٢ في م: (يحمى) . ٣ في ص: تكررت (عن وصايا) . ٤ أشعيا ١/٣. ٥ رسالة بطرس الثانية ٢/٢١.
[ ٢ / ٧١٠ ]
-[البشرى] ١ الثّالثة والسّبعون:
قال المسيح فيما رواه يوحنا أيضًا: "إن خيرًا لكم أن أنطلق لأني إن لم أذهب لم يأتكم الفارقليط؛ فإذا انطلقت أرسلته إليكم، فإذا جاء فهو يوبخ العالم على الخطيئة، وإن لي كلامًا كثيرًا أريد قوله ولكنكم لا تستطيعون حمله. لكن إذا جاء روح الحقّ ذاك الذي يرشدكم إلى جميع الحقّ. لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلم بما يسمع. ويخبركم بكلّ ما يأتي. ويعرفكم جميع ما للأب"٢. قال المؤلِّف: في هذا الفصل عدة معاني فليتدبرها اللبيب:
منها: أن المسيح ﵇ اعترف بأن هذا (الفارقليط) الآتي أفضل منه؛ إذ قال: "إن الخيرة لهم في انطلاقه ومجيء الفارقليط الآخر".
ومنها: قوله: "فإذا انطلقت أرسلته". وهذا صحيح المعنى من حيث إن مجيء المصطفى موقوف على ذهاب المسيح.
ومنها أنه أخبر: "أن هذا الآتي هو الذي يوبخ العالم على الخطيئة". وقد فعل ذلك رسول الله ووبخ العالم على خطاياهم، المجوس على عبادة النار، ووبخ اليهود على عبادة عزير والعجل، ووبخ النصارى على عبادة / (٢/١٣٠/ب) الثالوث، ووبخ الصابئة على عبادة الكواكب، ووبخ كفار العرب والهنود على عبادة الأصنام والأنداد، فكان أمره في ذلك مصحِّحًا لما نطق به المسيح من أنه إذا جاء ﵇ وبّخ الأمم على الخطيئة.
ومنها: أن المسيح أخبر أن هذا (الفارقليط) الآخر الآتي: "هو الذي يخبرنا بكلّ ما يأتي، ويعرفنا كلّ شيء للأب". وهذه حال محمّد رسول الله ﷺ.
فإن أبوا
_________________
(١) ١ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٢ يوحنا ١٦/٧-١٦.
[ ٢ / ٧١١ ]
ذلك فليخبرونا مَنْ هو الذي جاء مخلِّصًا (فارقليط) آخر بعد المسيح فوبخ العالم على الخطيئة. وأرشد الخلق إلى عبادة الله وطاعته، وحذرهم من عصيانه ووبال مخالفته، وعرفهم ما لله تعالى عليهم من الحقوق في أنفسهم وأموالهم، ودامت شريعته واستمرت مع الناس إلى الأبد؟!.
وقد قال المسيح في الفصل الأوّل: "إن هذا الرجل الآتي بعده يعلم الناس كلّ شيء، وأنه يدوم معهم إلى الأبد. [فليوجدوا لنا] ١ ذلك وإلاّ فليكذبوا قول المسيح هذا ويردوا٢ صحّته. فقد دار أمرهم فيه بين الإسلام أو تكذيب المسيح في خبره.
فإن رجعوا القهقرى وزعموا / (٢/١٣١/أ) أنها الألسن النارية التي يزعمون أنها نزلت من السماء على التلاميذ وانقضت ومضت.
قلنا: الويل لكم. ألم يقل المسيح: "إن هذا الفارقليط شيء واحد". فكيف يقولون: إنها عدة وجماعة نزلت؟!. وقال: "إنه يدوم إلى الأبد عندكم". فكيف تزعمون أنه أقام أيامًا قلائل ثم ذهب؟! ٣. لقد كاد الله هذه العقول وحاد بها عن سواء السبيل.
وفي هذا الفصل من كلام المسيح٤ دلالة على أن كلّ ما ينطق به محمّد ﷺ من آية مبرورة وسنة مأثورة وموعظة وأدب ونهي وطلب فهو متلقى بالقبول. إذ يقول: "إنه لا يتكلم من عنده بل بما يسمع". نظيره قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ . [سورة النجم، الآية:٣-٤] .
- البشرى الرّابعة والسّبعون:
قال المسيح فيما حكاه يوحنا التلميذ عنه: "قالت امرأة من أولاد يعقوب
_________________
(١) ١ في ص، م (فليوجدنا) والصواب ما أثبتّه. ٢ في م: وتروا. ٣ في م: (فكيف تزعمون أنهم أقاموا أيامًا قلائل ثم ذهبوا) . ٤ في ص (دالة) وصحّحته من م.
[ ٢ / ٧١٢ ]
للمسيح: يا سيد آباؤنا سجدوا في هذا الجبل وأنتم تقولون إنه أورشليم؟ فقال المسيح: يا هذه آمني فإنه ستأتي ساعة لا في هذا الجبل ولا في أورشليم يسجدون / (٢/١٣١/ب) للأب"١.
قال المؤلِّف: وهذا القول من المسيح ﵇ تنويه بأمر الكعبة. فإن التوجه إليها على يد محمّد ﷺ نسخ ما عداها. وصار السجود لله تعالى لا في أورشليم ولا في غيرها بل إلى جهة الكعبة لا غير٢.
-[البشرى] ٣ الخامسة والسّبعون:
قال المسيح لمن حضره: "الحقّ أقول لكم إنه سيأتي قوم من المشرق والمغرب فيتكئون مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب. وتخرج بنو الملكوت إلى الظلمة البرّانية خارجًا. هنالك يكون البكاء وصرير الأسنان"٤.
قال المؤلِّف: وذلك القول من المسيح تنويه بأمة محمّد إذ ليسوا من الذين خاطبهم المسيح بهذا الكلام، فهم الذين يكونون في رفقة إبراهيم وإسحاق ويعقوب. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَولَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا والله وَلِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ . [سورة آل عمران، الآية: ٦٨] .
_________________
(١) ١ يوحنا ٤/١٩-٢١. وقد نقل هذه البشارة القرافي في الأجوبة الفاخرة ص ١٦٨. ٢ قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ . [سورة البقرة، الآية: ١٤٤] . ٣ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٤ متى ٨/١١، ١٢، لوقا ١٣/٢٦-٣٠. ونقل هذه البشارة القرافي في الأجوبة الفاخرة ص ١٦٨، ١٦٩.
[ ٢ / ٧١٣ ]
-[البشرى] ١ السّادسة والسّبعون:
قال متى التلميذ: "سأل التلاميذ المسيح فقالوا: يا معلم لماذا تقول الكتبة إن إلياء يأتي؟ فقال ﵇: إن إلياء يأتي ويعلمكم كلّ شيء. وأقول لكم: إن إلياء قدجاء فلم يعرفوه بل فعلوا/ (٢/١٣٢/أ) به كالذي أرادوا"٢.
وقد فسروا إليا بأنه نبيّ. وقد ذكر: "إن إلياء قد أتى ولم يعرفوا قدره". فلا بدَّ من الوفاء بقول المسيح إن إلياء يأتي ويعلم الناس كلّ شيء. ولم يأتِ بعد المسيح من علَّم الناس كلّ شيء من أمر الدنيا والآخرة سوى محمّد رسول الله ﷺ.
-[البشرى] ٣ السّابعة والسّبعون:
قال يوحنا الحواري: "قال المسيح إن أركون العالم سيأتي وليس لي شيء"٤.
قال المؤلِّف: (الأركون) بلغته العظيم القدر. و(الأراكنة) هم العظماء. وقد قال أشعيا في وصف محمّد رسول الله ﷺ: "أركون السلام"٥. يعني: عظيم الخير والبر. وقال المسيح ﵇: "إن أركون العالم يدان"٦. يشير إلى السلطان الظالم، والإدانة هي شدّة المحاسبة. فقول المسيح: "إن أركون العالم سيأتي وليس لي شيء". يريد أن: (الفارقليط) الذي قدمنا ذكره يأتي ويستولي على سائر الملك وينسخ كلّ شرع فلا يبقى مع شرعه شرع معتبر ولا حكم مقرر.
_________________
(١) ١ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٢ متى ١٧/١٠-١٢. ٣ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٤ ورد النّصّ في إنجيل يوحنا ١٤/٣٠، كالآتي: "لأن رئيس هذا العالم يأتي وليس له فيَّ شيء". وقد وردت البشارة في: الجواب الصّحيح ٤/٧، ١٧، هداية الحيارى ص ١١٨، ١٣١، ١٣٥، الأجوبة الفاخرة ص ١٦٩. ٥ أشعيا ٩/٦. ٦ يوحنا ١٦/١١.
[ ٢ / ٧١٤ ]
-[البشرى] ١ الثّامنة والسّبعون:
قال يحيى بن زكريا - ﵈ - لأصحابه: "إن الذي يأتي من بعدي / (٢/١٣٢/ب) هو أقوى مني وأنا لا أستحق [أحل معقد] ٢ خفه"٣.
وما ذلك إلاّ محمّد ﵇. ولا يليق أن يكون المسيح أصلًا؛ لأن المسيح جاء مع يحيى لا بعده٤. فيحيى أكبر منه بستة أشهر لا غير كما نطق به الإنجيل٥.
-[البشرى] ٦ التّاسعة والسّبعون:
قال متى التلميذ: "قال المسيح: ألم تقرؤوا أن الحجر الذي أرذله البناؤن صار رأسًا للزاوية من عند الله٧ كان هذا. وهو عجيب في أعيننا ومن أجل ذلك أقول لكم: إن ملكوت الله ستؤخذ منكم وتدفع إلى أمة أخرى تأكل ثمرتها. ومن سقط على هذا الحجر يتشدخ. وكلّ من سقط عليه يمحقه"٨.
فليت شعري من هذه الأمة التي دفعت لها ملكوت الله فأكلت ثمرتها بعد المسيح غير أمة محمّد؟! ومَن هو هذا الذي كلّ من غزاه انشدخ، وكلّ مَن تولى هو غزوه وقتاله محقه سوى محمّد ﷺ وأمته؟!.
_________________
(١) ١ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٢ في ص، م: (أجلس مقعد)، وصحّحت من نصّ الإنجيل. ٣ متى ٣/١١، مرقص ١/٧، لوقا ٣/١٦، يوحنا ١/٢٦، ٢٧. وقد وردت البشارة في: النصيحة الإيمانية ص ١٨٥-١٨٧، محمّد ﷺ ص ١٦٦، ١٨٥، عبد الأحد داود، الأجوبة الفاخرة ص ١٧٠. ٤ في م: زاد (و) . ٥ إنجيل لوقا الإصحاح الأوّل. ٦ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٧ ورد النّصّ الذي استشهد به المسيح في مزمور ١١٨/٢٢، ٢٣. ٨ متى ٢١/٣٤-٤٦، وقد وردت البشارة في: الجواب الصحيح ٤/٧، وهداية الحيارى ص: ١١٨، ١١٩، ١٣٢، وإظهار الحقّ ص ٥٣٥، ٥٣٦، محمّد ﷺ ص ٧٣، إبراهيم خليل، مقامع هامات ص ١٣٢، الأعلام ص ٢٧٢، الأجوبة الفاخرة ص ١٧٠.
[ ٢ / ٧١٥ ]
فإن زعم النصارى أنه عني بالحجر نفسه.
قلنا لهم: ما هكذا أخبرتمونا عنه، بل الذي حكيتم لنا أن شرذمة من اليهود وقعوا / (٢/١٣٣/أ) عليه فمحقوه وقتلوه وصلبوه. وهذا شيء لم نسمعه إلاّ منكم ولا نُقل إلينا إلاّ عنكم.
وإذا قلتم: إن أراذل اليهود ظهروا عليه وشدخوه بطل قولكم إن المسيح عني بالمثل نفسه. فإن أبيتم إلاّ أن يكون المسيح هو رأس الزاوية فقد أكذبتم نفوسكم في القتل والصلب والإهانة؛ لأن الرأس من الناس١. والرئيس منهم هو الذي يرتفع ويجل عن امتداد يد الهوان إليه. فإن ثبتم على دعوى القتل والصلب والإهانة تعيّن صرف المثل المذكور إلى من جاء بعد المسيح، ولم يأتِ بعده مَن صيّره الله رأسًا للعالم وأوتيت أمته ثمرة الملكوت سوى محمّد وأمته.
وقد أخبر المسيح ﵇ بأن اليهود والنصارى يسلبون الملك والرئاسة ويصير ذلك إلى المسلمين إذ يقول: "إن ملكوت الله ستؤخذ منكم وتدفع إلى أمة أخرى تأكل ثمرتها". والمسيح ﵇ صادق في قوله محقّ في خبره. ولم يأتِ بعد أمة المسيح مَن صار الملك والرئاسة والشريعة القائمة والكلمة القاهرة سوى هذه الأمة / (٢/١٣٣/ب) العربية التي بها الأنبياء قبل المسيح كما قدمناه٢. فهذا ما بقي في الإنجيل من البشرى برسول الله ﷺ مما حماه الله عن أيدي الأعادي.
_________________
(١) ١ في م: (هو) . ٢ قال ابن القيم: "وتأمل قوله في البشارة: (ألم تر إلى الحجر الذي أخره البناؤن صار رأسًا للزاوية؟!) كيف تجده مطابقًا لقول النبيّ ﷺ: (ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى دارًا فأكملها وأتمها إلاّ موضع لبنة منها، فجعل الناس يطوفون بها ويعجبون منها، ويقولون: هلا وضعت تلك اللبنة؟ فكنت أنا تلك اللبنة") .
[ ٢ / ٧١٦ ]
- البشرى الثّمانون:
قال يوحنا التلميذ في كتاب رسائل التلاميذ المسمّى فراكسيس: "يا أحبائي إيّاكم أن تؤمنوا بكلّ روح، ميّزوا الأرواح التي من عند الله من غيرها. واعلموا أن كلّ روح تؤمن بأن يسوع المسيح قد جاء وكان جسدانيًا فهي من عند الله. وكلّ روح لا تؤمن بأن يسوع المسيح، وكان جسدانيًا فليست من عند الله. بل من المسيح الكذاب الذي سمعتم به وهو الآن في العالم"١.
فقد شهد الحواري بأن محمّد من عند الله؛ لأن محمّد قد آمن أن المسيح قد جاء وكان جسدانيًا. فأما اليهود فلم يؤمنوا بالمسيح ولا كثير من أهل ذلك الزمان. واليهود إلى الآن في انتظار مسيح آخر. ولا مسيح يأتي سوى المسيح الدجّال الكذاب الذي حذرت منه الأنبياء - ﵈ -. فهذا الحواري يوحنا قد شهد / (٢/١٣٤/أ) بصدق محمّد وأمته، وأن اعتقادهم في المسيح هو الاعتقاد الحقّ، وقد أكذب النصارى بقوله هذا في دعوى ربوبية المسيح. إذ فرَّق في قوله بين الله وبين الميسح. وشهد أن الله غيره وأنه غير الله.
-[البشرى] ٢ [الحادية] ٣ والثّمانون:
قال شمعون الصفا رئيس الحواريين في كتاب فراكسيس: "إنه قد حان أن يبتدأ الحكم من بيت الله ابتداء"٤. فبيت الله الذي ذكره الحواري هو الكعبة شرّفها الله. ومنها كان ابتداء الحكم الجديد. ولا يحسن تنْزيل هذا الكلام على
_________________
(١) ١ رسالة يوحنا الأولى ٤/١-٣. وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٨٥، الجواب الصّحيح ٤/٧-٨، وهداية الحيارى ص ١٣٥، الأجوبة الفاخرة ص ١٨٢. ٢ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٣ في ص، م (الأحد) والصواب ما أثبتّه. ٤ رسالة بطرس الأولى ٤/١٧. وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٨٦، الجواب الصّحيح ٤/٨.
[ ٢ / ٧١٧ ]
بيت المقدس؛ لأن حكم ذاك كان مستمرًا عند صدور هذا الكلام من شمعون. ولا يليق إلاّ بشرع جديد ولا يقال فيما كان مستمرًا إنه قد حان أن يبتدأ.
-[البشرى] ١ الثّانية والثّمانون:
قال فولس الذي يسمونه فولس الرسول في رسالة من رسائله وهي الرّابعة إلى بعض إخوانه: "إنه كان لإبراهيم ابنان أحدهما من أَمَةٍ والآخر من حرة، فأما ابن الأمة فكان مولده كمولد سائر البشر، وأما ابن الحرة فإنه ولد بالعِدَةِ / (٢/١٣٤/ب) من الله وهما شبيهان بالناموسين والغرضين. أما هاجر فشبيهة بجبل سيناء الذي في بلاد أرابيا٢ الذي هو نظير أورشليم هذه. وأما سارة فهي نظير أورشليم التي في السماء"٣. فقد أفاد قول فولس هذا أمورًا:
منها: أن إسماعيل وأمه هاجر قد كانا أوطنا أرض العرب (أرابيا)، لأن عجمة فولس العرب (الأرب) . فنقل العين همزة.
ومنها: أن جبل سيناء٤ متّصل بوادي العرب التي هي أرابيا. وهو الذي قالت التوراة: "جاء الله من سيناء"٥.
ومنها: أن بيت مكّة نظير بيت المقدس بشهادة فولس.
ومنها: أن كلا الولدين صاحب ناموس وشريعة وأحكام وفرائض. وقد تعصب فولس هذا على إسماعيل وأمه في موضعين من هذا الكلام وهما قوله: "إن إسماعيل مولده كمولد سائر البشر". و"تشبيه هاجر بالكعبة التي في الحجاز، وسارة بالكعبة التي في السماء". وقد غلط فولس فيهما جميعًا.
_________________
(١) ١ ليست في ص، وأثبتها في م. ٢ في م: (أربيا) . ٣ رسالة بولس إلى غلاطية ٤/٢٢-٢٦. وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٨٧. ٤ في م: تتصل. ٥ تكوين ٢١/٢١.
[ ٢ / ٧١٨ ]
أما قوله: "إسماعيل لم يولد بِعدَة من الله تعالى"، فليس الأمر كما ذكر / (٢/١٣٥/أ) بل ما ولد إسماعيل إلاّ بعد أن مَنَّ الله على ما بينته من التوراة.
أما قوله:"إن هاجر شبيهة بسيناء". فَمِنْ غَلَطِه أيضًا وسوء استنباطه واستخراجه، وذلك أن هذا التشبيه الذي صار إليه ليس منصوصًا عليه لا في التوراة ولا في الإنجيل ولا في شيء من النبوات ألبتة ولم يتقدم إلى القول به أحد من الحواريين. فلم بثق١ الإنجيل فولس هذا: "إن الحرة في المجلة أفضل من الأمة؟! ". فشبّه الأمة ببيت الله في الأرض، وشَبَّه الحرة ببيت له في السماء استحسانًا لذلك بعقله. وذلك شيء لا اعتبار له ولا تعويل عليه. وتحكيم العقل في كلّ مورد ومصدر جهل وخرق من فاعله. فالفاضل في الحقيقة من كان عند الله فاضلًا أو شهدت له نبوة نبي بالفضل. وقد اعتبرنا - رحمك الله - شهادات التوراة والنبوات والأناجيل الأربعة فَلَم نجد لما ذكره هذا الرجل من تفضيل ساره وابنها على هاجر وابنها [أصلًا] ٢ يتمسك به، بل قد وجدنا التوراة خاصة تشير إلى تفضيل هاجر وابنها وذلك في عدة مواضع: / (٢/١٣٥/ب) .
منها: أَنّا وجدنا التوراة تنطق صريحًا أن الله ارتضى هاجر لبكر٣ إبراهيم، ورأينا التوراة فضلت البكر من الأولاد في الميراث وحسن الثناء فجعلت للبكر سهمين من الميراث ولمن سواه سهمًا واحدًا٤. وقالت في حقّ بعضهم: "ابني بكري أرسله يعبدني"٥. فمن ولدت البكر لإبراهيم أفضل ممن لم تلده لأن الشجرة إنما يعرف فضلها من ثمرتها وقد أثمرت هاجر بكرًا طيبًا.
_________________
(١) ١ أي: كسر ونقص. (ر: القاموس ص ١١١٨) . ٢ في ص، م (أصل) والصواب ما أثبتّه. ٣ تكوين ١٥/٢-٥، ١٦/١٥، ١٦. ٤ تثنية ٢١/١٧. ٥ خروج ٤/٢٢، ٢٣.
[ ٢ / ٧١٩ ]
ومنها: أن الله تعالى قال لإبراهيم: "دع أَمَتَك وابنك ولا يهمنك أمرهما"١. وتكفل الله بهما وتولاهما وإنما يتولى الله الصالحين من عباده. فتسلمهما سبحانه من يد إبراهيم خليله وكان خير كافل لهما.
ومنها: ظهور الملك لهاجر ومكالمتها من غير حجاب ورأفته بها وقوله لها: "شدي يديك بهذا الصبي، فإن الله تعالى قد سمع تضرعك وأن ولدك هذا يعظمه الله جِدًّا جدًّا"٢. وهذا لم يتفق لسارة أصلًا.
ومنها: تفجير الله لها عين ماء من أرض صلد وبرية معطشة موحشة كلّ / (٢/١٣٦/أ) ذلك قد شهدت به التوراة. فمن رام غضًّا من هاجر وابنها من اليهود والنصارى فقد أزرى على نفسه وكشف عورته بيده وأبان عن جهله بالتوراة والنبوات.
ومنها: جعل بيتها ومسكنها وضريحها بيتًا مقدسًا محجوجًا إليه٣
تُعفِّر الملوك والأكابر جباهها بترابه ويطوفون به كما يطوف بعرش الرحمن، لا مندوحة لمن استطاع إليه سبيلًا عن إتيانه وحجه.
ومنها: سلامة نسلها من المسخ فلم يمسخ أحد من أولاده هاجر قردة ولا خنازير، ولم يلعن صريحًا كما لعن بنو إسرائيل على لسان موسى وأشعيا وداود وعيسى بن مريم في نبواتهم وصحفهم على ما تشهد به التوراة وكتب الأنبياء.
_________________
(١) ١ تكوين ٢١/١٢-١٤. وقد ذكره المؤلِّف بالمعنى. ٢ تكوين ٢١/١٧، ١٨. ٣ لعله سبق قلم من المؤلِّف. فهذا تعبير غير لائق يخالف العقيدة الصحيحة. فإن الله عزوجل قد جعل مكّة حرمًا مقدسًا منذ خلق السماء والأرض كما ثبت ذلك في الصحيحين. ولم يرد في حديث مرفوع أو أثر صحيح أن هاجر أو إسماعيل أو غيره من الأنبياء دفنوا في المسجد الحرام كما أن ذلك يخالف نهي النبي ﷺ عن اتّخاذ القبور مساجد. (ر: تحذير الساجد من اتّخاذ القبور مساجد، للألباني) .
[ ٢ / ٧٢٠ ]
ومنها: تنبؤ الأنبياء﵈عليها وعلى نسلها وموضع سكنها وشهادتهم بدوام مملكتهم وقيام شريعتهم ولزوم أحكامهم إلى قيام القيامة [فليوجد لنا] ١ فولس هذا المتعصب على أبوينا [اللذين] ٢ كانا في كفالة الله واحدًا من هذه الفضائل لمن تعصب له. ﴿وَأّنَّ الفَضْلَ بِيَدِ الله يُؤْتِهِ مَن يَشَاءُ وَالله ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ . [سورة الحديد، الآية: ٢٩] . (٢/١٣٦/ب) .
-[البشري] ٣ الثّالثة والثّمانون:
قال موسى في السفر الأوّل من التوراة: "قال إبراهبم: يا ربّ ها أنا ميّت وليس لي ولد وإنما يرثني غلامي اليعازر الدمشقي. فقال الله: كلا لا يرثك هذا بل ابنك الذي يخرج من صلبك هو الذي يرثك، فاخرج انظر إلى نجوم السماء فإن كنت محصيها فإنك ستحصي ولدك أيضًا"٤. وما نعلم الآن من طبق الأرض وملأ أكناف الدنيا من ولد إبراهيم سوى ولد إسماعيل، فأما اليهود من ولد إسحاق فهم خول وذمة لبني إسماعيل في سائر الأرض كلها، وإنما ورد ذلك مورد الامتنان والإنعام على إبراهيم، ولم يكن الله تعالى ليمتن على خليله بالأولاد الدبري المسموخين قردة وخنازير وعباد العجول.
وأما النصارى من ولد إسحاق فمشردون شَرَّدهم بنو إسماعيل خلف منقطع البحور وفي أطراف مغرب الأرض. فهذه نبوة ظاهرة وآية قاهرة لا يقدر مخالف على جحدها وردها.
_________________
(١) ١ في ص، م (فليوجدنا) والصواب ما أثبتّه. ٢ في ص، م (الذين) والصواب ما أثبتّه. ٣ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٤ تكوين ١٥/٢-٦. وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٣٣، ١٣٤، ومحمّد ﷺ ص ٥٦، عبد الأحد داود.
[ ٢ / ٧٢١ ]
-[البشرى] ١ الرّابعة والثّمانون:
وفي هذا السفر الأوّل من التوراة قال موسى ﵇: "فلما أصبح إبراهيم أخرج هاجر وولدها إسماعيل ودفع لها زادا ومزادا. وانتهى في أمرهما إلى ما أمره به ربّه تعالى. فحملت الصبيّ على كتفها وشخصت / (٢/١٣٧/أ) فوصلت إلى برية سبع فنفذ ماؤها، فوضعت الصبي تحت شجرة شيح إذ سمع الله صوت الصبي فنادى مَلَك الله هاجر من السماء فقال: ما بالك يا هاجر ليفرج كربك وروعك فقد سمع الله صوت الصبي قومي فاحمليه وتمسكي به، فإن الله جاعله لأمة عظيمة ومعظمة جِدًّا جدًّا. وأن الله فتح عينيها فرأت بئر ماء فدنت وملأت المزادة وشربت وسقت الصبي. وكان الله معها ومع الصبي حتى تربَّى. وكان مسكنه في بريقة فاران"٢.
فهذه أربع وثمانون بشارة عن الأنبياء وأتباع الأنبياء. وقد تضمنتها كتب الله المنَزَّلة من لدن إبراهيم الخليل إلى أتباع المسيح منوّهة باسم محمّد صريحًا واسم أرضه التي يخرج منها وبلده التي نشأ بها. مصرحة بتعظيم شأنه وتفخيم أمره. شاهدة بأنه ﵇ خاتم الأنبياء وأنه حبيب الله وروحه ومختاره من عباده. مُعَرِّفة العباد / (٢/١٣٧/ب) بعظم خطره عند الله وزلفته لديه، وأن دينه خير الأديان وشريعته خير شريعة. وملته أفضل ملة. وأمته أصدق أمة. وأن شريعته ناسخة لجميع الشرائع وأنها لا تنسخ بل تبقى ما بقيت الدنيا٣.
قال المؤلِّف: وإنما نقلت قليلًا من كثير. ويسيرًا من خطير، ولو استوعبت جميع ما في كتب الله من الإشارة بذكر المصطفى ﷺ وذكر أمته لأطلت الكتاب وخرجت إلى حد الإسهاب. فهذا القسم الأوّل من هذا الباب. والله الموفّق.
_________________
(١) ١ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٢ تكوين ٢١/١٤-٢١. وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٣٢، ١٣٣. ٣ قال القرافي: "فإن قالوا: كيف تتمسكون بهذه الكتب - وهي غير صحيحة عندكم؟! - قلنا: نبوة نبيّنا ﵇ ثابتة بالمعجزات غنية عن هذه الكتب. وإنما نذكر ما فيها من الدلالة على نبوته ﵇ إلزامًا لأهل الكتاب الذين يعتقدون صحتها - وهي مثل جميع كتبهم في الصحّة - فإن كان يحسن الاستدلال بها تَمَّ مقصودنا. وإن كانت لا يحسن بها الاستدلال بطل جميع ما بيد أهل الكتاب - لأن جميعه مثلها -. وكيف يسع أهل الكتاب أن يعتقدوا صحّة هذه الكتب ولا يقبلوا ما فيها من الدلالة على محمّد ﵇ المواصل فصل حدّ القطع من كثرتها؟! وإنما عميت منهم البصائر وحنثت السرائر، فلا يجد الحقّ في قلوبهم محلًا، ولأسماع التذكر أهلًا". اهـ. (ر: الأجوبة الفاخرة ص ١٨٣) .
[ ٢ / ٧٢٢ ]
القسم الثّاني منه: في آيات رسول الله ﷺ وإثبات معجزاته الباهرة للعقول الخارقة للعادة:
واعلم أنه قد كان في الأنبياء - ﵈ - من له الآية والنبوة معًا مثل: موسى والمسيح وقد ذهبت آياتهما بذهابهم. فلم يبقَ في أيدي الناس منها إلاّ ذكرها. ومنهم من كانت له آية وليست له نبوة مذكورة مثل اليسع فإنه أحيا ميتًا في حياته وميتًا بعد وفاته ولم ينقل عنه أنه تنبأ نبوة ألبتة.
ومنهم من كانت له نبوة١ / (٢/١٣٣/أ) ولم يكن له آية مثل حزقيال النبي ويوشاع٢. ومنهم من لم تكن له٣ آية ولا نبوة وهو معدود في الأنبياء مثل مالاخي٤ وناحوم٥.
_________________
(١) ١ المراد بالنبوة هنا: الإخبار بما يستقبل من الحوادث. ٢ يعني: هوشع. قد تقدمت ترجمته. ر: ص: ٦٨٧. ٣ ليست في (م) . ٤ ملاخي: اسم عبري معناه (رسولي) وهو عند أهل الكتاب آخر الأنبياء في العهد القديم. ويلقب بـ: (الختم) . لأن نبوته كانت ختامًا لذلك العهد. ولا يعرف شيء عن سيرته وزمنه إلاّ عن طريق التخمين والاستنباط من السفر المنسوب إليه باسمه وعدد إصحاحاته (٤) إصحاحات. (ر: قاموس ص ٦١٣، ٦١٤) . ٥ ناحوم: اسم عبري معناه: (معز) . ويعتبرونه أحد الأنبياء الاثني عشر الصغار، ويعتقد أنه كان ممن سبوا إلى بابل. ولا يعرف شيء عن سيرته وزمنه. وينسب إليه سفر باسمه، عدد إصحاحاته (٣) إصحاحات. (ر: قاموس ص ٩٤٤) .
[ ٢ / ٧٢٣ ]
وقد أثبت أهل الكتاب نبوة جماعة من النسوان مثل مريم١ وحنة٢ وخلدى واستار ورفقًا ولم يكن لواحدة منهن كتاب ولا آية وهن [معدودات] ٣ في زمرة الأنبياء عندهم.
فأما سيّدنا محمّد ﷺ فقد جمع الله له النبوة والآية والتنبؤ. فتنبأ به الأنبياء وأخبروا بمجيئه قبل كونه على ما تقدم في القسم الأوّل من هذا الباب. وأما النبوة فأخبر ﷺ بذلك وأنبأ وعَرَّف بأشياء كثيرة من المغيّبات التي لا يتصور الوقوف على علمها إلاّ بتوقيف٤ من الله وإنباء منه سبحانه وكان ذلك يصدر منه على أنواع:
فمنه: ما أخبر به ﷺ مما وقع واتّفق وسلم في الأزمان الماضية والعصور المتفرقة من عظائم الأمور ومهام الخطوب من مبتدأ خلق الله العالم إلى قيام القيامة؛ فذكر شأن / (٢/١٣٨/ب) آدم وحواء وشأن مشاهير بني آدم مثل: شيث وإدريس ونوح وإبراهيم والأسباط٥ ويوسف وموسى والمسيح وسرد قصصهم ومجرياتهم، وذكر مشاهير سير الملوك والجبابرة والفراعنة وما اتّفق للأنبياء والأصفياء معهم. هذا مع القطع بأميته ﵊، وأنه كان عربيًا لا
_________________
(١) ١ مريم أخت موسى ﵇. وتقدمت ترجمتها. ٢ حنة: بنت فنوئيل. يعتقدون أنها نبية. وكانت أرملة. وعمرت إلى سن (٨٤) سنة. وكانت لا تفارق الهيكل ليلًا ونهارًا. ويزعم النصارى أنها عرفت المسيح وهو طفل وأعلنت أنه هو: (المسيا) أي: المسيح المنتظر. (ر: لوقا ٢/٣٦-٣٨، قاموس ص٣٢٤) . ٣ في ص، م (معدودة) والصواب ما أثبتّه. ٤ في م: بتوفيق. ٥ الأسباط: بنو يعقوب اثنا عشر رجلًا. ولد كلّ رجل منهم أمة من الناس. فسمّوا الأسباط من السبط وهو التتابع فهم جماعة. وقيل: أصله من السبط بالتحريك وهو الشجر أي: في الكثرة بمنْزلة الشجرة الواحدة سبطة. (ر: تفسير ابن كثير ١/١٩٣، المفردات ص ٢٢٢ للأصفهاني) .
[ ٢ / ٧٢٤ ]
يحسن الخط ولا قرأ ولا سمع كتابًا١ قط. بل إنما نشأ بأرض قفار بين أجبل وسياسب٢ منقطعة الأطراف عن العمران فوافق خبره ما في صحف الأوّلين لم يخرم منه حرفًا.
ومنه: ما أخبر به أصحابه وحوارييه وأهل بيته فوقع في زمانه واتّفق في أيامه، ومن أخبر إنسانًا في نفسه ممالم يلفظ به لم يمتر في أنه صادق محقّ.
ومنه: ما أخبر به مما٣ سيقع بعد موته بزمان فوقع كما أخبر ﵇ ولم يغادر منه [حرفًا واحدًا] ٤. وذلك مودع في كتابه الذي جاء به من عند الله وفي سنته الصادقة التي نقلها إلينا نقلة هذا الكتاب. فلو تطرق التشكيك إليها لتطرق إلى الكتاب العزيز. وقد ثبت نقل الكتاب بأقوالهم وصحّ. فكذلك ثبتت (٢/١٣٩/أ) السنة بأقوالهم أيضًا والحكم فيهما واحد من حيث لزوم العمل. قال ﵊: "أوتيت القرآن ومثله معه"٥.
ولو قال قائل من اليهود والنصارى لعلّ أصحاب هذا النبيّ تمالؤوا على دعوى هذه المغيّبات والآيات لنبيّهم وقيَّدوها في كتابه وسننه ترويجًا وإفكًا
_________________
(١) ١ قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ . [سورة العنكبوت، الآية: ٤٨] . ٢ أي: الوديان. ٣ ليست في (ص) والزيادة من (م) . ٤ في ص، م (حرف واحد) والصواب ما أثبتّه. ٥ أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٤/١٣١، وأبو داود ٤/٢٠٠، والآجري في الشريعة ص ٥١، وابن عبد البر في التمهيد ١/١٥٠، كلّهم من طريق حريز بن عثمان عن عبد الحكم بن أبي عوف عن المقدام بن معديكرب ﵁ عن رسول الله صلى الله عليه أنه قال: ، فذكره في سياق كويل. قلت: إسناده صحيح. فإن حريز بن عثمان وعبد الرحمن بن أبي عوف ثقتان. والله أعلم. (ر: التقريب ١/١٥٩، ٤٩٤) .
[ ٢ / ٧٢٥ ]
لقوبلوا١ بمثل ذلك فيمن [ينتمون] ٢ إليه. فما أجابوا به عن أنفسهم كان جوابًا مِنَّا لهم. وكلّ سؤال انقلب على سائله سقط جوابه عن المسؤول. فهذا ما يتعلق بإنبائه عن الغيب الذي لا يدخل تحت مقدرة البشر.
وأما آياته ﵊ وخوارقه ومعجزاته فكثيرة جِدًّا. وقد صنف العلماء وأرباب السير فيها التصانيف الكثيرة٣. ونحن نقتصر في هذا المختصر
_________________
(١) ١ في م: لتقولوا. ٢ في ص، م (ينتموا) والصواب ما أثبتّه. ٣ للعلماء في تقسيم الآيات والبراهين الدالة على نبوة محمّد صلى الله عليه عدة اعتبارات: - فمنهم من قسمها باعتبار المدركين لها إلى حسية ومعنوية. (ر: البداية ٦/٧٦، لابن كثير) . - ومنهم من قسمها باعتبار سندها إلى متواترة وغير متواترة. (ر: الشفا ١/٤٩٣-٤٩٥، للقاضي عياض، وشرح الزرقاني على المواهب ٥/٨١) . - ومنهم من قسمها باعتبار زمنها إلى منقرضة وباقية. (ر: الجواب الصّحيح ٤/٧٠، لابن تيمية، الجامع لأحكام القرآن ١/٧٢، للقرطبي) . - ومنهم من قسمها باعتبار التحدي إلى مُتحدّي بها وغير متحدي بها. (ر: السيرة الحلبية ٣/٢٧٨ للحلبي) . وأوضح هذه التقسيمات وأيسرها التقسيم الأوّل - وهو للإمام ابن كثير -. لأنه ينصب على المعجزة نفسها. وتفصيل ذلك كالآتي المعجزات المعنوية: ومنها: القرآن الكريم، وأخلاق النبي صلى الله عليه وسيرته الشريفة، وسيرة أصحابه - ﵃ -. أما المعجزات الحسية فتنقسم إلى قسمين هما:
(٢) المعجزات السماوية (أي: المتعلقة بالسماء وما فيها) مثل: انشقاق القمر، الاستسقاء والاستصحاء والإسراء والمعراج، احتباس الشمس حتى تصل عير قريش بعد الإسراء والمعراج.
(٣) المعجزات الأرضية: وهي: متنوعة فمنها: ما هو متعلق بالإنسان كتفله صلى الله عليه على الجروح والأمراض وشفائها. ومنها ما هو متعلق بالحيوان كسجود البعير له صلى الله عليه وشكوى البعير له وشهادة الضب له صلى الله عليه. ومنها ما هو متعلق بالنبات كتسليم الشجر عليه وإجابة دعوته صلى الله عليه. ومنها ما هو متعلق بالجمادات كتسليم الحجر عليه ونبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه. ومنها إجابه دعائه صلى الله عليه كدعائه للصحابة واستجابة دعائه فيهم. ومنها إخباره صلى الله عليه بالمغيّبات التي تحقق وقوع بعضها وينتظر تحقق البعض الآخر. ومنها حمايتهصلى الله عليهمن الأعداء. (ر: البداية والنهاية٦/٧٦-٢٩٠) . أما مصنفات العلماء في دلائل النبوة فهي كثيرة جِدًّا من أبرزها: دلائل النبوة لابن منده، ولأبي نعيم والبيهقي والشافا للقاضي عياض وغيره ذلك. (ر: للتوسع في معرفة الكتب المؤلف في هذا الفن كتاب: (معجم ما ألف عن رسول الله صلى الله عليه للمنجد) .
[ ٢ / ٧٢٦ ]
منها على لُمْعة [بها] ١ يحصل الغرض والمعونة من الله سبحانه٢.
١- معجزة: قد اشتهر عند أهل التواتر أن محمّدًا ﷺ كان أمّيًّا عربيًّا ناشئًا بأرض لا علوم بها ولا معارف ولا كتب تتضمن معرفة أخبار / (٢/١٢٩/ب) المتقدمين يعرفون ذلك من حاله ضرورة. فلم يفجأهم٣ أن تلي عليهم كتابًا من الله فيه مائة وأربع عشر سورة٤. وقال لهم: هذه آية صدقي وإن مَن جاء منكم بمثل هذا الكتاب أو بعشر سور من مثله أو بسورة واحدة من مثله فلست صادقًا في أن الله أرسلني إليكم. فأجمعوا ولم يقدموا وأصمتوا ولم يتكلموا. هذا مع تقريعهم وعيب آلهتهم وانتقاص أوثانهم وأصنامهم وتسفيه
_________________
(١) ١ إضافة يقتضيها السياق. والله أعلم. ٢ قد اعتمد المؤلِّف في القسم الثاني من الباب العاشر على كتاب: (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) للقاضي عياض. وخاصة فيما يتعلق بذكر معجزات النبي صلى الله عليه. وقد كان المؤلِّف ينقل من كتاب الشفا نقلًا حرفيًا في معظم ما ينقله. وأحيانًا يختصر النّصّ ويكتفي بذكر أمثلة على مواطن الاستشهاد أو يذكره بالمعنى. ولذلك سنعتمد على كتاب (الشفا) كنسخة ثالثة للكتاب ونبيّن مواطن الخلاف أو الخطأ التي حدثت بفعل النسخ إن شاء الله تعالى. ٣ في م: يعجاهم. ٤ وقيل: مائة وثلاث عشرة سورة بجعل الأنفال وبراءة سورة واحدة فأما عدد آيات القرآن العظيم فستة آلاف ومائتا آية. واختلفوا فيما زاد على ذلك. وأما كلماته فسبع وسبعون ألف كلمة وأربعمائة وتسع وثلاثون كلمة. وأما حروفه فثلاثمائة ألف وأربعون ألفًا وسبعمائة وأربعون حرفًا. وقيل: ثلاثة وعشرون ألفًا وخمسة عشر حرفًا. وقيل: واجد وعشرون ألف حرف ومائة وثمانون حرفًا. (ر: مقدمة تفسير ابن كثير ١/٨، مباحث في علوم القرآن ص ١٤٦، مناع القطان) .
[ ٢ / ٧٢٧ ]
أخلاقهم وإظهار تعجيزهم على رؤوس الملأ نيفًا وعشرين سنة بقوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ . [سورة الإسراء، الآية:٨٨] .وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ الله إِنْ كُنْتُم صَادِقِينَ﴾ . [سورة هود، الآية:١٣] .
فأخبر أنهم [لا يقدرون] على ذلك ولا [يفعلونه] أبدًا فكان كما جزم وحَتّم. وقال تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾ ١. فكلما زادهم تقريعًا ازدادوا خضوعًا. هذا وَهُمْ أهل البراعة في النظم والنثر والخطب يرتجلون ذلك ارتجالًا، ويتنافسون فيه تنافسًا ويتناقشون عليه مناقشة. فما عدلوا إلى الحرب إلاّ والذي دُعوا إليه من المعارضة أشقّ عليهم وأصعب.
فمن وجوه إعجازه: حسن تأليفه، ورقة ترصيفه وفصاحته وبلاغته الخارقة لعادة / (٢/١٤٠/أ) أهل البيان حتى قال البلغاء منهم حين سمعوه: إن هذا إلاّ سحر مبين٢. ثم هو في سرد القصص الطوال وأخبار القرون الماضية
_________________
(١) ١ قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ . [سورة يونس، الآية: ٣٨] . ٢ قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ . [سورة سبأ، الآية:٤٣] . والذي سوّل لهم القول بذلك هو الوليد بن المغيرة الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه فسمع منه القرآن الكريم ثم رجع إلى قريش فقال لهم: فوالله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني ولا أعلم برجز ولا بقصيدة مني ولا بأشعار الجن. والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا. ووالله إن لقوله الذي يقول حلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى وإنه ليحطم ما تحته. فقال له أبو جهل: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني حتى أفكر فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر يأثره عن غيره. فنَزل قوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ . [سورة المدثر، الآية: ١١] . (أخرجه ابن جرير في تفسيره٢٩/١٥٦، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ٢/٥٠٧، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وبنحوه أخرجه ابن إسحاق) . (ر: السيرة ١/٣٣٤، ٣٣٥)، وأبو نعيم في الدلائل ص ٢٣٢-٢٣٥) .
[ ٢ / ٧٢٨ ]
[التي يضعف] ١ في عادة الفصحاء عندها الكلام ويذهب ماء البيان -آية لمتأمله من ربط الكلام بعضه ببعض. والتئام سرده، وتناسب وجوهه مع نظمه العجيب وأسلوبه الغريب المباين لأساليب كلام الفصحاء ومناهج نثرها ونظمها.
ومن وجوه إعجازه: ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيّبات مما لم يكن فوقع على الوجه الذي أخبر به كقوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ﴾ ٢. وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ ٣. وقوله: ﴿وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُم وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ﴾ ٤. وكقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ الله وَالفَتْحُ ﴾ . [سورة النصر، الآية: ١] . إلى آخرها. فدخل الناس في دين الله أفواجًا ودخلوا المسجد الحرام آمنين كما قال ﵇، واستخلف الله أصحابه وأمته في الأرض. ومكَّن لهم دينهم وملَّكهم من أقصى الشرق / (٢/١٤٠/ب) إلى أقصى الغرب حتى دوَّخوا البلاد وملؤوا أقطار العالم. كما قال ﵇: "زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها. وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي
_________________
(١) ١ في ص، م (الذين تضعف) والصواب ما أثبتّه. ٢ قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ . [سورة الفتح، الآية: ٢٧] . وقد كان هذا في عمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع من الهجرة. (ر: تفسير ابن كثير ٤/٢١٥) . ٣ ﴿ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ . [سورة التوبة، الآية: ٣٣، سورة الصّف الآية: ٩] . ٤ ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ . [سورة النور، الآية: ٥٥] .
[ ٢ / ٧٢٩ ]
منها"١. وتلى عليهم ذلك وأخبرهم به وهم في حالة لا يستطيع أحدهم أن يذهب لقضاء الحاجة فكان كما أخبر ﷺ.
وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . [سورة الحجر، الآية:٩] . فهو محفوظ من تغيير الأعداء والمخالفين وتبديلهم إلى قيام الساعة. هذا مع اشتماله على هتك أستارهم وإبداء عوارهم. وأنَّى يقدرون ويستطيعون إضاعة ما تكفل الله بحفظه!.
ومن وجوه إعجازه: ما اشتمل عليه من تقريع اليهود والنصارى والمنافقين بما اشتملت عليه كتبهم وصحفهم بتكذيب من كذبوا من الرسل وقتل من قتلوا من الأنبياء٢ وعبادتهم العجل وعزيرًا والمسيح وأمه. فلا جرم أن كثيرًا منهم لما عرف ذلك وأدركته السعادة وساعده التوفيق أسلم من فوره وصدق نبوته وآمن برسالته فسعد في دنياه وأخراه. ومنهم من غلبت عليه شقاوته وأدركته النفاسة٣ وخشي أن يستلب الرئاسة فاستمر على غيه وانهمك في بغيه حتى هلك / (٢/١٤١/أ) وسكن من الجحيم في أسفل درك. ثم هو فيما اشتمل عليه من توحيد الباري وتنْزيهه وتقديسه وتحميده وتمجيده وتسبيحه وتهليله وترغيبه وترهيبه، ووصف الباري تعالى بسعة الرحمة والمغفرة والرضوان والحلم والصفح، وما أعدّ لعباده من البر والنعم وإكرام النّزل إن صاروا إليه - آية من الآيات يعرفها ويقر بها وقف على ذلك وقابل به ما اشتملت عليه الكتب المقدمة والصحف
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم ٤/٢٢١٥، ٢٢١٦، وأبو داود ٤/٩٧، والترمذي ٤/٤١٠، وأحمد ٥/٢٧٨، عن ثوبان ﵁. ٢ قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ . [سورة النساء، الآية: ١٥٥] . ٣ النّفاسة: الحسد. ونفس عليه الشيء نفاسة: لم يره أهلًا له. (ر: القاموس ص ٧٤٥) .
[ ٢ / ٧٣٠ ]
المتقدمة والصحف الدَّارسِة كما بيّناه فيما مضى من هذا المختصر١. فلو لم يأتِ رسول الله ﷺ بآية وخارق سوى سورة واحدة من هذا الكتاب العزيز لاستقلت ونهضت بإثبات النبوة٢. فكيف وقد أتى ﵇ بخوارق عظام وآيات طوام؟!.
_________________
(١) ١ إن هذه النتيجة الحتمية التي يتوصل إليها كلّ منصف عاقل يقارن بين مضامين القرآن الكريم - الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه - وبين التوراة وكتب الأنبياء السابقين والأناجيل المحرفة، حيث إن دليل تحريف التوراة والأناجيل ثابت في مضامينها كما أن دليل تصديق القرآن الكريم ثابت في مضمونه بما احتواه من الكمال في المعارف والأخلاق والأحكام. وقد ذكر نتيجة هذه المقارنة عدد من العلماء منهم: أبو الحسن العامري في كتابه: الإعلام بمناقب الإسلام ص ١٣٢، ١٣٣، والمهتدي نصر بن يحيى المتطبب في النصيحة الإيمانية ص ٣٣١-٣٤٢، والإمام ابن تيمية في الجواب الصّحيح ٤/٧٨، ٧٩، والمهتدي موريس بوكاي في كتابه: دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة ص ٢٨٤-٢٨٦. ٢ اعلم أن القرآن الكريم لا تنقضي عجائبه ولا تفنى غرائبه ولا تحصى إعجازاته مع كرة بحث العلماء في كل دهر وشدّة فحصهم عنها في كلّ عصر ومصر. قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ . وقد أفرد علماؤنا تصانيف عديدة في أوجه إعجاز القرآن الكريم، ومنهم: الخطابي، وله: (إعجاز القرآن) . والرماني وله: (النكت في إعجاز القرآن) . والباقلاني وله: (إعجاز القرآن) . والسيوطي وله: (معترك الأقران في إعجاز القرآن) . وفي ذلك يقول د. حسن عتر في: (بينات المعجزة الخالدة ص ٢٢٥): وقد تتابع فحول العلماء قديمًا وحديثًا على استقراء أوجه الإعجاز في كتاب الله تعالى. فمنهم المكثرون ومنهم المقلون. فعد القرطبي عشرة أوجه. والرماني سبعة أوجه. وعدها القاضي عياض أربعة. وعدها الباقلاني ثلاثة. فصّل أحدها في عشرة أمور. وترى الأوجه عند بعض العلماء على جانب من التداخل أو التكرار بينما يذكر بعضهم جانبًا من الأوجه ويغفل بعضها الآخر". اهـ. (ر: للتوسع في أوجه الإعجاز: أعلام النبوة ص ٩٧-١٢٥، للماوردي. البرهان في علوم القرآن ٢/٩٣-١٠٦، للزركشي. الداعي إلى الإسلام ص ٣٩٣-٤٣١، للأنباري النحوي، الشفا بتعريف حقوق المصطفى ١/٥٠٠-٥٤٢، للقاضي عياض. البداية والنهاية ٦/٧٦-٨١، لابن كثير. إظهار الحقّ ص ٣٦٧-٤١٢، لرحمة الله الهندي، التبيان في علوم القرآن ص ٨٥-١٥٢، محمّد الصابوني. أما الإعجاز العلمي في القرآن فيراجع: العلوم الطبيعية في القرآن - د. يوسف مروة. دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة - د. موريس بوكاي. ظواهر جغرافية في ضوء القرآن الكريم - لإبراهيم حسن النصيرات وغير ذلك) .
[ ٢ / ٧٣١ ]
٢ - معجزة: انشقاق القمر. قال ابن مسعود١: واستدل رسول الله ﷺ على صدق نبوته لانشقاق القمر فرقتين، وقال ابن مسعود: لقد رأيت الجبل بين فرقتي القمر فقال ﵇: اشهدوا. فقال كفار قريش: سحركم / (٢/١٤١/ب) ابن أبي كبشة. فقال رجل: إن كان سحر، فإنه لا يبلغ الأرض كلّها فاسألوا من يأتيكم من بلد آخر هل رأوا ذلك فجاء الناس من الآفاق فأخبروا بمثل ذلك. فقال الكفار: هذا سحر مستمر. رواه خلق كثير من أعيان الصحابة خيار المسلمين كأنس بن مالك٢، وابن عباس٣ وابن عمر٤، وعلي بن أبي طالب٥، وجبير٦ بن مطعم، في خلق كثير. ورواه عن هؤلاء
_________________
(١) ١ حديث ابن مسعود ﵁ في انشقاق القمر أخرجه البخاري في كتاب المناقب باب (٢٧) . (ر: فتح الباري ٦/٦٣١) . ومسلم ٤/٢١٥٨، وأحمد في مسنده ١/٣٧٧، ٤١٣، ٤٤٧، والترمذي ٥/٣٧٠، وأبو نعيم ص ٢٧٩، ٢٨١، والبيهقي ٢/٢٦٤، وكلاهما في الدلائل. ٢ حديث أنس بن مالك ﵁ أخرجه البخاري في كتاب المناقب باب (٢٧) . (ر: فتح الباري ٦/٦٣١)، ومسلم ٤/٢١٥٩، والإمام أحمد ٣/٢٧٥، ٢٧٨، والترمذي ٥/٣٧١، والبيهقي في الدلائل ٢/٢٦٢. ٣ حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أخرجه البخاري في كتاب المناقب. (ر: فتح الباري ٦/٦٣١)، ومسلم ٤/٢١٥٩، وأبو نعيم في الدلائل ص ٢٨٠. ٤ حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أخرجه مسلم ٤/٢١٥٩، والترمذي ٥/٣٧١، والبيهقي في الدلائل ٢/٢٦٧، وأبو نعيم في الدلائل ص ٢٧٩. ٥ حديث عليّ أبي طالب ﵁ أخرجه البخاري في مشكل الآثار ١/٣٠١، قال: ثنا علي بن عبد الرحمن بن محمّد بن المغيرة المخزومي ثنا الوليد (هو محمّد بن سليمان) ثنا حديج بن معاوية الجعفي عن أبي إسحاق عن أبي حذيفة (وهو سلمة بن صهيب الأرجي) عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: ". فذكره. قلت: إسناده حسن. فإن حديج بن معاوية صدوق يخطئ. وباقي رجاله ثقات. (ر: التقريب٢/٤٠،٢/١٦٦،١/٢٥٦،٢/٧٣،١/٣٧١، حسب ترتيب رجال الإسناد) . ٦ حديث جبير بن معطم ﵁. أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٤/٨٢، والترمذي ٥/٣٧٢، وابن حبان. (ر: الموارد ص٥١٩) .والبيهقي في الدلائل٢/٢٦٨، كلهم من طريق حصين بن عبد الرحمن عن محمّد بن جبير بن معطم عن أبيه قال: فذكره. قلت: إسناده صحيح. (ر: التقريب ١/١٨٢، ٢/١٥٠) .
[ ٢ / ٧٣٢ ]
أعلام التابعين ووجوه الأمة. وقد تضمنها الكتاب العزيز. قال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ وَإِنْ يَرَوا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌ﴾ . [سورة القمر، الآية: ١-٢] . فلا التفات بعد ذلك إلى قول مخذول. ولو جاز هذه الآية لجاز ردّ آية موسى وعيسى - ﵉.
والطريق في النقل واحد، وإذا كان إنما اعتماد المتأخر على نقل من تقدم فمن أصارهم بتصحيح أخبارهم أولى من غيرهم. هذا وهم ينقلون عن أسلافهم المنكر والمستحيل. ونحن إنما ننقل مُحَوِّزات العقول.
وإن طعن في آية انشقاق القمر يهودي١ قلنا له: ما دليلك على٢ انشقاق البحر لموسى؟ أو يشكك في ذلك نصراني. قلنا له: ما حجتك على انشقاق حجاب الهيكل عند صلب الشبه٣ الذي أشركته مع الله في الربوبية؟ فإذا قالا: النقل الصحيح والخبر الصريح. قلنا: من أصار عباد الصلبان والعجول أولى بالقبول من أخبار الموحدّين العدول؟!.
٣- معجزة: حبست الشمس لرسول الله ﷺ ووقفت عن جريانها، خَرَّج الطحاوي٤ في مشكل / (٢/١٤٢/أ) الحديث أسماء بنت عميس٥ ﵂: "أن النبي ﷺ كان يوحى إليه ورأسه في حجر علي فلم
_________________
(١) ١ ليست في (م) . ٢ في م: (مادلك) . ٣ إنجيل متى ٢٧/٥١، لوقا ٢٣/٤٥. ٤ هو: أبو جعفر أحمد بن محمّد بن سلامة الأزدي المصري الطحاوي. ولد سنة ٢٣٩هـ. انتهت إليه رئاسة الحنفية بمصر. توفي بالقاهرة سنة ٣٢١هـ. (ر: ترجمته في: الجواهر المضيئة ١/١٠٢-١٠٥، وفيات الأعيان ١/٥٣-٥٥، وسير أعلام النبلاء ١٥/٢٧) . ٥ أسماء بنت عميس الخثعمية كانت زوجة جفعر بن أبي طالب ثم أبو بكر الصديق ثم علي بن أبي طالب. وماتت بعده - ﵃ أجمعين -. ولها ستون حديثًا.
[ ٢ / ٧٣٣ ]
يصلِّ علي العصر حتى غربت الشمس فقال ﵇: أصليت العصر يا عليّ؟ قال: لا. فقال ﵇: اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس. قالت أسماء: فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت ووقفت على الجبال. وذلك بالصهباء بخيبر"١.
_________________
(١) ١ حديث حبس الشمس لعليّ ﵁ أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار ٢/٨-١١، وابن الجوزي في الموضوعات ١/٣٥٥-٣٥٧، وابن كثير في الشمائل ص ١٤٤، وذكره السيوطي في اللآلئ المصنوعة ١/٣٣٦-٣٤١، والشوكاني في الفوائد المجموعة ص ٣٥٠-٣٥٧، وابن عراق الكناني في تنْزيه الشريعة ١/٣٧٨. قال الإمام ابن تيمية: "فضل عليّ وولايته لله وعلوّ منْزلته عند الله معلوم ولله الحمد من طرق ثابتة أفادتنا العلم اليقيني لا يحتاج معها إلى كذب ولا إلى ما لا يعلم صدقه. وحديث ردّ الشمس له قد ذكر طائفة كالطحاوي والقاضي عياض وغيرهما وعدوا ذلك من معجزات النبيّ صلى الله عليه. لكن المحقّقين من أهل العلم والمعرفة بالحديث يعلمون أن هذا الحديث كذب موضوع". اهـ. ثم أورد ابن تيمية طرق الحديث واحدة واحِدة، مُبيّنًا ما فيها من ضعف. ثم اعتذر عن أحمد بن صالح المصري في تصحيحه هذا الحديث بأنه اغتر بسنده. وعن الطحاوي بأنه لم يكن عنده نقد جيد للأسنانيد كجهابذة الحفاظ. (انظر: منهاج السنة ٨/١٦٥-١٩٨، بتصرف) . وقال الإمام ابن كثير عن هذا الحديث: "هذا الحديث ضعيف ومنكر من جميع طرقه. فلا تخلو واحدة منها عن شيعي ومجهول الحال. أو شيعي ومتروك. ومثل هذا الحديث لا يقبل فيه خبر واحد إذا اتّصل سنده؛ لأنه من باب ما تتوفر الدواعي على نقله بالتواتر أو الاستفاضة لا أقل من ذلك". - ثم قال: "والأئمة ينكرون صحّة هذا الحديث ويردونه ويبالغون في التشنيع على رواته كما قدمنا عن غير واحد من الحفاظ كمحمّد ويعلى بن عبيد الطنافسيين وكإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني خطيب دمشق. وكأبي بكر محمّد بن حاتم البخاري المعروف بابن زنجويه، وكالحافظ أبي القاسم ابن عساكر، والشيخ أبي الفرج ابن الجوزي. وغيرهم من المتقدمين والمتأخرين. وممن صرح بأنه موضوع شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي والعلامة أبو العباس ابن تيمية". (ر: شمائل الرسول صلى الله عليه ص ١٤٤-١٦٣، بتصرف يسير) . وقال الشيخ الألباني في تعليقه على الحديث: "وهذه القصة لا تثبت". (ر: سلسلة الأحاديث الصحيحة ١/٣٥٥) .
[ ٢ / ٧٣٤ ]
قال العلماء١: لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلف عن حديث أسماء، فإنه علم من أعلام النبوة.
وروى يونس٢ بن بكير عن ابن إسحاق لما أسري بالنّبيّ ﷺ وأخبر قومه بالرفقة والعلامة التي في العير، قالوا: متى تصل؟ فقال: يوم الأربعاء؛ فلما كان يوم الأربعاء أشرفت قريش ينظرون وقد وَلَّى النهار ولم تصل بعد، فدعا فزيد له في النهار ساعة ووقفت الشمس عن جريانها وسيرها حتى وصلت العير فشاهدوها٣.
وإن اعترض على ما شهدت أسماء ﵂ مُخالف من النصارى قيل له: ألم تروُوا عن مريم المجدلانية التي أبرأها / (٢/١٤٢/ب) المسيح من الجنون أمورًا عظامًا من أمور المسيح؟ فإذا قالوا: بلى. قيل لهم: ما الذي جعل امرأة حديثة عهد بجنون أولى بالصدق والعدالة من امرأة غريبة لبيبة عاقلة؟
وإن قدح في ذلك يهودي؛ قيل له: ألم تحكوا عن مريم أخت موسى وهارون أمورًا جمة من أعلام موسى؟ فإذا كانت أخت الإنسان مؤتمنة على ما تحكيه من أعلام أخيها وعِزُّه عِزٌّ لها، فأسماء أولى بذلك وهي أجنبية.
_________________
(١) ١ زاد في الشفا ١/٥٤٩: "قال الطحاوي: وهذان الحديثان ثابتان ورواتهما ثقات، وحكى الطحاوي أن أحمد بن صالح كان يقول: لا ينبغي لِمَن سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء؛ لأنه من علامات النبوة". اهـ قلت: ورد ذلك في مشكل الآثار ٢/١١، للإمام الطحاوي.. ٢ يونس بن بكير بن واصل الشيباني، أبو بكر، مؤرخ، قال عنه الذهبي: الإمام الحافظ الصدوق صاحب المغازي والسير، روى له مسلم في الشواهد لا في الأصول. وثقه ابن معين، وقال الحافظ ابن حجر: يخطئ. مات سنة ١٩٩هـ. (ر: سير أعلام النبلاء ٩/٢٤٥-٢٤٨، التهذيب ١١/٣٨٢، التقريب ٢/٣٨٤، الأعلام ٨/٢٦٠) . ٣ أخرجه البيهقي في الدلائل ٢/٤٠٤، من طريق يونس بن بكير عن أسباط بن نصر الهمذاني عن إسماعيل بن عبد الرحمن الثقفي، قال: ، فذكره. قلت: الحديث مرسل. فإسماعيل القرشي أو السدي، من الرابعة. روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. (ر: التهذيب ١/٢٧٥، التقريب ١/٧٢) . وفيه أسباط بن نصر الهمذاني، صدوق. كثير الخطأ. يغرب. (ر: التقريب ٢/٣٨٤) .
[ ٢ / ٧٣٥ ]
٤- معجزة: نبع الماء العذب من بين أصابع رسول الله ﷺ والروايات فيه كثيرة وأمره مشهور منشور بين أصحاب رسول الله ﷺ رواه جمع كثير من الصحابة منهم: أنس وجابر وابن مسعود، قال أنس١ وغيره: "رأيت رسول الله ﷺ وحانت صلاة العصر فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فَأُتِيَ ﵇ بوضوء فوضع يده في الإناء وأمر الناس أن يتوضؤوا منه. قال أنس: فرأيت الماء ينبع من بيد أصابعه ﷺ فتوضؤوا من عند آخره. قيل له: فكم كنتم؟ قال: زهاء / (٢/١٤٣/أ) ثلاثمائة رجل، وذلك بالسوق عند الزوراء"٢.
وفي الصحيح عن ابن مسعود عن رسول الله ﷺ: "بينما نحن مع رسول الله ﷺ ما معنا ماء، فأتي بماء فصبّه في إناء ثم وضع كفه فيه فجعل الماء ينبع من بين أصابعه ﷺ "٣.
وفي الصحيح أيضًا عن جابر بن عبد الله: "عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله ﷺ بين يديه ركوة فتوضأ منها وأقبل الناس نحوه فقالوا: ليس عندنا ماء إلاّ ما في ركوتك هذه. فوضع ﵊ يده في الركوة فجعل الماء يفور من أصابعه كأمثال العيون، قال: فقلت: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة"٤. روى ذلك جمع كثير من الصحابة٥.
_________________
(١) ١ حديث أنس ﵁ أخرجه البخاري في كتاب الوضوء باب (٤٦) . (ر: فتح الباري ١/٣٠٤) . وفي كتاب المناقب. (ر: ٦/٥٨٠)، ومسلم ٤/١٧٨٣، والترمذي ٥/٥٥٦، والبيهقي في الدلائل ٤/٢١-١٢٥. ٢ الزوراء بالمدينة المنورة عند السوق والمسجد. (ر: فتح الباري ٦/٥٨٥) . ٣ أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب (٢٥) . (ر: فتح الباري ٦/٥٨٧)، والترمذي ٥/٥٥٧، وابن أبي شيبة في مصنفه ١١/٢٧٤، وأبو نعيم ص ٤٠٦ن والبيهقي ٤/١٢٩، ١٣٠، كلاهما في الدلائل. ٤ أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب (٢٥)، (ر: فتح الباري ٦/٥٨١)، ومسلم ٢/١٨٥٦،وأبو نعيم ص٤٠٦،٤٠٧، والبيهقي٤/١١٥-١١٨،كلاهما في الدلائل. ٥ حديث معجزة نبع الماء من بين أصابع النّبيّ صلى الله عليه راه جمع الصحابة منهم أنس بن مالك، والبراء بن عازب، والبراء بن مالك، وجابر بن عبد الله، وسلمة بن الأكوع، والمسور، ومروان بن الحكم، وابن عباس، وعمران بن الحصين، وأبو قتادة، وزياد بن الحارث الصداني - ﵃ أجمعين -.
[ ٢ / ٧٣٦ ]
وعن عبادة بن الصامت في حديث مسلم الطويل في غزوة بواط١، قال: قال رسول الله ﷺ: "يا جابر٢ ناد الوضوء -[وذكر الحديث بطوله -] ٣ ولم يجد سوى قطرة في عَزْلاء شَجْب٤ فأتى به النّبيّ ﵇ فغمزه٥ بيده وتكلم بشيء لا أدري ما هو، وقال: ناد بجفنة الرّكْب٦ / (٢/١٤٣/ب) فأتيت بها فوضعها بين يديه فبسط يده في الجفنة وفَرَّق أصابعه وصب جابر عليه. وقال: بسم الله، قال: فرأيت الماء يفور من بين أصابعه. ثم فارت الجفنة واستدارت حتى امتلأت وأمر الناس بالاستقاء فاستقوا حتى رووا. فقلت: هل بقي أحد له حاجة؟ فرفع ﵇ يده من الجفنة وهي ملأى"٧.
وبالجملة فحديث نبع الماء من بين أصابعه ﵇ متواتر مستفيض، وقد روى مالك في الموطّأ عن معاذ بن جبل: "في غزوة تبوك أنهم وردوا العين وهي تَبِضُّ٨ بشيء من ماء مثل الشِّراك٩ فغرفوا بأيديهم من العين في إناء
_________________
(١) ١ بواط: جبل من جبال جهينة من ناحية رضوى (ينبع) . وقد كانت عزوة بواط ثاني غزواته صلى الله عليه في شهر ربيع الأوّل من السنة الثانية للهجرة النبوية الشريفة. (ر: السيرة ٢/٢٨٤، لابن هشام، معجم البلدان ١/٥٠٣، المعالم الأثيرة في السنة والسيرة ص ٥٤، محمّد شراب) . ٢ ساقطة من (ص)، والزيادة من (م) . (وذكر الحديث بطوله) هذه الأضافة من الشفا ١/٥٥٣. ٤ عَزْلاَء شَجب: أي: فم قربة بالية، وعزلاء: فم المزادة الأسفل وجمعه: العزالى. وشجب: السقاء الذي قد أخلق وبلي وصار شَنَّا. وهو من الشب: الهلاك، ويجمع على شجُب وأشجاب. (ر: النهاية في غريب الحديث ٣/٢٣١، ٢/٤٤٤) . ٥ الغَمْز: العصر والكبس باليد. (ر: المرجع السّابق ٣/٣٨٥) . ٦ جفنة الرّكب: أكبر قصاع الرّكب. (ر: المرجع السّابق ١/٢٨٠) . ٧ أخرجه مسلم ٤/٢٣٠١-٢٣٠٨، والبيهقي في الدلائل ٦/٧-١٠. ٨ بَضَّ الماء: إذا قطر وسال. (ر: النهاية في غريب الحديث ١/١٣٢، لابن الأثير. ٩ الشِّراك: أحد سيور النعل التي تكون على وجهها. (ر: المرجع السّابق ٢/٤٦٧) .
[ ٢ / ٧٣٧ ]
حتى اجتمع منه شيء ثم غسل ﵇ فيه وجهه ويديه وأعاده فيها فجرت بماء كثير فاستقى الناس"١.
قال ابن إسحاق: فانخرق من الماء ما له حسّ كحسّ الصواعق٢.
وروى البراء٣ وسلمة بن الأكوع٤ في قصة الحديبية: "أنه ﵇ أتى بئرًا ما تروي خمسين شاة، قال: فنَزحناه فلم ندع فيها ماء، فجلس ﵇ على جانبها وأتي بدلو / (٢/١٤٤/أ) فتفل فيها ودعا الله، فجاشت البئر بالماء فارتووا وأرووا ركابهم".
وقيل٥: بل غزر ﵇ سهمًا من كنانته في قعر البئر فروى الناس حتى ضربوا بعطن٦ وكان عدتهم أربع عشرة مائة٧.
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام مالك في الموطّأ كتاب قصر الصلاة في السفر ص ١٠٨، وعنه الإمام مسلم ٤/١٧٨٤، وأحمد في مسنده ٥/٢٣٧، ٢٣٨، وأبو نعيم ص ٥٢٢، والبيهقي ٥/٢٣٦، كلاهما في الدلائل. ٢ أخرجه ابن إسحاق معلقًا. (ر: السيرة ٤/٢٣٢، ٢٣٣) . ٣ حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما أخرجه البخاري في كتاب المناقب باب (٢٥) . (ر: فتح الباري ٦/٥٨١، ٧/٤٤١)، وأبو نعيم في الدلائل ص ٤٠٩، والبيهق في الدلائل ٤/١١٠. ٤ وبمثله حديث سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنهما أخرجه مسلم ٣/١٤٣٣، والبيهقي في الدلائل ٤/١١١. ٥ في الشفاء ١/٥٥٧، قال: "وفي غير هاتين الروايتين من طريق ابن شهاب في الحديبية فأخرج سهمًا من كنانته ". ٦ العَطَن: مبرك الإبل وحل الماء. وضرب ذلك مثلًا في اتساع الناس في الرّوي. (ر: النهاية في غريب الحديث ٣/٢٥٨) . ٧ أخرجه البخاري في كتاب الشروط باب (١٥) في سياق طويل. (ر: فتح الباري ٥/٣٢٩-٣٣٣)، وابن إسحاق بنحوه، (ر: السيرة ٣/٤٢٧، ٤٢٨، وعنه البيهق في الدلائل ٤/١١١، ١١٢، كلهم من طريق الزهري عن عروة بن الزبير عن مروان ابن الحكم والمسور بن مخرمة قالا:، فذكره. وأما الجمع بين الرواية الأولى "أنه صلى الله عليه جلس على البئر ثم دعا بإناء فمضمض "، والرواية الثانية: "أنه صلى الله عليه انتزع سهمًا من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه في البئر"، فقد قال الحافظ ابن حجر: "ويمكن الجمع بأن يكون الأمران معًا وقعا". (ر: فتح الباري ٥/٣٣٧) .
[ ٢ / ٧٣٨ ]
وروى أبو قتادة قال: "اشتكى الناس إلى رسول الله ﷺ في بعض أسفاره العطش فدعا بميضأة ثم التقم فمها - فالله أعلم أنفث فيها أم لا - فشرب الناس حتى رووا ملؤوا كلّ إناء معهم، فَخُيِّل إلي أنها كما أخذها مني"١. وروى مثله عن عمران بن الحصين وفي كتاب مسلم: "أنه ﵇ قال لأبي قتادة: احفظ عليّ ميضأتك فإنه سيكون لها نبأ" فكان ما ذكرت"٢.
وعن عمران بن حصين: "أنه ﷺ وأصحابه أصابهم عطش في بعض أسفاره فبعث رجلين، وقال: ستجدان امرأة بمكان كذا معها بعير عليه مزادتان فأتيا بها، فذهبا إلى حيث ذكر رسول الله ﷺ فوجداها أتيا بها النبي ﵇ فجعل في إناء من مزادتيها. وقال فيه ما شاء الله أن يقول، ثم أعاد الماء في المزادتين ثم فتحت / (٢/١٤٤/ب) عِزَالَيْها٣ وأمر الناس فملأوا أسقيتهم كلّها حتى ملأوا كلّ إناء معهم. قال عمران: وتخيل إلي أن المزادتين لم يزدادا إلاّ امتلاءً. ثم أمر ﵇ فجمع لها من الأزواد حتى ملأوا ثوبها وقال: اذهبي فإنا لم نرزأ من مائك شيئًا ولكن الله هو الذي سقانا" - الحديث بطوله - فرجعت٤ إلى قومها فكان ذلك سبب إسلامهم"٥.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم ١/٤٧٢-٤٧٥، وأبو نعيم ص ٤٠٧، والبيهقي ٦/١٣٢-١٣٤، كلاهما في الدلائل. ٢ هو فم المزادة الأسفل. (ر: النهاية ٣/٢٣١) . ٣ هو: فم المزادة الأسفل. (ر: النهاية ٣/٢٣١) . (فرجعت إلى )، من زيادات المؤلِّف على ما ورد في الشفا ١/٥٥٩. ٥ أخرجه البخاري في كتاب المناقب باب (٢٥) . (ر: فتح الباري ٦/٥٨٠)، ومسلم ١/٤٨٤-٤٨٦، وأحمد في منسده ٤/٤٣٤، وأبو نعيم في الدلائل ص ٤١١، ٤١٢، والبيهقي في الدلائل ٦/١٣٠، ١٣١.
[ ٢ / ٧٣٩ ]
وقال سلمة بن الأكوع] ١: قال رسول الله ﷺ: "هل من وضوء؟ ". فجاء رجل بإداوة٢ فيها نطفة٣ من ماء فأفرغها في قدح فتوضأنا كلّنا ندغفقه٤ دغفقة حتى تطهرنا٥ عن آخر فكنا أربع عشرة مائة"٦.
وفي حديث عمر: "وذكر ما أصابهم في جيش العسرة من العطش حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه. فرغب أبو بكر إلى النّبيّ ﷺ في الدعاء فرفع يده فلم يرجعهما حتى أسكبت السماء فملؤوا ما معهم من آنية فلم تجاوز السحابة العسكر"٧.
_________________
(١) ١ هذه الزيادة من الشفا ١/٥٥٩. ٢ الإداوة: بالكسر: إناء صغير من جلد. يُتخذ للماء كالسطحية ونحوها. وجمعها: أَدَاوَى. (ر: النهاية ١/٣٣ لابن الأثير) . ٣ يقال للماء الكثير والقليل. وهو بالقليل أخصّ. والمراد به هَا هنا: الماء القليل. وبه سمي المني نطفة لقلته. وجمعها: نطف. (ر: النهاية ٥/٧٤، ٧٥) . ٤ دَغْفَق الماء: إذا دَفَقَه وصبَّه صبًّا كثيرًا واسعًا. (ر: المرجع السّابق ٢/١٢٣) . ٥ في م: (نظرنا) . ٦ حديث سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنهما أخرجه مسلم ٣/١٣٥٤، ١٣٥٥، والبيهقي في الدلائل ٤/١١٨، ١١٩. ٧ أخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ٥٢٣، وابن حبان. (ر: الموارد ص ٤١٨)، والبزار. (ر: كشف الأستار ١/٣٥٤) . والحاكم ١/١٥٩، والبيهقي في الدلائل ٥/٢٣١، كلهم من طريق نافع بن جبير عن عبد الله بن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب: حدّثنا من شأن ساعة العسرة. فقال: ، فذكره. قال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي وقال الذهبي. قال الهيثمي في المجمع ٦/١٩٧، ١٩٨: "رواه البزار والطبراني في الأوسط. ورجال البزار ثقات". اهـ.
[ ٢ / ٧٤٠ ]
وعن [عمرو بن سعيد] ١: "أن أبا طالب قال للنبيّ ﵇ وهو رديفه بذي المجاز: عطشت / (٢/١٤٥/أ) وليس عندي ماء، فنَزل نبي الله ﷺ وضرب بقدمه الأرض فخرج الماء فقال: اشرب"٢.
وقيل له٣ في سنة من السنين: هلك الناس من العطش "فاستسقى ﵇ فلم يفرغ من دعائه حتى سقي الناس وجاءه أهل العوالم يشكون كثرة المطر فقال ﵇: "اللهم حوالينا ولا علينا"٤.
قال المؤلِّف - عفا الله عنه -: هذه عدة من المعجزات تتعلق بهذا الفن. وفيها ما هو مساوٍ لآية موسى ﵇. وفيها ما هو أبهر للعقول من فعل موسى. إذ نبع الماء من الأرض والحجر معتاد لا عجب. فأما نبع الماء من أصابع يد آدمي هو العجب.
فإن نازع في هذه الآيات المتعلقة بسقي الخلق الكثير في المعاطش٥ من بين أصابعه ﵇ منازع من اليهود. قيل له: من أين لك أن موسى ﵇ سقى بني إسرائيل ماءً عذبًا من
_________________
(١) ١ في ص، م، والشفا (عمر بن شعيب)، وهو خطأ. وصححته من الطبقات لابن سعد. والإصابة لابن حجر. ٢ أخرجه ابن سعد في الطبقات ١/١٥٢، قال: حدّثنا إسحاق بن يوسف الأزرق عن عبد الله بن عون عن عمرو بن سعيد أن أبا طالب، قال: فذكره. ونقله الحافظ ابن حجر عن ابن سعد في الإصابة ٧/١١٦، وسكت عنه. قلت: الحديث مرسل. فإن عمرًا بن سعيد القرشي، أبو سعيد البصري، ثقة. من الخامسة. (الطبقة الصغرى من التابعين) . (ر: الجرح والتديل ٦/٢٣٦، التهذيب ٨/٣٥، التقريب ٢/٧٠) . (وقيل له: في ) هذه من زيادات المؤلِّف على الشفا ١/٥٦٠. ٤ أخرجه البخاري في كتاب الاستسقاء باب (٦) . (ر: فتح الباري ٢/٥٠١، ٥٠٨)، ومسلم ٢/٦١٢-٦١٤)، والإمام أحمد في مسنده ٣/١٠٤، ٢٦١، وأبو داود ١/١٤٨، وأبو نعيم ص ٤٤٨، والبيهق ٦/١٣٩-١٤٢، كلاهما في الدلائل عن أنس بن مالك ﵁. ٥ في م: العطش.
[ ٢ / ٧٤١ ]
حجر [الصوَّان]؟ ١. أذلك شيء عاينته أم هو الخبر والنقل والرواية؟ فإنه يفزع في ذلك إلى نقل اليهود إذ لا طريق له سواه، فيقال له عند ذلك: ما الذي جعل عباد/ (٢/١٤٥/ب) العجل وبعلز بول الصنم والزهرة أولى بالعدالة من عباد الله المؤمنين المخلصين له؟!
وإن نازع في ذلك نصراني. قيل له: ألم تروُوا أن المسيح ﵇ لما قرب من أورشليم قال لرجلين من تلاميذه: اذهبا إلى القرية التي أمامكما فإنكما ستجدان أتانًا وجحشًا فأتياني بهما ففعلًا وأتيا بالأتان والجحش٢. فما دليلكم على تصحيح ذلك عن المسيح؟ أذلك٣ مما يمكن اليوم معرفته دون الرواية؟! فما الذي جعلكم أحقّ بما تروون منا بما نروي عن ثقاتنا؟!! وقد بعث نبيّنا رجلين ووصف لهما المرأة والماء الذي معها، وذلك أعجب من قول المسيح في الأتان والجحش.
٥- معجزة: وهي تكثير الطعام اليسير ببركته ﷺ. روى جابر بن عبد الله، قال: "سأل رجل رسول الله ﷺ طعامًا فأعطاه يسيرًا من شعير فما زال الرجل يأكل منه وأهله وضيفه حتى كاله بعد حين. فأخبر بذلك رسول الله ﷺ فقال: لو لم تكله لأكلتم منه وقام٤ بكم"٥.
_________________
(١) ١ في م، ص: (الطران) ولا معنى له. وصححته بما يوافق السياق. فالصواب: حجر شديد يقدح به. (ر: القاموس ص ١٥٦٣) . ٢ متى ٢١/١-١١، مرقص ١١/١-١١. ٣ في م: زاد: (لا) . ٤ في م: (لقام) . ٥ أخرجه مسلم ٤/١٧٨٤، والبيهقي في الدلائل ٦/١١٤) .
[ ٢ / ٧٤٢ ]
وقال / (٢/١٤٦/أ) أبو١ طلحة في حديثه المشهور: "أطعم رسول الله ﷺ ثمانين رجلًا من أقراص شعير جاء بها أنس تحت إبطه"٢.
وقال جابر بن عبد الله: "أطعم رسول الله ﷺ يوم الخندق من صاع شعير وعناق٣ ألف رجل حتى تركوه وانحرفوا٤، وإن البرمة٥ لتغط٦ كما هي وإن العجين ليخبر"٧.
وقال أبو٨ أيوب: "صنعت لرسول الله ﷺ ولصاحبيه أبي بكر وعمر قدر ما يكفيهما من الطعام، فقال النبيّ ﵇: ادع لي ثلاثين رجلًا من أشراف الأنصار. فدعوتهم فأكلوا حتى تركوه ثم قال ﵇: ادع لي ستين رجلًا. فأكلوا حتى تركوه ثم قال ﵇: ادع لي سبعين رجلًا. فدعوتهم فأكلوا حتى تركوه فلم يخرجوا حتى أسلموا وبايعوا، قال أبو أيوب: فأكل من طعامي ذلك مائة وثمانون رجلًا"٩.
_________________
(١) ١ هو: أبو طلحة الأنصاري، زيد بن سهل الأسود الأنصاري النجاري الصحابي المعروف باسمه وكنيته. ٢ في الشفا ١/٥٦٢، " فأمر بها ففتت وقال فيها: ما شاء الله أن ي قول: ". اهـ. أخرجه البخاري في كتاب المناقب باب (٢٥) . (ر: فتح الباري ٦/٥٨٦)، ومسلم ٣/١٦١٢، والترمذي ٥/٥٩٥، ٥٩٦، وأبو نعيم في الدلائل ص ٤١٥، والبيهقي في الدلائل ٦/٨٨، عن أنس بن مالك ﵁". ٣ العَنَاق: هي الأنثى من أولاد المعزّ ما لم يتم له سنة. (ر: النهاية ٣/٣١١) . ٤ أي: مالوا عن الطعام. (ر: فتح الباري ٧/٣٩٩) . ٥ البُرْمَة: القدر مطلقًا وجمعها بِرَام، وهي في الأصل المتّخذة من الحجر المعروف بالحجاز واليمن. (ر: النهاية ٣/٣٧٢) . ٦ لتَغِطُّ: أي: تغلي ويسمع غطيطها. (ر: النهاية ٣/٣٧٢) . ٧ في الشفا ١/٥٦٢، " وكان رسول الله صلى الله عليه بصق في العجين والبرمة وبارك". اهـ. أخرجه البخاري في كتاب المغازي باب (٢٩) . (ر: فتح الباري ٧/٣٩٥، ٣٩٦)، ومسلم ٣/١٦١٠، والترمذي ٥/٥٩٥) . ٨ أبو أيوب الأنصاري، خالد بن زيد النجاري. الصحابي المعروف ﵁. ٩ أخرجه أبو نعيم ص ٤٢٨، وأبو بكر الغرياني ص ٢٨، والبيهقي ٦/٩٤، كلهم في الدلائل من طريق عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن سعيد الجريري عن أبي الورد بن تمامة عن أبي محمّد الخضرمي عن أبي أيوب ﵁. وذكره الهيثمي في المجمع ٨/٣٠٣، وقال: "أخرجه الطبراني وفي إسناده من لم أعرفه. ونقله ابن كثير في البداية ٦/١١١، وقال: غريب متنًا وإسنادًا". اهـ. قلت: سعيد الجريري، ثقة. اختلط قبل موته بثلاث سنين. (ر: التقريب ١/٢٩١)، وأبو الورد، وأبو محمّد لم أقف على توثيق لهما ولا على متابعة.
[ ٢ / ٧٤٣ ]
وقال سمرة بن جندب: "أُتي ﵇ بقصعة فيها لحم فتعاقبوها من غدوة إلى الليل يقوم قوم ويقعد آخرون"١.
وقال عبد الرحمن٢ بن أبي عمرة [عن أبيه] ٣ وسلمة بن الأكوع٤ وأبو هريرة٥ / (٢/١٤٦/ب) وعمر بن الخطاب٦: "أصاب الناس مخمصة٧ مع النّبيّ ﷺ في
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٥/١٨، والترمذي ٥/٥٥٣، والفريابي في الدلائل ص ٣٠، والحاكم ٢/٦١٨، وأبو نعيم ص ٥٢٨، والبيهقي ٦/٩٣، كلاهما في الدلائل، كلهم من طريق يزيد بن هارون تنا سليمان التيمي عن أبي العلاء سمرة بن جندب ﵁، قال: ،قال الترمذي: "حديث حسن صحيح".وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. وقال البيهقي: "هذا إسناد صحيح". ٢ عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري الخزرجي، أبوه صحابي شهير، ولد في عهد النّبي صلى الله عليه، وأمه هند بنت المقدم بن عبد المطلب بنت عم النبيّ صلى الله عليه، ذكره مطين وابن السكن في الصحابة. وقال ابن أبي حاتم: "ليست له صحبة. وحديث مرسل". قال ابن سعد: "كان ثقة كثير الحديث". وذكره ابن حبان في الثقات. (ر: الطبقات ٥/٨٣، الجرح والتديل ٥/٢٧٣، الإصابة ٥/٧٣، التهذيب ٦/٢١٩) . ٣ هذه الإضافة من الشفا ١/٥٦٤. أما حديث أبي عمرة الأنصاري ﵁ فقد أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٣/٤١٧، وابن حبان في صحيحه. (ر: المورد ص ٣١)، والفريابي في الدلائل ص ١٣، والحاكم ٢/٦١٨، ٦١٩، والبيهقي في الدلائل ٦/١٢١، كلهم من طريق الأوزاعي عن المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي عن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري عن أبيه، قال: فذكره. قال الحاكم: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. وذكره الهيثمي في المجمع ١/٢٤، ٢٥، وقال: "رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله ثقات". ٤ حديث سلمة بن الأكوع ﵁ أخرجه مسلم ٣/١٣٥٤، ١٣٥٥، والبيهقي في الدئل ٤/١١٨، ١١٩. ٥ حديث أبي هريرة ﵁، أخرجه مسلم ١/٥٥، ٥٦، وأحمد في المسند ٢/٤٢١، و٣/١١، والفريابي في الدلائل ص: ١٧، و١٨، وأبو نعيم ص: ٤١٨، والبيهقي ٦/١٢٠، كلاهما في الدلائل. ٦ وبنحوه حديث عمر بن الخطاب ﵁ أخرجه الفريابي في الدلائل ص ١٩، ٢٠، وذكره الهيثمي في المجمع ٨/٣٠٧. وقال: رواه أبو يعلى في الصغير والكبير وفيه عاصم بن عبيد الله العمري وَثَّقه العجلي وضعّفه جماعة. وبقية رجاله ثقات. قال السيوطي في الماهل ص ١٢٢: أخرجه أبو يعلى بسند جيد. ٧ المَخْمَصة: المجاعة.
[ ٢ / ٧٤٤ ]
بعض مغازيه فدعا ببقية الأزواد فجاء الرجل بالقبضة الطعام وفوق ذلك فجمعه على نطع١، قال سلمة: فحزرته كَرَبْضَة٢ العنْز ثم دعا الناس بأوعيتهم فلم يبق في الجيش وعاء إلاّ ملأؤه ثم فضلت فضلة من ذلك".
وقال أبو هريرة: "أمرني النّبيّ ﷺ أن [أدعو] ٣ له أهل الصفة٤ فتتبعتهم حتى جمعتهم فوضعت بين أيدينا قصعة فأكلنا ما شئنا وفرغنا، وهي مثل ما كانت [حين] ٥ وضعت إلاّ أن فيها أثر الأصابع"٦.
وقال عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه: "جمع رسول الله ﷺ بني عبد المطلب وكانوا أربعين ومنهم من يأكلالجذعة٧ ويشرب الفرق٨، فصنع لهم
_________________
(١) ١ النِّطْع: بالكسر وبالفتح وبالتحريك: بساط من الأديم، جمعه: أنطاع. (ر: القاموس ص ٩٩١) . ٢ رَبْضَة العنْز: ويروي بكسر الراء: أي: جثتها إذا بركت. من ربَض في المكان يربض. إذا لصق به وأقام ملازمًا له. (ر: النهاية ٢/١٨٤) . ٣ في ص، م: (أدع)، وصححته من الشِّفا ١/٥٦٥. ٤ أهل الصفة: هم فقراء المهاجرين، ومن لم يكن له منهم منْزل يسكنه فكانوا يأوون إلى موضع مظلل في مسجد المدينة يسكنونه. (ر: النهاية ٣/٣٧) . ٥ ليست في ص، م، وأضيفت من الشفا ١/٥٦٥. ٦ أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٦/٣١٤، وعنه الفريابي في الدلائل ص ٢٩، عن حاتم بن إسماعيل عن أنيس عن إسحاق بن سالم عن أبي هريرة ﵁. وأورده الهيثمي في المجمع ٨/٣١١، وقال: "رواه الطبراني في الأسط ورجاله ثقات". اهـ. وله شاهد من حديث واثلة بن الأسقع ﵁ أخرجه أبو نعيم ص ٤٢١، والبيهقي ٦/١٢٩، كلاهما في الدلائل. وأورده الهيثمي في المجمع ٨/٣٠٧، وقال: "رواه الطبراني بأسنادين وإسناده حسن". ٧ الجذعة: الداخلة في السنة الثانية من المعزّ، ومن الضأن ما تمت له سنة. (ر: النهاية ١/٢٥٠) . ٨ الفَرَق: - بالتحريك - مكيال يسع ستة عشر رطلًا. وهي اثنا عشر مدًا. أو ثلاثة آصع عند أهل الحجاز. (ر: النهاية ٣/٤٣٧) .
[ ٢ / ٧٤٥ ]
مدًا من طعام فأكلوا حتى شبعوا وبقي كما هو، ثم دعا بعُسٍّ١ فشربوا حتى رووا وبقي العُسُّ كأنه لم يشرب منه"٢.
وقال أنس: "بنى ﵇ بزينب وأمرني أن أدعو من لقيت فدعوت من لقيت فقدَّم إليهم / (٢/١٤٧/أ) مُدًّا من تمر جُعل حيسًا٣ فتناولوا منه حتى شبعوا وعدتهم زهاء ثلاثمائة رجل، ثم قال لِيَ: ارفع. فرفعت فما أدري أكان حين وضع أكثر أم حين رفع"٤.
وقال عمر: "أمرني النبي ﷺ أن أزود أربعمائة راكب من أحمس٥. فقلت: ما عندنا إلاّ آصع من تمر. فقال ﵇: اذهب وزودهم. فذهبت فزودتهم منه وكأنه بحاله". وذكر هذه الآية جمع كبير من الصحابة٦.
_________________
(١) ١ العُسُّ: القدح الكبير، وجمعه: عِسَاس، وأَعْسَاس. (ر: النهاية ٣/٢٣٦) . ٢ أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١/١٥٩)، عن عفان عن أبي عوانة عن عثمان بن المغيرة عن أبي صادق عن ربيعة بن ناجد عن عليّ ﵁ ، فذكره. وأورده الهيثمي في المجمع (٨/٣٠٥)، وقال: "رواه أحمد ورجاله ثقات". وقال السيوطي في المناهل ص ١٢٢: أخرجه أحمد والبيهقي وسنده جيد. وله وجه آخر من طريق ابن عباس عن علي - ﵃ -، أخرجه أبو نعيم ص ٤٢٥، والبيهقي ٢/١٧٩، ١٨٠، كلاهما في الدلائل. ٣ الحيس، جمع: هو الطعام المتخذ من التمر والأقط والسمن، وقد يجعل عوض الأقط الدقيق أو الفتيت. (ر: النهاية ١/٤٦٧) . ٤ أخرجه البخاري في كتاب النكاح باب ٦٤. (ر: فتح الباري ٩/٢٢٦)، بنحوه، ومسلم ٢/١٠٥١، والفريابي ص ٢٥، وأبو نعيم ص ٤٢٤، كلاهما في الدلائل. ٥ الحُمْس: جمع الأَحْمَس؛ وهم قريش، ومن ولدت قريش. وكنانة، وجديلة قيس. سموا حمسًا لأنهم تحمسوا في دينهم. أي: تشددوا. والحماسة: الشجاعة. (ر: النهاية ١/٤٤٠) . والمراد بهم هنا: وفد قبيلة مزينة وجهينة، كما ورد في الدلائل ٥/٣٦٦، للبيهقي. ٦ منهم: دكين بن سعيد المزني ﵁. أخرج حديثه الإمام أحمد في مسنده ٤/١٧٤، وأبو نعيم في الدلائل ص ٤٢٧، كلاهما من طريق إسماعيل عن قيس عنه. وأورده الهيثمي في: مجمع الزوائد ٨/٣٠٨، وقال: "روه أحمد والطبراني ورجالهما رجال الصحيح". ومنهم: النعمان بن مقرن ض أخرجه أحمد في مسنده ٥/٤٤٥، والبيهيقي في الدلائل ٥/٣٦٥-٣٦٧، كلاهما من طريق حصين بن سالم بن أبي الجعد عنه. وقال السيوطي في المناهل ص ١٢٢: سنده صحيح.
[ ٢ / ٧٤٦ ]
وقال جابر في حديث وفاء دين أبيه بعد موته: "بذلت لغرماء أبي من اليهود كلّ ماله فلم يرضوا به وكان مال أبي تمرًا ولم يكن في ثمره سنتين ما يفي بدينهم، فجاء رسول الله ﷺ بعد جداد المثر وهي في البياد فمشى بينها ودعا الله، قال جابر: فوفيت منه غرمائي وفضل لنا مثل ما نجد في كلّ سنة. فتعجب اليهود من ذلك"١.
وقال أبو هريرة: "أصاب الناس مخمصة فقال لي رسول الله ﷺ: "هل من شيء؟ فقلت: نعم. شيء من تمر في مزود. قال: فأتني به فأدخل / (٢/١٤٧/ب) يده فأخرج قبضة فبسطها ثم دعا بالبركة، ثم قال: ادع عشرة. فدعوتهم فأكلوا حتى شبعوا، ثم قال: ادع عشرة. فأكلوا حتى أكل الجيش كله وشبعوا. فقال ﵇: خذ ما جئت به. فأكلت منه حياة رسول الله، وأبي بكر، وعمر، وجهزت منه كذا وكذا وسقًا في سبيل الله، قال أبو هريرة: وكان عدة ذلك التمر بضعة عشرة تمرة"٢.
وحديث أبي هريرة أيضًا حين أصابه الجوع: "فاستتبعه النبي ﷺ فوجد قدحًا من لبن قد أهدي إلى رسول الله ﷺ فأمره ﵇ أن يدعو أهل الصفة، قال: فقلت في نفسي: ما هذا القدح فيهم كنت محتاجًا أن أصيب منه شربة أتقوّى بها. فدعوتهم، فقال: اسقهم. فشربوا حتى رووا من عند آخرهم. ثم قال
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب الاستقراض باب ٩. (ر: فتح الباري ٥/٦٠، وأبو نعيم ص ٤٣٥، ٤٣٦، والبيهقي ٦/١٤٩، ١٥٠، كلاهما في الدلائل. ٢ أخرجه أحمد ٢/٣٥٢، والترمذي ٥/٣٤٦، والبيهقي في الدلائل ٦/١٠٩، كلهم من طريق حماد بن زيد عن المهاجر عن أبي العالية عن أبي هريرة ﵁ قال الترمذي: "حسن غريب من هذا الوجه. وقد روي الحديث من غير هذا الوجه". قلت: الوجه الآخر أخرجه أبو نعيم ص ٤٣٤، والبيهقي عن أبي هريرة ﵁ ٦/١٠، كلاهما في الدلائل من طريق يزيد بن أبي منصور عن أبيه ﵁. وله وجه آخر أخرجه أبو نعيم ص ٤٣٤، والبيهقي ٦/١٠، ١٠٠، عن أبي الفتح هلال بن محمّد بن جعفر الحفار عن الحسن بن يحيى بن عباس القطان عن حفص بن عمرو عن سهيل بن زياد أبو زياد عن أيوب السختياني عن محمّد بن سيرين عنه.
[ ٢ / ٧٤٧ ]
﵇: بقيت أنا وأنت يا أبا هريرة. اقعد فاشرب. فما زلت أشرب ورسول الله ﷺ يقول: اشرب. حتى قلت: والذي بعثك بالحقّ ما أجد له مسلكًا. فأخذ القدح وسمّى الله تعالى / (٢/١٤٨/أ) وشرب الفضلة"١.
وروى هذا الحديث الجم الغفير والخلق الكثير من أصحاب رسول الله ﷺ ثم تلقى ذلك التابعون بإحسان ثم أخذ ذلك عنهم أكابرهم الأعلام من المسلمين.
فمن نازع في هذه الآيات البيّنات وتوقف في شيء منها من أهل الكتاب.
قلنا له: بأي وجه ثبت عندك أن موسى أطعم قومه في البرية مَنًّا وسلوى٢، وأطعم المسيح أصحابه ومن حضر إليه من أهل القرى خبزًا وسمكًا وهم الجمع الكبير من سمك وخبز يسير فأشبعهم وفضلت فضلة كبيرة٣، وبارك إلياس على دقيق الإسرائيلية فقام بها وبجيرانها ثلاث سنين. و[أشهرا] ٤؟.
فإذا فزع إلى الروايات والأخبار الصحيحة عنده. قيل له: قد أجبت نفسك عنا وكفيتنا مؤنة الجواب. فإن رام قدحًا في أخبارنا لم ينفك من عكس ذلك عليه.
٦- معجزة: ومن معجزاته ﷺ كلام الحجر والشجر وشهادتها له بالنبوة وإجابة داعيه ﷺ. قال ابن عمر: "كنا معه في سفر فدنا أعرابي فقال: يا أعرابي / (٢/١٤٨/ب) إلى أين تريد؟ فقال: إلى أهلي. قال: هل أدلك
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب الرقاق باب ١٧. (ر: فتح الباري ١١/٢٨١) . والترمذي ٤/٥٥٩، والحاكم ٣/١٥، وأبو نعيم ص ٤٢٢، والبيهقي ٦/١٠١، ١٠٢. ٢ سفر الخروج، الإصحاح (١٦) . ٣ متى ١٤/١٣، مرقص ٦/٣٠-٤٤، لوقا ٩/١٠-١٧، يوحنا ٦/١-١١. ٤ سفر الملوك الأوّل؛ الإصحاح (١٧) .
[ ٢ / ٧٤٨ ]
على خير؟ قال: وما هو خير؟ قال: تشهد١ أن لا إله إلاّ الله، وأني رسول الله٢. قال: من يشهد لك على ما تقول؟ قال: هذه الشجرة السَّمُرة٣ التي بشاطئ الوادي. فأقبلت السَمّرة تخد الأرض حتى قامت بين يديه فاستشهدها ثلاثًا فشهدت لله ولرسوله ثم رجعت إلى مكانها"٤.
وقال بريدة٥: "سأل أعرابي رسول الله ﷺ آية، فقال: قل لتلك الشجرة رسول الله يدعوك. قال: ففعل. فمالت الشجرة عن يمينها وشمالها وبين يديها وخلفها ثم جاءت تخد الأرض حتى وقفت بين يدي رسول الله ﷺ فقالت: السلام عليك يا رسول الله، فقال الأعرابي: مرها فلترجع إلى موضعها. فأمرها فرجعت حتى استوت بمكانها كما كانت. فقال الأعرابي: مرني أن أسجد لك. فأبى ﵇ فقال: ائذن لي في تقبيل يدك ورجليك. فأذن له ﷺ "٦.
_________________
(١) ١ في م (أشهد)، وفي ص (أشهر)، والصواب ما أثبتّه. ٢ في الشفا ١/٥٧٣: "وأن محمدًا عبده ورسوله". ٣ السَّمُرة: ضرب من شجر الطلح. جمعه: السَّمر. (ر: النهاية ٢/٣٩٩) . ٤ أخرجه الدارمي في المقدمة ١/٩، والبيهقي في الدلائل ٦/١٤، والبزار في مسنده. (ر: كشف الأستار ٣/١٤٣)، كلهم من طريق محمّد بن فضيل عن أبي حيان عن عطاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. قال السيوطي في المناهل ص ١٢٤: "الحديث أخرجه الدارمي والبيهقي والبزار بسند صحيح. قلت: هو حديث معل. ذكره ابن أبي حاتم في العلل ٢/٣٩٢، وقال: إن أباه قال: أنا أنكر هذا؛ لأن أبا حيان لم يسمع عن عطاء ولم يرو عنه وليس هذا الحديث من حديث عطاء". ٥ بريدة بن الحصيب، أبو سهل الأسلمي، الصحابي المعروف. ٦ أخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ٣٩٠، والبزار في مسنده (ر: كشف الأستار ٣/١٣٢)، كلاهما من طريق حيان بن عليّ عن صالح بن حيان عن ابن بريدة عن أبيه، قال: فذكره. قال الهيثمي في المجمع ٩/١٣، ورواه البزار وفيه صالح بن حيان وهو ضعيف. قلت: وهو كما قال الهيثمي. فقد قال الحافظ في التقريب ١/٣٥٨: "صالح بن حيان القرشي. ضعيف من السادسة".
[ ٢ / ٧٤٩ ]
وفي الصحيح عن جابر بن عبد الله في حديثه الطويل: "ذهب رسول الله ﷺ / (٢/١٤٩/أ) يقضي حاجته فلم يجد شيئًا يستتر به فإذا بشجرتين بشاطئ الوادي فأخذ بغصن من إحدى الشجرتين، وقال: إنقادي بإذن الله. فانقادت معه كالبعير الذلول وفعل بالأخرى مثل ذلك، ثم قال: التئما عليّ بإذن الله. فالتأمتا١ - وفي [رواية] ٢ أخرى - قال يا جابر اذهب فقل لهذه الشجرة تلحق بصاحبتها. [فزحفت الشجرة] ٣ حتى لحقت بأختها فجلس خلفها فقضى حاجته"٤.
وكذلك حكى أسامة بن زيد عن النخلات والحجارة وأنه دعاها إلى رسول الله ﷺ فأقبلن يتعادين حتى قضى ﵇ حاجته ثم رجعن يتعادين إلى أماكنهن٥.
وقال يعلى٦ بن مرة: "رأيت شجرة من الطلح جاءت فأطافت برسول الله
_________________
(١) ١ الرواية الأولى، أخرجها مسلم ٤/٢٣٠٦-٢٣٠٩، والبيهقي في الدلائل ٦/١٠٧، في سياق طويل. ٢ ليست في ص، م. وأضيفت من الشفا ١/٥٧٥. ٣ في ص، م: (فخرجت الشجرة تحصر)، وصححت من الشفا ١/٥٧٥. ٤ أما الرواية الأخرى؛ فقد أخرجها البيهقي في الدلائل ٦/١٨، ١٩، من طريق إسماعيل بن عبد الملك عن أبي الزبير عن جابر ﵁، في سياق طويل. وأخرجه بهذا الإسناد أبو داود في سننه ١/١٧، وابن ماجه (ر: صحيح سنن ابن ماجه ١/٦٠، للألباني)، مختصرًا. ولم يذكرا قصة انقياد الشجرتين لأمره صلى الله عليه. ولا قصة سجود الجمل له صلى الله عليه. وقال الشيخ الألباني: صحيح. ٥ أخرجه أبونعيم في الدلائل ص٣٩٣،والبيهقي في الدلائل٦/٢٤،٢٥،كلاهمامن طريق معاوية بن يحيى الصدفي عن الزهري عن خارجة بن يزيد عن أسامة بن زيد ﵁. وذكره السيوطي في الخصائص ٢/٦٠، وعزاه أيضًا إلى أبي يعلى وقال: حسنه ابن حجر في المطالب العالية، وبمثل ذلك ذكره السيوطي في المناهل ص ١٢٤. ٦ يعلى بن مرة الثقفي ﵁، أبو المرازم، شهد خيبر وبيعة الشجرة والفتح. يعد في الكوفيين. وقيل: إنه بصري. له ستة وعشرون حديثًا. (ر: الاستيعاب ٤/١٥٨٧، الإصابة ٦/٣٥٣) .
[ ٢ / ٧٥٠ ]
ﷺ ثم رجعت إلى منبتها فقال ﵇: "إنها استأذنت في السلام عليّ"١.
روى هذه المعجزات جماعة من علماء الصحابة وزهادهم كعبد الله ابن عمر وبريدة وجابر وابن مسعود٢ ويعلى بن مرة وأسامة بن زيد٣ وأنس بن مالك٤ وعليّ بن أبي طالب٥ وابن عباس٦ / (٢/١٤٩/ب) وغيرهم٧. وتلقى ذلك عنهم الجم الغفير والخلق الكثير من التابعين.
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في مسنده٤/١٧٣،وعنه أبو نعيم في الدلائل، ص: ٣٨٢، ٣٩١، والبيهقي في الدلائل٦/٢٣،كلهم من طريق عبد الرزاق، ثنامعمر عن عطاء بن السائب عن عبد الله بن حفص عن يعلى بن مرة الثقفي، قال: ، فذكره في سياق طويل. وذكره الهيثمي في: مجمع الزوائد ٩/٩، وقال: "رواه أحمد بإسنادين والطبراني بنحوه، وأحد إسنادَى أحمد رجاله رجال صحيح". قلت: للحديث متابعات ذكرها الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ١/٧٩٥-٧٩٧، رقم الحديث: ٤٨٥، وقال: "فالحديث بهذه المتابعات جيد". ٢ حديث ابن مسعود ﵁ أخرجه البيهقي في الدلائل ٦/٢٠، وذكره الهيثمي في المجمع ٩/١٢، وقال: "رواه الطبراني في الأوسط والكبير باختصار بنحوه - وذكر له زيادة - ثم قال: رواه البزار بنحوه وفي إسناد الأوسط رفعة بن صالح وقد وثق على ضعفه، وبقية رجاله حديثهم حسن وأسانيد الطريقين ضعيفة". وقال السيوطي في المناهل ص ١٢٤،: "أخرجه البيهقي والطبراني بسند حسن". ٣ تقدم تخريج أحاديث ابن عمر وبريدة وأسامة - ﵃ -. (ر: ص: ٨٤٨، ٨٤٩، ٨٥٠) . ٤ حديث أنس بن مالك ﵁ أخرجه البيهقي في الدلائل ٢/١٥٤، وذكره السيوطي في الخصائص ١/٢٠٢، وعزاه أيضًا إلى ابن أبي شيبة وأبي يعلى والدارمي وأبي نعيم من طريق الأعمش عن أبي سفيان عنه. ٥ حديث علي ﵁ سيأتي تخريجه. (ر: ص: ٧٥٦) . ٦ حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أخرجه الترمذي ٥/٥٤٤، والحاكم ٢/٦٢٠، والبيهقي في الدلائل ٦/١٥. قال الترمذي: "حديث حسن غريب صحيح". وقال الحاكم: "على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي. ٧ روى هذه المعجزة أيضًا عمر بن الخطاب، وذكر حديثه الهيثمي في المجمع ٩/١٢/ وقال: رواه البزار. (ر: كشف الأستار٣/١٣٣)، وأبو يعلى وإسناد أبي يعلى حسن. ورواه أيضًا غيلان بن سلمة الثقفي. وعبادة بن الصامت، وأبو أمامة، وجابر بن سمرة - ﵃ أجمعين -. وأخرج أحاديثهم أبو نعيم في الدلائل ص ٣٩١، ٣٩٢، ٣٩٥، ٣٩٧.
[ ٢ / ٧٥١ ]
قال الأستاذ الإمام ابن١ فورك - رحمة الله عليه -: "بينما رسول الله ﷺ [سائر] ٢ ليلًا [في غزوة الطائف] ٣ اعترضت له سدرة فانفرجت له نصفين فدخل بينهما ومَرَّ وبقيت السدرة على حالها إلى يوم الناس هذا، وذلك بالطائف وهي الآن تعرف بسدرة النبي ﷺ يحترمها الناس"٤.
فإن ارتاب بشيء من هذه الآيات يهودي أو نصراني فيقال له: ألست زعمت أن موسى ﵇ أقام عصاه في قبة الزمان بين عصي قومه فأخضرت وذلت أغصانًا وورقًا وأثمرت لوزًا٥؟! ألست زعمت في إنجيلك أن المسيح أتي شجرة تين وهو وأصحابه ليصيبوا منها فلما لم يجد فيها ثمرة دعا عليها فيبست وجفت لوقتها وساعتها وصارت جذعًا يابسًا؟ ٦ فما طريقك في تصحيح ماادعيته بعد ألفي عام؟ فإنه كلمارضي جوابًاخُصم به.
٧- معجزة: ومن معجزاته ﵇ حنين الجذع وهو مشهور معروف وحديثه متواتر، قد خرجه أهل الصحيح ورواه الأكابر / (٢/١٥٠/أ) من أصحابه منهم: أُبَيُّ٧ بن كعب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك
_________________
(١) ١ هو: محمّد بن الحسن بن فورك الأنصاري الأصبهاني الشافعي أبو بكر، عالم بالأصول والكلام، من أئمة الأشاعرة، مات مسمومًا سنة ٤٠٦هـ. على مقربة من نيسابور. (ر: طبقات الشافعية ٤/١٢٧-١٣٥، وفيات الأعيان ٣/٤٠٢، الأعلام ٦/٨٣، للزركلي) . ٢ في ص، م (سائرًا) والصواب ما أثبتّه. ٣ هذه الإضافة من الشفا ١/٥٧٨. ٤ لم يخرجه السيوطي في المناهل ص ١٢٥، وقال القاري في شرحه للشفا ٣/٥٥،: "ولعلها كانت في زمانهم، وأما في زماننا فليست مشهورة". اهـ. قلت: ذكره الماوردي في أعلام النبوة ص ١٩٣، بلا إسناد. ٥ سفر العدد ١٧/٧، ٨. ٦ متى ٢١/١٩-٢٠، مرقص ١١/١٣، ١٤. ٧ حديث أبي بن كعب ﵁ أخرجه عبد الله بن حنبل عن أبيه في المسند ٥/١٣٧، وعنه أبو نعيم في الدلائل ص ٤٠١، وابن ماجه (ح: ١٤١٤)، والدارمي ١/١٧، والبيهقي في الدلائل ٦/٦٧، كلهم من طريق عبد الله بن محمّد بن عقيل عن الطفيل ابن أبي بن كعب عن أبيه. وأورده الهيثمي في المجمع ٢/١٨٣، وقال: "رواه ابن ماجه باختصار رواه عبد الله من زياداته في المسند وفيه رجل لم يُسَمَّ، وعبد الله بن محمّد بن عقيل فيه كلام وقد وثق". اهـ. قال الشيخ الألباني: "حديث حسن". (ر: صحيح ابن ماجه ١/٢٣٨) .
[ ٢ / ٧٥٢ ]
وعبد الله١ بن عمر وعبد الله٢ ابن عباس وسهل بن [سعد] ٣ وأبو سعيد٤ الخدري وبريدة٥ وأم سلمة٦ والمطلب بن أبي٧ وداعة [كلهم يحدّث بمعنى هذا الحديث] ٨.
_________________
(١) ١ حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أخرجه البخاري في كتاب المناقب. (ر: فتح الباري٦/٦٠١)، والترمذي في كتاب الجمعة٢/٣٧٩، والبيهقي في الدلائل٦/٦٦. ٢ حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أخرجه أحمد ١/٢٤٩، والدارمي ١/١٩، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٤/٧٩٨، والبيهقي في الدلائل ٢/٥٥٨، كلهم من طريق حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عنه. قال الإمام اللالكائي: إسناد صحيح على شرط مسلم يلزمه إخراجه. ووافقه الإمام ابن كثير في الشمائل ص ٢٤٦، ٢٤٧. ٣ في ص، م: (سهل بن عبد الله)، وهو خطأ وصححته من الشفا ١/٥٨٢. وحديث سهل بن سعد ﵁ أخرجه أبو نعيم ص ٤٠٣، والبيهقي ٢/٥٥٩، كلاهما في الدلائل من طريق عباس بن سهل بن سعد الساعدي عن أبيه ﵁. قلت: عباس بن سهل بن سعد، ثقة. من الرابعة. (ر: التقريب ١/٣٩٧، وأصل حديث سهل في البخاري (ر: فتح الباري ٢/٣٩٧)، ومسلم ١/٣٨٦، ولم يذكرا فيه معجزة حنين الجذع. ٤ حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أخرجه الدارمي ١/١٨، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٤/٨٠١، وأبو نعيم ص ٤٠٢، كلهم من طريق أبي أسامة عن مجالد عن أبي الوداك عنه. وأورده الهيثمي في المجمع ٢/١٨٣، ١٨٤، وقال: "رواه أبو يعلى وفيه مجالد بن سعيد وقد وثقه جماعة وضعّفه آخرون". اهـ. وقال ابن كثير: إسناده غريب. (الشمائل، ص: ٢٥٠) . ٥ بريدة بن الحصيب الأسلمي ﵁، الصحابي المعروف وأخرج حديثه في حنين الجذع الدارمي في سننه ١/١٦، عن محمّد بن حميد عن تميم بن عبد المؤمن عن صالح بن حيان عن ابن بريدة عن أبيه. قلت: في إسناده صالح بن حيان القرشي، وهو ضعيف. وقد تقدم. (ر: ص: ٥٥٤) . ٦ حديث أم سلمة ﵂، أخرجه أبو نعيم. (ر: الشمائل ص ٢٥٠، لابن كثير) والبيهقي في الدلائل ٢/٥٦٣، كلاهما من طريق عمار الدهني عن أبي سلمة عبد الرحمن عن أم سلمة. وأروده الهيثمي في المجمع ٢/١٨٦، وقال: "رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون. وقال ابن كثير: إسناده جيد ولم يخرجوه". اهـ. ٧ المطلب بن أبي وداعة القرشي السهمي ﵁ أسلم يوم الفتح، ثم نزل الكوفة، ثم نزل بالمدينة وله بها دار وبقي فيها دهرًا. وله من الأحاديث تسعة أحاديث. (ر: الاستيعاب ٣/١٤٠٢)، الإصافة (٦/١٠٤، ١٠٥)، وأما حديثه في حنين الجذع، فقد قال السيوطي: "أخرجه الزبير بن بكار في أخبار المدينة". (ر: المناهل ص ١٢٦، الخصائص ٢/١٢٨) . ٨ هذه الإضافة من الشفا ١/٥٨٢.
[ ٢ / ٧٥٣ ]
قال الترمذي: "وحديث أنس صحيح". قال جابر١: "كان في المسجد جذع من النخل كان ﵇ يقوم إليه في خطبته فلما اتّخذ له المنبر سمعنا لذلك الجذع صوتًا كصوت العشار٢ - وفي رواية أنس٣ - حتى ارتج المسجد بخواره فكثر بكاء الناس لما رأوه - وفي رواية المطلب - حتى تصدع وانشق - فجاء النبي ﷺ فوضع يده عليه فسكت. فقال ﵇: إن هذا بكى لما فقد من الذكر، فوالذي نفسي بيده لولا ما التزمه لم يزل هكذا. تحزنًا على رسول الله ﷺ فأمر به ﷺ فدفن تحت المنبر"٤.
وحكى الإسفراييني٥: أن رسول الله ﷺ دعاه إلى نفسه فجاء يخرق الأرض فالتزمه ثم أمره فعاد إلى مكانه٦.
_________________
(١) ١ حديث جابر ﵁ أخرجه البخاري في كتاب المناقب باب (٢٥) . (ر: فتح الباري ٦/٦٠١، وأبو نعيم ص ٤٠٠، والبيهقي ٦/٦٦، كلاهما في الدلائل. ٢ العشار: جمع عُشرَاء. وهي الناقة التي أتى على حملها عشرة أشهر ثم اتّسع فيه فقيل لكل حامل: عُشراء. وأكثر ما يطلق على الخيل الإبل. (ر: النهاية ٣/٢٤٠، فتح الباري ٢/٤٠٠) . ٣ حديث أنس بن مالك ﵁ أخرجه الترمذي ٥/٥٥٤، والدارمي ١/١٩، وأبو يعلى (ر: الشمائل ص ٢٤٠، لابن كثير)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٤/١٩٨، والبيهقي في الدلائل ٢/٥٥٨، من طريق عمر بن يونس عن مكرمة بن عمار بن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عنه. قال الترمذي: "حديث حسن صحيح". وقال اللالكائي: "إسناده صحيح على شرط مسلم يلزمه إخراجه". اهـ. ٤ قال في الشفا ١/٥٨٣،: "كذا في حديث المطلب وسهل بن سعد وإسحاق عن أنس". اهـ. ٥ هو: إبراهيم بن محمّد الإسفراييني الشافعي، أبو إسحاق، الفقيه، المتكلم، الأصولي، بنى مدرسة بنيسابور، توفي سنة ٤١٨هـ. ودفن في إسفراييني. (ر: طبقات الشافعية ٣/١١١، سير أعلام النبلاء ١٧/٣٥٣، الأعلام ١/٦١، للزركلي) . ٦ قال الخفاجي في نسيم الرياض شرح الشفا ٣/٦٢: "وهذه زيادة منه، لا يقال مثلها من قبل الرأي، وهو إمام ثقة، على أن هذا رواه الإمام البيهقي في دلائله والحافظ أبو القاسم في تاريخه عن العباس كما في الشرح الجديد، ولو وقف عليه المصنّف عزاه له". اهـ. قلت: لم يوه الإمام البيهقي في دلائله، وهذه الرواية التي حكاها الإسفراييني تخالف الروايات الصحيحة الأخرى التي أجمعت على أن الرسول صلى الله عليه هو الذي ذهب إلى الجذع فاحتضنه أو مسح عليه. علمًا بأن القصة واحدة لم تتكرر، فلعلّ الإسفراييني اختلط عليه حديث حنين الجذع مع حديث استجابة الشجرة لدعوته صلى الله عليه وإقبالها عليه وقد تقدم. والله أعلم.
[ ٢ / ٧٥٤ ]
وكان الحسن البصري / (٢/١٥٠/ب) إذا حدَّث بحديث الجذَع بكى وقال: "يا عبد الله الخشبة تحن إلى رسول الله ﷺ شوقًا لمكانه من الله فأنتم أحقّ أن تشتاقوا إليه"١.
روى حديث الجذع عالم كبير من أصحاب رسول الله ﷺ وتلقاه التابعون بإحسان وهو من الأحاديث الصحيحة المستفيضة٢.
٨- معجزة: ومن معجزاته ﵇ تسبيح الطعام بين يديه ﷺ قال الصحابة: "لقد كنا نسمع تسبيح الطعام بين يدي رسول الله ﷺ وهو يؤكل"٣.
٩- معجزة: ومن معجزاته ﷺ تسبيح الحصى في يده. قال أنس: "أخذ رسول الله ﷺ كفًا من حصى فسبحن في يده حتى سمعنا التسبيح ثم صبهن في يد أبي بكر فسبحن"٤.
_________________
(١) ١ أخرجه البغوي. (ر: الشمائل ص ٢٤١، لابن كثير)، وعنه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٤/٧٩٩، والبيهقي في الدلائل ٢/٥٥٩، كلاهما من طريق مبارك بن فضالة. قال: حدّثنا الحسن البصري عن أنس ﵁. قلت: إسناده صحيح. فقد صرح مبارك السماع. (ر: التهذيب ١٠/٢٧، والتقريب ٢/٢٢٧) . ٢ قال الحافظ في الفتح ٦/٥٩٢: "فإن حنين الجذع وانشقاق القمر نقل كلًا منهما نقلًا مستفيضًا، يفيد القطع عند من يطلع على طرق ذلك من أئمة الحديث دون غيرهم ممن لا ممارسة في ذلك" اهـ. وبمثل ذلك قال الإمام ابن كثير في الشمائل ص ٢٣٩، ٢٥١. ٣ أخرجه البخاري في كتاب المناقب باب (٢٥) . (ر: فتح الباري ٦/٥٨٧)، والترمذي ٥/٥٥٧، والدارمي ١/١٤، ١٥، وأبو نعيم في الدلائل ص ٤٠٦، والبيهقي في الدلائل ٦/٦٢، عن عبد الله بن مسعود ﵁. ٤ أخرجه ابن عساكر. (ر: تهذيب تاريخ ابن عساكر ١/١٠٨، الخصائص ٢/١٢٥، للسيوطي)، والماوردي في أعلام النبوة ص ١٩٤، عن ثابت عن أنس ﵁. وله شاهد من حديث أبي ذرٍ ﵁. أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط ٢/١٤٢، وأبو نعيم في الدلائل ٤٣٢، والبزار. (ر: كشف الأستار ٣/١٣٦) . كلهم من طريق الوليد بن عبد الرحمن الجرشي عن جبير بن نفير الخضرمي عنه. وأورده الهيثمي في: مجمع الزوائد ٨/٣٠٢، وقال: "رواه البزار بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات، وفي بعضهم ضعف". قلت: رجال الإسناد السابق ثقات، وإسناده صحيح متصل. (ر: التقريب ٢/٣٣٤، ١/١٢٦) . أما الإسناد الآخر الذي فيه ضعف فقد أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٨٠٦، والبزار. (ر: كشف الأستار ٣/١٣٥)، وأبو نعيم ص ٤٣٢، والبيهقي ٦/٦٤، كلاهما في الدلائل كلهم من طريق قريش بن أنس عن صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن سويد به. قال البزار: "صالح لين الحديث"، وقال البيهقي: "وصالح لم يكن حافظًا". وقال الحافظ ابن حجر: "ضعيف يعتبر به". (ر: التقريب ١/٣٥٨)، إذن الإسناد يزيد الحديث قوة إلى الإسناد السابق. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح ٦/٥٩٢: "وأما تسبيح الحصى فليست له إلاّ هذه الطريق الواحدة مع ضعفها". اهـ. قلت: وما أوتينا من العلم إلاّ قليلًا، فهذا ذهول منه رحمه الله تعالى السند الآخر الصحيح كما سبق بيانه. والله أعلم.
[ ٢ / ٧٥٥ ]
وقال عليّ بن أبي طالب ﵁: "كنا بمكة مع رسول الله ﷺ فخرج إلى بعض نواحيها فما استقبله جبل ولا شجر إلاّ قال: السلام عليك يا رسول الله"١.
وقال جابر بن عبد الله: / (٢/١٥١/أ) "لم يكن رسول الله ﷺ يمرّ بحجر ولا شجر إلاّ سجد له ﷺ" ٢.
وفي حديث العباس: "إذ٣ اشتمل عليه النبي ﷺ وعلى أهل بيته بملاءة
_________________
(١) ١ أخرجه الدارمي في المقدمة ١/١٢، والترمذي ٥/٥٥٣، والحاكم ٢/٦٢٠، وأبو نعيم في الدلائل ص ٣٨٩، كلهم من طريق الوليد بن أبي ثور عن السدي عن عباد ابن أبي يزيد عن عليّ ﵁. قال الترمذي: حديث غريب. وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. قلت: هذه غفلة من الحاكم والذهبي رحمهما الله. والصواب ما قاله الترمذي. فإن الوليد بن عبد الله بن أبي ثور الهمذاني، وينسب إلى جده، ضعيف، يكتب حديثه ولا يحتج به. (ر: الجرح والتعديل ٩/٢، التقريب ٢/٣٣٣) . وفي إسناده أيضًا عباد بن أبي يزيد أو ابن يزيد الكوفي، مجهول. (ر: التقريب ١/٣٩٤) . ٢ أخرجه أبو نعيم ص ٤٤٣، والبيهقي ٦/٦٩، كلاهما في الدلائل من طريق مالك بن إسماعيل أبو غسان عن إسحاق ابن الفضل عن الغيرة بن عطية عن أبي الزبير به. قلت: له شاهد من حديث جابر بن سمرة ﵁، أخرجه مسلم ٤/١٧٨٢، وأحمد ٥/٨٩، ٩٥، الترمذي ٥/٥٥٣، والدارمي ١/١٢. ٣ في م: إذا.
[ ٢ / ٧٥٦ ]
ودعا لهم بالستر من الناس كستره إيّاهم بملاءته. فأمّنت أسكفة الباب وجدران البيت: آمين آمين"١.
١٠- ومن معجزاته ﷺ اضطراب الجبل لهيبته وسكونه بأمره. [عن أنس] ٢: "صعد رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان [أُحدًا] ٣ فرجف بهم فقال ﵇: اثبت أحد فإنما عليك نبيّ وصدِّيق وشهيدان. فقتل عمر وعثمان"٤.
ومثل ذلك عن أبي هريرة: "في حراء [- وزاد - معه عليّ] ٥ وطلحة والزبير، فقال ﵇ اسكن حراء فإنما عليك نبيّ أو صدِّيق أو شهيد"٦.
شاهد٧ ذلك رواه جماعة من أعيان الصحابة ومشاهير الأمة.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ٤٣٢، ٤٣٣، والبيهقي في الدلائل ٦/٧١، كلاهما من طريق محمّد بن يونس الكديمي ثنا عبد الله بن عثمان بن إسحاق بن سعد بن أبي وقاص ثنا مالك بن حمزة عن أبيه عن أبي أسيد الساعدي البدري ﵁. وأخرج ابن ماجه في كتاب الأدب. (ر: ضعيف ابن ماجه ص ٢٩٩)، طرفًا عن طريق أبي إسحاق الهدوي عن عبد الله بن عثمان به. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد /٢٧٣، وقال: "روى ابن ماجه بعضه في الأدب ورواه الطبراني وإسناده حسن". قلت: إسناده ليس بحسن، ففيه ضعيف مجهول. فإن محمّد بن يونس الكديمي أبو العباس السامي، ضعيف. ولم يثبت أن أبا داود روى عنه. (ر: التقريب ٢/٢٢٢)، وعبد الله بن عثمان بن إسحاق بن سعد بن أبي وقاص المدني. مستور. من التاسعة. (ر: التقريب ١/٤٣٢) . ٢ هذه الإضافة من الشفا ١/٥٩٠. ٣ في ص، م (أحد) والصواب ما أثبتّه. ٤ أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة باب (٥) . (ر: فتح الباري ٧/٢٢)، والترمذي ٥/٥٨٣، وأبو داود ٤/٢١٢، وأحمد في مسنده ٥/٣٣١، ٣٤٦، والبيهقي في الدلائل ٦/٣٥٠، وعن أنس بن مالك ﵁. ٥ هذه الإضافة من الشفا ١/٥٩١. ٦ أخرجه مسلم ٤/١٨٨٠، والترمذي ٥/٥٨٢، البيهقي في الدلائل ٦/٣٥٢. وله شاهد من حديث سعيد بن زيد ﵁. أخرجه أبو داود ٤/٢١١، والترمذي ٥/٦٠٩، وأبو نعيم في الدلائل ص ٤٣٠، وقال الترمذي: "حسن صحيح". ٧ ليست في م.
[ ٢ / ٧٥٧ ]
١١- معجزة: قال ابن عمر: "قرأ رسول الله ﷺ وهو على المنبر: ﴿وَمَا قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ . [سورة الزمر، الآية: ٦٧] . ثم قال: يمجد الجبار نفسه فيقول: أنا الجبار أنا الكبير المتعال، قرجف المنبر حتى قلنا: ليخرن عنه"١.
١٢- معجزة: ومن معجزاته ﷺ / (٢/١٥١/ب) سقوط الأوثان بإشارته. قال ابن عباس: "كان حول البيت ثلاثمائة وستّون صنمًا مثبتة الأرجل بالرصاص، فلما دخل رسول الله ﷺ عام الفتح جعل يشير إليها٢ بقضيب كان في يده ولا يمسّها، ويقول: ﴿وَجَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ . [سورة الإسراء، الآية: ٨١] . فما أشار إلى وجه صنم إلاّ وقع لقفاه، ولا لقفاه إلاّ وقع لوجهه حتى ما بقي منها صنم"٣.
ومثله في حديث ابن مسعود٤.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم ٤/٢١٤٨، ٢١٤٩، وأحمد في مسنده ٢/٧٢، ٨٨، وابن ماجه. (ر: صحيح ابن ماجه ١/٣٩)، وابن أبي عاصم في السنة ١/٢٤٠. ٢ في م: إليهما. ٣ أخرجه أبو نعيم في ٥١٩، ٥٢٠، والبيهقي ٥/٧١، ٧٢، كلاهما في الدلائل من طريق ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن عليّ بن أبي بكر عن عليّ بن عبد الله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وتابع عليًّا عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس، أخرجه ابن هشام. (ر: السيرة ٤/٨٤)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/١٧٩، وقال: "رواه الطبراني ورجاله ثقات، ورواه البزار باختصار". اهـ. قلت: للحديث شواهد منها: حديث ابن عمر ﵁ أخرجه ابن حبان. (ر: الموارد ص ٤١٦)، وأبو نعيم ص ٥١٩، والبيهقي ٥/٧٢، كلاهما في الدلائل. وحديث أبي هريرة ﵁، أخرجه مسلم ٣/١٤٠٥، ١٤٠٦. ٤ وحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما أخرجه البخاري في كتاب المغازي باب (٤٨) . (ر: فتح الباري٨/١٥،١٦)، ومسلم ٣/١٤٠٨، والبيهقي في الدلائل٥/٧١.
[ ٢ / ٧٥٨ ]
١٣- معجزة: ومن معجزاته ﷺ سجود الأشياء له. قال بحيرا١ الراهب حين رأى رسول الله ﷺ: "هذا سيّد العالمين يبعثه الله رحمةً للعباد، فقال له أشياخ من قريش: ما علمك بذلك يا بحيرا؟ فقال: إنه لم يبق شجر ولا [حجر] ٢ إلاّ سجد له وَخَرَّ بين يديه ولا يسجد إلاّ لنبيّ"٣.
_________________
(١) ١ بحيرا الراهب، ذكره ابن منده في الصحابة وتبعه أبو نعيم، وقصته معروفة في المغازي. وذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة في (القسم الرابع فيمن ذكر في كتب الصحابة غلطًا وبيان ذلك) . ثم قال: "وما أدري أدرك البعثة أم لا؟ واختلف في أمره، فقيل: كان من يهود تيماء،.وقيل: كان نصرانيًا من عبد القيس". وقال الحافظ: "إنما ذكرته في هذا القسم؛ لأن تعريف الصحابي لا ينطبق عليه. وهو: (مسلم لقي النّبيّ صلى الله عليه مؤمنًا به ومات على ذلك) . فقولنا (مسلم)؛ يخرج من لقيه مؤمنًا به قبل أن يبعث كهذا الرجل". اهـ. والله أعلم. (ر: تجريد أسماء الصحابة ١/٤٤، للذهبي، الإصابة ١/١٨٣، ١٨٤) . ٢ في ص، م (مدر)، وصححت من الشفا١/٥٩٣، ومن رويات الحديث في مصادرها. ٣ أخرجه ابن إسحاق معلقًا. (ر: السيرة ١/٢٣٦-٢٣٩)، والترمذي ٥/٥٥٠، وابن أبي شيبة ٧/٣٢٧، ح رقم ٣٦٥٤٠، وعنه البيهقي في الدلائل ٢/٢٤-٢٦، وأبو نعيم ص ١٧٠-١٧١، والحاكم ٢/٦١٥-٦١٦، وعنه. وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". وتعقبه الذهبي بقوله: "أظنه موضوعًا. فبعضه باطل". كلهم من طريق قراد أبو نوح عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري عن أبيه ﵁. قال: فذكره في سياق طويل - وفيه -: "إن الراهب ناشد أبا طالب أن يرد الرسول صلى الله عليه إلى مكّة خوفًا عليه من أهل الكتاب، فلم يزل يناشده حتى ردّه وبعث معه أبو بكر بلالًا، وزوده الراهب من الكعك والزيت". اهـ. قال الترمذي: "حسن غريب لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه". وقال الذهبي في السيرة ص ٥٧،: "حديث منكر جدًّا، وأين كان أبو بكر؟ كان ابن عشر سنين، فإنه أصغر من رسول الله صلى الله عليه بسنتين ونصف، وأين كان بلال في هذا الوقت؟ فإن أبا بكر لم يشتره إلاّ بعد المبعث، وأيضًا فلو أثر هذا الخوف في أبي طالب وردّه، كيف كانت تطيب نفسه أن يمكنه من السفر إلى الشام تاجرًا لخديجة؟ وفي الحديث ألفاظ منكرة تشبه ألفاظ الطرقية". اهـ. بتصرف. وذكره ابن كثير في البداية ٢/٢٨٥-٢٨٦، وتكلم على الحديث بكلام قريب من الذهبي وزاد فيه قوله: "من الغرائب أنه من مرسلات الصحابة". اهـ. بتصرف. قلت: عبد الرحمن بن غزوان الخزاعي، ويقال الضبِّي المعروف بقراد ثقة له أفراد. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال: "كان يخطئ". وقال الدارقطني: "ثقة له أفراد". (ر: التهذيب ٦/٢٢٣، التقريب ١/٤٩٤) .
[ ٢ / ٧٥٩ ]
١٤- معجزة: ومن معجزاته ﷺ إظلاله بالغمام؛ وفي الحديث١: "أنه ﵇ أقبل وغمامة تظله من الشمس فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجر، فلما جلس مال الفيء إليه"٢.
"ورأت خديجة بنت خويلد زوجة رسول الله ﷺ حين قدم مع ميسرة / (٢/١٥٢/أ) غلامها من الشام وغمامة تظله من حرّ الشمس"٣.
ومن أنكر ذلك من اليهود والنصارى ورد٤ عليهم مثله في غمام موسى وعيسى، واضطرتهم الحال إلى التصديق وإلاّ شَوَّشُوا٥ قواعدهم إذ طريق الثبوت واحد.
_________________
(١) ١ أي: الحديث السابق الذي رواه بحيرا الراهب، وفيه ذكر سجود الشجر والحجر للنبي صلى الله عليه وإظلاله بالغمام صلى الله عليه. ٢ قال الذهبي في السيرة ص ٥٧: "أي: من الأمور المنكرة في هذا الحديث - فإذا كان عليه غمامة تظله، كيف يتصور أن يميل فيء الشجرة؟ لأن ظل الغمامة يعدم فيء الشجرة التي نزل تحتها؟!!! " اهـ. وقال ابن كثير في البداية والنهاية ٢/٢٨٦، في تعليقه على الحديث أيضًا: "إن الغمامة لم تذكر في حديث أصح من هذا". اهـ. مع غرابة هذا الحديث ونكارته كما تقدم من بقية كلامه فيما سبق. ٣ أخرجه ابن سعد في الطبقات١/١٣٠،وعنه أبو نعيم في الدلائل ص١٧٢، من طريق محمّد الواقدي عن موسى بن شيبة عن عميرة بنت عبد الله بن كعب بن مالك عن أم سعد بن الربيع عن نفيسة بنت أمية أخت يعلى قالت:..فذكرته في سياق طويل. وذكره السيوطي في الخصائص ١/١٥٤، ١٥٥، وعزاه أيضًا إلى ابن عساكر. (ر: تهذيب تاريخ دمشق ١/٢٧٣-٢٧٤) . قلت: محمّد بن عمر الواقدي، الأسلمي، المدني القاضي، متروك مع سعة علمه. (ر: التقريب ٢/١٩٤، وذكره الذهبي في السيرة ص ٦٣، ٦٤، وقال: حديث منكر. ٤ في م: (أورد) . ٥ في م: (شقشقوا) .
[ ٢ / ٧٦٠ ]
١٥- معجزة: قالت عائشة: "كان عندنا داجن١ فإذا كان عندنا رسول الله ﷺ قَرَّ وثبت مكانه فلم يجئ ولم يذهب، وإذا خرج رسول الله ﷺ جاء وذهب"٢.
١٦- معجزة: ومن معجزاته ﵇ كلام العجماء وشهادتها له بالنّبوّة والرسالة؛ قال عمر: "إن رسول الله ﷺ كان في محفل من أصحابه إذ جاء أعرابي ومعه ضبّ قد صاده فقال: من هذا؟ قالوا: نبي الله. فقال: واللات والعزى لا آمنت بك حتى يؤمن بك هذا الضّبّ. وطرحه بين يدي رسول الله ﷺ فقال النبي ﵇: يا ضبّ. فأجابه بلسان مبين: لبيك وسعديك يا زين مَن وافى القيامة. فقال: من تعبد؟ قال: الذي في السماء عرشه وفي الأرض سلطانه وفي البحر سبيله وفي الجنة رحمته وفي / (٢/١٥٣/ب) النار عقابه. قال: فمن أنا؟ قال: رسول ربّ العالمين٣ وخاتم النبييّن قد أفلح مّن صدّقك وخاب مَن كذّبك. فأسلم الأعرابي"٤.
_________________
(١) ١ الداجن: هي: الشاة التي يعلفها الناس في منازلهم، جمعها: دواجن. والمداجنة: حسن المخالطة، وقد يقع على غير الشاء من كلّ ما يألف البيوت من الطير وغيرها. (ر: النهاية ٢/١٠٢) . ٢ أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٦/١١٢، ١٥٠، ٢٠٩، وأبو نعيم في الدلائل ص ٣٨٠، والبيهقي في الدلائل ٦/٣١، كلهم من طريق يونس بن أبي إسحاق عن مجاهد عن عائشة ﵂. وأورده الذهبي في السيرة النبوية - تاريخ الإسلام - ص ٢٤٩، بالإسناد السابق، قال: صحيح. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٦، ٧، وعزاه أيضًا إلى أبي يعلى والبزار والطبراني في الأوسط، وقال: "رجال أحمد رجال الصحيح". وقال السيوطي في المناهل ص ١٢٩،: "وهو حديث صحيح". وعزاه أيضًا إلى الدارقطني وابن عساكر من طرق عن عائشة ﵂. (ر: الخصائص ٢/١٠٥) . ٣ في ص: (الله)، وصححت من م، والشفا ١/٥٩٥. ٤ أخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ٣٧٦، ٣٧٧، والبيهقي في الدلائل ٦/٣٦، ٣٧، كلاهما من طريق محمّد بن عليّ بن الوليد السلمي البصري، ثنا أبو محمّد بن عبد الأعلى، ثنا معتمر بن سليمان، ثنا كهمس بن الحسن، ثنا داود بن أبي هند عامر الشعبي، ثنا عبد الله بن عمر عن أبيه رضي الله تعالى عنهما قال: فذكره. قال البيهقي: "وقد رواه الحاكم في المعجزات بالإجازة عن ابن عدي الحافظ بنحو إسناده. ثم قال: وروي ذلك من حديث عائشة، وأبي هريرة، وماذكرناه هو أمثل الإسناد فيه". وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٢٩٥-٢٩٧، في سياق طويل، وقال: "رواه الطبراني في الصغير والإوسط عن شيخه محمّد بن عليّ بن الوليد البصري، قال البيهقي:"والحمل في هذا الحديث عليه"،قال الهيثمي: (وبقية رجاله رجال الصحيح". قلت: محمّد بن عليّ بن الوليد، قال عنه الحافظ في اللسان ٥/٢٩٢، صدق والله البيهقي في قوله: "الحمل في هذا الحديث على السلمي، فإنه خبر باطل، وروى عنه الإسماعيلي في معجمه وقال: بصري منكر الحديث. ولكن قال السيوطي في الخصائص٢/١٠٨،:"لحديث عمر طريق آخر ليس فيه محمّد ابن الوليدأخرجه أبو نعيم، وقد وردمثله من حديث عليّ، أخرجه ابن عساكر".اهـ.
[ ٢ / ٧٦١ ]
وهذا أعجب من كلام الأخرس للمسيح، إذ كلام جنس الآدمي غير بعيد بخلاف الحيوان البهيم.
١٧- معجزة: ومن معجزاته ﵇ كلام الذئب. وقد جرى ذلك مرارًا. قال أبو سعيد الخدري: "بينا راعٍ يرعى غنمًا له إذ عرض له الذئب لشاة فانتزعها الراعي منه فأقعى١ الذئب، وقال للراعي: [ألا تتقي الله؟] ٢ حلت بيني وبين رزقي. فقال الراعي: العجب من ذئب يتكلم بكلام الآدميّين. فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك؟ رسول الله بين الحرتين يحدّث الناس بأنباء ما قد سبق، فجاء الراعي فأسلم وحدّث الناس بذلك"٣.
وفي طريق آخر٤: "أنت أعجب مني أقمت في غنمك وتركت نبيًّا لم يبعث الله نبيًّا قط أعظم منه، قد فتحت له أبواب الجنة وأشرف أهلها ينظرون إليه وإلى أصحابه. فأسلم الراعي لذلك".
_________________
(١) ١ أقعى: ألصق أسته بالأرض ونصب ساقيه وفخذيه ووضع يديه على الأرض. (ر: النهاية ٤/٨٩) . ٢ هذه الإضافة من الشفا ١/٥٩٥. ٣ أخرجه الإمام أحمد ٣/٨٣، ٨٤، والترمذي مختصرًا ٤/٤١٣، وأبو نعيم في الدلائل ص ٣٧٣، والحاكم ٤/٤٦٧، والبيهقي في الدلائل ٦/٤١، كلهم من طريق القاسم ابن الفضل عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: فذكره. قال الترمذي: "حسن غريب لا نعرفه إلاّ من حديث القاسم بن الفضل وهو ثقة مأمون عند أهل الحديث وثقه يحيى القطان وابن مهدي". وقال الحاكم: "حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. وقال البيهقي:"هذا إسناد صحيح وله شاهدمن وجه آخرعن أبي سعيدالخدري ﵁". وقال الشيخ الألباني في تخريج الحديث: "وهذا سند صحيح، رجاله ثقات، رجال مسلم غير القاسم هذا، وهو ثقة اتفاقًا". (ر: سلسلة الأحاديث الصحيحة١/١٩١) . ٤ أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٢/٣٠٦، بنحوه، وأبو نعيم في الدلائل ص ٣٧٤، كلاهما من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الأشعث بن عبد الله عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة ﵁. ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٢٩٥، وقال: "رواه أحمد ورجاله ثقات". وقال السيوطي في المناهل ص ١٣٠،: "أخرجه أحمد بسند جيد". وفي الخصائص ٢/١٠٢: "أخرجه أحمد وأبو نعيم بسند صحيح".
[ ٢ / ٧٦٢ ]
وفي طريق آخر١: "أنت أعجب مني أقمت في غنمك وتركت نبيًّا لم يبعث الله نبيًّا قط أعظم منه، قد فتحت له أبواب الجنة وأشرف أهلها ينظرون إليه وإلى أصحابه. فأسلم الراعي لذلك".
وقال صفوان٢ بن أمية وأبو٣ سفيان بن حرب: رأينا ذئبًا يطرد ظبيًا فدخل الظبي الحرم فانصرف الذئب / (٢/١٥٣/أ) قال: فعجبنا من ذلك. فقال الذئب: أعجب من ذلك محمّد بن عبد الله بالمدينة يدعوكم إلى الجنة وتدعونه إلى النار. فقال أبو سفيان: "واللات والعزى لإن ذكرت هذا بمكة لتتركنها خلوفًا٤.
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٢/٣٠٦، بنحوه، وأبو نعيم في الدلائل ص ٣٧٤، كلاهما من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الأشعث بن عبد الله عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة ﵁. ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٢٩٥، وقال: "رواه أحمد ورجاله ثقات". وقال السيوطي في المناهل ص ١٣٠،: "أخرجه أحمد بسند جيد". وفي الخصائص ٢/١٠٢: "أخرجه أحمد وأبو نعيم بسند صحيح". ٢ صفوان بن أمية الجحمي ﵁، أسلم بعد عزوة حنين، له ثلاثة عشر حديثًا. ٣ هو: صخر بن حرب بن أمية القرشي ﵁، مشهور باسمه وكنيته. أسلم يوم الفتح، له حديث واحد. ٤ هذا الخبر لم يخرجه السيوطي في المناهل ص ١٣٠.
[ ٢ / ٧٦٣ ]
١٨- معجزة: قال أنس بن مالك١: دخل رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر حائط رجل من الأنصار وفيه غنم فسجدت لرسول الله ﷺ، فقال أبو بكر: نحن أحقّ بالسجود لك منها يا رسول الله"٢.
وقال أبوهريرة: "دخل رسول الله ﷺ حائطًا، فجاء بعير فسجدله"٣.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو محمّد عبد الله بن حامد الفقيه في دلائل النبوة. (ر: الشمائل ص ٢٧٣، والبداية ٦/١٦٠، كلاهما لابن كثير) . وأبو نعيم في الدلائل ص ٣٧٩، كلاهما من طريق إبراهيم بن العلاء الزبيدي عن عباد بن يوسف الكندي عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس بن مالك ﵁، قال: فذكره. قال ابن كثير بعد ذكره الحديث: "غريب وفي إسناده من لا يعرف". قلت: في إسناده أبو جعفر الرازي وهو: عيسى بن أبي عيسى عبد الله بن ماهان، صدوق، سيّء الحفظ، من كبار السبعة، مات في حدود الستّين. قال ابن حبان: "كان ينفرد عن المشاهير بالمناكير لا يعجبني لاحتجاج بحديثه إلاّ فيما وافق الثقات". (ر: التهذيب ١٢/٥٩، التقريب ٢/٤٠٦) . والربعي بن أنس البكري أو الحنفي، صدوق له أوهام، رمي بالتشيع، من الخامسة مات سنة أربعين أو قبلها. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال: "الناس يتقون من حديثه ما كان من رواية أبي جعفر عنه لأن في أحاديث عنه اضطرابًا كثيرًا". (ر: التهذيب ٣/٢٠٧، التقريب ١/٢٤٣) . فإسناده ضعيف لرواية أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس. والله أعلم. ٢ تتمة الحديث: "فقال: "إنه لا ينبغي من أمتي أن يسجد لأحد، ولو كان ينبغي أن يسجد أحد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها". وذكره أيضًا الماوردي في أعلام النبوة ص ١٨٨) . ٣ أخرجه البزار. "ر: كشف الأستار ٣/١٥٠)، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه دخل حائطًا فجاء بعير فسجد له، فقالوا: نحن أحقّ أن نسجد لك. فقال: لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها". ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٧، وقال: "رواه البزار - وروى الترمذي طرفًا من آخره: "لو أمرت أحدًا إلى آخره - وإسناده حسن"، ووافقه السيوطي في المناهل ص ١٣١.
[ ٢ / ٧٦٤ ]
وقال ثعلبة بن مالك١، وجابر ابن عبد الله٢، ويعلى بن مرة٣، وعبد الله بن جعفر٤، وعبد الله٥ بن أبي أوفى: "كان ببعض حيطان المدينة جمل لا يدخل أحد الحائط إلاّ شدّ عليه الجمل، فلما دخل رسول الله ﷺ دعاه
_________________
(١) ١ حديث ثعلبةبن أبي مالك، أخرجه أبو نعيم في الدلائل ص٣٨٢،عن أبي بكربن خلاد عن أحمدبن إبراهيم بن ملحان عن يحيى بن بكيرعن الليث بن سعد عن أبي الهاد عنه. قلت: رجاله ثقات، إلاّ أن يعلبة بن أبي مالك القرظي، إمام بني قريظة، مختلف في صحبته. قال ابن معين: "له رؤية". وقال ابن حبان: "هو من ثقات التابعين". وقال أبو حاتم: "هو تابعي وحديثه مرسل". وقال الذهبي: "له رؤية وطال عمر له حديثان مرسلان". وقال الحافظ: "حديثه عن عمر في صحيح البخاري ومن يقتل أبوه بقريظة، ويكون هو بصدد من يقتل لولا الإنبات. لا يمتنع أن يصح سماعه فلهذا الاحتمال ذكرته في الإصابة". اهـ. (ر: التجريد١/٦٩،الجرح والتعديل٢/٤٦٣، التقريب١/١١٩، الإصابة ١/٢٠٩) . ٢ أخرجه أحمد ٣/٣١٠، وعنه أبو نعيم في الدلائل ص ٣٨٠، والدارمي ١/١١، وابن أبي شيبة في مصنفه ٦/٣١٥، كلهم من طريق الأجلح عن ذيال بن حرملة عن جابر ﵁، قال: فذكره بلفظ المؤلِّف. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/١٠، وقال: "رواه أحمد ورجاله ثقات، وفي بعضهم ضعف". قلت: له وجه آخر صحيح من طريق إسماعيل بن عبد الملك عن أبي الزبير عنه". أخرجه البيهقي في الدلائل٦/١٨،في سياق طويل، وقد تقدم تخريجه. (ر: ص: ٧٥٠) . ٣ حديث يعلى بن مرة عن أبيه في سياق طويل، أخرجه أحمد في مسنده ٤/١٧٢، والحاكم ٢/٦١٧، وعنه البيهقي في الدلائل ٦/٢٠، كلهم من طريق الأعمش عن المنهال بن عمرو عنه عن أبيه. قال الحاكم: "صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي. وللحديث عدة طرق ذكرها الإمام ابن كثير في الشمائل ص ٢٦٣-٢٦٧، وقال: "فهذه طرق جيدة متعددة تفيد غلبة الظن أو القطع عند المتبحرين أن يعلى بن مرة حدث بهذه القصة في الجملة". اهـ. ٤ حديث عبد الله بن جعفر ﵁ أخرجه أبو داود ٣/٢٣، وابن أبي شيبة ٦/٣٢١، والبيهقي في الدلائل ٦/٢٦، كلهم من طريق مهدي بن ميمون عن محمّد أبي يعقوب عن الحسن بن سعد عنه. وأخرجه مسلم بالإسناد نفسه ١/٢٦٨، إلاّ أنه لم يذكر فيه سجود الجمل للنبي صلى الله عليه. ٥ حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁، أخرجه أبو نعيم ص ٣٨٤، والبيهقي ٦/٢٩، كلاهما في الدلائل من طريق فائد أبي الورقاء عنه. قلت: فائد بن عبد الرحمن، أبو الوفاء العطار، متروك، من صغار الخامسة. (ر: التقريب ٢/١٠٧) .
[ ٢ / ٧٦٥ ]
فوضع الجمل. مشفره في الأرض وبرك بين يديه فخطمه، وقال: ما بين السماء والأرض شيء إلاّ ويعلم أني رسول الله ﷺ إلاّ عاصي الجنّ والإنس".
١٩- معجزة: روى الإسفرائيني: أن العضْبَاء١ ناقة رسول الله ﷺ / (٢/ ١٥٣/ب) بعد وفاته لم تأكل ولم تشرب ثم ماتت غما عليه ﷺ ٢.
وروى أن يعفور حماره بعد وفاته جاء إلى بئر فردَّى نفسه فيه فهلك٣.
_________________
(١) ١ قال ابن الأثير: "هو علم لها منقول من قولهم: ناقة عضباء، أي: مشقوقة الأذن. ولم تكن مشقوقة الأذن. - وقال بعضهم: إنها كانت مشقوقة الأذن، والأوّل أكثر. وقال الزمخشري: هو منقول من قولهم: ناقة عضباء، وهي: القصيرة اليد". (انظر: النهاية ٣/٢٥١) . ٢ ورد النّصّ في الشفا ١/٦٠١، كالآتي: "وفي قصة العضباء وكلامها للنبي صلى الله عليه وتعريفها له بنفسها ومبادرة العشب إليها في الرعي وتجنب الوحوش عنها وندائهم لها: إنك لمحمّد..، وأنها لم تأكل ولم تشرب بعد موته حتى ماتت، ذكره الإسفرائيني". اهـ. قلت: لم يخرجه السيوطي في مناهل الصفا ص ١٣١، وقال الخفاجي في نسيم الرياض ٣/٨٢: "وهذا الحديث لم يخرجوه ولا يعرف من رواه". وقال القاري في شرحه للشفا: "قال الدلجي: وأما قصة العضباء فلم أدرِ من رواها". ٣ أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات ١/٢٩٣، ٢٩٤، والسيوطي في اللآليء المصنوعة ١/٢٧٦، وذكره ابن عراق في تنْزيه الشريعة ١/٣٢٦، من حديث أبي منظور - وكانت له صحبه - في سياق طويل. وقال رواه ابن حبان من طريق محمّد بن مزيد أبي جعفر مولى أبي هاشم. وقال: "لا أصل له". وقال ابن الجوزي: "هذا حديث موضوع، فلعن الله واضعه، فلأنه لم يقصد إلاّ القدح في الإسلام والاستهزاء به". اهـ. وأخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ٣٨٦، مختصرًا من طريق عبد الله بن أذنية الطائي عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن معاذ بن جبل ﵁. قلت: عبد الله بن أذنية، قال عنه ابن حبان: "حدثّنا جمزة بن داود، ثنا إسماعيل بن عيسي بن زاذان الأيلي، ثنا عبد الله بن أذينة، بنسخة لا يحل ذكرها إلاّ على سبيل القدح"، وقال ابن عدي: "هو عبد الله بن عطارد بن أذنية الطائي بصري منكر الحديث"، وقال الحاكم والنقاش: "روى أحاديث موضوعة". وقال الدارقطني: "متروك الحديث". (ر: اللسان ٣/٢٥٧) .
[ ٢ / ٧٦٦ ]
٢٠- معجزة: روى ابن وهب: أن حمام الحرم أظلت رسول الله ﷺ عام الفتح عند دخوله مكّة فدعا لها بالبركة١.
٢١- معجزة: [عن عبد الله بن قرط] ٢ قال: قُرِّب إلى رسول الله ﷺ بدنات خمس أو ستّ في يوم عيد لينحرهن فازدلفن إليه بأيّهن يبدأ صلى الله عليه وسلم٣.
الباب العاشر: في البشائر الإلهيّة بالعزّة المحمّديّة
٢٢- معجزة: قالت أم [سلمة] ٤: "بينا رسول الله ﷺ في صحراء إذ نادته ظبية: يا رسول الله! قال: ما حاجتك؟ قالت: صادني هذا الأعرابي ولي خشفان٥ في ذلك الجبل أرضعهما وأرجع. قال: أو تفعلين؟ قالت: نعم. فأطلقها فذهبت ورجعت فانتبه الأعرابي وأسلم وخلَّى عن الظبية فخرجت تعدو في الصحراء وهي تقول: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنك رسول الله"٦.
_________________
(١) ١ لم يخرجه السيوطي في مناهل الصفا ص ١٣١. وقال الخفاجي في نسيم الرياض ٣/٨٢، ٨٣،: "وهذا الحديث لم يخرجوه". وقال القاري في شرحه للشفا: "قال الدلجي: "وأما قصة العضباء فلم أدر من رواها ولا حديث حمام مكة". ٢ في ص، م: (روى ابن وهب) . وهو خطأ من الناسخ حيث كرر ما قبله، والتصويب من الشفا ١/٦٠٢. وهو: عبد الله بن قرط الأزدي الثمالي، قال البخاري وأبو حاتم وابن حبان: "له صحبة، شهد اليرموك واستعمله أبو عبيدة على حمص في عهد عمر، وكان على حمص في خلافة معاوية واستشهد بأرض الروم سنة ٥٦هـ". (ر: الاستيعاب ٣/٩٧٨، الإصابة ٤/١١٨، ١١٩) .
(٢) أخرجه أبو داود ٢/١٤٨، وابن حبان. (ر: الموارد ص ٢٥٨)، والحاكم ٤/٢٢١، كلهم من طريق ثور عن راشد بن سعد عن عبد الله بن عامر بن لحي عن عبد الله ابن قرط (. قال الحاكم: «صحيح الإسناد ولم يخرجاه» . ووافقه الذهبي. قلت: وهو كما قال الحاكم. ٤ في ص، م: (أم سليم)، وصححت من الشفا ١/٦٠٢، وهي هند بنت أبي أمية المخزومية أم المؤمنين ﵂. ٥ الخِشْفُ: مثلثة: ولد الظبي أوّل ما يولد، أو أوّل مشيه. (ر: القاموس ص ١٠٣٩) . ٦ ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٢٩٨، وقال: "رواه الطبراني، وفيه أغلب بن تميم، وهو ضعيف". اهـ. وأورده السيوطي في الخصائص ٢/١٠١، وعزاه أيضًا لأبي نعيم، ثم قال: في "إسناده أغلب بن تميم وهو ضعيف. ولكن للحديث طرق كثيرة تشهد بأن للقصة أصلًا". اهـ. قلت: الطرق التي أشار إليها السيوطي - يقصد بها الشواهد على طريقة المتقدمين مثل البيهقي وغيره - ومن هذه الشواهد: أ- حديث أنس بن مالك ﵁، أخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ٣٧٦، من طريق صالح المري - وهو ضعيف - عن ثابت به. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٢٩٧، وعزاه إلى الطبراني في الأوسط". اهـ. ب- حديث زيد بن أرقم ﵁، أخرجه أبو نعيم ص ٣٧٥، والبيهقي ٦/٣٤، في الدلائل. جـ حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أخرجه البيهقي في الدلائل ٦/٣٥. فبمجموع هذه الشواهد يرتقي الحديث إلى درجة الحسن لغيره ويدل على أن للحديث أصلًا وقصة. قال الحافظ السخاوي في المقاصد الحسنة ص ١٥٦: "حديث تسليم الغزالي، اشتهر على الألسنة وفي المدائح النبوية، وليس له-كما قاله ابن كثير- أصل. ومن نسبه إلى النبي فقد كذب. ولكن قد ورد الكلام - يعني: ورد تكليم الغزالة لرسول الله ﷺ وهو حديثنا هذا لا تسليمها - في الجملة في عدة أحاديث يتقوى بعضها ببعض، أوردها شيخنا. (أي: الحافظ ابن حجر)، في المجلس الحادي والستين من تخريج أحاديث المختصر (أي: مختصر ابن الحاجب في الأصول". اهـ.
[ ٢ / ٧٦٧ ]
٢٣- معجزة: ومن معجزاته تسخير السباع لغلمانه، قال سفينه١ مولى رسول الله ﷺ: "أرسلني ﵇ إلى معاذ باليمن فانكسرت بيَ السفينة فطلعت إلى جزيرة فاستقبلني الأسد / (٢/١٥٤/أ) فقلت: أنا مولى رسول الله ﷺ ومعي كتابه. فهمهم وجعل يغمزني بمنكبه حتى أقامني على الطريق. فلما رجعت من اليمن لقيت الأسد أيضًا
_________________
(١) ١ سفينة مولى رسول الله ﷺ، أبو عبد الرحمن، اختلف في اسمه كثيرًا، كان عبدًا لأم سلمة فأعتقته وشرطت عليه خدمة رسول الله ﷺ، ما عاش، وسفينة لقب له؛ فإنه حمل مرة متاع الرفاق فقال له النبي ﷺ: وما أنت إلاّ سفينة. فلزمه ذلك. توفي بعد سنة سبعين. (ر: الاستيعاب ٢/٦٨٤، سير أعلام النبلاء ٣/١٧٢، الإصابة ٣/١٠٩) .
[ ٢ / ٧٦٨ ]
فهمهم بشيء فقصصت ذلك على رسول الله ﷺ فقال: إنه يقول: سَلِّم على رسول الله ﷺ"١.
وكذلك جرى لسفينة في فتوح الشام٢ حكاه الواقدي.
_________________
(١) ١ ورد النّصّ في الشفا ١/٦٠٣، ٦٠٤، كالاتي: "ومن هذا الباب ما روي من تسخير الأسد لسفينة مولى رسول الله ﷺ إذ وجهه إلى معاذ باليمن فلقي الأسد فعرفه أنه مولى رسول الله ﷺ، ومعه كتابه فهمهم وتنحى على الطريق، وذكر في منصرفه مثل ذلك. وفي رواية أخرى عنه: أن سفينة تكسرت به فخرج إلى جزيرة فإذا الأسد فقلت: أنا مولى رسول الله ﷺ فجعل يغمزني بمنكبه حتى أقامني على الأرض".اهـ. قال السيوطي في المناهل ص ١٣٢: "حديث تسخير الأسد لسفينة إذ وجهه إلى معاذ لم أقف عليه هكذا، وأخرج البيهقي أن ذلك وقع لسفينة حين ضلّ عن الجيش في أرض الروم. أما حديث:"إنه تكسرت به سفينة "، الحديث، فقد أخرجه البزار والبيهقي".اهـ. قلت: الرواية الأخيرة أخرجها الحاكم ٣/٦٠٦، والبزار. (ر: كشف الأستار ٣/٢٧١)، وأبو نعيم في الدالائل ص ٥٨٣، ٥٨٤، والبيهقي في الدلائل ٦/٤٥، ٤٦، كلهم من طريق محمّد بن المنكدر أنّ سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: "ركبت البحر فانكسرت سفينتي التي كنت فيها فركبت لوحًا من ألواحها فطرحني اللوح في أجمة فيها الأسد فأقبل إليّ يريدني. فقلت: يا أبا الحارث أنا مولى رسول الله ﷺ فطأطأ رأسه وأقبل إليّ فدفعني بمنكبه حتى أخرجني من الأجمة ووضعني على الطريق وهمهم فظننت أنه يودعني". وعزاه السيوطي أيضًا إلى ابن سعد وأبي يعلى وابن منده. (ر: الخصائص ٢/١٠٨) . وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي". وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٣٦٩، ٣٧٠، وقال: "رواه البزار والطبراني بنحوه، ورجالهما وثقوا". اهـ. ٢ أخرجه البيهقي في الدلائل ٦/٤٦، من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الحجبي عن ابن المنكدر أن سفينة مولى رسول الله ﷺ أخطأ الجيش بأرض الروم أو أسر في أرض الروم، فانطلق هاربًا يلتمس الجيش فإذا هو بالأسد ، فذكره بنحوه. ونقله ابن كثير عن البيهقي في البداية ٦/١٦٨.
[ ٢ / ٧٦٩ ]
٢٤- معجزة: وأخذ رسول الله ﷺ بأذن شاء [لقوم من بني] ١ عبد القيس بين أصابعه ثم خلاّها فصار ذلك مَيْسمًا٢ وبقي فيها وفي نسلها بعد٣.
٢٥- معجزة: أصاب رسول الله ﷺ وأصحابه عطش في بعض أسفاره وكانوا ثلاثمائة رجل فجاءته عنْزل فحلبها ﵇ فأروى الجند هم على غير ماء ثم قال لرافع: املكها وما أراك تقدر. فربطها فوجدها قدذهبت. فقال ﵇: إن الذي جاءبهاهوالذي ذهب بها٤. رواه ابن٥ قانع وغيره.
_________________
(١) ١ في ص، م: (لعبد القيس)، وصححت من الشفا ١/٦٠٤. ٢ الوَسْم: اسم الآلة التي يكوى بها ويُعَلَّم، وأطلقت على العلامة والأثر التي تتركها الآلة مجازًا. (ر: المصباح المنير ص ٦٦٠) . ٣ لم يخرجه السيوطي في المناهل ص ١٣٣. وقال الخفاجي في نسيم الرياض ٣/٩٣: "وهذا الحديث لا يعلم من رواه من المحدّثين". وقال القاري في شرحه للشفا: "قال الدلجي: لا أدري من رواه". ٤ أخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ٤٢٦، والبيهقي في الدلائل ٦/١٣٧، كلاهما من طريق خلف بن خليفة عن أبان بن بشير عن شيخ من أهل البصرة عن نافع وكانت له صحبه مع رسول الله ﷺ فذكره. قلت: أبان بن بشير المكتب قال ابن أبي حاتم: مجهول. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال البخاري: لا أدري سمع من أبي هاشم أم لا. (ر: لسان الميزان ١/٢٠، ابن أبي حاتم في الجرح ٢/٢٩٨)، وفي الإسناد جهالة ظاهرة. وله تابع أخرجه البيهقي من طريق خلف بن خليفة عن أبي هاشم الرماني عن نافع. قلت: أبو هامش الرماني، الواسطي، ثقة، من السادسة. ممن لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة، ولم يثبت عنه أنه روى عن نافع. مات سنة ١٢٢، وقيل: ١٤٥. (ر: التهذيب ١٢/٢٨٦، التقريب ٢/٤٨٣، الجرح والتعديل ٩/١٤٠) . ونقله ابن كثير في البداية ٦/١٠٣، عن البيهقي، وقال: "حديث غريب جدًّا متنًا وإسنادًا". ٥ عبد الباقي بن قانع الأموي، بالولاء، البغدادي، أبو الحسين، قاض، كان ثقة أمينًا حافظًا، ولكنه تغير في آخر عمره. وقال الدارقطني: "كان يخطئ ويصر على الخطأ". له كتاب: (معجم الصحابة) تعقبه ابن فتحون وبين ما فيه من أوهام في الحديث. توفي سنة ٣٥١هـ. (ر: سير أعلام النبلاء ١٥/٥٢٦، البداية ١١/٢٤٢، لابن كثير، الإعلام ٣/٢٧٢) .
[ ٢ / ٧٧٠ ]
قال المؤلِّف: هذه الآية نظير آية صالح ﵇.
٢٦- معجزة: روى الواقدي أن النبيّ ﵇ أرسل رسله إلى الملوك يدعوهم إلى الدين والإيمان / (٢/١٥٤/ب) بالله عزوجل فخرجوا متوجهين فأصبحوا في يوم واحد وكلّ رجل منهم يتكلم بلغة القوم الذين أرسل إليهم١.
قال المؤلِّف: هذه الآية مضاهية ما حكاه الإنجيل عن أصحاب المسيح الذين أرسلهم٢. فإن قدحوا فيها ومنعوا صحّتها لم يسلموا من مقابلتهم مثل ذلك فيما نقلوه، إذ طريق الثبوت واحد.
٢٧- معجزة: قال أبو هريرة: أهديت يهودية للنبي ﵇ بخيبر شاة مسمومة فأكل وأكل القوم. فقال ﵇: "ارفعوا أيديكم، إن الذراع تخبرني أنها مسمومة"، ثم قال لليهودية: "ما حملك على ذلك؟ ". قالت: قلت: إن كان نبيًّا لم يضرَّه، وإن كان ملكًا أرحت الناس منه. فقال ﵇: "ما كان الله ليسلّطكِ عليَّ".
_________________
(١) ١ أخرجه ابن سعد في الطبقات ١/٢٦٤، عن بريدة والزهري وزيد بن رومان والشعبي - دخل حديث بعضهم في بعض - مرسلًا. وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٧/٣٤٧، رقم: ٣٦٦٢٨، ثنا حاتم بن إسماعيل عن يعقوب عن جعفر بن عمرو، قال: فذكره. قلت: حاتم بن إسماعيل أبو إسماعيل، صحيح الكتاب صدوق يهم، من الثامنة، مات سنة ١٨٦هـ، أو ١٨٧هـ. (ر: التقريب ١/١٣٧) . وجعفر بن عمرو الخمري، المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة ١٩٥هـ، أو ١٩٦هـ. (ر: التقريب ١/١٣١) . فالحديث مرسل. ٢ سفر أعمال الرسل ٢/١-٢١.
[ ٢ / ٧٧١ ]
روى ذلك جابر١ بن عبد الله، والحسن٢، وأبو سلمة٣، وأنس٤، وأبو هريرة٥، وأبو سعيد٦. قال ابن عباس٧: "فدفعها لأولياء بشر بن البراء فقتلوها، وقد خُرِّج حديث الشاة في الصحيح".
_________________
(١) ١ حديث جابر بن عبد الله ﵁، أخرجه أبو داود ٤/١٧٤، وعنه البيهقي في الدلائل ٤/٢٦٢، من طريق سليمان بن داود المهري عن ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب الزهري عنه. قلت: إسناده حسن. فإن يونس بن يزيد بن أبي النجاد الأيلي، ثقة إلاّ أن في روايته عن الزهري، وهما قليلًا. وفي غير الزهري خطأ. (ر: التقريب ٢/٣٨٦) . ٢ هو: الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، تابعي ثقة فاضل مشهور، كان يرسل كثيرًا. توفي سنة ١١٦هـ. (ر: سير أعلام النبلاء ٤/٥٦٣، التهذيب ٢/٢٦٣) . قلت: رواية الحسن البصري أخرجها ابن سعد ٢/٢٠٠، عن عمر بن حفص عن مالك بن دينار عنه. ٣ هو: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، تابعي ثقة مكثر من الحديث، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة. توفي سنة٩٤هـ. (ر: سير أعلام النبلاء٤/٢٧٨، التهذيب ١٢/١٢٧) . وروايته أخرجها أبو داود ٤/١٧٤، وعنه البيهقي في الدلائل ٤/٢٦٢، وابن سعد في الطبقات ٢/١٧٢، والدارمي ١/٣٢، كلهم من طريق محمّد ابن عمرو عنه - مرسلًا. وفيه: "فأمر بها رسول الله ﷺ فقتلت". قال البيهقي: "ورويناه عن حماد بن سلمة عن محمّد بن عمرو بن أبي سلمة عن أبي هريرة، ويحتمل أنه لم يقتلها في الابتداء، ثم لما مات بشر بن البراء أمر بقتلها. والله أعلم". اهـ. قلت: وبالإسناد الذي وصله البيهقي يكون الحديث حسنًا. فإن محمّد بن عمرو الليثي، صدوق، له أوهام. (ر: التهذيب ٩/٣٣٣، التقريب ٢/١٩٦) . ٤ حديث أنس بن مالك ﵁، أخرجه البخاري في كتاب الهبة باب (٢٨) . (ر: فتح الباري ٥/٢٣٠)، ومسلم ٤/١٧٢١، وأبو داود ٤/١٧٣، أحمد في مسنده ٣/٢١٨، وأبو نعيم في الدلائل ص ١٩٧، والبيهقي في الدلائل ٤/٢٥٩. ٥ حديث الشاة المسمومة، رواه أبو هريرة ﵁، وأخرجه البخاري في كتاب الجزية باب (٧) . (ر: فتح الباري٦/٢٧٢)، وأبوداود٤/١٧٣، والدارمي١/٣٣، والبيهقي في الدلائل ٤/٢٥٦. ٦ حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ١٩٦، والحاكم ٤/١٠٩، وصححه ووافقه الذهبي، وذكره الهيثمي في المجمع ٨/٢٩٩، وقال: "رواه البزار". (كشف الأستار ٣/١٤١) . ورجاله ثقات. ٧ حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أخرجه أحمد في مسنده١/٣٠٥، وابن سعد ٢/٢٠٠، ٢٠١، كلاهمامن طريق عبادبن العوام عن هلال بن خباب عن عكرمة عنه. وعزاه السيوطي في الخصائص ١/٤٢٥، أيضًا إلى أبي نعيم. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٢٩٨، وقال: "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، غير هلال بن خباب، وهو ثقة". اهـ. قلت: وهو ثقة كما قال الهيثمي. (ر: الجرح والتعديل ٩/٧٥) .
[ ٢ / ٧٧٢ ]
٢٨- معجزة: روى فهد١ بن عطية، قال: "أتى رسول الله ﷺ بصبي وقد شَبَّ ولم يتكلم / (٢/١٥٥/أ) قط، فقال له: من أنا؟ فقال: أنت رسول الله٢.
وهذه الآية مضاهية لآية المسيح في كلامه المجنون الأخرس، وكما لا يقدح تكذيب اليهود لا يقدح تكذيب النصارى لآية محمّد ﵇.
٢٩- معجزة: قال مُعَرِّض٣ بن معيقب: "رأيت النبي ﷺ فرأيت عجبًا، أتي بصبي يوم ولد فقال له: من أنا؟ قال رسول الله. فقال له: صدقت بارك الله فيك. وذلك في حجّة الوداع بمكّة فهو مبارك اليمامة صدق الله ورسوله"٤.
_________________
(١) ١ قال الخفاجي في نسيم الرياض ٣/٩٧: "قال البرهان الحلبي: لا أعرفه بدال ولا براء، والذي في البيهقي أنه شمر بن عطية بعض أشياخه فيحتمل أنه تحرف على الناسخ". وقال القاري: "وكلاهما لا يعرف على ما ذكره الدلجي تبعًا للحلبي". ٢ أخرجه البيهقي في الدلائل ٦/٦١، عن أبي عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمّد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير عن الأعمش عن شمر بن عطية عن بعض أشياخه قال:، فذكره. قلت: إسناده منقطع وفيه جهالة ظاهرة، وشمر بن عطية الأسدي صدوق، من السادسة. (ر: التقريب ١/٣٥٤) . ٣ مُعَرِّض بن مُعَيقيب اليمامي، جاء منه حديث في المعجزات تفرد به ولده عنه، قال ابن السكن: "له حديث في أعلام النبوة لم أجده عند الكديمي عن شيخ مجهول فلم أتشاغل بتخريبه". اهـ. (ر: الإصابة ٦/١٢٤) . ٤ أخرجه ابن قانع. (ر: الإصابة ٦/١٢٤)، والبيهقي في الدلائل ٦/٥٩، كلاهم من طريق محمّد بن يونس الكديمي عن شاصونه بن عبد عبيد عن معرض بن عبد الله بن معرض بن معيقيب اليماني من أبيه عن جدّه. قال الحافظ: "ومعرض وشيخه مجهولان، وكذلك شاصونه، واستنكروه على الكديمي". اهـ. وقال السيوطي في المناهل ص ١٣٥: "أخرجه البيهقي وابن عساكر، وقال ابن دحية: إنه موضوع" اهـ. قلت: الكديمي ضعيف. وقد تقدمت ترجمته. (ر: ص ٧٥٧)، وقال ابن عدي عنه. اتهم بوضع الحديث وبسرقته، وادعى رؤية قوم لم يرهم ورواية عن قوم لا يعرفون. وترك عامة مشايخنا الرواية عنه". اهـ. (ر: الكامل ٦/٢٩٢) .
[ ٢ / ٧٧٣ ]
٣٠- معجزة: قال الحسن١: "أتى رجل رسول الله ﷺ فذكر أنه طرح بُنَيَّة له في وادي كذا، فمضى معه إلى الوادي وناداها باسمها: يا فلانة أجيْبِي بإذن الله. فخرجت وهي تقول: لبيك وسعديك. فقال لها: إن أبويك قد أسلما فإن أحببت أن أردك إليهما، فقالت: لا حاجة لي بهما وجدت الله خيرًا لي منهما"٢.
٣١- معجزة: ومن معجزاته حياة الشاب الأنصاري بعد موته: قال أنس: "توفي شاب من الأنصار وله أم عجوز عمياء قال أنس: فسجيناه وعزيناها، فقالت: أمات ولدي؟ قلنا: نعم. فقالت: اللهم إن كنت تعلم/ (٢/١٥٥/ب) إني هاجرت [إليك] ٣ وإلى نبيّك رجاء أن تعينني على كلّ شدّة، فلا تحملن عليّ هذه المصيبة، قال أنس: فما برحنا حتى كشف الثوب عن وجهه فطعم وطعمنا٤.
_________________
(١) ١ هو: الحسن البصري. ﵀. ٢ الحديث لم يخرجه السيوطي في مناهل الصفا ص ١٣٥. وقال القاري في شرحه للشفا ٣/٩٩: "والحديث عن الحسن لم نعلم من رواه، كذا ذكره الدلجي ، ثم رأيت الحديث في دلائل البيهقي صريحًا في إحيائها حديث ذكر ، " الخ. اهـ. قلت: لم أقف عليه في دلائل البيهقي، وقد أورده الماوردي في أعلام النبوة ص ١٤١. ٣ هذه الإضافة من الشفا ١/٦١٥. ٤ أخرجه ابن أبي الدنيا في كتابه: (من عاش بعد الموت ص ١٩، ٢٠)، وابن عدي. (ر: الكامل٤/٦٢)، وأبو نعيم في الدلائل ص٦١٨، والبيهقي في الدلائل٦/٥٠، ٥١، كلّهم من طريق صالح المري عن ثابت عن أنس بن مالك ﵁، قال: ، فذكره. قال ابن عدي: "صالح بن بشير المُرِّي البصري هو رجل قاص، ضعفه ابن معين، والبخاري، وأحمد بن حنبل، والنسائي، وقال ابن عدي: عامة أحاديثه منكرات ينكرها الأئمة عليه، وليس هو بصاحب حديث، وإنما أتي من قلة معرفته بالأسانيد والمتون، وعندي مع هذا لا يتعمد الكذب بل يلغط بينا". (ر: الكامل ٤/٦٤، التقريب ١/٣٥٨) .
[ ٢ / ٧٧٤ ]
قال المؤلِّف: قال نقلة الإنجيل: "إن المسيح أحيا ابن المرأة"١، وهذه الآية أعظم شأنًا منها؛ إذ هي جرت على يد امرأة ضعيفة من أتباع نبيّنا محمّد ﷺ ببركة هجرتها إليه ﷺ فكما لا يضرّ ردّ اليهود لآية المسيح فكذلك لا يضرّ ردّ النصارى لآية محمّد ﷺ.
٣٢- معجزة: عن عبد الله بن عبيد الله الأنصاري، قال: كنت فيمن دفن ثابت٢ بن قيس بن الشماس وكان قتل باليمامة فسمعناه حين أدخلناه القبر يقول: محمّد رسول الله، أبو بكر الصّدِّيق، عمر الشهيد، عثمان الرحيم، فنظرنا فإذا هو ميّت"٣.
٣٣- معجزة: أخرى من جنسها، قال النعمان٤ بن بشير: "بينا زيد٥ بن خارجة مارًا في بعض سكك المدينة إذخَرَّ ميتًا فرفع وسُجِّي فسمعوه بين العشائين النساء يصرخن حوله يقول: "أنصتوا أنصتوا.
_________________
(١) ١ يوحنا ١١/١-٤٦. ٢ ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري الخزرجي، خطيب الأنصار، شهد له رسول الله ﷺ بالجنة، استشهد في يوم اليمامة سنة ١٢هـ، له حديث واحد. (ر: الاستيعاب ١/٢٠٠، سير أعلام النبلاء ١/٣٠٨، الإصابة ١/٢٠٣) . ٣ أخرجه ابن أبي الدنيا في كتابه من عاش بعد الموت ص ٢٩، والبيهقي عنه في الدلائل ٦/٥٨، عن خلف بن هشام البزار عن خالد الطحان عن حصين بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عبيد الأنصاري: أن رجلًا من قتلى مسيلمة تكلم، فقال: محمّدرسول الله أبوبكر الصّدِّيق عثمان اللين الرحيم، لا أدري أيش قال لعمر".اهـ. قلت: إسناده ضعيف. فإن عبد الله بن عبيد الأنصاري، مجهول، من الثالثة. (ر: التقريب ١/٤٣١) . ٤ النعمان بن بشير الأنصاري الخزرجي، أوّل مولود بعد الهجرة النبوية، الصحابي المعروف، له مائة وأربعة عشر حديثًا. ٥ زيد بن خارجة الأنصاري الخزرجي، شهد بدرًا، قال الذهبي: المتكلم بعد الموت على الصحيح، توفي زمن عثمان بن عفان، له حديث واحد. (ر: الاستيعاب ٢/٥٤٧، التجريد ١/١٩٨، الإصابة ٣/٢٧) .
[ ٢ / ٧٧٥ ]
وحسر عن وجهه/ (٢/١٥٦/أ) وقال: محمّد رسول الله النبي الأمّيّ خاتم النّبيّين كان ذلك في الكتاب الأوّل، ثم قال: صدق صَدق [وذكر أبا بكر وعمر وعثمان] ١، ثم قال: السلام عليك يا رسول الله، ثم خرَّ ميتًا كما كان"٢.
٣٤- معجزة: قال سعد بن أبي وقاص وجماعة من الصحابة: لما كان يوم أحد أصيبت عين [قتادة] ٣ حتى وقعت على وجنته فردّها رسول الله ﷺ فكانت أحسن عينيه٤.
_________________
(١) ١ هذه الإضافة من الشفا ١/٦١٦. ٢ أخرجه ابن أبي الدنيا في كتابه: (من عاش بعد الموت ص ٢٢)، وعنه البيهقي في الدلائل ٦/٥٥، عن أبي مسلم عبد الرحمن بن يونس عن عبد الله بن إدريس عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: جاءنا يزيد بن النعمان بن بشير بكتاب أبيه النعمان بن بشير ، فذكره في سياق طويل. ثم رواه البيهقي في الدلائل ٦/٥٧، عن أبي نصر بن قتادة عن أبي عمرو بن نجيد عن عليّ بن الحسين بن الجنيد عن المعافي بن سليمان عن زهير بن معاوية عن إسماعيل بن أبي خالد ، فذكره. قال البيقهي: "هذا إسناد صحيح". اهـ. وله شواهد، منها: حديث أنس بن مالك ﵁، أخرجه ابن أبي الدنيا في: (من عاش بعد الموت ص ٢٦، ٢٧) . ورواية سعيد بن المسيب أخرجها البيهقي ٦/٥٥، ٥٦، وقال: "هذا إسناد صحيح، وله شواهد". اهـ. وقال ابن كثير في الشمائل ص ٢٩٨-٣٠١، ٥٦٥،: "وأما قصة زيد بن خارجة وكلامه بعد الموت وشهادته للبني ولأبي بكر وعمر وعثمان بالصدق فمشهورة مروية من وجوه كثيرة صحيحة". اهـ. ٣ في ص، م: (أبي قتادة)، وصححت من للشفا ١/٦١٧. وهو قتادة بن النعمان الأوسي الظفري. صحابي مشهور، يكنى أبا عمرو، مات في خلافة عمر - ﵃ -. له سبعة أحاديث. ٤ أخرجه ابن إسحاق، قال: "حدّثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: ، فذكره. (ر: السيرة ٩/١١٩)، وعنه البيهقي في الدلائل ٣/٢١٥، وإسناده منقطع، وقد وصله أبو نعيم في الدلائل ص ٤٨٣، من طريق ابن إسحاق عن عاصم بن عمر عن محمود ابن لبيد عن قتادة بن النعمان ، فذكره. وأوردهالحافظ في الإصابة٥/٢٣٠بالإسنادالسابق وعزاه أيضًاللدارقطني وابن شاهين. قلت: إسناده صحيح، فإن ابن إسحاق إمام في المغازي، وقدصرح بالسماع من عاصم. وأما عاصم بن عمر بن قتاة الأوسي، فهو ثقة عالم بالمغازي. وأما محمود بن لبيد الأوسي، فإنه صحابي صغير وجل روايته عن الصحابة. (ر: التقريب ١/٣٨٥، و٢/٢٣٣) . وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري عن قتادة أخرجه البيهقي في الدلائل ٣/٢٥٣، وعزاه الحافظ في الإصابة ٥/٢٣٠ إلى الدارقطني أيضًا.
[ ٢ / ٧٧٦ ]
قال المؤلِّف: هذا أغرب مما نقلته التوراة عن يوسف الصّدِّيق ﵇ في عيني أبيه، فقد جمع الله لنبيّنا محمّد ﷺ ما تفرق من آيات الرسل والأنبياء وذلك فضل من الله يؤتيه من يشاء.
٣٥- معجزة: نقل رسول الله ﷺ على أثر سهم في وجه أبي١ قتادة الأنصاري في يوم ذي قَار٢، قال أبو قتادة: فما ضرب عليّ ولا قاح٣.
_________________
(١) ١ هو: أبو قتادة بن ربعي الأنصاري، الصحابي المعروف بكنيته، واختلف في اسمه فالمشهور أنه الحارث، وقيل: النعمان أو عمرو. ٢ وتسمى: غزوة الغابة. وهي ماء على ليلتين - وقيل: ليلة من المدينة بينهما وبين خيبر وكانت سنة ست من الهجرة الشريفة. (ر: السيرة ٣/٣٩٠-٤٠٠، لابن هشام، المغازي ص ٣٣٣، وما بعدها للذهبي) . ٣ أخرجه الواقدي في مغازيه ٢/٥٤٤، ٥٤٥، والحاكم ٣/٤٨٠، كلاهما من طريق يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن جدّه ﵁. قال: "أدركني رسول الله ﷺ، يوم ذي قرد فنظر إليّ، فقال: اللهم بارك له في شعره، وبشّره. وقال: أفلح وجهك. قلت: ووجهك يا رسول الله. قال: قتلت مسعدة. قلت: نعم. قال: فما هذا الذي بوجهك؟ قلت: سهم رميت به يا رسول الله. قال: فادن. فدنوت منه فبصق عليه فما ضرب عليّ قط ولا قاح". اهـ. وسكت عنه الحاكم والذهبي. قلت: يحيى بن عبد الله ذكره البخاري في تاريخه ٨/٢٨٣، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٩/١٦٠، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. وعبد الله بن أبي قتادة الأنصاري، ثقة من الثانية. مات سنة ٩٥. (ر: التقريب ١/٤٤١) . وتابع يحيى عليه عكرمة بن عبد الله بن أبي قتادة، أخرجه البيهقي في الدلائل ٤/٩١-١٩٣، في سياق طويل. وتابعه أيضًا عليه ثابت بن عبد الله بن أبي قتادة به ذكره الحافظ في الإصابة ٧/١٥٥، وعزاه إلى أبي نعيم والطبراني، قال الطبراني: "لم يروه عن أبي قتادة إلاّ ولده ولا سمعناه إلاّ من عنده". اهـ. بتصرف. وثابت بن عبد الله بن أبي قتادة، ذكره ابن حبان في الثقات ٤/٩١، وله ترجمة في التاريخ الكبير ٢/١٦٨.
[ ٢ / ٧٧٧ ]
٣٦- معجزة: روى النسائي عن عثمان١ بن حنيف، قال: جاء أعمى إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ادع الله أن يكشف لي بصري. قال: انطلق فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيّك محمّد نبيّ الرحمة، يا محمّد إني أتوجه بك / (٢/١٥٦/ب) إلى ربّك أن يكشف عن بصري. اللهم شفّعه فِيَّ. قال: فرجع الأعمى وقد كشف الله عنه بصره٢.
قال المؤلِّف: هذه الآية تُؤمه آية٣ الإنجيل، وتؤمه آية اليسع في نعمان الرومي وقد حكيناهما فيما تقدم٤.
_________________
(١) ١ عثمان بن حنيف بن واهب الأنصاري ﵁، أبو عبد الله أخو سهل بن حنيف، عمل لعمر ثم لعلي، سكن الكوفة، وتوفي في خلافة عثمان، وتوفي في خلافة عثمان، وله حديثان. (ر: الاستيعاب ٣/١٠٣٣، سير أعلام النبلاء ٣/٣٢٠، الإصابة ٤/٢٢٠) . ٢ أخرجه أحمد في مسنده٤/١٣٨، والترمذي٥/٥٣١، والنسائي في عمل اليوم والليلة ص ٢٠٤، ٢٠٥، وابن ماجه. (ر: صحيح ابن ماجه ١/٢٣١)، والحاكم ١/٣١٣، والبيهقي في الدلائل ٦/١٦٦، كلهم من طريق عثمان بن عمر عن شعبة عن أبي جعفر، قال: سمعت عمارة بن خزيمة يحدّث عن عثمان بن حنيف ﵁، أن: ، فذكره. قال الترمذي: "حسن صحيح غريب لا يعرف إلاّ من هذا الوجه". وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. وقال البيهقي: "ورويناه في كتاب الدعوات بإسناد صحيح عن روح بن عبادة عن شبعة". قلت: وهذا الحديث مما استدل به المبتدعة على جواز التوسل في الدعاء بجاه النبي ﷺ، أو غيره من الصالحين أو التوسل بالذات، ولكن هذا الحديث لا حجّة لهم فيه، بل هو دليل على النوع الثالث من أنواع التوسل المشروع وهو التوسل إلى الله تعالى بدعاء الرجل الصالح. (للتوسع ر: التوسل ص ٧٥، وما بعدها، للألباني، والتوصل إلى حقيقة التوسل ص ٢٣٦، وما بعدها للرفاعي) . ٣ أي: تُنْسي، وأصله: أَمِهَ. أي: نسي. (ر: القاموس ص ١٦٠٣) . ٤ ر: ص: ١٧٩.
[ ٢ / ٧٧٨ ]
٣٧- معجزة: ومن معجزاته ﵇ إبراء علّه الاستسقاء: مرض ابن ملاعب الأسنة١ بالاستسقاء فبعث إلى رسول الله ﷺ رسولًا، فأخذ ﵇ قبضة من الأرض فتفل عليها ثم أعطاها رسوله فأخذها متعجبًا يرى أنه قد هزى به. فأتاه بها وهو على شفا٢ فشربها الرجل فشفاه الله تعالى٣.
قال المؤلِّف - ﵀ - حكت التوراة٤ أن موسى أمر قومه أن يسقوا مَنِ اتَّهمها زوجها بالزنى من طين يكون أسفل المذبح مخلوط برماد بقرة، فإن كانت المرأة فجرت أسفح بطنها وفخذاها٥، وإن كانت برية سلمت من ذلك وحملت بذكر٦، وهذه الآية أنْزل منها.
_________________
(١) ١ قال البرهان الحلبي: إن ابن ملاعب الأسنة لا يعرف اسمه ولا ترجمته، وأما ملاعب الأسنة فهو: عامر بن مالك العامري الكلابي، أبو براء يقال له أيضًا ملاعب الرماح لتقدمه وشجاعته في الحرب فكأنه يلاعبها. (ر: نسيم الرياض ٣/١٠٦، وبهامشه شرح القاري) . وقال الذهبي في التجريد١/٢٨٨: "إنه عم عامربن الطفيل، والصحيح أنه لم يسلم، وقد قدم المدينة فعرض عليه النبي ﷺ الإسلام فلم يسلم".اهـ. (ر: أيضًا الإصابة٤/١٦) . ٢ شفا: هو حرف كل شيء، والمراد به هنا: الاحتضار. ٣ أخرجه الواقدي في مغازيه١/٣٥٠، وعنه أبو نعيم في الدلائل ص٥١٣، ٥١٤، عن عروة. قلت: الواقدي متروك. وقد تقدم ذكره. (ر: ٧٦٠) . ٤ ورد ذلك في سياق طويل جدًّا في سفر العدد ٥/١١-٣١. ٥ في التوراة: "يرم بطنها ويسقط فخذها". ٦ في م: بكرا.
[ ٢ / ٧٧٩ ]
٣٨- معجزة: روى العقيلي١ عن حبيب٢ بن فديك أن أباه ابيضت عيناه فكان لا يبصر به شيئًا فنفث رسول الله ﷺ/ (٢/١٥٧/أ) في عينيه فأبصر، فرأيته بعد يدخل الخيط في الإبرة وهو ابن ثمانين سنة٣.
٣٩- معجزة: لما تعسر فتح خيبر قال رسول الله ﷺ لأعطين الراية غدًا رجلًا يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله. فلما أصبح دعا عليًّا رضوان الله عليه وكان أرمد، فجيء به يقاد فتفل في عينيه فبرأ لوقته، وتقدم بالراية٤.
وفي هذه القصة عدة من الآيات شفاء عينيه، والإخبار عن دوام حياته وحياة الرسول إلى الغد، وأن خيبر لم تفتح قبل الغد مع كونها محصورة، وأن عليًّا رضوان الله عليه محبوب الله، وأن الفتح يكون على يده.
_________________
(١) ١ هو: الإمام الحافظ أبو جعفر محمّد بن عمرو بن موسى صاحب كتاب الضعفاء، ثقة جليل، توفي سنة: ٣٢٢هـ، بمكّة المكرّمة. (ر: شذرات الذهب ٢/٢٩٥، والأعلام ٦/٣١٩) . ٢ حبيب بن فويك، ويقال: بدل الواو: دال، ويقال: راء، ابن عمر السلاماني، أبو فديك، وهو من بني سلامان بن سعد، وقد قدم في وفد بني سلامان على النبي ﷺ في شوّال سنة عشر من الهجرة، وله حديثان كما ذكر الحافظ في الإصابة. (ر: الاستيعاب -/٣٢٢، والتجريد ١/١٩٩، والإصابة ١/٣٢٢، ٣٢٣) . ٣ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٦/٣٢٨، وعنه أبو نعيم ص ٤٦٦، والبيهقي ٦/١٧٣، كلاهما في الدلائل. قال: ثنا محمّد بن بشر عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن رجل من بني سلامان بن سعد عن أمه أن خالها حبيب بن فديك حدّثها ، فذكره. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد٨/٣٠١، وقال رواه الطبراني وفيه من لم أعرفهم. اهـ. وأورده الحافظ في الإصابة ١/٣٢٣، وقال: "ابن السكن: لم يروه غير محمّد بن بشر ولا أعلم لحبيب غيره، ثم ذكر له الحافظ حديثًا آخر رواه ابن منده. ٤ أخرجه البخاري عن سهل بن سعد ﵁، في كتاب الفضائل باب (٩) . (ر: فتح الباري ٧/٧٠)، ومسلم ٤/١٨٧١، ١٨٧٢، عن سعد بن أبي وقاص وعن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما. والبيهقي في الدلائل ٤/٢٠٥-٢١٣، عن سهل بن سعد وأبي هريرة وسلمة بن الأكوع وبريدة - ﵃ أجمعين -.
[ ٢ / ٧٨٠ ]
٤٠- معجزة: ورُمي كلثوم١ بن الحصين يوم أحد في نحره فتفل عليه رسول الله ﷺ فبرأ٢، وتفل على ضربة بساق سلمة٣ بن الأكوع يوم خيبر فبرأت٤.
وأصاب السيف رجل زيد٥ بن معاذ فتفل عليها رسول الله ﷺ فصحت وبرأت٦.
_________________
(١) ١ هو: أبو رُهم الغفاري ﵁، الصحابي المشهور باسمه وكنيته، وله أربعة أحاديث. ٢ لم يخرجه السيوطي في المناهل ص ١٣٧. وقال القاري في شرحه للشفا ٣/١٠٨: "قال الدلجي: لا أدري من رواه". قلت: ذكره الحافظ في الإصابة ٧/٦٨، في ترجمة كلثوم بن حصين. فقال: وذكر أبو عروبة أنه رمي بسهم في نحره يوم أحد فبصق عليه ﷺ فبرأ. ٣ هو: سلمة بن عمرو بن الأكوع، الصحابي المعروف، له سبعة وسبعون حديثًا. ٤ أخرجه البخاري في كتاب المغازي باب غزوة خيبر. (ر: فتح الباري ٧/٤٥٧)، وأحمد في مسنده ٤/٤٨، والبيهقي في الدلائل ٤/٢٥١، كلهم من طريق مكي بن إبراهيم عن يزيد بن أبي عبيد، قال: ، فذكره. ٥ زيد بن معاذ الأنصاري، أخو سعد سيّد الأوس، فيمن قتل كعب بن الأشرف، ذكره عبد بن حميد في التفسير، وقال الحافظ: "لم أر له ذكرًا إلاّ في هذه الرواية". اهـ. (ر: الإصابة ٣/٣٤) . ٦ قال السيوطي في المناهل ص ١٣٧: "أخرجه عبد بن حميد في تفسيره عن عكرمة. وأخرجه الواقدي بأسانيد لكن قال الحارث بن أوس بدل زيد بن معاذ، وأخرجه البيهقي في الدلائل٣/١٩٢، ١٩٩، من حديث جابر. وقال بدلهما عباد بن بشر. اهـ. قلت: الحديث أخرجه ابن إسحاق، قال: فحدّثني ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس، قال: فذكره في سياق طويل في قتل كعب بن الأشرف اليهودي، وبأن الذي أصيب هو الحارث بن أوس. (ر: السيرة ٣/٨١) . وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/١٩٩، وقال: "رواه الطبراني، وفيه ابن إسحاق وهو مدلِّس وبقية رجاله رجال الصحيح". اهـ. إلاّ أن ابن إسحاق قد صرح بالسماع فينتفي تدليسه. وإسناده متصل، وقد أشار الحافظ في الفتح ٧/٣٣٨، في كتاب المغازي باب قتل كعب بن الأشرف إلى حديث ابن عباس من طريق ابن إسحاق، وقال الحافظ: وعند ابن إسحاق بإسناد حسن عن ابن عباس. وأخرجه البيهقي في الدلائل ٣/١٨٧-٢٠٠، من طرق أخرى.
[ ٢ / ٧٨١ ]
٤١- معجزة: انكسرت ساق عليّ١ بن الحكم يوم الخندق فتفل عليها رسول الله ﷺ / (٢/١٥٧/ب) فبرأ مكانه ولم ينْزل عن فرسه٢.
٤٢- معجزة: اشتكى عليّ وجعًا فركله برجله، وقال: اللهم اشفه، فما اشتكى ذلك الوجع بعد٣.
٤٣- معجزة: قطع أبو جهل يوم بدر يد معوَّذ٤ بن عفراء فجاء يحمل يده فبصق عليها رسول الله ﷺ وألصقها فلصقها فلصقت وصحت مثل أختها٥. رواه ابن٦ وهب.
_________________
(١) ١ عليّ بن الحكم السلمي، أخو معاوية بن الحكم، له صحبة. من أهل قباء. (ر: الاستيعاب ٣/١٠٨٩، الإصافة ٤/٢٦٨) . ٢ أخرجه البيهقي في الدلائل ٦/١٨٥، من كتاب المعجم لأبي القاسم البغوي، وذكره ابن حجر في الإصابة ٤/٢٦٨، وقال: "روى البغوي والطبراني وابن السكن وابن منده من طريق كثير بن معاوية بن الحكم السلمي عن أبيه، قال: ، فذكره. قال ابن منده: "غريب لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه". وقال ابن حجر: "في الإسناد صفار بن حميد لا يعرف". اهـ. ٣ أخرجه الترمذي ٥/٥٢٣، والإمام أحمد في مسنده ١/١٢٨، وفي فضائل الصحابة ٢/٦٩٧، والحاكم٢/٦٢٠، ٦٢١، وأبو نعيم في الدلائل ص٤٥٠، ٤٥١، والبيهقي ٦/١٧٩، كلهم من طريق شعبه عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة ﵁. قال الترمذي: "وهذا حديث حسن صحيح". وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي". ٤ معوّذ بن الحرث النجّاري الأنصاري الخزرجي المعروف بابن عفراء، وهي أمه وأخوه معاذ، وقد ثبت ذكرهما في صحيح البخاري في قصة بدر في قتل أبي جهل وفيه - فضربه ابنا عفراء حتى برد - وهما معوذ ومعاذ -. وقال ابن عبد البر: "كان ممن قتل أبا جهل ثم قاتل بعد ذلك حتى استشهد، قتل أبو مسافع". (ر: الاستيعاب ٤/١٤٤٢، الإصابة ٦/١٠٧، ١٢٩) . ٥ لم يخرجه السيوطي في المناهل ص ١٣٨، ولم أقف على تخريجه. ٦ هو: عبد الله بن وهب بن مسلم، القرشي، أبو محمّد، المصري، الفقيه، ثقة، حافظ، عابد، توفي سنة ١٩٧هـ. (ر: سير أعلام النبلاء ٩/٢٢٣، والتهذيب ٦/٦٥، والتقريب ١/٤٦٠) .
[ ٢ / ٧٨٢ ]
قال المؤلِّف: هذه والله أبهر للعقول من آية الإنجيل في اليد اليابسة١، وفي أذن العبد ملخس ليلة الفزع٢، فالويل لمن كذب بشيء من ذلك.
٤٤- معجزة: أصيب شقّ خبيب٣ بن يساف يوم بدر حتى مال فردّه رسول الله ﷺ بيده ونفث عليه فبرأ وصحّ٤.
قال المؤلِّف: هذا نظير ما حكوه من شفاء المخلع في الإنجيل.
٤٥- معجزة: جاءت امرأة من خثعم إلى رسول الله ﷺ بصبي لها لم يتكلم، فأخذ ﵇ ماء فتمضمض به وغسل يديه فأعطاها إيّاه وأمر بسقيه الصبي، ففعلت فبرأ الغلام وعقل عقلًا يفضل عقول
_________________
(١) ١ متى ١٢/٩-١٣، مرقص ٣/١-٦. ٢ يوحنا ١٨/١٠. ٣ خُبَيب بن يَساف ويقال: يَسَاف بن عِنَبة الأنصاري الأوسي، شهد المشاهد كلها مع النبي ﷺ ومات في خلافة عمر، وقيل: في خلافة عثمان - ﵃ -. (: الاستيعاب ٢/٤٤٣، سير أعلام النبلاء ١/٥٠١، الإصابة ٢/١٠٣) . ٤ أخرجه البيهقي في الدلائل ٣/٩٧، ٦/١٧٨، وأحمد بن منيع. (ر: الإصابة ٢/١٠٣)، من طريق محمّد بن إسحاق والمسلم أبي سعيد كلاهما عن خبيب بن عبد الرحمن بن خبيب بن يساف عن أبيه عن جدّه، قال: ، فذكره. وأورده أبو نعيم في الدلائل ص ٤٨٤، عن ابن إسحاق معلقًا. قلت: إسناده صحيح، فإن خبيب بن عبد الرحمن ثقة. (ر: الجرح ٣/٣٧٨، والتقريب ١/٢٢٢)، وأبوه عبد الرحمن، قال عنه الحافظ في التعجيل ص ١٦٦: "عن أبيه وله صحبة، وعنه ابنه، وذكره ابن حبان في الثالثة من الثقات. (٦/٢٧٤)، وكأنه لم يثبت له من والده سماع، أو ظن أ، والده ليس من الصحابة". اهـ. (ر: من روى عن أبيه عن جدّه ص ١٩٣، ١٩٤، لابن قطلوبغا) .
[ ٢ / ٧٨٣ ]
الناس وتكلم١. وهذه نظيرة آية الإنجيل وأبهر منها.
٤٦- معجزة: قال/ (٢/١٥٨/أ) ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: "جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ بابن لها به جنون فمسح صدر الصبي فثع٢ ثعة فخرج منه مثل الجرو الأسود فذهب وعوفي الغلام"٣.
قال المؤلِّف: من نازعنا في هذه الآية وما يشاكلها، قلنا له: ما دليلك على أن المسيح أخرج الجني من ابن الرجل الذي سأله٤، ومن مريم خادمته٥؟ فما أجاب به فهو جواب لنا.
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٦/٣٧٩، وأبو نعيم في الدلائل ص ٤٦٤، وابن أبي شيبة في المصنف ٦/٣٢١، رقم: ٣١٧٥٥، كلهم من طريق يزيد بن أبي زياد عن سليمان بن عمرو بن الأحوص الأزدي عن أمه أم جندب قالت: ، فذكرته. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٦، وقال: "رواه أحمد والطبراني ورجاله وثقوا، وفي بعضهم ضعف". قلت: يزيد بن أبي زياد الهاشمي، مولاهم، الكوفي، ضعيف، كبر فتغير وكان شيعيًا، من الخامسة، مات سنة ٣٦هـ. (ر: التهذيب١١/٢٨٧، والتقريب٢/٣٦٥)، وسليمان ابن عمرو بن الأحوص الجشمي، كوفي، مقبول من الثالثة. (ر: التقريب ١/٣٢٨) . ٢ الثَّعُ: القيء، والثَّعة: المرة الواحدة. (ر: النهاية ١/٢١٢) . ٣ أخرجه أحمد في مسنده١/٢٥٤، ٢٦٨، والدارمي١/١١، ١٢، وأبو نعيم ص٤٦٥، ٤٦٦، والبيهقي ٦/١٨٢، ١٨٧، كلاهما في الدلائل، كلهم من طريق حماد ابن سلمة عن فرقد السبخي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، فذكره. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٥، وقال: "رواه أحمد والطبراني وفيه فرقد السبخي، وثّقه ابن معين والعجلي، وضعّفه غيرهما". قلت: فرقد بن يعقوب السبخي، أبو يعقوب البصري، صدوق، عابد، لكنه لين الحديث كثير الخطأ، من الخامسة. (ر: الجرح والتعدل٧/٨١، ٨٢، والتقريب٢/١٠٨) . ٤ متى ١٧/١٤-٢١، مرقص ٩/١٤-٢٩، لوقا ٩/٣٧-٤٣. ٥ لوقا ٨/٢، ٣.
[ ٢ / ٧٨٤ ]
٤٧- معجزة: كان في كفّ شرحبيل١ الجعفي سلعة٢ تمنعه القبض على السيف وعنان الدابة، فشكاها إلى رسول الله ﷺ فما زال ﵇ يمسحها بكفه المباركة حتى رفع كفّه وقد زالت ولم يبق لها أثر٣.
٤٨- معجزة: سألت جارية رسول الله ﷺ طعامًا وهو يأكل فأعطاها من بين يديه وكانت قليلة الحياء، فقالت: إنما أريد من الذي في فيك. فناولها من فيه - ولم يكن ﵇ يسأل شيئًا فيمنعه - فلما استقرّ في جوفها ألقى عليها من الحياء ما لم تكن امرأة بالمدينة أشدّ حياء منها ببركة رسول الله صلى الله عليه وسلم٤.
_________________
(١) ١ شرحبيل بن عبد الرحمن الجفعي، قال ابن السكن وأبو حاتم وابن حبان: له صحبة. سكن البصرة. (ر: الاستيعاب ٢/٧٠٠، الإصابة ٣/٢٠٠) . ٢ سِلْعَة: هي زيادة في البدن بين الجلد واللحم كالغدة تتحرك إذا حركت وتكون من حمصة إلى بطيخة. (ر: القاموس ص ٩٤٢) . ٣ أخرجه البخاري في التاريخ الكبير ٤/٢٥٠، والطبراني في المعجم الكبير ٧/٢٦٧، والبيهقي في الدلائل ٦/١٧٦، كلهم من طريق يونس بن محمّد المؤدب عن حماد بن يزيد عن مخلد بن عقبة بن شرحبيل الجعفي عن جدّه عبد الرحمن عن أبيه قال: ، فذكره. وعزاه الحافظ في الإصابة ٣/٢٠٠، أيضًا إلى ابن السكن والبغوي. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٣٠١، وقال: "رواه الطبراني ومخلد ومن فوقه لم أعرفهم، وبقية رجاله رجال الصحيح". قلت: مخلد بن عقبة بن شرحبيل بن السمط الكندي، قال العلائي في الوشي: لا أعرف حال عقبه ولا مخلد. (ذكره الحافظ في اللسان ٦/٩)، وذكره ابن أبي حاتم ٨/٣٤٨، ولم يذكر فيه جرحًا أو تعديلًا. وحماد بن يزيد بن مسلم المقري، أبو زيد، البصري، ذكره ابن أبي حاتم. ٣/١٥١، ولم يذكر فيه جرحًا أو تعديلًا. ٤ أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٨/٢٣٦، ٢٧٥، عن أبي أمامة ﵁. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٣٥١، ٩/٢٤، وقال: "رواه الطبراني وفيه: عليّ ابن يزيد الألهاني، وهو ضعيف".اهـ. وهو كما قال الهيثمي. (ر: التقريب ٢/٤٦) .
[ ٢ / ٧٨٥ ]
٤٩- ومن معجزاته / (٢/١٥٨/ب) إجابة دعائه وهذا باب متسع جدًّا، وإجابة دعائه ﷺ متواتر معلوم ضرورة فكان إذا دعا لرجل أدركت الدعوة ولده وولد ولده.
قال أنس: "قالت أمي: يا رسول الله خويدمك أنس ادع الله له. فقال: اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما آتيته. قال أنس: فوالله إن مالي لكثير وإن ولدي وولد ولدي ليعادُّون اليوم على نحو المائة وما أعلم أحدًا أصاب من رفيع العيش ما أصبت، ولقد دفنت بيدي هاتين مائة من ولدي ولا أقول سقطًا ولا ولد ولد"١.
ودعا ﷺ لبعد الرحمن بن عوف بالبركة٢. قال عبد الرحمن: "فلو رفعت حجر لرجوت أن أصيب تحته ذهبًا٣، ومات عبد الرحمن فحفر الذهب في تركته بالفؤس حتى مَجَلَت منه٤ أيدي الرجال وكان له أربع زوجات فأخذت كلّ زوجة في ربع الثمن مائة ألف درهم٥، وقيل: بل صولحت مطلقته في مرضه على ثمانين ألف٦، وأوصى عبد الرحمن بخمسين ألفًا بعد صدقاته / (٢/١٥٩/أ)
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب الصوم باب (٦١) . (ر: فتح الباري ٢/٢٨٤)، ومسلم ٤/١٩٢٩، والإمام أحمد في مسنده ٣/١٠٨، ١٨٨، ٢٤٨، والترمذي ٥/٦٣٩-٦٤١، والبيهقي في الدلائل ٦/١٩٤-١٩٧، عن أنس بن مالك ﵁. ٢ أخرجه البخاري في كتاب النكاح باب (٥٦) . (ر: فتح الباري ٩/٢٢١)، ومسلم ٢/١٠٤٢، والبيهقي في الدلائل ٦/٢١٨، عن أنس ﵁. وفي الحديث دعاء النبي لعبد الرحمن لفظ: "بارك الله لك". ٣ أخرجه أبو داود ٢/٢٣٥، مختصرًا، والبيهقي في الدلائل ٦/١٩، في سياق طويل كلاهما من طريق حماد بن سلمة عن ثابت البناني وحميد الطويل عن أنس بن مالك ﵁. قلت: إسناده صحيح. ٤ مَجَلَت: قرحت من العمل. والمَجْل أو المَحْلَة: قشرة رقيقة يجتمع فيها ماء من أثر العمل. (ر: القاموس ص ١٣٦٥) . ٥ ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء ١/٩٠، من طريق معمر عن ثابت عن أنس. ٦ أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب ٢/٨٤٧، عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. وقال ابن عبد البر: "وقد روى غير ابن عيينة في هذا الخبر أنها صولحت بذلك عن ربع الثمن من ميراثه".
[ ٢ / ٧٨٦ ]
الماشية في حال صحّته وعوارفه الكثيرة١، وأعتق ثلاثين٢ عبدًا، وتصدق في مجلس واحد بقافلة فيها سبعمائة جمل بما عليها من البر والبضاعة حتى أقتابها٣ وأحلاسها٤ رضي الله عنه٥. كلّ ذلك ببركة دعاء رسول الله ﷺ.
ودعا ﵇ لسعد بن أبي وقاص أن يجيب الله دعوته٦ فما دعا قطّ إلاّ استجيب له٧ فكانت دعوته مشهورة.
_________________
(١) ١ ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء ١/٩٠، من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة. قلت: عبد الله بن لهيعة الحضرمي، أبو عبد الرحمن، صدوق، خلط بعد احتراق كتبه، مات سنة ١٧٤هـ. (ر: التقريب ١/٤٤٤) . ٢ أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب ٢/٨٤٨، وأبو نعيم في الحلية ١/٩٩، والحاكم ٣/٣٠٨، من طريق ابن إسحاق، ثنا أبو هشام الحسين بن عليّ عن جعفر بن برقان، قال: "بلغني أن عبد الرحمن بن عوف أعتق ثلاثين ألف بيت". وسكت عنه الحاكم والذهبي. قلت: جعفر بن برقان الكلابي، صدوق يهم في حديث الزهري، من السابعة مات سنة ١٥٠هـ. (ر: التقريب ١/١٢٩)، فإسناده منقطع. ٣ الأَقْتَاب: مفرده: قَتَب: وهو: الرَّحل الصغيرعلى قدرسنام البعير. (ر: القاموس ص١٥٧) . ٤ الأحلاس: مفرده: حِلْس: وهو الكساء الذي على ظهر البعير تحت البَرْذَعة ويبسط في البيت تحت حرّ الثياب. (ر: القاموس ص ٦٩٤) . ٥ أخرجه أحمد في مسنده ٦/١١٥، عن عبد الصمد بن حسان عن عمارة عن ثابت عن أنس. قال: " فذكره في سياق طويل". اهـ. قلت: عمارة بن زاذان، الصيدلاني، صدوق كثيرةالخطأ من السابعة. (ر: التقريب٢/٤٩) . ٦ عن سعد ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم استجب لسعد إذا دعاك"، أخرجه الترمذي ٥/٦٠٧، وأحمد في فضائل الصحابة ٢/٧٥٠، وابن حبان. (ر: الموارد ص ٥٤٧)، والحاكم ٣/٤٩٩، وأبو نعيم ص ٥٦٧، والبيهقي ٦/١٨٩، كلاهما في الدلائل وكلهم من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عنه. قال الترمذي: "حديث صحيح". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي". ٧ إنّ مما ظهر من استجابة الله تعالى لدعاء سعد ما رواه البخاري عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة ﵁. قال شكا أهل الكوفة سعدًا إلى عمر ﵁، فعزله واستعمل عليهم عمارًا، فشكوا حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي، فأرسل إليه. فقال: يا أبا إسحاق إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي. قال أبو إسحاق: أما أنا والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ ما أخرم عنها أصلي صلاة العشاء فأركد في الأوليين وأُخُف في الأخريين. قال: ذاك - الظن بك يا أبا إسحاق - فأرسل معه رجلًا أو رجالًا إلى الكوفة فسأل عنه أهل الكوفة ولم يدع مسجدًا إلاّ سأل عنه، ويثنون معروفًا. حتى دخل مسجدًا لبني عبس، فقام رجل منهم يقال له: أسامة ابن قتادة يكنى أبا سَعْدة. قال: أما إذ نشدتنا فإن سعدا كان لا يسير بالسرية ولا يقسم بالسوية لا يعدل في القضية. قال سعد: أما والله لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا قام رياء وسمعة فأطل عمره وأطل فقره وعرضه بالفتن. وكان بعد إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد. قال عبد الملك: فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر وإنه ليتعرض للجواري في الطرق يغمزهن". اهـ. أخرجه البخاري (ر: فتح الباري ٢/٢٣٦)، ومسلم مختصرًا ١/٣٣٤، وقد ذكرت حوادث متعددة أخرى ظهرت فيها إجابة الله عزوجل دعاء سعد ﵁. ومنها في مستدرك الحاكم ٣/٤٩٩-٥٠١، ودلائل النبوة لأبي نعيم ص ٥٦٨-٥٦٩، وللبيهقي ٦/١٨٩-١٩١، والخصائص للسيوطي ٢/٢٨٠-٢٨٢.
[ ٢ / ٧٨٧ ]
ودعا ﵇ أن يعزّ الله الإسلام بعمر فاستجيب١ له وعَزَّ بهالإسلام، قال ابن مسعود: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر٢.
وأصاب [أهل] ٣الإسلام عطش فقال عمر: يا رسول الله ادع الله لنا أن يسقينا. فدعا ﵇ فجاءت سحابة فسقت الناس حاجتهم ثم أقلعت٤.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن حبان. (ر: الموارد ص ٥٣٥)، والحاكم ٣/٨٣، كلاهما من طريق هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أن البني ﷺ قال: اللهم أعزَّ الإسلام بعمر بن الخطاب خاصة. قال الحاكم: "حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي. وابن حجر. (ر: فتح الباري ٧/٤٨) . وله شاهد من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بمثله، أخرجه الحاكم، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. وشاهد آخر من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم أعزَّ الإسلام بأحب الرجلين إليك، بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب". قال: وكان أحبهما إليه عمر. أخرجه الترمذي ٥/٥٧٦، وقال: "حسن صحيح". وأخرجه أحمد في مسنده ١٥/٩٥، وفي فضائل الصحابة ١/٢٤٩، وابن حبان. (ر: الموارد ص ٥٣٥) . ٢ أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة باب (٦) . (ر: فتح الباري ٧/٤١، ١٧٧)، وأحمد في فضائل الصحابة ٢/٢٧٧) . ٣ إضافة يقتضيها السياق. والله أعلم. ٤ في الشفا ١/٦٢٨: "وأصاب الناس في بعض مغازيه عطش فسأله عمر الدعاء ". وقد تقدم تخريج الحديث الذي رواه ابن عباس عن عمر بن الخطاب - ﵃ -. (ر: ص: ٧٤٠)، في غزوة تبوك وفيه: أن الذي رغب الدعاء من البني هو أبو بكر الصّدِّيق ﵁.
[ ٢ / ٧٨٨ ]
ودعا ﵇ في الاستسقاء فسقوا، فجاءه أهل العوالي يشكون كثرة المطر وتهديم الدور فدعا ﷺ برفعه فأقلع١.
وقال ﵇ لأبي قتادة: "أفلح وجهك اللهم بارك له في شعره، وبشره"، فعاش سبعين سنة وكأنه ابن خمس عشرة سنة٢.
وقال للنابغة٣: لا يفض اللهفاك٤، قال: فعاش / (٢/١٥٩/ب) مائة وعشرين سنة. وقيل: أكثر من ذلك فما سقطت له سن٥.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه (ر: ص: ٧٤١) . ٢ تقدم تخريجه. (ر: ص: ٧٧٧) . ٣ النابغة الجعدي ﵁، لَقَبُ الصحابي الشاعر المشهور أبو ليلى، اختلف في اسمه فقيل: قيس بن عبد الله، وقيل: عبد الله أو حبان، قال ابن قتيبة: عُمِّر إلى زمن ابن الزبير، ومات بأصبهان وله مائتان وعشرون سنة. وعن الأصمعي أنه عاش مائتين وثلاثين سنة. (ر: الاستيعاب ٤/١٥١٦، الإصابة ٦/٢١٨-٢٢٠) . ٤ أي: لا يسقط الله أسنانك. وتقديره: لا يكسر الله أسنان فيك. فحذف المضاف لعلم المخاطب. كما يقال: يا خيل الله اركبي: أي: يا ركاب خيل الله. (ر: غريب الحديث ١/١٩١، للخطابي، والنهاية ٣/٤٥٣) . ٥ أخرجه أبو نعيم ص ٤٥٨، ٤٥٩، والبيهقي ٦/٢٣٢، كلاهما في الدلائل من طريق يعلى بن الأشدق. قال: سمعت النابغة - نابغة بني جعدة يقول: أنشدت رسول الله ﷺ هذا الشعر فأعجبه: بلغنا السماء مجدنا وثراءنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهر قال لي: إلى أين المظهر يا أبا ليلى؟ قال: قلت: إلى الجنة، قال: كذلك إن شاء الله. فلا خير في حلم إذا لم تكن له بوادر تحمي صَفْوه أن يُكدّرا ولا خير في جهل إذا لم يكن له حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا قال النبي ﷺ: "أجدتَ لا يفضض فوك". قال يعلى: فلقد رأيته ولقد أتى عليه نيف ومائة سنة، وما ذهب له سن". وأورده الحافظ في الإصابة ٦/٢١٩، ٢٢٠، بإسناد من طريق البغوي، ثم قال: أخرجه البزار والحسن بن سفيان في مسنديهما وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/٧٤)، والشيرازي في الألقاب كلهم من رواية يعلى بن الأشدق، وهو ساقط الحديث إلاّ أنه توبع. فقد رواه عبد الله بن جراد في غريب الحديث (١/١٩٠)، للخطابي، و(في الدلائل ٦/٢٣٣ للبيهقي)، وفي كتاب العلم للمرحبي وغيرهما عن عبد الله بن جراد قال: سمعت النابغة يقول: ، فذكره. ورواه كرز بن أسامة في المؤتلف والمختلف للدارقطني والصحبة لابن السكن - وكانت له وفادة مع النابغة - فذكره. وأورده الليثي في الأربعين البلدانية للسفلي، ورواه رجل لم يسم في مسند الحرث بن أبي أسامة، ورواه الطرماح في كتاب الشعراء لأبي زرعة الرازي، كلهم عن النابغة بألفاظ متقاربة". اهـ. بتصرف.
[ ٢ / ٧٨٩ ]
وقال لابن عباس: "اللهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل"١. فسمي بعد الحبر٢ وترجمان القرآن. وقال لعبد الله٣: "اللهم بارك له في صفقة يمينه"٤، فما اشترى شيئًا إلاّ ربح فيه.
ودعا ﵇ للمقداد بالبركة٥.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد في مسنده١/٢٦٦، ٣١٤، ٣٢٨، ٣٣٥، وفي فضائل الصحابة ٢/٩٥٦، وابن سعد ٢/٣٦٥، والحاكم ٣/٥٣٤، وعنه البيهقي في الدلائل ٦/١٩٣، كلهم من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، فذكره. قال الحاكم: "حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. وأخرجه البخاري في كتاب الوضوء باب (١٠) . (ر: فتح الباري ١/٢٤٤)، ومسلم ٤/١٩٢٧، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عدا قوله: "وعلّمه التأويل". ٢ الحِبْر: الأثر المستحسن، والحَبْر: بالفتح والكسر: العالم. وجمعه: أحبار. لما يبقى من أثر علومهم في قلوب الناس ومن آثار أفعالهم الحسنة المقتدي بها. وإلى هذا المعنى أشار أمير المؤمنين ﵁ بقوله: "العلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة وآثارهم في القلوب موجودة". (ر: المفردات ص ١٠٦، للراغب، النهاية ١/٣٢٨) . ٣ هو: عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الهاشمي، أبو جعفر ﵁. من المشهورين بالجود والكرم، له خمسة وعشرون حديثًا. ٤ أخرجه البيهقي في الدلائل ٦/٢٢٠، والبغوي. (ر: الإصابة ٤/٤٨)، من طريق فطر ابن خليفة عن أبيه عن عمرو بن حريث ﵁، أن النبي ﷺ مرّ على عبد الله بن جعفر وهو يبيع شيئًا يلعب به، فدعا النبي ﷺ، قال: اللهم بارك له في تجارته". ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٢٨٩، وقال: "رواه أبو يعلى والطبراني ورجالهما ثقات". وأورده السيوطي في الخصائص ٢/٢٨٨، وقال: "أخرجه ابن أبي شيبة وأبو يعلى والبيهقي بسند حسن". اهـ. ٥ أخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ٤٦١، عن أبي بكر الطلحي وسليمان بن أحمد، قالا: ثنا عبيد بن غنام عن أبي بكر بن أبي شيبة عن خالد بن مخلد عن موسى بن يعقوب عن عمته قُرَيْبَة بنت عبد الله بن وهب عن أمها كريمة بنت المقداد بن عمرو عن ضباعة بنت الزبير وكانت تحت المقداد، قالت: كان الناس إنما يذهبون لحاجتهم فرط اليومين والثلاث فيبعرون كما تبعر الإبل، فلما كان ذات يوم خرج المقداد لحاجته حتى بلغ الحجبة وهو ببقيع الغرقد فدخل خربة لحاجته، فبينما هو جالس إذ أخرج جرذ من حجره دينارًا، فلم يزل يخرج دينارًا دينَارًا حتى بلغ سبعة عشر دينارا، فخرج بها النبيّ ﷺ فأخبرها. فقال: هل اتبعت يدك الحجر؟ قال: لا. والذي بعثك بالحق. فقال: لا صدقة عليك فيها، بارك الله لك فيها. قالت ضباعة: فما فني آخرها حتى رأيت غرائر الوَرِقِ في بيت المقداد". اهـ. قلت: إسناده ضعيف. فإن موسى بن يعقوب المطلبي صدوق سيّء الحفظ وعمته قريبة بنت عبد الله الأسدية مقبولة. (ر: التقريب ٢/٢٨٩، ٢/٦١١) .
[ ٢ / ٧٩٠ ]
فصارت عنده غرائر١ من المال.
ودعا بمثل ذلك لعروة بن أبي الجعد٢.
فقال عروة: لقد صرت أقوم في السوق فما أرجع حتى أربح أربعين ألفًا٣.
وقال البخاري في حديثه: "فكان لو اشترى التراب لربح فيه". [روى مثل هذا لغرقدة أيضًا] ٤، وندت له ناقة فدعا الله فجاءه بها إعصار ريح حتى ردّها عليه ﷺ.
_________________
(١) ١ الغَرَائر: الأكياس الكبيرة. ٢ أخرجه البخاري في كتاب المناقب باب (٢٨) . (ر: فتح الباري ٦/٦٣٢)، وأحمد في المسند ٤/٣٧٥، وأبو داود ٣/٢٥٦، والبيهقي في الدلائل ٦/٢٢٠، عن عروة بن أبي الجعد البارفي ﵁:"أن النبي ﷺ أعطاه دينارًا يشتري له به شاة، فاشتر له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، فجاء دينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه". ٣ هذه الزيادة من قول عروة، أخرجها الإمام أحمد في المسند ٤/٣٧٦، وأبو نعيم في الدلائل ٤٦١، كلاهما من طريق سعيد بن زيد عن الزبير بن خريت عن أبي لبيد عن عروة البارقي، قال: ، فذكره في سياق طويل. وبنفس الإسناد السابق ذكره أبو داود٣/٢٥٦، والترمذي٣/٥٥٩، ولم يذكر الزيادة السابقة. قلت: إسناده حسن، فإن سعيد بن زيد بن درهم الأزدي وأبي لبيد لِمَازَه بن زَبَّار الأزدي صدوقان. (ر: التقريب ١/٢٩٦، ٢/١٣٨) . ٤ هذه الإضافة من الشفا١/٦٣٠، ولم يخرج السيوطي الروايتين: "دعاء النبي ﷺ لغرقدة - وندت له ناقة ". (ر: المناهل ص ٤٦، الطبعة الحجرية القديمة) . قال القاري في شرحه للشفا ٣/١٢١: "روي مثل هذه لغرقدة". قال الدلجي: "لا أدري من رواه". "وندت له". أي: لغرقدة (ناقة فدعا الله) أي: النبي ﷺ على ما هو ظاهر الكلام الخ. اهـ. وقال الخفاجي في نسيم الرياض ٣/١٢١، ١٢٢: "وروي مثل هذا لغرقدة) . غرقدة صحابي يسمى أبا شبيب، روى عنه ابنه (وندت له ناقة) الضمير للنبي ﷺ، وليس ضمير (له) لغرقدة كما توهمه البعض. "فجاء بها إعصار ريح حتى ردّها الإعصار عليه". أي: على النبي ﷺ وهذا لم يُخَرِّجوه، وكون الضمير لغرقدة لا يناسب المقام وإن اتفقوا عليه ". اهـ. بتصرف. قلت: قوله:"وروي مثل هذا لغرقدة"، فقدأخرجه ابن قانع في الصحابة، قال: حدّثناعلي ابن محمّد، حدّثنا مسدد، حدّثنا ابن عيينة عن شبيب بن غرغدة، حدّثني الحيّ من غرقدة أن النبي ﷺ أعطاه دينارًا ليشتري به أضحية، أو قال: شاة، فاشترى شاتين. الحديث. قال ابن قانع:"كذاقال. وهوتصحيف وإنما هو من عروة لاعن غرقدة".اهـ. قال الحافظ ابن حجر: "وهذا الحديث في صحيح البخاري من حديث سفيان بن عيينة لكنه عن عروة بن الجعد، والحديث مشهور من حديثه، وأما غرقدة والد شبيب ذُكر في الصحابة ولا يصح، هكذا قال ابن منده".اهـ. (ر: الإصابة٥/١٩٧، ١٩٨) . أما كلام الخفاجي إن الضمير في: "وندت له "، يعود إلى النبي ﷺ، فهو كلام جيّد ومقبول إلاّ أن الحديث لم يخرجوه.
[ ٢ / ٧٩١ ]
ودعا ﵇ لأم أبي هريرة١، وقد كانت نالت منه فأسلمت من ساعتها٢ وقصتها مشهورة.
ودعا لعليّ - رضوان الله عليه - أن يُكفى الحرّ والبرد، فكان عليّ بعدها يلبس لباس الصيف في الشتاء ولباس الشتاء في الصيف ولا يصيبه حرّ ولا برد٣.
_________________
(١) ١ هي: أميمة بنت صبيح أو صفيح بن الحارث، اختلف في اسمها فجاء عن أبي هريرة أنه ابن أميمة، وترجم الطبراني في النساء ميمونة بنت صبيح أم أبي هريرة وساق قصة إسلامها. (ر: الإصابة ٨/١٨، ١٩) . ٢ أخرجه مسلم ٤/١٩٣٨، وأحمد في مسنده ٢/٣٢٠، والبيهقي في الدلائل ٦/٢٠٣، كلهم من طريق عكرمة بن عمار عن أبي كثير الغُبَري عن أبي هريرة ﵁، قال: فذكره في سياق طويل - وفيه دعاء الرسول ﷺ: "اللهم اهد أم أبي هريرة". ٣ أخرجه ابن ماجه. (ر: صحيح ابن ماجه١/٢٦، للألباني)، وأبو نعيم ص٤٦٢، والبيهقي ٤/٢١٣، كلاهما في الدلائل من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عليّ ﵁ ، فذكره في سياق طويل، وفيه: دعاء النبي ﷺ لعليّ: "اللهم أذهب عنه الحرّ والبرد". ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/١٢٥، وقال: "رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن"، ووافقه الألباني.
[ ٢ / ٧٩٢ ]
ودعا لفاطمة سلام الله عليها: ألاّيجيعها. قالت: فماجعت قط بعدها١.
وسأله الطفيل بن عمرو آية لقومه/ (٢/١٦٠/أ) فقال: اللهم نَوَّر له. فسطع نور بين عينيه، فقال الطفيل: اللهم في غير وجهي فإني أخاف أن يقولوا مُثْله٢.
فتحوَّل النور إلى طرف سوطه كالقنديل، فكان يضيء في الليلة المظلمة فسمي ذا النور٣.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو نعيم ص ٤٦٢، والبيهقي ٦/١٠٨، كلاهما في الدلائل من طريق مُسْهِر ابن عبد الملك الهمداني عن عتبة أبي معاذ البصري عن عكرمة عن عمران بن حصين ﵁، قال ، فذكره في سياق طويل. وفيه دعاء النبي ﷺ لفاطمة: "اللهم مشبع الجاعة ورافع الوضعة لا تجع فاطمة بنت محمّد". وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٢٠٧، وقال: "رواه الطبراني في الأوسط وفيه عتبة بن حميد، وثقّه ابن حبان وغيره، وضعّفه جماعة، وبقية رجاله وثّقوا". اهـ. قلت: عتبة بن حُنَيد الصبي. أبو معاذ أبو معاوية البصري، صدوق له أوهام. (ر: التقريب ٢/٤)، وفيه أيضًا مسهر بن عبد الملك الهمداني الكوفي، لين الحديث. (ر: التقريب ٢/٢٤٩) . ٢ أي: يعتبرها قومه عيبًا وتشويهًا أصابه من آلهتهم-على حدّ زعمهم-لتركه دينهم. ٣ أخرجه ابن إسحاق معلقًا. (ر: السيرة ٢/٢٥-٢٩)، في قصة إسلام الطفيل وقومه في سياق طويل، وعنه أبو نعيم ص ٢٣٨-٢٤٠، والبيهقي ٥/٣٦٠-٣٦٣، كلاهما في الدلائل معلقًا، ووصله ابن عبد البر في الاستيعاب ٢/٢٢٠، عن ابن إسحاق عن عثمان بن الحويرث عن صالح بن كيسان أن الطفيل ، فذكره. قلت: إسناده منقطع، فإن صالح بن كيسان لم يرو عن الطفيل. (ر: التهذيب٤/٣٥٠) . وأخرجه ابن سعد في الطبقات ٤/٢٣٧-٢٣٩، عن الواقدي وهو ضعيف. وذكره ابن عبد البر في الاستيعاب ٢/٢٢١، عن هشام بن الكلبي، وفي الدرر ص ٥٣، بدون إسناد. وذكره الحافظ في الإصابة ٣/٢٨٧، في ترجمة الطفيل بن عمرو الدوسي وعزاه أيضًا إلى الطبري وأبي الفرج الأصبهاني كلاهما من طريق ابن الكلبي". اهـ.
[ ٢ / ٧٩٣ ]
ودعا ﵇ على مضر فأقحطوا حتى استعطفته قريش فدعا لهم فسقوا وأخصبوا١.
ودعا ﵇ على كسرى أن يمزق الله ملكه٢ ففعل الله ذلك وقتله ابنه شِيْروَيه٣ ولم يقم بعدها للفرس قائمة.
وأخبر ﵇ فيروز٤ عامل كسرى في الليلة التي قتل فيها وهو بالمدينة، فكان الأمر كما أخبر فأسلم فيروز فأسلم من معه٥.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب الاستسقاء وكتاب التفسير. (ر: فتح الباري ٢/٤٩٢، ٨/١٧٣)، ومسلم ٤/٢١٥٥-٢١٥٧، وأحمد في المسند ١/٣٨٠، ٤٣١، وأبو نعيم ص ٤٤٧، والبيهقي ٢/٣٢٤-٣٢٧، كلاهما في الدلائل عن ابن مسعود ﵁ في سياق طويل - فيه - دعاء الرسول ﷺ على قريش لما كذبوه واستعصوا عليه، فقال: "اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف". فأخذتهم السنة حتى حصدت كلّ شيء، فأتاه أبو سفيان فقال: أي محمّد إن قومك قد هلكوا، فادع الله أن يكشف عنهم، فدعا. ٢ أخرجه البخاري في كتاب الجهاد باب (١٠١) . (ر: فتح الباري ٦/١٠٨)، وأبو نعيم ص ٣٤٨، والبيهقي ٤/٣٨٧، ٣٨٨، كلاهما من في الدلائل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما - وفيه -: فدعا عليهم رسول الله ﷺ أن يمزقوا كل ممزق. ٣ شيرويه بن كسرى، واسم أبيه أبرويز بن هرمز بن أنوشروان بن قباز، ولم يعش شيرويه بعد قتله أباه إلاّ ستة أشهر أو دونها. (ر: البداية ٢/١٨٠، لابن كثير) . ٤ فيروز الديلمي ﵁، ويقال ابن الديلمي، ويكنى أبا الضحاك ويقال: أبا عبد الرحمن، يماني كناني أبناء الأساورة من فارس الذين كان كسرى بعثهم إلى اليمن لطرد الحبشة، وفد على رسول الله ﷺ فأسلم وروى عنه أحاديث ثم رجع فأعان على قتل الأسود العنسي، ومات في خلافة عثمان، وقيل: في خلافة معاوية باليمن سنة ٥٣هـ. (ر: الطبقات ٥/٥٣٣، الإصابة ٤/٢١٤) . ٥ أخرجه أبو نعيم ص ٣٤٦، في سياق طويل، والبيهقي في الدلائل ٤/٣٩١، مختصرًا عن دحية الكلبي ﵁، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/٣١٠-٣١٢، مطولًا، وقال: "رواه البزار عن إبراهيم بن إسماعيل عن يحيى بن سلمة عن أبيه وكلاهما ضعيف. وأخرجه ابن سعد ١/٢٥٩، من طريق الواقدي عن ابن عباس والمسور بن رفاعة والعلاء بن الحضرمي وعمرو بن أمية الغمري - دخل حديث بعضهم في بعض - في سياق طويل. وأخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ٣٤٨، وابن أبي الدنيا في دلائل النبوة. (ر: الإصابة ١/١٧٥) . عن ابن إسحاق منقطعًا. أخرجه ابن جرير. (ر: البداية ٤/٢٦٩ لابن كثير) عن ابن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب مرسلًا. وأخرجه أبو نعيم وابن سعد في شرف المصطفى. (ر: الخصائص ٢/١٧ للسيوطي)، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن مرسلًا. وأورده ابن هشام عن الزهري منقطعًا. (ر: السيرة ١/١١٢)، في سياق طويل. وقد وردت في الروايات السابقة أن كسرى كتب إلى (باذان) عامله باليمن فأرسل باذان قهرمانه - أي: وكيله - واسمه: (بابويه) ورجلًا من الفرس اسمه: (خرخسرة) إلى النبي ﷺ، وقد أسلم باذان وأسلمت الأبناء من فارس بعد تحققه من صدق خبر النبي ﷺ بقتل كسرى. (ر: للتوسع الإصابة ١/١٧٥، ١٧٦، ٢/١٤٩) . وقد ذكر الماوردي في أعلام النبوة ص ١٥٤-١٥٥، القصة بنحو ما ذكره المؤلِّف وفي الشفا ١/٦٧٢.
[ ٢ / ٧٩٤ ]
وقطع عليه إنسان صلاته فدعا عليه أن يقطع الله أثره فَأُقْعد١.
وقال لآخر: كُلْ بيمينك. فقال: لا أستطيع. فقال له: لا استطعت. فلم يرفعها بعد إلى فيه٢.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود ١/١٨٨، وعنه البيهقي في الدلائل ٥/٢٤٣، من طريق سعيد بن عبد العزيز عن مولى ليزيد عن غران عن يزيد بن نمران قال: رأيت رجلًا بتبوك مقعدًا فقال: مررت بين يدي النبيّ ﷺ وأنا على حمار وهو يصلي، فقال: "اللهم اقطع أثره، فما مشيت عليها بعد". قلت: إسناده ضعيف. ففيه مجهولان: الأوّل: مولى ليزيد بن نمران، قيل: اسمه سعيد، وهو مبهم لا يعرف. (ر: التقريب ٢/٥٧٤)، والمجهول الثاني: راوي الحديث: "رأيت رجلًا ". وله تابع لا يصح. أخرجه أبو داود من طريق ابن وهب المصري عن معاوية عن سعيد بن غزوان عن أبيه أنه نزل بتبوك وهو حاج فإذا رجل مقعد فسأله عن أمره فقال له: ، فذكره. وإسناده ضعيف. فإن معاوية بن صالح بن حُدَيْر، صدوق له أوهام. (ر: التقريب ٢/٢٥٩)، وسعيد بن غزوان، شامي مستور من السادسة. (ر: التقريب ١/٣٠٣) . ٢ أخرجه مسلم٣/١٥٩٩، والبيهقي في الدلائل٦/٢٣٨، عن سلمة بن الأكوع ﵁. وذكر الحافظ في الإصابة ١/١٥٣ أن الرجل الذي دعا عليه الرسول ﷺ هو: بُسر ابن راعي العير الأشجعي. كذا ذكره ابن منده وأبو نعيم وابن ماكولا وآخرون.
[ ٢ / ٧٩٥ ]
وقال لعتيبة١ بن أبي لهب: "اللهم سَلِّط عليه كلبًا من كلابك"، فأكله الأسد بعد أن حرسه أهله وصانوه٢.
ودعا على النفر الذين وضعوا السَّلَى٣ عليه ساجد وسماهم واحدًاواحدًا، قال ابن مسعود: فلم ينج منهم واحد / (٢/١٦٠/ب) لقد رأيتهم قتلى يوم بدر٤.
_________________
(١) ١ في م: عتبة. وهو خطأ فإنه عتبة قد مات مسلمًا. (ر: الإصابة ٤/٢١٦)، وفي رواية البيهقي أنه لهب بن أبي لهب، وقال: وأهل المغازي يقولون: عتبة بن أبي لهب، وقال بعضهم: عتيبة. (ر: الدلائل ٣٣٨) . ٢ أخرجه الحاكم ٣/٥٣٩، وعنه البيهقي في الدلائل ٢/٣٣٨، من طريق أبي نوفل بن أبي عقرب عن أبيه قال: كان لهب بن أبي لهب يسب النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: "اللهم سلّط عليه كلبًا "، الحديث. قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. وله شاهد من حديث هبار بن الأسود ﵁، أخرجه أبو نعيم في الدلائل، ص ٤٥٤، وابن منده وابن قانع. (ر: الإصابة ٦/٢٨٠)، كلهم من طريق عروة بن الزبير عنه. قال: كان أبو لهب وابنه عتيبة قد تجهزا إلى الشام وتجهزت معهما. فقال ابنه عتيبة: والله لأنطلقن إليه فلا تؤذينه في رَبِّه، فانطلق حتى أتى رسول الله ﷺ فقال له: يا محمّد، هو يكفر بالذي دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى، فقال رسول الله ﷺ: "اللهم ابعث عليه كلبًا من كلابك "، الحديث في سياق طويل. قلت: إسناده صحيح. وأخرجه ابن إسحاق، وعنه أبو نعيم في الدلائل ص ٤٥٥-٤٥٧، من طرق أخرى مرسلة عن محمّد بن كعب القرظي وعن طاوس. ٣ السَّلَى: الجلد الرقيق الذي يخرج فيه الولد من بطن أمه ملفوفًا فيه. وقيل: هو في الماشية السلى، وفي الناس المشيمة. والأوّل أشبه لأن المشيمة تخرج بعد الولد. ولا يكون الولد فيها حين يخرج. (ر: النهاية ٢/٣٩٦) . ٤ أخرجه البخاري في كتاب الضوء باب (٦٩) . (ر: فتح الباري ١/٢٤٩، ٥٩٤)، ومسلم ٣/١٤١٨، وأحمد في المسند ١/٣٩٣، ٤١٧، وأبو نعيم ص ٢٦٦، والبيهقي ٣/٨٢، كلاهما في الدلائل عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: ، فذكره في سياق طويل. وفيه دعاء النبي ﷺ على المشركين: "اللهم عليك بقريش - اللهم عليك بقريش اللهم عليك بقريش، ثم سمى اللهم عليك بعمرو بن هشام وعتبة بن ربيعة وشبيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وعمارة ابن الوليد".قال عبد الله: فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر ".واللفظ في البخاري.
[ ٢ / ٧٩٦ ]
وكان الحكم١ بن العاص يَخْتَلج٢ بوجهه في مجلس رسول الله ﷺ فقال ﵇: "كذلك فكن". فابتلي بهذه العلة إلى أن مات٣.
قال المؤلِّف: هذه الآية نظيرة ما في الإنجيل من دعاء المسيح على شجرة تين فيبست٤.
ودعا ﵇ على مُحَلَّم٥ بن جَثَّامة فهلك فلفظته الأرض فواروه فلفظته أيضًا دفعات فجعلوه بين رضمتين - وهما جانبي الوادي - ثم رضموه بالحجارة٦.
_________________
(١) ١ الحكم بن أبي العاص بن أمية القرشي الأموي ﵁، عم عثمان بن عفان، ووالد مروان، أسلم يوم الفتح وسكن المدينة ثم نفاه النبي ﷺ إلى الطائف ثم أعيد إلى المدينة في خلافة عثمان ومات بها سنة ٣٢هـ. وقال ابن السكن: "يقال إن النبي ﷺ دعا عليه ولم يثبت ذلك". اهـ. (ر: الإصابة ٢/٢٨، ٢٩) . ٢ أي: كان يحرك شفتيه وذقنه استهزاء وحكاية لفعل النبي ﷺ، فبقي يرتعد ويضطرب إلى أن مات، وأصل الخَلْج: الجذب والنَّزع. (ر: النهاية ٢/٥٩، ٦٠) . ٣ أخرجه الحاكم ٢/٦٢١، وعنه البيهقي في الدلائل ٦/٢٣٩، عن العباس محمّد بن يعقوب عن إبراهيم بن سليمان عن ضرار بن صرد عن عائذ بن حبيب عن عبد الله المزني عن عبد الرحمن بن أبي بكر ، فذكره. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". وتعقبه الذهبي بقوله: "فيه ضرار، وهو واهٍ". اهـ. وذكره الحافظ في الإصابة ٢/٢٩، وقال: "في إسناده نظر، وفيه ضرار بن صرد هو منسوب للرفض". اهـ. قلت: ضرار بن صرد التيمي، صدوق له أوهام. وخطئ ورمي بالتشيع. (: التقريب ١/٣٧٤) . ٤ متى ٢١/١٩، ٢٠، مرقص ١١/١٣، ١٤. ٥ مُحَلَّم بن جَثَّامة الليثي، أخو الصعب بن جثامة، قال ابن عبد البر: يقال: إنه الذي قتل عامر بن الأضبط، وقيل: إنه غير الذي قتل، وأنه نزل حمص، ومات بها أيام ابن الزبير، ويقال: إنه الذي مات في حياة النبي ﷺ ودفن فلفظته الأرض، قال الحافظ: جزم بالأوّل ابن السكن. (ر: الاستيعاب ٤/١٤٦١، الإصابة ٦/٤٩) . ٦ ملخص قصة محلم بن جثّامة أنه كان في سرية بعثها رسول الله ﷺ فقتل رجلًا سَلَّم عليهم بتحية الإسلام وقد كانت بين محلم والرجل عداوة قديمة، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فدعا عليه فقال: "اللهم لا تغفر لمحلم بن جثامة" ثلاثًا. وقد أخرجها أحمد في المسند ٥/١١٢، ٦/١٠، ١١، وأبو داود ٤/١٧١، وابن عبد البر في الاستيعاب ٤/١٤٦٢، والبيهقي في الدلائل ٦/٣٠٦، كلهم من طريق ابن إسحاق. (ر: السيرة٤/٣٦٤-٣٦٦)، قال: حدّثني محمّد بن جعفر بن الزبير عن زياد بن سعد بن ضمير السلمي وكاناشهداحنينًا مع النبي ﷺ، قال:..، فذكره في سياق طويل. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد٧/١١، وقال:"رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات". وأما خبر موت محلم ولفظ الأرض جثته - ثلاث مرات - ثم جعلوه بين صدين ورضموه بالحجارة، فقد أخرجه ابن ماجه، (ر: صحيح ابن ماجه ٢/٣٤٧، ٣٤٨، للألباني)، عن عمران بن حصين ﵁، في سياق طويل. وقد حَسَّن الشيخ الألباني الحديث لتعدد طرقه. وله شاهد من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أخرجه ابن جرير في تفسيره ٥/٢٢٢، من طريق ابن إسحاق عن نافع عنه. وشاهد آخر من حديث قبيصة بن ذؤيب ﵁ أخرجه البيهقي في الدلائل (٤/٣١٠)، من طريق ابن إسحاق. وأخرجه ابن إسحاق. (ر: السيرة ٤/٣٦٦)، والبيهقي في الدلائل ٤/٣١٠، عن الحسن البصري مرسلًا.
[ ٢ / ٧٩٧ ]
وجحد رجل١ بيع فرس وهي التي شهد بها خزيمة٢.
فقال: اللهم إن كان كاذبًا فلا تبارك له فيها. فأصبحت من ليلتها على ثلاث قوائم٣.
_________________
(١) ١ هو: سواء بن الحارث المحاربي، ذكره الخطيب البغدادي في الأسماء المبهمة ص ١٢٠، والحافظ في الإصابة ٣/١٤٧، في قصة جحده بيع فرسه للنبي ﷺ. ٢ هو: الصحابي الجليل المعروف خزيمة بن ثابت الأنصاري الأوسي ثم الخطمي، ذو الشهادتين، له ثمانية وثلاثون حديثًا. أما حديث شهادة خزيمة لبيع النبي ﷺ للفرس فهو حديث صحيح، أخرجه أبو داود ٣/٣٠٨، والنسائي في كتاب البيوع، (ر: صحيح النسائي ٣/٩٦١ للألباني)، والحاكم٢/١٧، ١٨، عن عمارة بن خزيمة عن عمه ﵁ ، فذكره في سياق طويل. وقال الحاكم: "حديث صحيح الإسناد ورجاله ثقات باتفاق الشيخين"، ووافقه الذهبي والألباني. ٣ ورد في الشفا ١/٦٣٥، كالآتي: "فأصبحت شاصية برجلها، أي: رافعة". وقال الخفاجي في نسيم الرياض ٣/١٣٠: "المراد أن رجلها مرفوعة والإسناد مجازي، وارتفاع رجلها كناية عن أنها مات وانتفخ بطنها حتى صارت رجلها مرفوعة كما يشاهد في الجيف بعد أيام". اهـ. قلت: لم أجد فيما اطلعت عليه في تخريج الحديث من أن النبي ﷺ دعا على تلك الفرس سوى ما ذكره القاضي عياض في الشفا، غير أن الحافظ ابن حجر نقل في الإصابة ٣/١٤٧ خبرًا ينقض ما ذكره القاضي عياض في الشفا، والمؤلِّف، فقال الحافظ في ترجمة سواء بن الحارث: "روى ابن شاهين وابن منده من وجه آخر عن زيد بن الحباب عن محمّد بن زرارة عن المطلب بن عبد الله، قال: قلت لبني الحارث بن سواء: "أبوكم الذي جحد بيعة رسول الله ﷺ؟ فقالوا: لا تقل ذلك، فلقد أعطاه بكرة وقال: إن الله سيبارك لك فيها، فما أصبحنا نسوق سارحًا ولا نازحًا إلاّ منها". اهـ. وسكت عنه الحافظ.
[ ٢ / ٧٩٨ ]
٥٠- ومن معجزاته ﷺ انقلاب الأعيان له، روى الفِرَبْري١ عن البخاري بإسناده عن أنس بن مالك: أن أهل المدينة فزعوا مرة فركب رسول الله ﷺ فرسًا لأبي٢ طلحة كان به قطاف٣ فكان بطيئًا فلمارجع ﵇ قال: إناوجدناه لَبَحرًا٤ فكان بعد لا يحارى"٥.
_________________
(١) ١ هو: محمّد بن يوسف بن مطر. أبو عبد الله الفربري، أوثق من روى (صحيح البخاري) عن مصنفه، سمعه منه مرتين، الأولى سنة ٢٤٨هـ، والثانية سنة ٢٥٢هـ، ورواه عنه كثيرون. توفي سنة ٣٢٠هـ. (ر: مقدمة فتح الباري ٤٩١، الأعلام ٧/١٤٨) . ٢ هو: زيد بن سهل الأنصاري، زوج أم أنس - ﵃ -، الصحابي المعروف له خمسة وعشرون حديثًا. ٣ القِطاف: تقارب الخطو في سرعة. من القطف. وهو القطع. والمراد أنه كان بطئ المشي، واسم الفرس (المندوب)، سمي بذلك من الندب، وهو الرهن عند السباق. وقيل: لندب كان في جسمه، وهو أثر الجرح. (ر: النهاية ٤/٨٤، فتح الباري ٥/٢٤١) . ٤ أي: واسع الجري. وسمي البحر بحرًا لسعته. وقال الأصمعي: يقال للفرس بحر إذا كان واسع الجري، أو لأن جريه لا ينفد كما لا ينفد البحر. (ر: النهاية (١/٩٩)، وفتح الباري ٥/٢٤١) . ٥ أخرجه البخاري في كتاب الهبة باب (٣٣) . (ر: فتح الباري ٥/٢٤٠)، ومسلم ٤/١٨٠٢، والإمام أحمد ٣/١٤٧، ١٨٥، ٢٦١، ٢٧١، والترمذي ٤/١٧١، ١٧٢، وابن ماجه (ر: صحيح ابن ماجه ٢/١٢٤)، وأبو نعيم في الدلائل ص ٤٣٩، والبيهقي في الدلائل ٦/١٥٣، عن أنس بن مالك ﵁، كلهم بألفاظ متقاربة.
[ ٢ / ٧٩٩ ]
وخفق فرسا لُجَعيل الأشجعي١ بمخفقة٢ كانت في يده وبرك٣ عليها فلم يملك رأسها نشاطًا وباع من باطنها باثني عشر ألفًا٤.
وركب حمارًا قطوفًا٥ / (٢/١٦١/أ) لسعد بن عبادة فَرَدَّ هِمْلاجا٦لا يساير٧.
وكانت شعرات من شعره ﷺ في قلنسوة٨ خالد بن الوليد، فلم يشهد بها قتالًا إلاّ رزق النصر٩.
_________________
(١) ١ جعيل بن زيد الأشجعي، وقيل: ابن ضمرة، وقيل: فيه أيضًا جعال. وقد غزا مع رسول الله ﷺ، وله حديث واحد. (ر: الاستيعاب ١/٢٤٦، الإصابة ١/٢٥٠) . ٢ مخفقة: الدِّرة: السوط. (ر: النهاية ٢/٥٦) . ٣ أي: دعا لها بالبركة. ٤ أخرجه الطبراني في الكبير ٥/٢٣٥، والبيهقي في الدلائل ٦/١٥٣، كلاهما من طريق محمّد بن عبد الله الرقاشي عن رافع بن سلمة بن زياد عن عبد الله بن أبي الجعد الأشجعي عن جعيل الأشجعي ﵁، قال غزوت مع النبي ﷺ ، الحديث. وفيه دعاء الرسول ﷺ للفرس: "اللهم بارك له فيها". وتابع الرقاشي عليه زيد بن الحباب عن رافع، أخرجه البيهقي في الدلائل ٦/١٤٥. وذكره ابن عبد البر في الاستيعاب ١/٢٤٦، وقال: "حديث حسن". وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/٢٦٥، ٢٦٦، وقال: "رواه الطبراني، ورجاله ثقات". وأورده الحافظ في الإصابة ١/٢٥٠، وقال: روى حديثه النسائي بسند صحيح. ٥ القِطاف: تقارب الخطو في سرعة. من القَطْف، وهو القطع. (النهاية ٤/٨٤) . ٦ الهِمْلاج: فارسي معرَّب، أي: سريع الهرولة. (ر: القاموس ص ٢٦٩) . ٧ أخرجه ابن سعد في الطبقات ١/١٧٦، مرسلًا عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، قال: زار رسول الله ﷺ سعدًا ، فذكره بنحوه. قلت: إسحاق بن عبد الله الأنصاري، ثقة. من الرابعة مات سنة ١٣٢هـ. (ر: التقريب ١/٥٩) . وله شاهد من حديث عصمة بن مالك الخطمي ﵁، أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/١١٠، وقال: "رواه الطبراني وفيه الفضل بن المختار، وهو ضعيف". اهـ. ٨ قَلَنْسُوة وقَلَنْسية: إذا فتحت ضممت السين، وإذا ضممت كسرتها، تلبس في الرأس، جمعها: قلانس. (ر: القاموس ص ٧٣١) . ٩ أخرجه الحاكم ٢/٢٩٩، وعنه البيهقي ٦/٢٤٩، وأبو نعيم ص ٤٤٤، كلاهما في الدلائل، كلهم عن سعيد بن منصور عن هشيم عن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه أن خالد بن الوليد فقد قلنسوة له يوم اليرموك. فقال: اطلبوها. ثم طلبوها فوجدوها فإذا هي قلنسوة له خَلِقَة. فقال خالد: اعتمر رسول الله ﷺ فحلق رأسه فابتدر الناس جوانب شعره فسبقتهم إلى ناصية فجعلتها في هذه القلنسوة فلم أشهد قتالًا وهي معي إلاّ رزقت النصر". قال الذهبي: إسناده منقطع. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٣٥٢، وقال: "رواه الطبراني وأبو يعلى بنحوه ورجالهما رجال الصحيح، وجعفر سمع من جماعة من الصحابة فلا أدري سمع من خالد أم لا؟ ".
[ ٢ / ٨٠٠ ]
وفي الصحيح عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما أنها أخرجت جبة طيالسة١ وقالت: "كان رسول الله ﷺ يلبسها"، فنحن نغسلها للمرض يستشفى بها٢.
وكانت قصعته ﵇ عند بعض العلماء وكان يجعل فيها الماء للمرضى فيستشفون٣ ببركتها٤.
وأخذ جهجاه الغفاري٥ القضيب٦ من يد عثمان ليكسره على ركبته فصاح الناس به فأخذته الأكلة٧ فقطعها ومات بها قبلالحول٨.
_________________
(١) ١ الطَّيْلَس: هو: الأسود، أي: جبة سوداء. وهي كلمة أعجمية معربة أصلها: تالسان. (ر: القاموس ص ٧١٤) . ٢ أخرجه مسلم ٣/١٦٤١، وأحمد في المسند ٦/٢٤٧، ٣٥٣، وأبو داود ٤/٤٩، مختصرًا، وابن ماجه. (ر: صحيح ابن ماجه ٢/٢٨٠ للألباني) . ٣ في ص: (فيشفون)، والمثبت من م. ٤ ورد النّصّ في الشفا ١/٦٣٨، كالآتي: "وحدّثنا القاضي أبو عليّ عن شيخه أبي القاسم بن المأمون، قال: كانت عندنا قصعة من قصاع النبي ﷺ فكنا نجعل فيها الماء للمرضى فيستشفون بها". اهـ. قال الخفاجي في نسيم الرياض ٣/١٣٤: "عن شيخه أبي القاسم بن المأمون بن محمّد هشام الرعيني السبتي المعروف بابن المأمون الإمام المشهور". اهـ. ٥ جهجاه بن سعيد، وقيل: ابن قيس، وقيل: ابن مسعود الغفاري، شهد بيعة الرضوان بالحديبية ومات بعد عثمان بأقل من سنة رضي الله تعالى عنهما. وله حديث واحد. (ر: الاستيعاب ١/٢٦٩، الإصابة ١/٢٦٥) . ٦ القضيب؛ هو: عصا النبي ﷺ التي كان الخلفاء يتداولونها. ٧ الأَكِلة: داء في العضو يُؤْتَكل منه، أي: الحكة. (ر: القاموس ص ١٢٤٣) . ٨ ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب ١/٢٦٩، وقال الحافظ في الإصابة ١/٢٦٥: "روى البارودي (وأبو نعيم في الدلائل ص ٥٨١) من طريق الوليد بن مسلم عن مالك وغيره عن نافع عن ابن عمر قال: ، فذكره. ورواه ابن السكن من طريق سليمان بن بلال وعبد الله بن إدريس عن عبيد اله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مثله. ورواه من طريق فليح بن سليمان عن عمته عن أبيها وعمّها أنهما حضرا عثمان قال: فقام إليه جهجاه بن سعيد الغفاري حتى أخذ القضيب من يده فوضعها على ركبته فكسرها فصاح به الناس، ونزل عثمان فدخل داره، ورمى الله الغفاري في ركبته فلم يحل عليه الحول حتى مات. ورويناه في المحامليات من طريق حماد بن زيد عن يزيد بن حازم عن سليمان بن يسار أن جهجاه ، نحو الأوّل". اهـ. قلت: إسناده صحيح. والله أعلم.
[ ٢ / ٨٠١ ]
وسكب من فضل وضوئه في بئر قباء فما نزفت بعد١.
ومرّ على بئر فسأل عنه فقيل: اسمه (بيسان)، وماؤه ملح، فقال ﵇: "بل هو (نعمان) ماؤه طيب"، فصار كذلك"٢.
وكان لأم٣ مالك عُكَّة تهدي فيها للنبي سمنًا فكانت أبدًا تجدها مملوءة سمنًا فكانت تقيم بإدامهم٤.
وغرس لسلمان الفارسي ثلاثمائة ودية٥ فلم يمت منها / (٢/١٦١/ب) واحدة، وأطعمت من عامها خلًا واحدة غرسها غيره فلم تطعم فنَزعها ثم وضعها فلحقت بأخواتها، وقصة سلمان مشهورة.
وأعطاه نذرًا٦ من الذهب، وقال: أَدِّه فيما٧ عليك، فقال: أين يقع هذا
_________________
(١) ١ أخرجه ابن سعد ١/٥٠٥، عن الواقدي عن سعيد بن محمّد عن سعيد بن رقيش عن أنس رضي الله تعالى عنهما قال: ، فذكره. وفيه أن اسم البئر (بئر غرس) . وله تابع أخرجه البيهقي في الدلائل ٦/١٣٦، من طريق إبراهيم بن طهمان عن يحيى بن سعيد عن أنس ﵁. قلت: فإسناده صحيح. والله أعلم. ٢ ذكره السيوطي في الخصائص١/٤٦١، وقال:"أخرج الزبير بن بكار، قال: ثني إبراهيم ابن حمزة بن إبراهيم بن بسطاس عن محمّد بن إبراهيم بن الحارث، قال: ، فذكره. قلت: إسناده منقطع. فإن محمّد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، أبو عبد الله المدني ثقة، له أفراد، من الرابعة. (روايتهم عن كبار التابعين)، مات سنة ١٢٠هـ. (ر: التقريب ٢/١٤٠) . ٣ هي: أم مالك بنت أُبي بن مالك الأنصارية الخزرجية، أخت عبد الله بن أبي بن سلول، ذكرها ابن سعد، وقال: أسلمت وبايعت وأمها سلمى بنت مطرف بن الحارث الأوسية، وتزوج أم مالك رافع بن العجلان، لها حديث واحد. (ر: الاستيعاب ٤/١٩٥٦، والإصابة ٢٧٧، ٢٧٨) . ٤ أخرجه مسلم ٤/١٧٨٤، وعنه البيهقي في الدلائل ٦/١١٤، عن جابر ﵁ في سياق طويل. وأخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ٥٥٩، بإسناده من طريق يحيى بن جعدة عن جدته أم مالك ﵂. ٥ الوَدِيُّ - بتشديد الياء -: صغار النخل. الواحدة: وَدِيَّة. (ر: النهاية ٥/١٧٠) . ٦ في م: (قدرا) . ٧ في: الذهب فيها.
[ ٢ / ٨٠٢ ]
فيما عليّ يا رسول الله؟ فأخذه ﵇ فَقَلَّبه على لسانه فوفَّى منه أربعين أوقية كانت عليه وبقي منه له مثل ذلك١.
قال حنش٢ بن عقيل: شرب رسول الله ﷺ [سويقا] ٣ وسقاني فَضْلَه، وما برحت أجد شبعًا وريًا وبردًا٤.
وصلى معه قتادة٥ بن نعمان العشاء الآخرة في ليلة مظلمة فأعطاهعرجونًا، وقال: انطلق فإنه سيضيء لك من بين يديك عشرًا ومن خلفك عشرًا. فأضاء له العرجون حتى دخل بيبته٦.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد في المسند ٥/٤٤١-٤٤٤، ابن سعد ١/١٨٤، ٤/٧٥، وأبو نعيم في الدلائل ص ٢٥٨-٢٦٤، والطبراني في الكبير ٦/٢٢٢-٢٢٦، والبيهقي في الدلائل ٢/٩٢-٩٧، كلهم من طريق ابن إسحاق. (ر: السيرة ١/٢٧٣-٢٨٢) . قال: حدّثني عاصم بن عمرة بن قتادة الأنصاري عن محمود بن لبيد عن ابن عباس عن سلمان الفارسي - ﵃ -، قال:..، فذكره في سياق طويل جدًا. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٣٣٥-٣٤٠، وقال: "رواه أحمد والطبراني ورجاله رجال الصحيح غير محمّد بن إسحاق وقد صرح بالسماع". قلت: وهو كما قال الهيثمي. فإسناده متصل صحيح. ٢ حَنَش - بفتحتين ثم شين معجمة -: ابن عَقيل - بفتح أوّله -، أحد بني نغيلة من مليك، أخي غفار، دعاه النبي ﷺ إلى الإسلام فأسلم، وتوفي في خلافة عمر رضي الله تعالى عنهما. (ر: الإصابة ٢/٤٢) . ٣ في ص، م (سويق) والصواب ما أثبتّه. ٤ ذكره ابن حجر في ترجمته في الإصابة ٢/٤٢، وقال: "له حديث طويل ذكره ابن الأثير بغير عزو، وعزاه ابن فتحون في الذيل لقاسم فوجدته في الدلائل له من طريق موسى بن عقبة عن المسور بن مخرمة - وذكر خبرًا طويلًا ملخصه: أنهم خرجوا حجاجًا مع عمر بن الخطاب ﵁ حتى إذا كانوا بالعَرْج إذا هاتف بالطريق: قفوا. فوقفوا ثم استفسرهم الهاتف عن أشياء ثم سأله عمر قال: فمن أنت؟ قال: أنا الحنش ابن عقيل أحد بني نغيلة بن مليك لقيني رسول الله ﷺ على ردهة بني جعال فدعاني إلى الإسلام فأسلمت فسقاني فضلة سويق فما زلت أجد ريها إذا عطشت وشبعها إذا جعت "، اهـ. ملخصًا. ٥ هو: قتادة بن العنمان الأوسي الظفري الصحابي المعروف، له سبعة أحاديث. ٦ أخرجه أحمد في المسند٣/٦٥، في سياق طويل، وأبو نعيم في الدلائل ص٥٦٢، كلاهما من طريق سعيد بن الحارث عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري ﵁. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٣٢١، وقال: "رواه أحمد والطبراني والبزار ورجال أحمد رجال الصحيح".
[ ٢ / ٨٠٣ ]
ودفع لعكاشة١ بن محصن جذل٢ حطب حين انكسر سيفه، وقال: اضرب به. فعاد في يده سيفًا صارمًا طويلًا أبيض شديد المتن وذلك في يوم بدر فقاتل به وشهد المشاهد إلى أن استشهد في قتال الردة وكان يسمى: "العون"٣.
هاتان الآيتان تجريان مجرى انقلاب العصا حية صلوات الله على سيّدنا محمّد وسلامه / (٢/١٦٢/أ) ودفع لعبد الله٤ بن جحش يوم أحدوقد ذهب سيفه عسيب٥ نخل فرجع في يده سيفًا٦.
_________________
(١) ١ هو: عكاشة بن محصن الأسدي، الصحابي المعروف. ٢ الجِذْل: بالكسر والفتح: أصل الشجرة يقطع، وقد يجعل جذلًا. (ر: النهاية ١/٢٥١) . ٣ أخرجه ابن إسحاق معلقًا. (ر: السيرة ٢/٣٢٦)، وعنه البيهقي في الدلائل٣/٩٨، ٩٩، وأخرجه الواقدي في مغازيه ١/٩٣، وعنه البيهقي في الدلائل ٣/٩٩، عن عمر ابن عثمان الجحشي عن أبيه عن عمته، قالت: قال عكاشة: ، فذكره. وأخرجه ابن سعد ١/١٨٨، عن عليّ بن محمّد عن أبي معشر عن زيد بن أسلم ويزيد بن رومان وإسحاق بن عبد الله بن أبي قروة وغيرهم ، فذكره مرسلًا. وذكره الذهبي في المغازي ص ١٠٠، ١٠١، وابن عبد البر في الدرر ص ١٠٨. ٤ هو: عبد الله بن جحش بن رياب الأسدي، أحد السابقين إلى الإسلام، استشهد بغزوة أحد. ٥ عسيب: أي: جريدة من النخل، وهي: السَّعفة مما لا ينبت عليه الخوص. (ر: النهاية ٣/٢٣٤) . ٦ ذكره ابن عبد البرّ في الاستيعاب ٣/٨٧٩، والحافظ ابن حجر في الإصابة ٤/٤٦، وابن كثير في البداية ٤/٤٢، قالوا: ذكر الزبير في الموفقيات أن عبد الله بن جحش انقطع سيفه يوم أحد فأعطاه رسول الله ﷺ عرجونًا. فصار في يده سيفًا وكان يسمى العرجون. وقال: وقد بقي هذا السيف حتى بيع من بغا الكبير بمائتي دينار. وأخرجه البيهقي في الدلائل ٣/٢٥٠، من طريق سعيد بن عبد الرحمن الجحشي عن أشياخه: "أن عبد الله، فذكره.
[ ٢ / ٨٠٤ ]
٥١- ومن معجزاته ﷺ بركة يده في إمرارها على ضروع الشياة الحوَائل١ فتدر ألبانها كفعله في شاة٢ أم٣ معبد. وشاة٤ معاوية٥بن ثور، وشاة٦ أنس،
_________________
(١) ١ الحوائل: جمع حائلة، أي: غير حالمة. والشاة العديمة اللبن. (ر: النهاية ١/٤٦٣) . ٢ خبر شاة أم معبد أخرجه الحاكم ٣/٩، وأبو نعيم ص ٣٣٧، والبيهقي ١/٢٧٧، كلاهما في الدلائل كلهم من طريق حزام بن هشام عن أبيه عن جده حبيش بن خالد صاحب رسول الله ﷺ، قال: فذكره في سياق طويل. وعزاه السيوطي في الخصائص ١/٣٠٩، أيضًا إلى البغوي وابن شاهين وابن السكن وابن منده والطبراني. اهـ. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه - ثم ذكر بعض الأدلة على صحته وصدق رواته - ". ووافقه الذهبي. وله شاهد من حديث أبي بكر الصديق ﵁، أخرجه البيهقي في الدلائل ٢/٤٩١، ٤٩٢، وشاهد آخر من حديث أبي معبد الخزاعي ﵁ أخرجه ابن سعد ١/٢٣٠. ٣ أم معبد، هي: عاتكة بنت خالد الخزاعية ﵂، صحابية مشهورة بكنيتها، لها حديثان. (ر: الاستيعاب ٤/٤٩٥، الإصابة ٨/٢١٨، ٢٨٢) . ٤ خبر شاة معاوية، ذكره الحافظ في الإصابة١/١٦١، ٦/١١٠، والسيوطي في الخصائص ٢/٤٦، وقال: أخرجه ابن سعد (١/٣٠٤)، وابن شاهين وثابت في الدلائل من طريق الجعدبن عبد الله بن ماعز البكائي عن أبيه، قال: وفد معاوية بن ثور على النبي ﷺ فذكره-وفيه-: وأعطاه ﷺ فأعنْزًا عفرًا وبرك عليهن، قال الجعد: فالسنة ربما أصابت بني البكاء ولا تصيبهم. وقال محمّد بن بشر بن معاوية في ذلك شعرًا جاء فيه: وأبي الذي مسح النّبيّ برأسه ودعا له بالخير والبركات أعطاه أحمد إذا أتاه أعنْزًا عفرًا نواجل لن باللجبات يملأن وفد الحي كلّ عشية ويعود ذلك الملأ بالغدوات ٥ هو: معاوية بن ثور بن عبادة بن البكاء العامري البكائي، وفد على النّبيّ ﷺ وكتب له كتابًا ووهب له من صدقه عامة معونة له، ومسح على رأس ابنه بشر ودعا له. (ر: الاسيتعاب ٤/١٤١٣، الإصابة ١/١٦١، ٦/١١٠) . ٦ حديث شاة أنس ﵁ لم يخرجه السيوطي. (ر: المناهل ص ١٤١)، وقال الخفاجي في نسيم الرياض ٣/١٤٣، (وشاة أنس) قصتها كقصة شام أم معبد، إلاّ أن الشراح لم يذكروها. اهـ.
[ ٢ / ٨٠٥ ]
وغنم حليمة مرضعته وشارفها١، وشاة عبد الله بن مسعود وكانت لم يَنْزُ عليها فحل٢، وشاة المقداد٣. وكلّ ذلك مستفيض عند أهل العلم والحديث.
٥٢- ومن معجزاته ﷺ تحويل الماء لبنًا وهو أعجب من تحويل الماء خمرًا وزيتًا كما حكى أهل الكتاب عن كتابي٤ الإنجيل٥ وسفر الملوك٦.
قال حماد٧ بن سلمة: "زود رسول الله ﷺ أصحابه سقاء من ماءبعد أن
_________________
(١) ١ أخرجه ابن حبان. (ر: الموارد ص ٥١٢)، وأبو نعيم في الدلائل ص ١٥٥-١٥٧، والطبراني في الكبير ٢٤/٢١٢-٢١٥، والبيهقي في الدلائل ١/١٣٣، ١٣٤، كلهم من طريق ابن إسحاق. (ر: السيرة ١/٢١٤-٢١٨)، قال: حدثني جهم بن أبي جهم عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، قال: حدثت عن حليمة بنت الحارث أم رسول الله التي أرضعته، قال:، فذكرته في سياق طويل جدًا. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٢٢٣، ٢٢٤، وقال: "رواه أبو يعلى والطبراني ورجالهما ثقات. وعزاه السيوطي أيضًا إلى ابن راهويه وابن عساكر، وقال: أخرجه أبو يعلى والطبراني وغيرهما، بسند حسن". (ر: الخصائص١/٩١-٩٣، والمناهل ص١٤٢) . ٢ أخرجه الإمام أحمد في المسند ١/٤٦٢، وابن سعد ١/١٥٦، ١٥٧، ١٨٤، وأبو نعيم في الدلائل ص ٣٢٩، والبيهقي في الدلائل ٦/٨٤، كلهم من طريق عاصم عن زر عن ابن مسعود ﵁ قال:..، فذكره. قال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح. (ر: المسند رقم: ٤٤١٢) . ٣ أخرجه مسلم٣/١٦٢٥، ١٦٢٦، والبيهقي في الدلائل٦/٨٥، ٨٦، عن المقداد ﵁ ، في سياق طويل. ٤ في ص: (آيتي)، والمثبت من م. ٥ تحويل الماء خمراص ورد في إنجيل يوحنا ٢/١-١١. ٦ تحويل الماء زيتًا كانت معجزة للنبي المسيح ﵇ وقد ورد ذكرها في سفر الملوك الثاني ٤/١-٧. ٧ حمدا بن سلمة بن دينار البصري، الربعي بالولاء، أبو سلمة، مفتي البصرة، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، تغير حفظه بآخره. مات سنة ١٦٧هـ. (سير أعلام النبلاء ٧/٤٤٤، التهذيب ٣/١١، الأعلام ٢/٢٧٢) .
[ ٢ / ٨٠٦ ]
أوكاه ودعا فيه فلما حضرتهم الصلاة نزلوا فَحَلُّوه فوجدوه لبنًا طيبًا وفي فمه زبدة"١. وهذا أنزل من تحويل الماء دمًا كما فعل موسى بمصر.
٥٣- ومسح ﵇ بيده المباركة رأس عمير٢ بن سعد وبرك فعاش ثمانين سنة لم يشب رأسه٣.
وكل ذلك ببركة يد رسول الله ﷺ / (٢/١٦٢/ب) وفعل ذلك بغير واحد من المسلمين
_________________
(١) ١ قال السيوطي في المناهل ص ١٤٢: "أخرجه ابن سعد (في الطبقات ١/١٧٢) عن سالم بن أبي الجعد مرسلًا". قلت: سالم بن أبي الجعد الغطفاني، ثقة، وكان يرسل كثيرًا، من الثالثة، مات سنة سبع أو ثمان وتسعين وقيل مائة. (ر: التقريب ١/٢٧٩) . ٢ هو: عمير بن سعد عبيد الأنصاري الأوسي كان يقال له: نسيج وحده واستعمله عمر على حمص، مات في خلافة عمر، وقيل: في خلافة عثمان. ولم يذكر الحافظ في ترجمته أن النبي ﷺ مسح على رأسه. (ر: الاستيعاب ٣/١٢١٥، الإصابة ٥/٣٢) . والظاهر أن من وقعت له هذه المعجزة هو: عبادة بن سعد بن عثمان الزرقي ﵁، وليس عميرًا - كما ورد عند المؤلِّف وفي الشفا ١/٦٤٤ -. وقد صرح بذلك القاري في شرحه للشفا ٣/١٤٤، والخفاجي في نسيم الرياض ٣/١٤٥. وقال السيوطي في المناهل ص ١٤٢: "أخرجه الزيبر بن بكار في أخبار المدينة عن محمّد بن عبد الرحمن بن سعد، وسماه عبادة لا عمير". اهـ. ٣ ذكره الحافظ في الإصابة ٣/٨١، وقال: "روى الزبير بين بكار في أخبار المدينة من طريق محمّد بن عبد عبادة يسقي، فلم يعرفه عبادة ثم جاء سعد فوصفه له فقال: ذلك رسول الله الْحِق به. فلحقه فمسح رأسه ودعا له، يقال: مات وهو ابن ثمانين سنة وما شاب".اهـ. ثم أشار الحافظ إلى هذه المعجزة في ترجمة عبادة الزرقي ٤/٢٩.
[ ٢ / ٨٠٧ ]
منهم السائب١ بن يزيد ومدلوك٢، ومسح على بطن عتبة٣ بن فرقد وظهره فكان يوجد له طيب يغلب طيب نسائه٤
_________________
(١) ١ هو: السائب بن يزيد بن سعيد، وقال: عائد بن الأسود أو الأزدي، ويعرف بابن أخت النمر، له ولأبيه صحبة، وكان العلاء الحضرمي خاله، استعمله عمر على سوق المدينة ومات سنة ٨٢هـ،. وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة - ﵃ -. (ر: الإصابة ٣/٦٢) . وقصته ذكرها السيوطي في الخصائص ٢/١٣٨، وقال: "أخرج ابنُ سعد وابن منده والبغوي والبيهقي (في الدلائل ٦/٢٠٩)، وابن عساكر عن عطاء مولى السائب بن يزيد، قال: كان رأس السائب أسود الهامة إلى مقدم رأسه وكان سائره أبيض فقلت: يا مولاي ما رأيت أحد أعجب شعرًا منك! قال: وما تدري يا بني لم ذلك؟! إن رسول الله ﷺ مَرَّ بِيَ وأنا مع الصبيان، فقال: من أنت؟ قلت: السائب بن يزيد. فمسح بيده على رأسي، وقال: بارك الله فيه. فهو لا يشيب أبدًا". اهـ. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٤١٢، بنحوه وقال: "رواه الطبراني في الصغير والأوسط والكبير، ورجال الكبير رجال الصحيح غير عطاء مولى السائب، وهو ثقة، ورجال الصغير، والأوسط ثقات". اهـ. وقد أخرج البخاري في كتاب الوضوء باب (٤٠) . (ر: ١/٢٩٦)، ومسلم ٤/١٨٢٣)، عن السائب قال: "ذهبَت بيَ خالتي إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن ابن أختي وَقِع، فمسح رأسي دعا لي بالبركة، ثم توضأ "، الحديث. اهـ. ٢ مدلوك الفزاري، مولاهم، أبو سفيان، قال ابن أبي حاتم: له صحبة وذكره ابن سعد فيمن نزل الشام من الصحابة. (ر: الجرح والتعديل ٨/٤٢٧)، وقال الحافظ في الإصابة ٦/٧٥، أخرج البخاري في التاريخ الكبير (٤/٢/٥٥)، وابن سعد والبغوي والطبراني من طريق مطر بن علاء الفزاري حدثتني عمتي آمنة أو أمية بنت أبي الشعثاء وقطبة مولاة لنا قالتا: سمعنا أبا سفيان - زاد البغوي في روايته مدلوكًا - يقول: ذهب بيَ مولاي إلى النبي ﷺ فأسلمت، فدعا لي بالبركة ومسح رأسي بيده، قالت: فكان مقدم رأس أبي سفيان أسود ما مسه النبي ﷺ وسائره أبيض. وأخرج ابن منده وأبو نعيم من وجه آخر عن مطر". اهـ. وعزاه السيوطي أيضًا في الخصائص ٢/١٣٨، إلى ابن منده وابن السكن وابن عساكر والبيهقي في الدلائل ٦/٢١٥، من طريق مطر بن علاء به. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد٩/٤١٢،وقال:"رواه الطبراني وفيه من لم أعرفهم". ٣ عتبة بن فرقد بن يربوع السلمي، أبو عبد الله، شهد خيبر وقُسِم له منها، ولاه عمر في الفتوح، ففتح الموصل سنة ١٨هـ، وكان في أذربَيجان ثم نزل الكوفة ومات بها. (ر: الاستيعاب ٣/١٠٢٩، الإصابة ٤/٢١٦) . ٤ أخرجه البيهقي في الدلائل٦/٢١٦،الطبراني في الصغيروالكبير. (ر: الإصابة ٤/٢١٦)، عن حصين بن عبد الرحمن عن أم عاصم امرأة عتبة بن فرقد، قالت: ، فذكرته. وذكره السيوطي في الخصائص ٢/١٤١، وقال: "أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط بسند جيد".
[ ٢ / ٨٠٨ ]
وجرح عائذ١ بن عمرو يوم حنين٢ فسلت الدم عن وجهه ودعا له فكانت له غرة كغرة الفرس ببركة يدنبي الله صلى الله عليه وسلم٣.
ومسح على رأس قيس٤ بن زيد الجُذامي ودعا له فعاش مائة سنة ورأسه أبيض وموضع كفّ النّبيّ ﷺ وما مرت عليه يد رسول الله ﷺ أسود غربيب، فكان يدعى الأغر٥.
_________________
(١) ١ عائذ بن عمرو بن هلال المزني ﵁، أبو هبيرة، كان ممن بايع تحت الشجرة سكن البصرة، ومات في إمارة ابن زياد، له ثمانية أحاديث. (ر: الاستيعاب ٢/٧٩٩، الإصابة ٤/٢١) . ٢ من الغزوات المشهورة، وكانت في السنة العاشرة من الهجرة، وحنين تصغير حين، وهو واد من أودية مكّة، يقع شرقها بقرابة ثلاثين كيلًا، يسمى اليوم بـ: (وادي الشرائع) . (ر: معجم المعالم الجغرافية ص ١٠٧، للبلادي) . ٣ أخرجه الحاكم ٣/٥٨٧، ٥٨٨، والطبراني في الكبير ١٨/٢٠، من طريق حشرج بن عبد الله بن حشرج عن أبيه عن جده، قال: قال عائذ بن عمرو ، وذكر الحديث. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٤١٥، قال: "رواه الطبراني وفيه من لم أعرفهم، وعزاه السيوطي في الخصائص ١/٤٤٩، ٤٥٠، أيضًا إلى أبي نعيم وابن عساكر بالإسناد السابق. وعَقَّب الذهبي على الحاكم بقوله: "سمعه زيد بن الحريش منه (أي: من حشرج بن عبد الله) وإسناده فيه مجهولان". اهـ. ولم يبيّن من هما المجهولان. قلت: المجهول الأوّل، هو: حشرج بن عائذ بن عمرو المزني، قال عنه أبو حاتم الزاري: لا يعرف. (ر: الجرح والتديل ٣/٢٩٥، ٢٩٦) . والثاني: هو: عبد الله بن حشرج بن عائذ، قال عنه أبو حاتم الزاري: لا يعرف. (ر: الجرح والتعديل ٥/٤٠) . ٤ قيس بن زيد بن حباب الجذامي ﵁، والد نائل بن قيس الشامي، ويقال له: قيس الأغر، ذكره ابن السكن والبخاري وابن حبان والبغوي في الصحابة، ووقع لابن أبي حاتم أن قيس الجذامي ليست له صحبة، وقد ذكره ابن سعد في طبقة أهل الفتح. وقال: "كان سيدًا عقد له النبيّ ﷺ على قومه لما وفد عليه". (ر: الجرح والتعديل ٧/٩٨، التجريد ٢/٢٦، الإصابة ٥/٢٥٢، ٢٥٣، التقريب ٢/١٣٠) . ٥ لم يخرجه السيوطي في المناهل ص ١٤٣. قلت: ذكر الحافظ في الإصابة ٥/٢٥٢، في سياق طويل، وقال: "أخرجه ابن منده وأبو عليّ ابن السكن باختصار كلاهما من طريق أبي الحسن أحمد بن عمير بن حوصاء الحافظ عن منصور بن الوليد بن سلمة بن يحيى عن الطفيل بن قيس بن الجذامي عن أبيه أنه وفد على رسول الله ﷺ " الحديث. بتصرف. وسكت الحافظ عن الخبر ولم يتكلم فيه.
[ ٢ / ٨٠٩ ]
وكذلك فعل بعمرو بن ثعلبة الجهني١، ومسح على وجه رجل من
المسلمين فكان لا يزال على وجهه نور٢، وكان لوجه قتادة٣ بن ملحانبريق حتى كان ينظر في وجهه كما ينظر في المرآة لأنه ﷺ مسح بيده على وجهه٤.
ووضع يده ﵇ على رأس حنظلة٥ بن حذيم وبرك عليه،
_________________
(١) ١ أخرجه البيهقي في الدلائل ٦/٢١٦، من طريق أبي الوضاح بن سلمة الجهني عن أبيه عن عمرو بن ثعلبة الجهني. وذكره الحافظ في ترجمة عمرو بن ثعلبة الجهني ثم الزهري. (ر: الإصابة ٤/٢٨٨)، قال: "قال السكن: له صحبة، وروى البغوي وابن السكن وابن منده من طريق الوضاح بن سلمة الجهني عن أبيه عن عمرو بن ثعلبة قال: لقيت رسول الله ﷺ بالسيالة فأسلمت، فمسح على وجهي فمات عمرو بن ثعلبة من مائة سنة وما شابت منه شعرة. وقال ابن منده: لا يعرف إلاّ من هذا الوجه. قال ابن حجر: وفي إسناده من لا يعرف وقد خلطه ابن منده بالذي قبله فوهم. (يقصد عمرو بن ثعلبة ابن وهب الأنصاري". اهـ. ٢ قال القاري في شرحه للشفا ٣/١٤٦: "قال الحلبي: هذا الآخر لا أعرفه. وقال الدلجي: لعله خزيمة بن سواء بن الحارث، إذ روى ابن سعد عن وجه السعدي أنه ﷺ مسح فصارت له غرة بيضاء". اهـ. قلت: أخرج المدائني عن رجاله أن أسيد بن أبي إناس مسح رسول الله ﷺ وجهه وألقى يده على صدره، فكان أسيد يدخل البيت المظلم فيضيء، وأخرجه أيضًا ابن عساكر. (ر: الخصائص ٢/١٤٢، للسيوطي) . ٣ قتادة بن ملحان القيسي ﵁، قال البخاري وابن حبان: له صحبة يعد في البصريين، له حديثان. (ر: الجرح والتعديل ٧/١٣٢، الإصابة ٥/٢٢٩) . ٤ أخرجه الإمام أحمد في المسند ٥/٢٨، ٨١، وعنه البيهقي في الدلائل ٦/٢١٧، عن عارم ويحيى بن معين وهريم بن عبد الأعلى كلهم عن معتمر بن سليمان عن أبيه عن أبي العلاء بن عمير الحريري، قال: كنت عند قتادة بن ملحان حين حضر، فمر رجل في أقصى الدار، قال: فأبصرته في وجه قتادة، قال: وكنت إذا رأيته كأن على وجهه الدهان. قال: وكان رسول الله ﷺ مسح على وجهه". اهـ. ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٣٢٢، وقال: "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح". وهو كما قال الهيثم. اهـ. وذكره الحافظ في الإصابة ٥/٢٢٩، وعزاه لابن شاهين من طريق سليمان اليتمي عن حيان بن عمرو قال:، فذكره. ٥ حنظلة بن حذيم بن حنيفة التميمي ﵁، ويقال الأسدي والمالكي، له ولأبيه وجده صحبة. له ثلاثة أحاديث. (ر: الجرح والتعديل ٣/٢٣٩، الإصابة ٢/٤٢، ٤٣) .
[ ٢ / ٨١٠ ]
فكان حنظلة يؤتى بالرجل قد ورم وجهه وبالشاة قد ورم ضرعها فيضعه على موضع كف رسول الله ﷺ فيذهب الورم ويجد الشفاء١.
ونضح وجه / (٢/١٦٣/أ) زينب٢ بنت أم سلمة بماء، فما يعرف كان في وجه امرأة من الجمال ما في وجهها٣.
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في المسند ٥/٦٧، في سياق طويل، والبيهقي في الدلائل ٦/٢١٤، مختصرًا كلاهما من طريق الذيال بن عبيد بن حنظلة بن حذيم بن حنيفة، قال: سمعت جدي حنظلة يحدّث أبي وأعمامه ، وذكر الحديث. ونقله الحافظ عن الإمام أحمد في ترجمة حنظلة بن حذيم. (ر: الإصابة ٢/٤٣) . ثم قال: رواه الحسن بن سفيان في مسنده من وجه آخر عن الذيال، ورواه الطبراني بطوله منقطعًا، ورواه أبو يعلى من هذا الوجه وليس بتمامه، وكذا رواه يعقوب بن سفيان والمنجنيقي في مسنده وغيرهما. اهـ. ملخصًا. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٤١١، وقال: "رواه الطبراني في الأوسط والكبير بنحوه وأحمد في حديث طويل ورجال أحمد ثقات". ٢ زينب بنت أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومية ﵂ ربيبة رسول الله ﷺ، أمها أم سلمة بنت أبي أمية، يقال: ولدت بأرض الحبشة، وكان اسمها (برة) فغيره النبيّ ﷺ، تزوجها عبد الله بن زمعة الأسدي، وكانت من فقهاء المدينة، وذكرها ابن سعد فيمن لم يرو عن النبي ﷺ شيئًا وروى عن أزواجه، ولها سبعة أحاديث. (ر: الاستيعاب ٤/١٨٥٤-١٨٥٦، الإصابة ٨/٩٦) . ٣ ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب ٤/١٨٥٥، بدون إسناد، وذكره الحافظ في الإصابة ٨/٩٦، قال: "وروينا في القطعيات من طريق عطاف بن خالد عن آمنة عن زينب بنت أبي سلمة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل يغتسل تقول أمي: ادخلي عليه، فإذا دخلت نضح في وجهي من الماء ويقول: ارجعي، قالت: فرأيت زينب وهي عجوز كبيرة ما نقص من وجهها شيء - وفي رواية ذكرها أبو عمر - فلم يزل ماء الشباب في وجهها حتى كبرت وعمرت". اهـ. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد٩/٢٦٢،وقال:"رواه الطبراني وأم عطاف لم أعرفها".
[ ٢ / ٨١١ ]
ومسح على رأس صبي به عاهة فبرأ واستوى شعره١، وفعل ذلك بجماعة من المجانين والمرضى فشفوا وصحوا.
قال المؤلِّف: وعند هذه الآية صح قول أشعيا النبي حيث يقول متنبئًا على محمّد رسول الله ﷺ: "روح الرّبّ عليّ من أجل هذا مسحني وأرسلني، لأنذر العميان بالنظر والمأسورين بالتخلية، وأبشّر بالسنة المقبولة"٢. فقد أنذر العميان وأطلق الأسارى من أيدي ملوك مثل كسرى وغيره، وكانت العرب في أسارهم يؤدون لهم الأتاوة والخراج، وبشر بالسنة المقبولة ﷺ، وأطلق المجانين من أيدي الشياطين.
_________________
(١) ١ قال القاري في شرحه للشفا ٣/١٤٧: "لا يعرف من رواه بهذا اللفظ إلاّ أن أبا نعيم روى عن الوازع أنه انطلق إلى رسول الله ﷺ بابن له مجنون فمسح وجهه ودعا له، فلم يكن في الوفد أحد بعد دعوته له أعقل منه، وروى مثله في خبر المهلب بن قَبالة، وروى هُلْب بن قُنَافَة كذا ذكره أبو عمر، وقيل: هو الصواب ولعلهما قصتان لرجلين، وقال الطبري: هو المهلب بن يزيد بن عدي الطائي، وفد على رسول الله ﷺ وهو أقرع فمسح على رأسه فنبت شعره فسمي الهلب". اهـ. وقال السيوطي في المناهل ص ١٤٤: "أخرجه أبو نعيم عن الوازع إنه انطلق إلى الحديث" اهـ. قلت: المناسب لسياق الكلام أن يكون المراد بقصة الحديث المذكور هو: الهلب الطائي، فقد ذكره الحافظ في الإصابة ٦/٢٩١، في ترجمته، فقال: قال ابن دريد: أتى النبي ﷺ رجل أقرع فمسح على رأسه فنبت شعره فسمي الهلب، والأهلب: الكثير الشعر، والهُلب، وهو يزيد ابن قُنَافَة، وقال ابن الكلبي: ويقول الشاعر: كان وما في رأسه شعرة فأصبح الأقرع وافي الكشير ٢ سفر أشعيا ٦١/١، ٢.
[ ٢ / ٨١٢ ]
وأتاه رجل به أَدْرَة فأمره ﵇ أن ينضحها بماء من عين كان رسول الله ﷺ يمج فيها، فذهب الرجل وفعل ذلك فشفي من إدرته١.
قال المؤلِّف - عفا الله عنه - هذا أعجب من قول المسيح لنعمان الأبرص: اذهب إلى عين كذا وانغمس فيها / (٢/١٦٣/ب) سبع مرات فبرئ٢، وألطف من قول موسى لأخته مريم وقد تبرصت: اخرجي عن عسكرنا وابعدي عنه سبعة أيام. حتى عوفيت٣.
وأعظم من آية الإنجيل التي حكوها في صاحبة٤ النَّزيف.
وعن طاوس٥ قال: لم يؤت النّبيّ ﷺ بأحد به جنون فصك في صدره إلاّ ذهب الجنون عنه٦.
_________________
(١) ١ لم يخرجه السيوطي. (ر: المناهل ص ١٤٤)، وقال القاري في شرحه للشفا ٣/١٤٨: "قال الدلجي: لا أعلم من رواه، وقال الخفاجي في نسيم الرياض ٣/١٤٨: هذا الحديث لم يخرجوه". اهـ. قلت: قال ابن الأثير في النهاية ١/٣١، في مادة (أدر): فيه الحديث: "أن رجلًا أتاه وبه أدرة، فقال ﷺ: أئتِ بعُس، فحسا منه ثم مجه فيه وقال: انتضح به فذهبت عنه". الأُدرة - بالضم -: نفخة في الخيصة. يقال: رجل أدر بَيِّنُ الأَدَر - بفتح الهمزة والدال - وهي التي يسميها الناس القيلة". اهـ. وأخرج ابن سعد في الطبقات ١/٥٠٥، عن الواقدي عن أُبَي بن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه، قال: "سمت عدة من أصحاب النبي ﷺ فيهم أبو أسيد وأبو حميد وأبو سهل بن سعد، يقولون: أتى رسول الله ﷺ بئر بضاعة فتوضأ في الدلو ورده في البئر ومج في الدلو مرة أخرى وبصق فيها وشرب من مائها، وكان إذا مرض المريض في عهد يقول: اغسلوه من ماء بضاعة، فيغسل فكأنما حلّ من عقال". اهـ. ٢ سفر الملوك الثاني ٥/٢٠-٢٧. ٣ سفر العدد ١٢/١-١٥. ٤ متى ٩/١٨-٢٦، مرقس ٥/٢١-٤٣، لوقا ٨/٤٠-٥٦. ٥ طاووس بن كيسان الخولاني الهمداني بالولاء، أبو عبد الرحمن، يقال: اسمه ذكوان، وطاووس لقب، من أكابر التابعين، ثقة فقيه، فاضل، أصله من الفرس ومولده ونشأته باليمن، مات سنة ١٠٦هـ. وقيل: بعد ذلك. (ر: سير أعلام النبلاء ٥/٣٨، التهذيب ٥/٨، الإعلام ٣/٢٢٤) . ٦ لم يخرجه السيوطي. (ر: المناهل ص ١٤٤)، وقال القاري في شرحه ٣/١٤٨: "كذا وقفه المصنف على طاوس، ولم يعلم من رواه من المخرجين". اهـ. وبنحو ذلك ذكره الخفاجي في نسيم الرياض ٣/١٤٨.
[ ٢ / ٨١٣ ]
قال المؤلِّف: هذا ألطف مما فعل المسيح إذ ما خرج الجني من الصبي الذي كلمه أبوه فيه حتى صرع الصبي ولبطه وكاد١ أن يموت٢، وهذا طاوس يخبر أنه بمجرد مسّ رسول الله ﷺ صدر المجنون فيذهب جنونه.
وأخذ ﵇ قبضة من تراب يوم حنين ورمى بها وجوه الكفار وقال: "شاهت الوجوه". وانهزموا يمسحون التراب عن أعينهم٣.
وشكى إليه أبو هريرة النسيان وقلة الحفظ فأمره ببسط ثوبه والنبي يحدّث فلما حدّثه ضَمَّ الثوب إلى صدره، قال أبو هريرة: فما نسيت شيئًا سمعته بعد٤.
وكان جرير٥ بن عبد الله لا يثبت على الخيل فضرب رسول الله ﷺ / (٢/١٦٤/أ) صدره ودعا له فكان أثبت العرب وأفرسهم٦.
_________________
(١) ١ في م: كان. ٢ متى ١٧/١٤-٢١، مرقس ٩/١٤-٢٩، لوقا ٩/٣٧-٤٣. ٣ أخرجه مسلم ٣/١٣٨٩، والبيهقي في الدلائل ٥/١٣٧-١٣٩، عن العباس بن عبد المطلب ﵁، في سياق طويل، وأخرجه مسلم ٣/١٤٠٢، والبيهقي ٥/١٤٠، عن سلمة بن الأكوع ﵁، وأخرجه أحمد في المسند ٥/٢٧٦، والبيهقي ٥/١٤٣، عن أبي عبد الرحمن الفهري ﵁. ٤ أخرجه البخاري في كتاب العلم باب (٤٢) . (ر: فتح الباري ١/٢١٥) . وفي كتاب المناقب باب (٢٥) . (ر: فتح الباري ٦/٦٣٣)، ومسلم ٤/١٩٣٩-١٩٤١، والترمذي في ٥/٦٤٢، عن أبي هريرة ﵁. قلت: أجمع أهل الحديث على أن أبا هريرة أكثر الصحابة حديثًا. فله من الأحاديث خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثًا، بتكرار الأسانيد، أما المتون فلا تتجاوز ألفي حديث. وقد كان ذلك بهذه المعجزة العظيمة. (ر: مقدمة مسند بقية بن مخلد، الإصابة ٧/٣٠١) . ٥ هو: جرير بن عبد الله بن جبر بن مالك البجلي ﵁، أبو عمر، الصحابي المشهور، له مائة حديث. ٦ أخرجه البخاري في كتاب الجهاد باب (١٥٤) . (ر: فتح الباري ٦/١٥٤)، ومسلم ٤/١٩٢٥، ١٩٢٦، وأحمد في المسند ٤/٣٦٢، وفي فضائل الصحابة ٢/٨٩١، عن جرير ﵁.
[ ٢ / ٨١٤ ]
ومسح رأس عبد الرحمن١ بن زيد بن الخطاب وكان دميمًا ودعا له فَفَرع الرجال تمامًاوطُولًا٢.
٥٤- ومِن آياته ﵇ اطلاعه على الغيوب، وإعلام الله له بما يكون قبل كونه.
قال العلماء والأئمة: "وهذه المعجزة من جملة معجزاته معلومة لنا على القطع واصلة إلينا بتواتر النقل لكثرة رواتها واتفاق معانيها".
قال حذيفة: "قام فينا رسول الله ﷺ مقامًا فما ترك شيئًا يكون إلى أن تقوم الساعة إلاّ حدّثنا به، حفظه مَنْ حفظه، ونسيه مَنْ نسيَه، وقد علم٣ أصحابي هؤلاء أنه ليكون مني الشيء، فأعرفه فأذكره كما يذكر الرجل وجهًا إذا غاب عنه ثم إذا رآه عرفه"٤.
ثم قال حذيفة: " [واللهِ] ٥ ما أدري أنسيَ أصحابي أم تناسوه، والله ما ترك
_________________
(١) ١ عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب القرشي، أُمُّه لبابة الأنصارية، ولد سنة خمس فيما قيل، وقال مصعب: كان له عند موت النبي ﷺ ست سنين. زَوَّجه عمر ابنته فاطمة، ولاّه يزيد بن معاوية إمرة مكّة. ومات في ولاية عبد الله بن الزبير. (ر: الإصابة٥/٧٠) . ٢ أورده الحافظ في الأصابة ٥/٧٠، وقال: "قال الزبير: حدّثني إبراهيم بن محمّد بن عبد العزيز، قال: ولد عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب فكان ألطف مَنْ وُلِد، فأخذه جده أبو لبابة في خرقة فأحضره عند النبي ﷺ وقال: ما رأيت مولودًا أصغر خلقة منه، فحنكه رسول الله ﷺ ومسح رأسه ودعا له بالبركة، قال: فما رؤي عبد الرحمن في قوم إلاّ فرعهم طُولًا". قلت: قوله: "أَلْطَفُ مَنْ ولد"، أي: أصغر المولودين وأدقّهم جسمًا وضعفًا. (ر: النهاية ٤/٢٥١) . ٣ في م: علمه. ٤ أخرجه البخاري في كتاب القدر باب (٤) . (ر: فتح الباري ١١/٤٩٤)، ومسلم ٤/٢٢١٧، والبيهقي في الدلائل ٦/٣١٢، ٣١٣، عن حذيفة ﵁. ٥ الإضافة من سنن أبي داود.
[ ٢ / ٨١٥ ]
رسول الله ﷺ من قائد فتنة إلى أن تنقضي١ الدنيا يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدًا إلاّ قد سمّاه لنا باسمه واسم أبيه وقبيلته٢. (/ (٢/١٦٤/ب) .
وقال أبو ذرّ: "لقد تركنا رسول الله ﷺ وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلاّ ذَكَّرنا منه علمًا"٣.
وقد خرج أهل الصحيح والأئمة ما أعلم به رسول الله ﷺ أصحابه من الظهور على أعدائه وفتح مكّة٤ وبيت المقدس٥ واليمن والشام
_________________
(١) ١ في م: تقضي. ٢ قال السيوطي في المناهل ص ١٤٥: "الحديث من أفراد أبي داود، وظاهر صنع المؤلِّف أنه تتمة الحديث الأوّل بإسناده، وليس كذلك. وإنما أخرجه منفصلًا بسند آخر من طريق ابن قبيصة بن ذؤيب عن أبيه عن حذيفة. اهـ. قلت: أخرجه أبوداود٤/٩٥،عن محمّدبن يحيى بن فارس عن ابن أبي مريم عن ابن فروخ عن أسامة بن زيد عن ابن لقبيصة بن ذؤيب عن أبيه عن حذيفة ﵁ ، فذكره. وفي إسناده: عبد الله بن فروخ الخراساني أو اليماني، صدوق يغلط. وقال عنه البخاري: يعرف وينكر. (ر: التهذيب٥/٣١١، والتقريب١/٤٤٠، والكامل ٤/١٩٩، لابن عدي) . وفيه أسامة بن زيد الليثي، صدوق يهم. (ر: التقريب ١/٥٣) . ٣ أخرجه الإمام أحمد في المسند ٥/١٥٣، ١٦٢، من طريق الأعمش عن منذر عن أشياخ من التيم قالوا: قال أبو ذرّ: ، فذكره. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٢٦٦، قال: "رواه أحمد والطبراني وزاد: - فقال النبي ﷺ: (ما بقي شيء يُقرِّب من الجنة ويباعد من النار إلاّ وقد بيّن لكم) . ورجال الطبراني رجال الصحيح، غير محمّد بن عبد الله بن يزيد المقري وهو ثقة، وفي إسناد أحمد من لم يسم". اهـ. ثم ذكر الهيثمي للحديث شاهدًا عن أبي الدّرداء ﵁، وقال: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح". اهـ. وقال السيوطي في المناهل ص١٤٥: "أخرجه أحمد والطبراني بسندصحيح، وأخرجه أبويعلى والطبراني وابن منيع عن أبي الدرداء أيضًا".اهـ. (ر: الخصائص٢/١٨٤) . ٤ أخرجه البخاري في كتاب المغازي باب (٣٥) . (ر: فتح الباري ٧/٤٥٢)، وفي كتاب التفسير، تفسير سورة الفتح. (ر: فتح الباري ٨/٥٨٣)، ومسلم ٣/١٤١١-١٤١٣، والبيهقي في الدلائل ٤/١٥٤-١٦٠، عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود وسهل بن حنيف وغيرهم - ﵃ -. ٥ أخرجه البخاري في كتاب الجزية باب (٥) . (ر: فتح الباري ٦/٢٧٧)، والبيهقي في الدلائل ٦/٣٢١، عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁.
[ ٢ / ٨١٦ ]
واليمن١. وظهور الأمن حتى تظعن المرأة من الحيرة٢ إلى مكّة لا تخاف إلاّ الله٣. وأنّ المدينة سَتُغزى٤. وتفتح خيبر على يد عليّ فيغد يومه٥، وأخبرهم بما يفتح الله على يدي أمته من الدنيا وما يؤتون من زهرتها٦.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب فضائل المدينة باب (٥) . (ر: فتح الباري ٤/٩٠)، ومسلم ٢/١٠٠٨،١٠٠٩،والبيهقي في الدلائل٦/٣٢٠،عن سفيان بن أبي زهيرالنميري ﵁. ٢ الحيرة: مدينة بين النجف والكوفة بالعراق. (ر: المعالم الأثيرة في السنة والسيرة ص ١٠٥، محمّد شراب) . ٣ أخرجه البخاري في كتاب المناقب باب (٢٥) . (ر: فتح الباري ٦/٦١٠)، وأحمد في المسند ٤/٢٥٧، ٢٧٨، وأبو نعيم ص ٥٤١، والبيهقي ٦/٣٢٣، كلاهما في الدلائل عن عدي بن حاتم ﵁ في سياق طويل. ٤ أخرجه البخاري في كتاب فضائل المدينة، باب (٥) . (ر: فتح الباري ٤/٨٩)، ومسلم ٢/١٠١٠. وقال السيوطي في المناهل ص ١٤٦: "أخرجه الشيخان عن أبي هريرة ﵁، بلفظ: "تتركون المدينة على خير ما كانت لا يغشاها إلاّ العوافي". (تنبيه): هذا الأمر لم يقع بعد كما اختاره النووي وغيره أن ذلك إنما يقع قرب الساعة، وزعم المصنف في شرح مسلم أنه وقع، فلذا ذكره فيما أخبره به فوقع كما أخبر". اهـ. ٥ أخرجه البخاري في كتاب المغازي. (ر: فتح الباري ٧/٤٧٦)، ومسلم ٣/١٤٤١، ٤/١٨٧١، ١٨٧٢، والبيهقي في الدلائل ٤/٢٠٥-٢١١، عن سلمة بن الأكوع وسهل بن سعد - ﵃ -. ٦ أخرجه البخاري في كتاب الجزية، باب. (ر: فتح الباري ٦/٢٥٧)، ومسلم ٤/٢٠٩٨، وأحمد في المسند ٤/١٣٧، والبيهقي في الدلائل ٦/٣١٩، عن عمرو بن عوف ﵁. وفيه قال رسول الله ﷺ: "فأبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما أخشى عليكم الفقر، ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها فتلهيكم كما أَلْهَتْهُم". وأخرجه البخاري في كتاب الزكاة. (ر: فتح الباري ٣/٣٢٧)، ومسلم ٢/٧٢٨، ٧٢٩، عن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح على عليكم من زهرة الدنيا وزينتها ". الحديث.
[ ٢ / ٨١٧ ]
وقسمتهم كنوز كسرى وقيصر١. وأنه ستكون لهأنماط٢. ويغدو أحدهم في حلة ويروح في أخرى وتوضع بين يديه صحفة وترفع أخرى ويسترون بيوتهم كما تستر الكعبة٣. وأنهم سيمشون المطيطاء٤ وتخدمهم بنات فارس والروم ويقاتلهم الترك والخزر والروم٥.ويقاتلهم الترك والخزر والروم٦.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب المناقب باب (٢٥) . (ر: فتح الباري ٦/٦٢٥)، ومسلم ٤/٢٢٣٧، والترمذي ٤/٤٣١، وأحمد في المسند ٢/٢٣٣، وأبو نعيم في الدلائل ص ٥٤٣، والبيهقي في الدلائل ٦/٣٢٤، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفس محمّد بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله". ٢ الأنماط: هي: نوع من البسط له خَمْل رقيق، واحدها: نمط. (ر: النهاية ٥/١١٩) . والحديث أخرجه البخاري في كتاب المناقب باب (٢٥) . (ر: فتح الباري ٦/٦٢٩)، ومسلم ٣/١٦٥٠، ١٦٥١، والبيهقي في الدلائل ٦/٢١٩، ٣٢٠، عن جابر ﵁، قال: قال لي رسول الله ﷺ: "هل لك من أنماط؟ "، قلت: يا رسول الله وأنَّى؟ فقال: "إنها ستكون لكم أنماط ". الحديث. ٣ أخرجه الإمام أحمد في مسنده٤/٤٨٧،والحاكم٣/١٥،والبيهقي في الدلائل٦/٥٢٤، كلهم من طريق داود بن أبي هند عن أبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي عن طلحة البصري ﵁، قال: ، فذكره في سياق طويل. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". وقال الذهبي: "صحيح سمعه جماعة من داود". ٤ المُطَيْطَاء - بالمدّ والقصر -: مشية فيها تبختر ومَدُّ اليدين، يقال: مَطَوْت ومَطَطْتُ، بمعنى: مددت. وهي من المصغرات التي لم يستعمل لها مكبر. (ر: النهاية ٤/٣٤٠) . ٥ أخرجه الترمذي ٤/٤٥٦، والعقيلي في الضعفاء ٤/١٦٢، والبيهقي في الدلائل ٥/٥٢٥، كلهم من طريق موسى بن عبيده عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵁، قال: ، الحديث. قال الترمذي: "هذا حديث غريب". وقد رواه أبو معاوية عن يحيى ابن سعيد الأنصاري عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ فذكر نحوه. (وأخرجه بهذا الطريق أبو نعيم في الدلائل ص ٥٣٩) . ولا يعرف لحديث أبي معاوية عن يحيى بن سعيد أصل، إنما المعروف حديث موسى بن عبيدة، وقد روى مالك بن أنس هذا الحديث عن يحيى بن سعيد مرسلًا ولم يذكر فيه عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر". اهـ. قلت: له شاهد من حديث أبي هريرة ﵁، ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/١٤٠، وقال: "رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن". ٦ أخرجه البخاري في كتاب المناقب باب (٢٥) . (ر: فتح الباري ٦/٦٠٤)، ومسلم ٤/٢٢٣٣، ٢٢٣٤، والإمام أحمد في مسنده ٢/٢٣٣، والترمذي ٤/٤٣٠، وأبو نعيم في الدلائل ص ٥٤٣، والبيهقي في الدلائل ٦/٢٣٦، عن أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٨١٨ ]
وأخبرهم بذهاب كسرى وفارس١ حتى لا كسرى ولا فارس بعده. وذهاب قيصر حتى لا قيصر بعده٢.
وأخبرهم أن الروم ذوات قرون إلى آخر الدهر٣.
وأخبرهم بذهاب الأمثل / (٢/١٦٥/أ) فالأمثل من الناس٤،وقبض العلم وظهور الفتن والهرج٥. وقال: "إنه زويت له الأرض فأري مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمته ما زوي له منها"٦.
فلهذا امتدت مملكة أمته - صلوات الله عليه وسلامه - من المشارق إلى المغارب كما ترى، حتى بلغت من أقصى الهند إلى بحر طنجة حيث لا عمارة وراءه.
_________________
(١) ١ قال السيوطي في المناهل ص ١٤٨، وفي الخصائص ٢/١٩٣: "أخرجه الحارث بن أبي سلمة عن ابن مُحَيْريز مرفوعًا: "فارس نطحة أو نطحتان ثم لا فارس بعد هذا، والروم ذوات القرون كلما هلك قرن خلفه قرن". قلت: الخبر مرسل، فإن عبد الله بن محيريز الجمحي ثقة من الثالثة. (ر: التهذيب ١/٤٤٩) . ٢ تقدم تخريجه. (ر: ص: ٨١٨) . التعليق رقم: (١) . ٣ أخرجه مسلم ٤/٢٢٢٢، بنحوه عن المستورد القرشي ﵁، عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تقوم الساعة والروم أكثر الناس". قال الخفاجي في نسيم الرياض ٣/١٥٦: "ذات القرون - بالتعريف - جمع قرن، وهم الجماعة في عصر واحد، أي: كلما مضى قرن خلفه قرن وقوم يملك ملكهم منهم. وقيل: المراد بهم قرون شعورهم التي كانوا يطولونها ويعرفون بها للإشارة إلى طول هممهم". اهـ. ٤ أخرجه البخاري في كتاب المغازي باب (٣٧) . (ر: فتح الباري ٧/٤٤٤)، وأحمد في المسند ٤/١٩٣، عن مرداس الأسلمي ﵁. ٥ أخرجه البخاري في كتاب الفتن ٥، ٢٥. (ر: فتح الباري ١٣/١٣)، ومسلم ٤/٢٠٥٧، ٢٢٣١، ٢٢٣٢، والترمذي ٤/٤٢٤، عن أبي هريرة وابن مسعود وأبي موسى - ﵃ -. ٦ تقدم تخريجه. (ر: ص: ٧٢٩، ٧٣٠) .
[ ٢ / ٨١٩ ]
وقال ﵇: "لا تزال طائفة من أمّتي ظاهرة على الحقّ لا يضرّهم من ناوأهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك. فقيل: يا رسول الله وأين هم يومئذٍ؟. قال: بيت المقدس" ١.
وأخبر ﵇ بملك بني أمية٢ واتّخاذهم مال الله دولًا٣.
وأخبر
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب (٢٨) . (ر: فتح الباري ٦/٦٣٢)، عن المغبرة ابن شعبة ومعاوية رضي الله تعالى عنهما، قال معاذ: "وهم بالشام". وأخرجه الإمام أحمد في المسند ٤/٣٦٩، عن معاوية ﵁، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/٢٩٠، وقال: "رواه أحمد والبزار والطبراني وأبو عبد الله الشامي ذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه أحد، وبقية رجاله رجال الصحيح". وأخرجه بنحوه عبد الله بن أحمد في مسنده ٥/٢٦٩، عن أبي أمامة ﵁. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/٢٩١، وقال: "رواه عبد الله وجادة عن خطّ أبيه والطبراني ورجاله ثقات". وقال السيوطي في المناهل ص١٥٠:"أخرجه الطراني وعبد الله بن أحمدوسنده صحيح". ٢ أخرجه الترمذي ٥/٤١٤، والحاكم ٣/١٧٠، ١٧١، وعنه البيهقي في الدلائل ٦/٥٠٩، ٥١٠، كلهم من طريق القاسم بن الفضل الحداني عن يوسف بن سعد، ويقال له يوسف بن مازن الراسبي، قال: قام رجل إلى الحسن بن علي بعد ما بايع معاوية ، فذكره بنحوه في سياق طويل. قال الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه من حديث القاسم بن الفضل، وهو ثقة، ويوسف بن سعد رجل مجهول". اهـ. ملخصًا. وقال الحاكم: "إسناده صحيح". ووافقه الذهبي. وقال: وروي عن يوسف بن قيس أيضًا وما علمت أن أحدًا تكلم فيه. والقاسم وثّقوه، روه أبو داود والتبوذكي".اهـ. قلت: يوسف بن سعد الجمحي البصري، ويقال: هو يوسف بن مازن، ثقة، من الثالثة. (ر: التهذيب ٢/٣٨٠) . ٣ أخرجه الإمام أحمد في المسند ٣/٨٠، والحاكم ٤/٤٨٠، والبيهقي في الدلائل ٦/٥٠٧، كلهم من طريق جرير عن الأعمش عن عطية عن أبي سعيد الخدري، قال: ، فذكره. وتابع الأعمش عليه مطرف بن طريف عن عطية به أخرجه الحاكم ٤/٤٨٠. قلت: إسناده ضعيف. فإن عطية بن سعد جنادة العوفي، صدوق يخطئ كثيرًا، كان شيعيًا مدلّسًا. (ر: التهذيب ٧/٢٠٠، التقريب ٢/٢٤) . لكن له شواهد يتقوى بها منها: حديث أبي ذرٍّ ﵁: أخرجه الحاكم ٤/٤٨٠، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. ومنها: حديث أبي هريرة ومعاوية وابن عباس - ﵃ -، أخرجها البيهقي في الدلائل ٦/٥٠٧.
[ ٢ / ٨٢٠ ]
بخروج بني العباس بالريات السود١ وملكهم أضعاف ما ملكوا٢.
وأخبر ﵇ بخروج المهدي٣.
وأخبرنا بما ينال أهل بيته رضوان الله عليهم أجمعين٤.
وأخبر بقتل عليّ بن
_________________
(١) ١ أخرجه ابن ماجه. (ر: ضعيف سنن ابن ماجه ص ٣٣٤)، والحاكم ٤/٤٦٣، والبيهقي في الدلائل ٦/٥١٥، كلهم في طريق سفيان الثوري عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان ﵁، مرفوعًا. قال: ، فذكره. - وفيه -: "ثم تطلع الرايات السود من المشرق ،" الحديث. قلت: في إسناده أبو قلابة، وعبد الله بن زيد الجرمي، ثقة في نفسه إلاّ أنه مدلس، وقد عنعن. (التقريب ١/٤١٧) . وقال الشيخ الألباني: ضعيف منكر. (ر: الأحاديث الضعيفة ١/١١٩، ٨٥) . ٢ أخرجه العقيلي في الضعفاء ٣/٥، من طريق عبد العزيز بن بكّار بن عبد العزيز بن أبي بكرة عن أبيه عن جده عن أبي بكر، قال: قال رسول الله ﷺ: "يلي ولد العباس من كلّ يوم يليه بنو أمية يومين ولكل شهر شهرين". وفيه: عبد العزيز بكار البكراوي فحديثه غير محفوظ، وقال الذهبي في الميزان ٢/٦٢٤: حديثه باطل. ٣ الأحاديث الواردة في المهدي وردت من طرق كثيرة جدًّا صحيحة وحسنة، أخرجها أصحاب السنن وغيرهم. فقد أخرجها الترمذي ٤/٤٣٨، ٤٣٩، وأبو داود ٤/١٠٦-١٠٩، وابن ماجه في كتاب الفتن. (ر: صحيح ابن ماجه ٢/٣٨٩)، وأحمد في المسند ٣/٢١، وابن حبان. (ر: الموارد ص ٤٦٣)، والحاكم ٤/٤٦٣-٤٦٤، والبيهقي في الدلائل ٦/٥١٤-٥١٦، عن أبي هريرة وابن مسعود وأبي سعيد الخدري وعليّ وجابر بن سمرة وأم سلمة وعائشة - ﵃ أجمعين -. راجع للتوسع كتاب: (الردّ على من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي وعقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر للشيخ عبد المحسن العباد) . ٤ ورد النص في الشفا ١/٦٥٧، كالآتي: "وما ينال أهل بيته وتقتيلهم وتشريدهم ". أخرجه الحاكم ٤/٤٦٤، عن ابن مسعود ﵁، وقال الذهبي: إنه حديث موضوع. وأخرجه الحاكم أيضًا ٤/٤٨٦ عن أبي سعيد الخدري ﵁، وقال: "حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". وخالفه الذهبي. فقال: "لا والله. وكيف؟ وإسماعيل بن رافع متروك، ثم لم يصح السند إليه".
[ ٢ / ٨٢١ ]
أبي طالب رضوان الله عليه، وأن أشقى الناس الذي يخضب لحيته الكريمة من رأسه١.
وقال ﵇: "يقتل عثمان وهو يقرأ بالمصحف"٢. وأن الله سيلبسه قميصًا وأن المنافقين/ (٢/١٦٥/ب) يريدون خلعه٣، وأنه سيقطر دمه "على قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: من الآية:١٣٧] ٤.
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٤/٢٦٣، وفي فضائل الصحابة ٢/٦٨٧، والحاكم ٣/١٤٠، ١٤١، وأبو نعيم في الدلائل ص ٥٥٢، كلهم من طريق محمّد بن إسحاق عن يزيد بن محمّد بن خيثمم المحاربي عن محمّد بن كعب القرظي عن محمّد بن خيثم عن عمار بن ياسر ﵁، قال: ، فذكر نحوه في سياق طويل. قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم". ووافقه الذهبي. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/١٣٩، وقال: "رواه أحمد والطبراني والبزار باختصار ورجال الجميع موثقون، إلاّ أن التابعي لم يسمع من عمار". قلت: إسناده حسن متصل، فقد قال الحافظ في التهذيب ٩/١٤٨: "إنه إسناد متصل، لأن محمّد بن خيثم ولد في عهد النبي ﷺ فما المانع من سماعه من عمار؟ وعند ابن منده من طريق محمّد بن سلمة عن ابن إسحاق التصريح بسماع محمّد بن كعب من ابن خيثم وسماع يزيد من محمّد بن كعب. اهـ. وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٧/٢٤٦: "محمّد بن خيثم أبو يزيد المحاربي روى عن عمار بن ياسر، ورى عنه محمّد بن كعب". اهـ. وله شاهد من حديث فضالة بن أبي فاضلة الأنصاري، أخرجه الإمام أحمد ١/١٠٢، والبيهقي في الدلائل ٦/٤٣٨، بنحوه. وذكره الهيثمي مجمع الزوائد ٩/١٤٠، وقال: "رواه البزار وأحمد بنحوه ورجاله موثقون". اهـ. ٢ أخبار الرسول ﷺ بقتل عثمان شهيدًا أخرجه البخاري في كتاب المناقب باب (٧) عن أبي موسى الأشعري وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما. (ر: فتح الباري ٧/٥٣)، ومسلم ٤/١٨٦٤، عن أبي موسى الأشعري. وقال السيوطي في المناهل ص ٥١، "أخرجه الشيخان عن أبي موسى الأشعري ﵁ بدون آخره (يقصد قوله: وهو يقرأ بالمصحف". ٣ أخرجه الإمام أحمد في المسند ٦/٧٥، ٨٦، ١١٤، ١٤٩، وفي فضائل الصحابة ١/٤٥٣، وابن ماجه، (ر: صحيح ابن ماجه ١/٢٥، للألباني)، والترمذي ٥/٥٨٧، وابن أبي عاصم في السنة ٢/٥٥٩، و٥٦٠، من طرق عن عائشة - ﵄ -، قال الترمذي: حسن غريب. وقال الألباني في ظلال الجنة: صحيح على شرط مسلم. قلت: له شاهد من حديث ابن عمر - ﵄ - أخرجه البيهقي في الدلائل ٦/٣٩٢، ٣٩٣. ٤ أخرجه الحاكم ٣/١٠٣، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وتعقبه الذهبي بقوله: كذب بحت، وفي الإسناد أحمد بن عبد الحميد الجعفي، وهو المتهم به.
[ ٢ / ٨٢٢ ]
وقال ﵇: "إن الفتن لا تظهر ما دام عمر حيًّا"١.
وأخبر ﵇ بقتال الزبير لعليّ٢.
وأخبر أن عمارًا٣ تقتله الفئة الباغية٤. وقال لعبد الله بن الزبير: "ويل للناس منك وويل لك من الناس"٥.
وقال في قزمان٦ وقد أبلى مع المسلمين: "إنه لمن أهل النار". فقتلنفسه٧.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب الفتن، باب (١٧) . (ر: فتح الباري ١٣/٤٨)، ومسلم ٤/٢٢١٨، والبيهقي في الدلائل ٦/٣٨٦، ٣٨٧، عن حذيفة ﵁. ٢ أخرجه الحاكم ٣/٣٦٧، وعنه البيهقي في الدلائل ٦/٤١٥، وابن الجوزي في العلل المتناهية ٢/٣٦٤، من طريق عبد الملك بن مسلم الرقاشي عن أبي جروة المازني. قال: "سمعت عليًّا والزبير، وعليّ يقول له: نشدتك الله يا زبير، أما سمعت رسول الله ﷺ يقول إنّك تقاتلني وأنت ظالم، قال: بلى ولكن نسيت". ونقله ابن كثير في البداية ٦/٢٤٢، وقال: "غريب. قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح". قلت: عبد الملك الرقاشي، لين الحديث. (ر: التقريب ١/٥٢٣) . ٣ هو: عمار بن ياسر العنسي ﵁، الصحابي المعروف. له اثنان وستون حديثًا. ٤ أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب (٦٣) . (ر: فتح الباري ١/٥٤١)، ومسلم ٤/٢٢٣٥، ٢٢٣٦، وأحمد في مسنده ٢/١٦١، ١٦٤، ٤/٣١٩، والترمذي ٥/٦٢٨، والبيهقي في الدلائل ٦/٤٢٠، ٤٢١، عن أبي سعيد الخدري ﵁. ٥ أخرجه الحاكم ٣/٥٥٤، من طريق موسى بن إسماعيل التبوذكي عن الهنيد بن القاسم عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه أنه أتى ، فذكره في سياق طويل. وعزاه السيوطي في الخصائص١/١١٧أيضًا إلى البزار وأبو يعلى والطبراني والحاكم والبيهقي. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٢٧٣، وقال: "رواه الطبراني والبزار باختصار ورجال البزار رجال الصحيح غير هنيد بن القاسم وهو ثقة". قلت: هنيد بن القاسم ذكره ابن أبي حاتم ٩/١٢١، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، ولم يرو عنه غير موسى بن إسماعيل التبوذكي. وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء٣/٣٦٦،وقال:"رواه أبو يعلى في مسنده وما علمت في هنيد جرحًا".اهـ. ٦ قزمان بن الحرث، حليف بن ظفر، أبو العيذاق، مات كافرًا يوم أحد. قال الذهبي: لا ينبغي أن يذكر في الصحابة. قتل يوم أحد فقال: ما أقاتل على دين. (ر: التجريد ٢/١٥، الإصابة ٥/٢٤٠، فتح الباري ٧/٤٧٢) . ٧ أخرجه البخاري في كتاب المغازي باب (٣٨) . (ر: فتح الباري ٧/٤٧١)، ومسلم ١/١٠٦، عن سهل بن سعد ﵁.
[ ٢ / ٨٢٣ ]
وقال ﵇ لجماعة فيهم أبو هريرة وسمرة١ بن جندب، وحذيفة: "آخركم موتًا في النار". فكان بعضهم يسأل بعضًا، فكان سمرة آخرهم موتًا هرم فاصطلى بالنار فاحترق٢ فيها٣.
وقال في حنظلة٤ الغسيل: "سلوا زوجته فإني رأيت الملائكة تغسله". فأخبرتهم أنه خرج للحرب جنبًا أعجله الحال على الغسل٥، قال أبو سعيد:
_________________
(١) ١ سمرة بن جندب الغزاري ﵁، الصحابي المعروف، له مائة وثلاثة وعشرون حديثًا. ٢ في م: فاغترف. ٣ أخرجه أبو نعيم ص٥٥٥،٥٥٦، والبيهقي٦/٤٥٩،كلاهما في الدلائل من طريق حماد ابن سلمة عن عليّ بن زيد عن أوس بن خالد عن أبي محذورة ﵁، قال:..، فذكره. وذكر الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٢٩٣، وقال: "رواه الطبراني، وأوس بن خالد لم يرد عنه غير عليّ بن زيد وفيهما كلام، وبقية رجاله رجال الصحيح". قلت: أوس بن خالد الحجازي، أبو خالد، مجهول. (ر: التقريب ١/٨٥) . وعليّ بن زيد بن جدعان التيمي البصري، الضعيف. (ر: التقريب ٢/٣٧) . وله شاهد لا يصّح أخرجه البيهقي في الدلائل ٦/٤٥٨، من طريق أبي نضرة عن أبي هريرة ، فذكره بنحوه. قال البيهقي: "رواته ثقات إلاّ أن أبا نضرة العبدي لم يثبت له عن أبي هريرة سماع"اهـ. وذكره الذهبي سير أعلام النبلاء ٣/١٨٤، وقال: "حديث غريب جدًا ولم يصح لأبي نضرة سماع من أبي هريرة". اهـ. وقال السيوطي في المناهل ص ١٥٣: "أخرجه الطبراني والبيهقي من طريق عن أبي هريرة موصولة ومنقطعة ومرسلة، وروى قضية احتراقه بلاغًا عن بعض أهل العلم، وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن محمّد بن سيرين أن سمرة كان أصابه كراز، وكان لا يكاد يدفأ فأمر بقدر عظيمة فملأت ماء وأوقد تحتها واتّخذ فوقها مجلسًا وكان يصل إليه بخارها فيدفئه فبينما هو كذلك إذ خسف به فاحترق". اهـ. وأخرج ابن سعد ٦/٣٤، ٧/٥٠، منقطعًا عن أبي يزيد المدني بنحوه، وذكره ابن عبد البر في الاستيعاب ٢/٥٨، ٦٥٤، والذهبي في سير أعلام النبلاء ٣/١٥٨، وقال: فهذا إن صحّ، فهو مراد النبي ﷺ يعني نار الدنيا". اهـ. ٤ هو: حنظلة بن أبي عامر بن صيفي الأنصاري الأوسي، المعروف بغسيل الملائكة استشهد في غزوة أحد ﵁. (ر: الاستيعاب ٢/٣٨٠، التجريد ١/١٤٢) . ٥ أخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ٤٨٤، ٤٨٥، والسراج في مسنده. (ر: الإصابة ٢/٤٥)، والحاكم ٣/٢٠٤، والبيهقي في الدلائل ٣/٢٤٦، كلهم من طريق ابن إسحاق. (ر: السيرة ٣/١٠٧، معلقًا) . قال: حدّثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن جدّه ﵁، قال: ، فذكره. قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه". وسكت عنه الذهبي. قلت: إسناده صحيح ورجاله ثقات. وقد صرح ابن إسحاق بالسماع. وله شاهد من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بنحوه. ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٣/٢٦، وقال: "رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن".
[ ٢ / ٨٢٤ ]
وجدنا رأسه يقطر ماء.
وقال ﵇: "الخلافة في قريش"١. فها هي لم تعدهم.
وقال: "يكون في ثقيف كذاب ومبير"٢. فكانا وهما: الحجاج٣، والمختار٤.٥.
وقال:"إن فاطمة أوّل أهل بيته لحوقًا به"./ (٢/١٦٦/أ) فكانت٦.وأنذر ﵇ بالردة٧.
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في المسند ٤/١٨٥، عن عتبة بن عبد السلمي ﵁، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/١٩٥، وقال: "رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات". وقال الألباني: "حديث صحيح". (ر: سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤/٤٤٦، صحيح الجامع ح ٣٣٤٢) . وأخرجه البخاري في كتاب الأحكام باب الأمراء من قريش. (ر: فتح الباري ١٣/١١٤)، ومسلم في كتاب الإمارة باب الخلافة في قريش ٣/١٤٥٢، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان". ٢ مبير: أي: مهلك. من البوار: الهلاك. ٣ تقدمت ترجمته. (ر: ص: ٥٦٢) . ٤ المختار بن أبي عبيدة الثقفي الكذاب، أبو إسحاق، ولد عام الهجرة، وليست له صحبة ولا رؤية وأخباره غير مرضية حكاها عنه ثقات مثل: الشعبي وغيره. خرج على بني أمية سنة ٦١هـ. وادعى النبوة وقتله مصعب بن الزبير بالكوفة سنة ٦٧هـ. (ر: سير أعلام النبلاء ٣/٥٣٨، الإصابة ٦/١٩٨-٢٠٠، البداية ٨/٢٨٩، الأعلام ٨/٧٠) . ٥ أخرجه مسلم ٤/١٩٧١، ١٩٧٢، والبيهقي في الدلائل ٦/٤٨٥، عن أسماء ﵂ في سياق طويل، - وفيه -: "أنها قالت للحجاج: أما إن رسول الله ﷺ حدّثنا "أن في ثقيف كذابًا ومبيرًا". فأما الكذاب المختار بن أبي عبيد، والمبير الحجاج ابن يوسف. ٦ أخرجه البخاري في كتاب المناقب باب (٢٥) . (ر: فتح الباري ٦/٦٢٧، ٦٢٨)، ومسلم ٤/١٩٠٥، عن عائشة ﵁. ٧ في م: (وأنذر ﵇ بالردة)، ساقطة. وأخرجه البخاري في كتاب الحدود باب (٩) . (ر: فتح الباري ١٢/٨٥)، ومسلم ١/٨٢، وأحمد في المسند ١/٢٣٠، والبيهقي في الدلائل ٦/٣٦٠، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ أنه قال: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض".
[ ٢ / ٨٢٥ ]
وقال: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكًا". فكانت كذلك بولاية الحسن رضوان الله عليه١.
وأخبر بشأن أويس٢ القرني ووصفه بحليته وأن له والدة وأنّه كان به برص فدعا الله فشفاه إلاّ موضع الدرهم، وأن عليًّا وعمر [سيلقيانه] ٣٤. فكان كل ذلك صلوات الله على سيّدنا محمّد وآله.
_________________
(١) ١ أخرج أحمد في المسند ٥/٢٢٠، والترمذي ٤/٤٣٦، وأبو داود ٤/٣١١، والحاكم ٣/١٤٥، والبيهقي عنه في الدلائل ٦/٣٤٢، كلهم من طريق سعيد بن جمهان عن سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الخلافة ثلاثون عامًا ثم يكون بعد ذلك الملكُ"، قال سفينة: أمسك خلافة أبي بكر ﵁ سنتين، وخلافة عمر ﵁ عشر سنين، وخلافة عثمان ﵁ اثني عشر سنة، وخلافة عليّ ﵁ ست سنين، - ﵃ - "، وللفظ لأحمد. قال الترمذي: "وهذا حديث حسن. قد رواه غير واحد عن سعيد بن جمهان ولا نعرفه إلاّ من حديث سعيد بن جمهان". قلت: سعيد بن جمهان الأسلمي، صدوق له أفراد، من الرابعة. (ر: التقريب ١/٢٩٢) . وقال الشيخ الألباني: حديث صحيح. (ر: سلسلة الأحاديث الصحيحة ١/٧٤٢، ح: ٤٥٩، صحيح الجامع الصغير ح: ٣٣٤١) . ٢ أويس بن عامر بن جَزْء القَرَني المرادي اليماين، الزاهد المشهور، خير التابعين مطلقًا بشهادة النبيّ ﷺ، وكان قد أسلم في عهد النبي ﷺ ولكن منعه من القدوم بره بأمه، واستشهد بصفين عام ٣٧هـ مع أصحاب عليّ ﵁. (ر: الطبقات٦/١٦١،سير أعلام النبلاء٤/١٩،والتهذيب١/٣٨٦،والإصابة١/١١٨، البداية ٦/٢٠٢) . ٣ في ص، م (سيلقياه) والصواب ما أثبتّه. ٤ أخرجه مسلم ٤/١٩٦٨، ١٩٦٩، وأحمد في المسند ١/٣٨، والبيهقي في الدلائل ٦/٣٧٥-٣٧٧، عن عمر بن الخطاب ﵁ في سياق طويل.
[ ٢ / ٨٢٦ ]
وأخبر ﵇ أنه سيكون بعد ثلاثون دجّالًا فيهم أربع نسوة وآخرهم الدّجّال الكذّاب١ وكلهم يكذّب على الله وعلى رسوله.
وقال ﵇: "خير القرون٢ قرني ثم الذين يلونهم ". الحديث٣. فكان الأمر كذلك.
وقال: "لا يأتي زمان إلاّ والذي بعده شرّ منه"٤.
_________________
(١) ١ ورد النص في الشفا ١/٤٧٩، كالآتي: "وسيكون في أمته ثلاثون كذّابًا فيهم أربع نسوة، وفي حديث آخر: ثلاثون دجّالًا كذّابًا، آخرهم الدّجّال الكذّاب كلهم يكذب على الله ورسوله". قلت: أما الحديث الأوّل: "أنه سيكون في أمته ثلاثون كذّابًا فيهم أربع نسوة"، فقد أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٥/٣٩٦، عن حذيفة ﵁ بنحوه، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/٣٣٥، وقال: "رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط والبزار ورجال البزار رجال الصحيح". وقال السيوطي في المناهل ص ١٥٥: "أخرجه أحمد والطبراني والبزار بسند صحيح عن حذيفة". أما الحديث الآخر: "ثلاثون دجّالًا كذّابًا "، فقد أخرجه البخاري عن أبي هريرة ﵁ في كتاب المناقب باب (٢٥) . (ر: فتح الباري ٦/٦١٦)، ومسلم ٤/٢٢٤٠، والترمذي ٤/٤٣٢، والبيهقي في الدلائل ٦/٤٨٠، عن جابر بن سمرة ﵁. وأخرجه الترمذي ٤/٤٣٢، عن أبي هريرة وثوبان رضي الله تعالى عنهما. ٢ القرن: أهل كلّ زمان، وهو: مقدار التوسط في أعمار أهل كلّ زمان. مأخوذ من الاقتران، وكأنه المقدار الذي يقترن فيه أهل ذلك الزمان في أعمارهم وأحوالهم، وقيل: القرن: أربعون سنة، وقيل: ثمانون، وقيل: مائة، وقيل: هو مطلق من الزمان وهو مصدر: قرن، يقرن. (ر: النهاية ٤/٥١، المصباح المنير ص ٥٠٠) . ٣ أخرجه البخاري في كتاب الشهادات باب (١٩) . (ر: فتح الباري ٥/٢٥٨، ٢٥٩)، ومسلم ٤/١٩٦٢، ١٩٦٤، والترمذي ٤/٤٣٣، والبيهقي في الدلائل ٦/٥٥٢، عن عمران بن حصين ﵁. ٤ أخرجه البخاري في كتاب الفتن باب (٦) . (ر: فتح الباري ١٣/١٩)، والترمذي ٤/٤٢٦، عن أنس ﵁.
[ ٢ / ٨٢٧ ]
وأخبر ﵇ بظهور القدرية١ والرافضة٢ والخوارج ووصفهم بصفاتهم٣ والمُخْدَج الذي فيهم٤، وأن سيماهمالتحليق٥.
_________________
(١) ١ عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ، قال: "إنه سيكون في أمتي أقوام يكذبون بالقدر "، أخرجه الترمذي ٤/٣٩٧، بنحوه، والبيهقي في الدلائل ٦/٥٤٨، قال الترمذي: "حديث صحيح غريب، وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "القدرية مجوس هذه الأمة ". الحديث. أخرجه أبو داود ٤/٢٥٢، والحاكم ١/٨٥، واللالكائي في شرح أصول ٦٣٩، وابن أبي عاصم في السنة ١٤٩، وقال الحاكم: "صحيح على شرط السيخين، إن صحّ سماع أبي حازم عن ابن عمر". ووافقه الذهبي. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/٢٠٨، وقال: "رواه الطبراني في الأوسط وفيه زكريا بن منظور وثقه أحمد بن صالح وغيره وضعّفه جماعة". وقال الألباني في الظلال ١/١٥٠: "حديث حسن، وبأن له طرقًا يتقوى بها". قلت: له شواهد، منها: حديث جابر بن عبد الله أخرجه ابن ماجه، وحسّنه الألباني. (ر: صحيح ابن ماجه ١/٢٢)، ومنها: حديث ابن عباس بلفظ مختلف ومتفق في معناه، أخرجه الترمذي ٤/٣٩٥، وقال: "حسن صحيح". ٢ عن عليّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "يكون في أمتي قوم في آخر الزمان يسمون الرافضة يرفضون الإسلام". أخرجه عبد الله في زوائده على مسند الإمام أحمد ١/١٠٣، وابن أبي عاصم في السنة ٢/٤٧٤، والبيهقي في الدلائل ٦/٥٤٧، ٥٤٨، كلهم من طريق أبي عقيل يحيى بن المتوكل عن كثير النَّواء عن إبراهيم بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عن أبيه عن جده عليّ ﵁. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/٢٥، وقال: "رواه عبد الله والبزار وفيه كثير بن إسماعيل النواء ضعيف". وقال البيهقي: "تفرد به النواء وكان من الشيعة، وروى من وجه آخر ضعيف وذكر له وجهًا آخر من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بمثله ثم قال: وروي في معناه من أوجه أخر كلها ضعيفة. والله أعلم". قلت: في إسناده أيضًا يحيى بن المتوكل وهو ضعيف. (ر: التقريب ٢/٣٥٦، وقال الشيخ الألباني: حديث ضعيف. (ر: الظلال ٤/٤٧٤) . ٣ أخرجه البخاري وغيره - مطولًا - في كتاب المناقب باب (٢٤) . (ر: فتح الباري ٦/٦١٨)، وفي كتاب استتابة المرتدين في باب (٦)، في قتل الخوارج والملحدين وفي باب (٧) باب من ترك قتال الخوارج للتآلف. (ر: فتح الباري ١٢/٢٨٢، ٢٩٠)، وأخرجه مسلم في أحاديث كثير ٢/٧٤٠-٧٥٠، وأحمد في المسند ٢/٢٩١، ٣/٢٢٤، ٥/٣٦، والترمذي ٤/٤١٧، ٤١٨، عن عليّ وأبي سعيد وأبي ذر وابن مسعود - ﵃ أحمعين -. ٤ أخرجه البخاري في كتاب المناقب عن أبي سعيد ﵁ في سياق طويل - وفيه - قوله ﷺ في ذكر الخوارج: "آيتهم إحدى يديه - أو قال: ثدييه - مثل ثدي المرأة - أو قال -: مثل البضعة تدردر ". وأخرج مسلم ٢/٧٤٧ عن عبيدة عن عليّ ﵁ قال: ذكر الجوارج فقال: "فيهم رجل مخدج اليد - أو مودن اليد أو مثدون اليد - لولا أن تبطروا لحدثتكم بما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمّد ﷺ. قال: قلت: أنت سمعته من محمّد ﷺ؟ قال: إي وربّ الكعبة: ثلاث مرات ". الخِداج: النقصان، يقال: خدجت الناقة، إذا ألقت ولدها قبل أوانه، وإن كان تام الخلق، والمخدج والمودن والمثدون كلها بمعنى، وهو: الناقص الخلق. (ر: النهاية ٢٨/١٢، فتح الباري ١٢/٣٩٥) . وقال الخطيب البغدادي: "إن اسم مخدج اليد الذي كان في جيش الخوارج هو: نافع ذو الثدية. (ر: الأسماء المبهمة ص ٣١٢) . ٥ أخرجه مسلم ٢/٧٤٥، عن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ ذكر قومًا يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس سيماهم التحالق، قال: "هم شرّ الخلق - أو من أشرّ الخلق ". الحديث. وأخرجه مسلم ٢/٧٥٠ عن سهل بن حنيف ﵁ أن النبي ﷺ قال: "يتيه قوم قبل المشرق محلقة رؤوسهم".
[ ٢ / ٨٢٨ ]
وأخبر ﵇ بأن رعاء الشاة يتطاولون في البنيان وأن الأمة تلد ربتها١، وأن قريشًا والأحزاب لا يغزونه أبدًا وهو الذي يغزوهم٢.
وأخبر ﵇ بأن أمته يغزون في البحر كالملوك على الأسرة٣.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب الإيمان باب (٣٧) . (ر: فتح الباري ١/١١٤)، ومسلم ١/١١٤، عن أبي هريرة ﵁ في سياق طويل. وأخرجه مسلم ١/٣٦ عن عمر بن الخطاب ﵁. وقد اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في معنى: "إذا ولدت الأمة رَبَّتَها"، وملخَّصها أربعة أقوال هي:
(٢) قال الخطابي: "معناه: اتساع الإسلام واستيلاء أهله على بلاد الشرك وسبي ذراريهم، فإذا ملك الرجل الجارية واستولدها، كان الولد منها بمنْزلة ربّها، لأنه ولد سيّدها"، قال النووي وغيره: إنه قول الأكثيرين.
(٣) أن تبيع السادة أمهات أولادهم ويكثر ذلك، فيتداول الملاك المستولدة حتى يشتريها ولدها ولا يشعر بذلك. وعلى هذا فالذي يكون من الأشراط غلبة الجهل بتحريهم بيع أمهات الأولاد أو الاستهانة بالأحكام الشرعية.
(٤) وهو من نمط الذي قبله، قال النووي: "لا يختص شراء الولد أمه بأمهات الأولاد، بل يتصور في غيرهن بأن تلد الأمة حرًا من غير سيّدها بوطء شبهة، أو رقيقًا بنكاح أو زنا ثم تباع الأمة في الصورتين بيعًا صحيحًا وتدور في الأيدي حتى يشتريها ابنها أو ابنتها.
(٥) أن يكثر العقوق في الأولاد، فيعامل الولد أُمَّه معاملة السيد لأمته من الإهانة بالسب والضرب والاستخدام، فأطلق عليه ربّها مجازًا لذلك. وإليه ذهب الحافظ ابن حجر. (ر: شرح النووي على مسلم ١/١٥٨، ١٥٩، فتح الباري ١/١٢٢، ١٢٣) . ٢ أخرجه البخاري في كتاب المغازي باب (٢٩) . (ر: فتح الباري ٧/٤٠٥)، والبيهقي في الدلائل ٣/٤٧٥، عن سليمان بن صرد ﵁. وأخرجه البزار. (ر: كشف الأستار ٢/٣٣٦)، عن جابر ﵁، وحسنه الحافظ ابن حجر. (ر: فتح الباري ٧/٤٠٥) . ٣ أخرجه البخاري في كتاب الجهادباب (٣) . (ر: فتح الباري٦/١٠)،ومسلم ٣/١٥١٨، ١٥١٩،والترمذي٤/١٥٣،وأبو داود٣/٦،وأبو نعيم ص ٥٥٥، والبيهقي ٦/٤٥٠، كلاهما في الدلائل وغيرهم عن أنس بن مالك ﵁ في سياق طويل - وفيه - قال النبي ﷺ: "ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا ملوكًا على الأسرة - أو مثل الملوك على الأسرة ". والشّكّ من راوي الحديث إسحاق بن عبد الله واللفظ للبخاري.
[ ٢ / ٨٢٩ ]
وأخبر / (٢/١٦٦/ب) فقال: "لو أن الدين والعلم عند الثريا لنالهرجل من فارس"١. فكان جميع ما قال وأخبر به ﷺ.
وهاجت ريح في غزاته فقال ﵇: "هاجت لموت منافق". فلما رجعوا إلى المدينة وجدوا ذلك٢.
وقال لجلسائه: "ضرس أحدكم في النار أعظم من أحد". قال أبو هريرة: فذهب القوم وبقيت أنا ورجل فقتل مرتدًا يوم اليمامة٣.
وأخبر ﵇ بالذي غَلَّ خرزًا من المغنم فوجدت في رحله٤ وبالذي
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب التفسير باب سورة الجمعة. (ر: فتح الباري ٨/٦٤١)، ومسلم ٤/١٩٧٢، والترمذي ٥/٣٨٥، والبيهقي في الدلائل ٦/٣٣٣، عن أبي هريرة ﵁ قال: "كنا جلوسًا عند النبي ﷺ فأنزلت عليه سورة الجمعة: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: من الآية٣] قال: قلت: من هم يا رسول الله؟ فلم يراجعه حتى سأل ثلاثًا - وفينا سلمان الفارسي - وضع رسول الله ﷺ يده على سلمان - ثم قال: لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال - أو رجل - من هؤلاء". ٢ أخرجه مسلم ٤/٢١٤٥، والإمام أحمد في المسند ٣/٣١٥، ٣٤١، عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قدم من سفر فلما كان قرب المدينة هاجت ريح شديدة تكاد أن تدفن الراكب، فزعم أن رسول الله ﷺ قال: "بعثت هذه الريح لموت منافق"، فلما قدم المدينة، فإذا منافق عظيم من المنافقين قد مات". وأخرجه ابن إسحاق معلقًا. (ر: السيرة ٣/٤٠٤، ٤٠٥، وعنه البيهقي في الدلائل ٤/٥٩، ٦١، وذكر أن اسم المنافق هو: رفاعة بن زيد بن التابوت أحد بني قينقاع وكان عظيمًا من عظماء يهود وكهفًا للمنافقين. ٣ ذكره السيوطي في الخصائص ٢/٢٤٦، وقال: "أخرجه الواقدي والطبراني وأبو نعيم وابن عساكر عن رافع بن خديج، قال: "، فذكره في سياق طويل. ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٢٩٣، وقال: "رواه الطبراني، وقال في (الرحّال) بالحاء المشددة، وهكذا قاله الواقدي والمدائني وتبعهما عبد الغني بن سعيد ووهم في ذلك. والأكثرون قالوا: إنه بالجيم - الدارقطني وابن ماكولا، وفي إسناد هذا الحديث الواقدي وهو ضعيف". اهـ. قلت: ذكره الحافظ في الإصابة ٢/٢٣٢، في ترجمة رجال (بالجيم) بن عنفوه الحنفي، نقلًا عن سيف بن عمرو في الفتوح عن مخلد بن قيس البجلي قال: ، فذكره، وسكت عنه الحافظ. ٤ أخرجه أحمد في المسند ٤/١١٤، وأبو داود ٣/٦٨، والنسائي ٤/٦٤، وابن ماجه، (ر: ضعيف ابن ماجه ص ٢٢٩، للألباني)، والبيهقي في الدلائل ٤/٢٥٥، كلهم من طريق يحيى بن سعيد عن محمّد بن يحيى بن حبان عن ابن أبي عمرة عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: ، فذكره. قلت: في إسناده: ابن عمرة، هو: عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري مقبول. (ر: التقريب١/٤٩٣،٢/٤٥٦)،وقال الألباني:"حديث ضعيف". (ر: أحكام الجنائز ص٧٩) .
[ ٢ / ٨٣٠ ]
غَلَّ الشملة١، وأخبر بناقته٢. وحيث هي باقية حين ضلت وكيف تعلقت بشجرة بوادي كذا فوجدت على النعت الذي ذكر٣.
وأخبر بكتاب حاطب٤ إلى أهل مكّة٥. وبالمال الذي تركه العباس عند أم الفضل٦ فكان ذلك سبب إسلامه٧.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب المغازي باب (٤٠) . (ر: فتح الباري ٧/٤٨٧)، ومسلم وأبو داود ٣/٦٨، عن أبي هريرة ﵁. وفي رواية البخاري: أن الذي غل الشملة عبد أسود اسمه: (مِدَعم) والشَّملة: هو الكسا والمئزر يتشح به، وجمعه: الشِّمال. (ر: النهاية ٢/٥٠٢) . ٢ في ص: (وأخبر بناقته) ساقطة، وأضيفت من م. ٣ أخرجه أبو نعيم ص ٥١٥، والبيهقي ٤/٥٩، كلاهما في الدلائل عن عروة بن الزبير مرسلًا. وفي الإسناد: ابن لهيعة، وهو صدوق خلط بعد احتراق كتبه. (ر: الجرح ٥/١٤٥، التقريب١/٢٤٤)،وأخرجه البيهقي في الدلائل٤/٥٩،٦٠ أيضًا عن عقبة ابن موسى مرسلًا. ٤ حاطب بن أبي بلتعة بن عمرو اللخمي ﵁، وقصته مشهورة في الصحيحين والسيرة، توفي سنة ٣٠هـ، في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنهما. له أربعة أحاديث ذكرها الحافظ في الإصابة ١/٣١٤. ٥ أخرجه البخاري في كتاب المغازي باب (٤٦) . (ر: فتح الباري ٧/٣٠٤، ٥١٩)، ومسلم ٤/١٩١٤، عن علي ﵁ في سياق طويل. ٦ أم الفضل امرأة العباس بن عبد المطلب، اسمها: لبابة بنت الحارث الهلالية أسلمت قبل الهجرة وقيل بعدها، وماتت في خلافة عثمان. ولها ثلاثون حديثًا. (ر: الإصابة ٨/٢٦٦) . ٧ أخرجه أبو نعيم ص ٤٨٢، والبيهقي ٣/٢٣٧، كلاهما في الدلائل من طريق ابن إسحاق. (ر: السيرة ٣/١٢١)، قال: حدّثني الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه، قال: ، فذكره في سياق طويل. قلت: إسناده متصل صحيح، وقد صرح ابن إسحاق بالسماع. وأخرجه ابن سعد ٢/٤٦، والبيهقي في الدلائل ٣/٢١١، ٢٥٨، عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب مرسلًا بنحوه في سياق طويل.
[ ٢ / ٨٣١ ]
وأخبر ﵇ بأنه سيقتل أُبّيّ١ بن خلف فقتله٢. وقال في عتبة بنأبي لهب: "إنه سيأكله الأسد". فأكله بعد أن حُرِس٣.
وأخبر عن مصارع أهل بدر قبل كونها فكان جميع ذلك٤.
وقال: "إن الحسن يصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين"٥.
وأخبر ﵇ بقتل أهل مؤتة٦ يوم قتلوا". وبينه وبينهم أكثر من شهر٧.
_________________
(١) ١ أحد رؤساء الكفر بمكّة ومن المؤذين للنبي ﷺ، قتله النبي ﷺ بأحد. ٢ أخرجه أحمد في المسند ١/٣٥٣، وأبو نعيم في الدلائل ص ٤٧٦، كلاهما عن محمّد ابن إسحاق. (ر: السيرة ٣/١٢١-١٢٣)، قال: حدّثني من سمع عكرمة عن ابن عباس ﵁ قال: ، فذكره في سياق طويل. وذكره الهيثمي بطوله في مجمع الزوائد ٦/٨٩، وقال: "رواه أحمد وفيه راوٍ لم سم، وبقية رجاله ثقات". وأخرجه الحاكم في المستدرك ٣/٣٢٤ عن ابن إسحاق ثنا يحيى بن عباد بن عبد الله ابن الزبير عن أبيه عن عائشة ﵂، قالت: ، فذكرته، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. وأخرجه البيهقي في الدلائل ٣/٢٥٨، ٢٥٩، عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب مرسلًا. ٣ تقدم تخريجه. (ر: ص: ٧٩٦) . ٤ أخرجه مسلم ٣/١٤٠٣، ٤/٢٢٠٣، وأبو داود ٣/٥٨، والبيهقي في الدلائل ٣/٤٦-٤٨، عن أنس بن مالك ﵁. ٥ أخرجه البخاري في كتاب المناقب باب (٢٥) . (ر: فتح الباري ٦/٦٢٨)، والإمام أحمد في المسند ٥/٤٤، ٤٩، وفي فضائل الصحابة ٢/٧٦٨، والترمذي ٥/٦٥١، وأبو داود ٤/٢١٦، والبيهقي في الدلائل ٦/٤٢٢، ٤٤٣، عن أبي بكرة ﵁ قال: "أخرج النبي ﷺ ذات يوم الحسن فصعد به على المنبر فقال: "ابني هذا سيّد، ولعلّ الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين". - واللفظ للبخاري -. ٦ مؤتة: بلدة أردنية، تقع في جنوب الكرك غير بعيدة منها. (ر: معجم المعالم الجغرافية ص ٣٠٤، للبلادي) . ٧ أخرجه البخاري في كتاب المناقب باب (٢٥) . (ر: فتح الباري ٦/٦٢٨)، وفي كتاب المغازي. (ر: فتح الباري ٧/٥١٢)، والبيهقي في الدلائل ٤/٣٦٦، ٣٦٧، عن أنس ﵁، - وفيه -: قال أنس: "فنعاهم رسول الله ﷺ إلى الناس قبل أن يجيء الخبر، قال: أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذها جعفر فأصيب ثم أخذها عبد الله ب رواحة فأصيب ثم أخذ الراية بعد سيف من سيوف الله خالد بن الوليد ".
[ ٢ / ٨٣٢ ]
وأخبر بموت النجاشي١/ (٢/١٦٧/أ) ومات وهو بأرض الحبشة٢. وبينهما ما قد علم.
وأخبر فيروز بقتل كسرى يوم قتل فأسلم فيروز ومن معه٣.
وأخبر أبا٤ ذرٍّ بطريده ورآه في المسجد نائمًا وحده فقال: كيف بك يا أبا ذرٍّ إذا أخرجت منه؟ قال: أسكن المسجد الحرام. قال: فإذا أخرجت منه٥ - الحديث بطوله -، فجرى ذلك كله. وأخبر بعيشهوحده وبموته وحده فمات بالرَّبْدة٦ وحده٧. وقصته مشهورة.
_________________
(١) ١ هو: أصحمة بن أبحر النجاشي، ملك الحبشة واسمه بالعربية عطية، والنجاشي لقب له، اسلم على عهد النبي ﷺ وحسن إسلامه. ولم يهاجر ولا له رؤية. فهو تابعي من وجهٍ، صاحب من وجهٍ، توفي في حياة النبي ﷺ فصلى عليه بالناس صلاة الغائب، ونقل بعض العلماء أن ذلك كان في شهر رجب سنة ٩هـ. (ر: سير أعلام النبلاء ١/٤٢٨-٤٤٣، الإصابة ١/١١٢) . ٢ أخرجه البخاري في كتاب الجنائز باب (٤) . (ر: فتح الباري ٣/١١٦)، ومسلم ٢/٦٥٦، ٦٥٧، والبيهقي في الدلائل ٤/٤١٠، ٤١١، عن أبي هريرة ﵁. ٣ تقدم تخريجه. (ر: ص: ٧٩٤) . ٤ أبو ذرٍّ الغفاري ﵁، الصحابي المشهور، اختلف في اسمه واسم أبيه، والمشهور أنه جندب بن جنادة، له مائتا وواحد وثمانون حديثًا. ٥ أخرجه أحمد في المسند٦/٤٥٧،والطبراني في الكبير مختصرًا٢/١٥٧،كلاهما من طريق شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد الأنصارية قالت: ، فذكرته في سياق طويل. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/٢٢، وقال: "رواه الطبراني في الأوسط وفيه شهر وفيه كلام وقد وُثِّق. قلت: شهر بن حوشب الأشعري، صدوق كثير الإرسال والأوهام من الثالثة. (ر: التقريب ١/٣٥٥) . ٦ كانت قرية عامرة ولكنها خربت سنة ٣١٩هـ، بسبب الحروب. وتقع في الشرق إلى الجنوب من بلدة الحناكية. (مائة كيلا عن المدينة في طريق الرياض) . (ر: المعالم الأثيرة ص ١٢٥، محمّد شراب) . ٧ أخرجه الحاكم ٣/٥٠، ٥١، وعنه البيهقي في الدلائل ٥/٢٢١، ٢٢٢، من طريق ابن إسحاق. (ر: السيرة ٤/٢٢٨)، قال: حدّثني بريدة بن سفيان الأسلمي عن محمّد ابن كعب القرظي عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: ، فذكره في سياق طويل. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وخالفه الذهبي بقوله: فيه إرسال. قلت: محمّد بن كعب القرظي لم يذكر أبو حاتم أنه روى عن ابن مسعود. (ر: الجرح والتعديل ٨/٦٧)، وفي إسناده أيضًا بريدة بن سفيان الأسلمي، ليس بالقوي وفيه رفض. (ر: التقريب ١/٩٦)، وذكره الحافظ في الإصابة ٧/٦٢، في ترجمة أبي ذرّ، وقال: وفي السيرة النبوية لابن إسحاق بسند ضعيف عن ابن مسعود.
[ ٢ / ٨٣٣ ]
وأخبر ﵇ بأن أسرع أزواجه لحوقًا به أطولهن يدًا فكانت زينب لطول يدها بالصدقة١.
وأخبر بقتل الحسن رضوان الله عليه بالطَّف٢. وأخرج بيده تربة وقال: "في هذه مضجعه"٣.
وقال لزيد بن صوحان٤: "يسبقه عضو منه إلى الجنة"، فقطعت يده في الجهاد٥.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم ٤/١٩٠٧، والبيهقي في الدلائل ٦/٣٧٤، عن عائشة ﵂. وأخرجه يونس بن بكير في زيادات المغازي. (ر: فتح الباري ٣/٢٨٧)، وعنه البيهقي في الدلائل ٦/٣٧٤ عن زكريا بن أبي زائدة عن عامر الشعبي مرسلًا. ٢ الطّقّ: في اللغة: ما أشرف من أرض العرب على ريف العراق، وهو أرض - من ضاحية الكوفة في طريق البرية، فيها مقتل الحسن ﵁. ويسمى الموضع الذي قتل فيه: (كربلاء) في طرف البرية. (ر: النهاية٣/١٢٩،معجم البلدان ٤/٣٥،٣٦،٤٤٥) . ٣ أخرجه البيهقي في الدلائل ٦/٤٧٠، من طريق عمارة بن غَزَيَّة عن محمّد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة ﵂ قال: ، فذكرته في سياق طويل. - وفيه - ذكر الطّف. قلت: إسناده حسن. فإن ابن غزية الأنصاري لا بأس به. (ر: التقريب ٢/٥١)، وله شواهد تقويه إلاّ أنه ليس فيها ذكر (الطف) ومنها: حديث نجيء الحضرمي عن عليّ ﵁ نحوه أخرجه أحمد في المسند ١/٨٥، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/١٩٠: "رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني ورجاله ثقات ولم ينفرد نجيء بهذا". ومنها: حديث أنس ﵁ أخرجه أحمد في المسند ٣/٢٤٢، وابن حبان. (ر: الموارد ص ٥٥٤)، وأبو نعيم ص ٥٥٣، والبيهقي ٦/٤٦٩، كلاهما في الدلائل، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/١٩٠): "رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني بأسانيد وفيها عمارة بن زاذان، وثّقه جماعة، وفيه ضعف، وبقية رجال أبي يعلى رجال الصحيح". اهـ. قلت: عمارة بن زاذان - الصيدلاني صدوق كثير الخطأ. (ر: التقريب ٢/٤٩) . ومنها: حديث أبي الطفيل ﵁، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/١٣٩: "رواه الطبراني، إسناده حسن". ٤ زيد بن صوحان حجر العبدي الكوفي، أبو سليمان، أخو صعصعة وسيحان اختلف في صحبته. فقال ابن عبد البر والذهبي: لا صحبة له. وقال ابن الكلبي والرشاطي: إن له صحبة. وإليه ذهب الحافظ ابن حجر، قطعت يده يوم القادسية وقتل يوم الجمل. (ر: الاستيعاب٢/٥٥٠-٥٥٣،وسير أعلام النبلاء٣/٥٢٥،الإصابة٣/٣٠،٣٦،٤٥) . ٥ أخرجه ابن عدي. (ر: الكامل ٧/١٢٣)، وعنه البيهقي في الدلائل ٦/٤١٦، عن أبي يعلى عن إبراهيم بن سعيد الجوهري عن حسين بن محمّد عن الهذيل بن بلال عن عبد الرحمن بن مسعود العبدي عن عليّ ﵁ مرفوعًا قال: ، فذكره. قال البيهقي: هذيل بن بلال غير قوي. اهـ. وهو كما قال البيهقي. (ر: لسان الميزان ٦/١٩٢) . وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٤٠١: "رواه أبو يعلى وفيه من لم أعرفهم". قلت: عبد الرحمن بن مسعود العبدي الجندي لم أقف له على ترجمة، إلاّ أ، للحيدث شاهدًا أخرجه ابن منده من طريق الجريري عن عبد الله بن بريدة عن أبيه، قال: ، فذكره بنحوه. (ر: الإصابة ٣/٤٦) .
[ ٢ / ٨٣٤ ]
وقال في الذين معه على الجبل: "اثبت حراء، فإنما عليك نبيّ وصدّيق وشهيد". فقتل عمر وعثمان وعليّ وطلحة والزبير وطعن سعد١.
وقال لسراقة٢:"كيف بك إذا ألبست سواري كسرى؟ ".فلما أُتي عمربهماألبسهماإياه. وقال: الحمدلله الذي سلبهماكسرى وألبسهما سراقة٣.
وقال ﵇ لعمر في سهيل٤ بن عمرو حين / (٢/١٦٧/ب) قالله ما قال: "عسى أن يقوم مقامًا يسرك يا عمر". فقام بمكّة حين بلغه وفاة رسول الله ﷺ وخطب خطبة يثبت فيها بصائرهم على الإسلام٥ وكذلك فعل بالشام أيضًا.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه. (ر: ص: ٧٥٧) . ٢ سراقة بن مالك بن جعشم الكناني المدلجي ﵁، قصته مشهورة في الهجرة، له تسعة عشر حديثًا. ٣ أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب ٢/١٥٨، والبيهقي في الدلائل ٦/٢٥، كلاهما من طرق عن الحسن مرسلًا في سياق طويل. وذكره أيضًا. (ر: السيرة ص ٣٧٧)، والحافظ في الإصابة ٣/٦٩، عن الحسن ثم قال: وروى ذلك عنه ابن أخيه عبد الرحمن بن مالك بن جعشم. اهـ. وقال البيهقي: "قال الشافعي، وإنما ألبسهما سراقة لأن النبي ﷺ قال لسراقة - ونظر إلى ذراعيه: كأني بك قد لبست سواري كسرى". ٤ سهيل بن عمرو بن عبد شمس القرشي العامري، ﵁ خطيب قريش تولى أمر الصلح بالحديبية، سكن مكّة ثم المدينة، ثم الشام ومات بها سنة ١٨هـ في طاعون عمواس. ٥ أخرجه الحاكم ٣/٢٨٢، وعنه البيهقي في الدلائل ٦/٣٦٧، عن الحسن بن محمّد مرسلًا، ونقله الحفاظ في الإصابة ٣/١٤٦، عن البيهقي وقال: وروى - أوّله يونس ابن بكير في مغازي ابن إسحاق عنه عن محمّد بن عمرو بن عطاء، وهو في المحامليات موصول من طريق سعيد بن أبي هند عن عمرة عن عائشة ﵂. اهـ.
[ ٢ / ٨٣٥ ]
وقال لخالد بن الوليد حين وجّهه لأكيدر١: "إنك ستجده يصيد البقر". فكان الأمر كذلك٢.
إلى ما أخبر به ﵇ جلساءه من أسرارهم وبواطنهم ونَبَّه ﵇ من أسرار المنافقين وكفرهم وإلحادهم حتى صار أحدهم يقول لأصحابه: اسكت فوالله لو لم يكن عنده مَنْ يُخبر لأَخْبَرتْه حجارة البطحاء٣.
_________________
(١) ١ أكيدر بن عبد الملك بن عبد الجن الكوفي، ملك دومة الجندل، - وهي بين الشام والحجاز - واختلف في إسلامه، فذكر ابن منده وأبو نعيم أنه أسلم، وتعقب ذلك ابن الأثير فقال: ومن قال إنه أسلم فقد أخطأ ظاهرًا، بل كان نصرانيًا، ولما صالحه النبي ﷺ عاد إلى حصنه وبقي فيه، ثم إن خالد بن الوليد أسره في أيام أبي بكر فقتله. قال الحافظ: "والذي يظهر أن أكيدر صالح على الجزية كما قال ابن إسحاق ويحتمل أن يكون أسلم بعد ذلك كما قال الواقدي ثم ارتد بعد النبي ﷺ مع من ارتد كما قال البلاذري ومات علي. والله أعلم". (ر: الإصابة ١/١٢٩-١٣١) . ٢ قال السيوطي في المناهل ص ١٦٢: "أخرجه ابن إسحاق والبيهقي عن يزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر مرسلًا، ووصله ابن منده في معرفة الصحابة من طريق آخر عن بجير بن بجره الطائي صحابي". اهـ. قلت: أخرجه أبو نعيم ص ٥٢٦، والبيهقي ٥/٢٥٠، ٢٥١، كلاهما في الدلائل من طريق ابن إسحاق. معلقًا. (ر: السيرة ٤/٢٣١)، عن يزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر مرسلًا. قال ابن منده: "هذا مرسل، وقد وقع لنا مسندًا، ثم أخرج من طريق أبي المعارك السماح بن المعارك بن مرة بن صخر بن بجير بن بجرة الطائي حدّثني أبي الطائي، حدّثني أبي عن جدي عن أبيه بجير بن بجرة قال: ، فذكره، وفيه أبيات منها: تبارك سائق البقرات إني رأيت الله يهدي كل هاد قال الحافظ ابن حجر: "وأخرجه ابن السكن وأبو نعيم من هذا الوجه، وأبو المعارك وآباؤه لا ذكر لهم في كتب الرجال". (الإصابة ١/١٤٢) . وقال الحافظ: "ورويناه في زيادات المغازي من طريق يونس بن بكير عن سعد بن أوس عن بلال بن يحيى، قال: "، فذكره. (ر: الإصابة ١/١٢٩)، وأخرجه البيهقي في الدلائل ٥/٢٥١، من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة مرسلًا. ٣ هذه مقالة أبي سفيان لعتاب بن أسيد والحارث بن هشام قبل إسلامهم في يوم فتح مكّة حينما أذّن بلال فوق الكعبة، ذكرها ابن هشام منقطعًا. (ر: السيرة ٤/٨٠)، وأخرجها ابن سعد ٣/٢٣٥ بسياق مختلف مرسلًا عن ابن أبي مليكة.
[ ٢ / ٨٣٦ ]
وأعلم رسول الله ﷺ أصحابه بصفة السحر الذي سحره لبيد١ بن الأعصم وحيث جعله، فوجد على تيك الصفة وفي ذلك المكان٢.
وأعلم قريشًا أن الأَرَضَة قد أكلت صحيفتهم التي كتبوها على بني هاشم خلا قوله: باسمك اللهم٣.
ووصف ﵇ لقريش بيت المقدس حين كَذَّبوه في خبر الإسراء٤، وأعلمهم بشأن العير الواصلة فلم يخرم من ذلك حرف٥.
_________________
(١) ١ لَبيد بن الأعصم من بني زريق من الخزرج، حليف اليهود كان تاجرًا منافقًا. (ر: فتح الباري ١٠/٢٢٦) . ٢ أخرجه البخاري في كتاب الطب باب (٤٧) . (ر: فتح الباري ١٠/٢٢١)، ومسلم ٤/١٧١٩، ١٧٢٠، عن عائشة ﵂ في سياق طويل. ٣ أخرجه البيهقي في الدلائل ٢/٣١٤، ٣١٥، عن ابن إسحاق منقطعًا. وأخرجه ابن عبد البر في الدور ص ٣٨-٤٢، والبيهقي في الدلائل ٢/٣١١-٣١٢، كلاهما من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري مرسلًا. وأخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ٢٧٢ عن عروة بن الزبير مرسلًا، وفي إسناده أيضًا ابن لهيعة، وهو ضعيف. وذكره ابن هشام عن بعض العلم. (ر: السيرة ٢/١٩، ٢٠) . ٤ أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار باب (٤١) . (ر: فتح الباري ٧/١٩٦)، ومسلم ١/١٥٦، عن جابر بن عبد الله ﵁ في سياق طويل. وأخرجه الإمام أحمد في المسند١/٣٠٩،عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بنحوه. ٥ أخرجه البيهقي في الدلائل ٢/٣٥٥-٣٥٧، من طريق إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي عن عمرو بن الحارث عن عبد الله بن سالم الأشعري عن محمّد بن الوليد بن عامر عن الوليد بن عبد الرحمن عن جبير بن نضير عن شداد بن أوس ﵁، قال: ، فذكره في سياق طويل. ثم قال البيهقي: "هذا إسناد صحيح، وروي ذلك مفرقًا في أحاديث غيره". اهـ. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ١/٧٩، وقال: "رواه البزار والطبراني في الكبير، وفيه إسحاق بن إبرهيم بن العلاء، وثقه يحيى بن معين وضعّفه النسائي". قلت: لم أجد ترجمة إسحاق في: "الضعفاء والمتروكين". للنسائي. وقال أبو حاتم ٢/٢٠١، عن إسحاق بن إبراهيم: شيخ، وقال: سمعت يحيى بن معين أثنى عليه، وقال: لا بأس به ولكنهم يحسدونه". اهـ.
[ ٢ / ٨٣٧ ]
إلى ما أخبر به ﵇ من الحوادث التي ستكون ولما تجيء بعد، كقوله: "عمران بيت المقدس / (٢/١٦٨/أ) خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية"١. وهذا نوع من معجزاته لا يكاد يحصر لكثرته واتساعه.
٥٥- ومن ومعجزاته ﵇ عصمته من أعدائه على كثرتهم: قال الله له: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: من الآية٤٨] . وقال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: من الآية٦٧] . وقال سبحانه: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: من الآية٣٦] . وقال عزّ من قائلٍ: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ﴾ [الحجر:٩٥] .وقال: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [لأنفال: من الآية٣٠] . الآيات.
قالت عائشة: "كان رسول الله ﷺ يُحرس حتى نزل قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: من الآية٦٧] . فأخرج ﵇ رأسه من القبة فقال: أيها الناس انصرفوا فقد عصمني ربّي عزوجل٢".
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد في المسند ٥/٢٣٢، ٢٤٥ت، وأبو داود ٤/١١٠، من طريق مكحول عن جبير بن نفير عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل ﵁. قال الألباني: صحيح. (ر: صحيح الجامع ٢/٧٥٤،ح:٤٠٩٦أحمد في المسند٤٠٩٦،المشكاة ح: ٥٤٢٤) . ٢ أخرجه الترمذي٥/٢٣٤، والحاكم٢/٣١٣،والبيهقي في الدلائل٢/١٨٤،كلهم من طريق مسلم بن إبراهيم ثنا الحارث بن عبيد ثنا سعيد الجُرَيْري عن عبد الله بن شقيق عن عائشةرضي الله عنها. قال الترمذي: حديث غريب، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. قلت: في إسناده الحارث بن عبيد الإيادي، صدوق يخطئ، من الثامنة. (ر: التقريب ١/١٤٢) . وسعيد بن إياس الجريري، ثقة من الخامسة. اختلط قبل موته بثلاث سنين. (ر: التقريب ١/٢٩٠) .
[ ٢ / ٨٣٨ ]
وكان ﵇ إذا نزل منْزلًا اختار له أصحابه شجرة يقيل تحتها فأتاه أعرابي وهو غورث١ بن الحارث فاخترط سيفه، وقال: من يمنعك مني؟ فقال: الله. فأرعدت يده وسقط سيفه وضرب برأسه الشجرة حتى سال دمه٢.
والحديث في الصحيح٣، فنَزل قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: من الآية٦٧] .
وجرى ذلك له مرات، منها يوم بدر وقد انفرد من أصحابه٤.
ومنها في غزوة غطفان٥ مع رجل يقال/ (٢/١٦٨/ب) له دعثور٦
ابن الحارث وأنه أسلم فلما رجع إلى
_________________
(١) ١ غورث بن الحارث، اخلتف في إسلامه، ذكر الذهبي في التجريد أنه أسلم، وقال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر طرق الأحاديث: فهذه الطرق ليس فيها أنه أسلم، وكأن الذهبي لما رأى ما في ترجمة دعثور بن الحرث سيأتي - أن الواقدي ذكر له شبهًا بهذه القصة وأنه ذكر أنه أسلم فجمع بين الروايتين فأثبت إسلام غورث، فإن كان كذلك ففيما صنعه نظر من حيث إنه عزاه للبخاري وليس فيه أنه أسلم، ومن حيث إنه يلزم من الجزم بكون القصتين واحدة مع احتمال كونهما واقعتين إن كان الواقدي أتقن ما نقل، وفي الجملة، هو على الاحتمال، وقد يتمسك من يثبت إسلامه بقوله: "جئتكم من عند خير الناس". اهـ. (ر: التجريد ٢/٣، الإصابة ٥/١٩١) . ٢ قال القاري في شرحه ٣/٢٠٤: "وما رواه من الزيادة - يعني قوله: "وضرب رأسه الشجرة حتى سال دمه"، فغير معروف عند أرباب الرواية". اهـ. وقال الخفاجي في نسيم الرياض ٣/٢٠٤: "وهذا الحديث بهذا اللفظ قالوا: لم يوجد في الكتب المعتبرة عند أهل الأثر ولم يذكروه في أسباب النُّزول". اهـ. قلت: الحديث بلفظ المؤلِّف أخرجه الإمام ابن جرير في تفسيره ٦/٣٠٨، عن محمّد ابن كعب القرظي مرسلًا. ٣ أصل الحديث السابق أخرجه البخاري من غير الزيادة السابقة: "وضرب برأسه الشجرة " في كتاب المغازي باب (٣١) . (ر: فتح الباري ٧/٤٢٦، ٤٢٩)، ومسلم ٤/١٧٨٦، ١٧٨٧)، وابن إسحاق. (ر: السيرة ٣/٢٨٨)، والبيهقي في الدلائل ٣/٣٧٣ عن جابر ﵁. ٤ لم يخرجه السيوطي. (ر: المناهل ص ١٦٣)، وقال الخفاجي: "هذا الحديث لم يخرجه أحد". (ر: نسيم الرياض ٣/٢٠٥) . ٥ وتسمى أيضًا غزوة (ذو أمر) وهو: موضع بنجد من ديار غطفان من ناحية النُّخَيْل. (ر: السيرة ٣/٦٨، لابن هشام، معجم البلدان ١/٢٥٢) . ٦ دعثور بن الحارث الغطفاني، قال الذهبي: "دعثور في حديث عجيب الإسناد والأشبه غورث"، وقال الحافظ بعد أن ذكر قصته من طريق الواقدي: "وقصته هذه شبيهة بقصة عورث بن الحارث المخرجة في الصحيح من حديث جابر، فيحتمل التعدد أو أحد الاسمين لقب إن ثبت الاتّحاد".اهـ. التجريد١/١٦٦، الإصابة ٢/١٦٣) .
[ ٢ / ٨٣٩ ]
قومه الذين أغووه بذلك قالوا له: أين ما كنت تعدنا؟ وكان أبسلهم وأشجعهم، قال: إني نظرت إلى رجل أبيض طويل دفع في صدري فوقعت لظهري وسقط السيف من يدي فعرفت أنه ملك فأسلمت١.
وكانت حمالة٢ الحطاب تضع العضاء - وهي جمر٣ - على طريق رسول الله ﷺ فكأنما يطؤها كثيبًا أهيل٤.٥.
_________________
(١) ١ أخرجه الواقدي في مغازيه١/١٩٣-١٩٦، وعنه البيهقي في الدلائل٣/١٦٨،١٦٩، من طريق عبد الله بن رافع بن خديج عن أبيه قال: ، فذكره في سياق طويل. وذكره الماوردي في أعلام النبوة ص ١٣٣. قال البيهقي: "وقد روي في غزوة ذات الرقاع قصة أخرى في الأعرابي الذي قام على رأسه بالسيف، وقال: من يمنعك مني؟ فإن كان الواقدي قد حفظ ما ذكر في هذه الغزوة فكأنهما قصتان. والله أعلم". اهـ. ٢ هي: أم جميل العوراء، واسمها: أروى بنت حرب بن أمية، زوج لهب، وأخت أبي سفيان وكانت من سادات قريش. (ر: السيرة١/٤٣٥، تفسيرابن كثير٤/٦٠٣، ٦٠٤) . ٣ العِضَاه: شجرة أم غَيْلاَن، وكل شجر عظيم له شوك، الواحدة عِضَة - بالتاء - وأصلها: عِضَهه، وقيل: واحدته: عضاهه. (ر: النهاية ٣/٢٥٥، المصباح ص ٤١٥) . وقال القاري في شرحه للشفا ٣/٢٠٧: "- وهي جمر - جملة حالية، ولعل المراد تشبيه الشوك بالجمرة حال حدتها، فإن الجمرة هي النار المتوقدة ثم اعلم أن بعضهم ذكر في معناه أنه شجر لجمره حرارة شديدة، وقد قال أهل التفسير: إنها كانت تضع الشوك، ولذا سميت (حمالة الحطب)، على أحد الأقوال، ولعلها كانت الشوك مرة والجمرة مرة أخرى أو كانت تجمع بينهما. والله أعلم". اهـ. ٤ كثيبا أهيل: أي: رملًا سائلًا حيث لم يتضرر بها. (كذا ذكره القاري) . ٥ أخرجه الإمام ابن جرير في تفسيره ٣٠/٣٣٩، عن عطية الجدلي مرسلا. قلت: عطية بن سعد الجدلي، صدوق يخطئ كثيرًا، كان شيعيًا مدلسًا من الثالثة. (ر: التقريب ٢/٢٤) .
[ ٢ / ٨٤٠ ]
وقد ذكر ابن إسحاق أن حمالة الحطب حين بلغها قول الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبّ﴾ [المسد: من الآية١] ١. وذمّها الله مع زوجها جميعًا أتت رسول الله ﷺ وهو جالس ومعه أبو بكر وفي يدها فهر من حجارة فلما وقفت عليهما لم تر سوى أبي بكر وأخذ الله ببصرها عن نبيّه فلم تره فقالت: يا أبا بكر، أين صاحبك؟ فقد بلغني أنه هجاني والله لو وجدته لضربته بهذا الفِهْر٢ فاه٣.
وقال الحكم بن أبي العاص: "تواعدنا على النبي ﷺ حتى إذا رأيناه سمعنا صوتًا ما ظننا أنه بقي بتهامة أحد، فوقعنا مغشيًا علينا فما أفقنا حتى قضى صلاته وانصرف إلى أهله، ثم تواعدنا ليلة أخرى فجئنا حتى إذا رأيناه جاءت الصفا والمروة / (٢/١٦٩/أ) فحالت بيننا وبينه٤.
_________________
(١) ١ قال العلماء في هذه السورة معجزة ظاهرة ودليل واضح على النبوة، فإنه منذ قوله تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد الآية:٣]، الآيات، فأخبر عنهما بالشقاء وعدم الإيمان لم يقيض لهما أن يؤمنا ولا واحد منهما لا باطنًا ولا ظاهرًا، ولا سرًّا ولا معلنًا، فكان هذا من أقوى الأدلة الباهرة الباطنة على النبوة الظاهرة. اهـ. (ر: تفسير ابن كثير ٤/٦٠٤) . ٢ الفِهْر: الحجر ملء الكف، وقيل: هو: الحجر مطلقًا. (ر: النهاية ٣/٤٨١) . ٣ أخرجه ابن إسحاق معلقًا. (ر: السيرة١/٤٣٦)،وابن أبي حاتم. (ر: تفسير ابن كثير ٤/٦٠٤)،والحاكم٤/٣٦٢، وعنه البيهقي في الدلائل٢/١٩٥، وذكره الذهبي. (ر: السيرة ص١٤٦،١٤٧)،كلهم من طريق سفيان بن عيينة عن الوليد بن كثير عن ابن تدرس عن أسماء بنت أبي بكر ﵂، قال: ، فذكرته في سياق طويل. قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. قلت: له شاهد من حديث سعيد بن جبير ﵁، أخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ١٩٣، وابن حبان. (ر: الموارد ص ٥١٦)، بنحوه. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/١٤٧: "رواه أبو يعلى والبزار بنحوه، وقال البزار: إنه حسن الإسناد. قلت: ولكن فيه عطاء بن السائب وقد اختلط". اهـ. ٤ أخرجه أبو نعيم في الدلائل ٢/٢٠٩، ٢١٠، من طريق داود بن أبي هند عن قيس ابن حبتر، قال: قالت ابنة ابن الحكم: قلت لجدي الحكم: ، فذكرته. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٢٣٠، وقال: "وراه الطبراني ورجاله ثقات غير بنت الحكم فلم أعرفها". اهـ. وقال السيوطي في المناهل ص ١٦٣: "أخرجه الطبراني وأبو نعيم في الدلائل وسنده جيد". اهـ. وزاد في الخصائص ١/٢١٥: أخرجه ابن منده.
[ ٢ / ٨٤١ ]
وعن عمر قال: تواعدت أنا وأبو١ جهم بن حذيفة ليلة لقتل رسول الله ﷺ فجئنا منْزله فسمعناه يقرأ: ﴿الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [سورة الحاقة، الآيات: ١-٨]، إلى قوله تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَة﴾ . [الحاقة الآيتان: ١-٨] . فضرب أبو جهم على عصدي وقال: انج. وفررنا هاربين٢.
ولما اجتمعت قريش على قتل نبيّ الله وبَيَّتوه خرج عليهم رسول الله ﷺ فقام على رؤوسهم وقد ضرب الله على أبصارهم فذر التراب على رؤوسهم وذهب فجعل الرجل يتناول من على رأسه ترابًا وذهبوا خائبين٣.
ومن هذا القبيل كفاية الله له في الغار بما هيأ الله له من الآيات من نسج العنكبوت على باب الغار حتى قال أمية بن خلف حين قالوا: ندخل
_________________
(١) ١ أبو الجهم بن حذيفة بن غانم القرشي العدوي ﵁، اسمه: عامر، وقيل: عبيد، من مسلمة الفتح، كان عالمًا بالنسب ومن معمري قريش ومن مشيختهم، توفي آخر خلافة معاوية رضي الله تعالى عنهما. (ر: الاستيعاب٤/١٦٢٣،الإصابة٧/٣٤، ٣٥) . ٢ قال الخفاجي في نسيم الرياض ٣/٢٠٩: "هذا الحديث لم يوجد بهذا اللفظ إلاّ أنه في مسند أحمد بما يقرب منه عن عمر بن الخطاب ، فذكره في سياق طويل. قلت: أخرجه أحمد ١/١٧، عن المغيرة عن صفوان عن شرع بن عبيدة قال: قال عمر: ، فذكره. وليس في الحديث أن عمر بن الخطّاب صاحب أبا جهم. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٦٥، وقال: "رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات إلاّ أن شريح بن عبيدة لم يدرك عمر". اهـ. وهو كما قال الهيثمي. (ر: التهذيب ٤/٢٨٨)، وشريح ثقة، إلاّ أنّه كان يرسل كثيرًا. (ر: التقريب ١/٣٤٩) . ٣ أخرجه أبو نعيم ص ٢٠٣، ٢٠٤، والبيهقي ٢/٤٦٩، ٤٧٠، كلاهما في الدلائل من طريق ابن إسحاق. (ر: السيرة ٢/١٣٩، ١٤٠) . قال: حدّثني يزيد بن زياد عن محمّد بن كعب القرظي مرسلًا. قال البيهقي: "وروي عن عكرمة ما يؤكد هذا".
[ ٢ / ٨٤٢ ]
الغار-: إن على الغار من نسج العنكبوت ما أرى أنه قبل أن يولد محمّد. ووقفت حمامتان على فم الغار، فقالت قريش: لو كان فيه أحد لما كان هناك الحمام١.
وقصته مع سراقة مشهورة، وذلك أن قريشًا جعلت في رسول الله الجعائل فركب سراقة بن مالك واتبعه حتى إذا قرب منهما دعا عليه رسول الله ﷺ / (٢/١٦٩/ب) فساخت قوائم فرسه في أرض صلبة ومحجر صلد، فخر عنها واستقسم بأزلامه فخرج له ما يكره، ثم اتبعهما ثانية حتى إذا دنا منهما وسمع قراءة رسول الله ﷺ ورسول الله لا يلتفت قال أبو بكر: أُتينا يا رسول الله. فقال: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ . [التوبة: من الآية٤٠] . فساخت قوائم فرسه ثانية إلى ركابها فَخَرّ عنها زجرها فنهضت ولقوائمهما مثل الدخان. فناداهم بالأمان فكتب له النبي ﷺ كتاب أمان كتبه أبو بكر، وقيل: كتبه ابن٢ فهيرة. وأمره النبي ﷺ أن لا يدع الطلب
_________________
(١) ١ أخرجه ابن سعد ١/٢٢٨، وأبو نعيم في الدلائل ص ٣٢٥، والبيهقي في الدلائل ٢/٤٨٢، كلهم من طريق أبي مصعب المكي عن أنس بن مالك وزيد بن الأرقم والمغيرة بن شعبة - ﵃ -. وعزاه السيوطي في الخصائص١/٣٠٦ أيضًا إلى ابن مردويه، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد٥/٥٥،٥٦،وقال:"رواه البزار والطبراني وفيه جماعة لم أعرفهم".اهـ. وأورده ابن كثير في البداية٣/٢٠٠،وقال:"هذا حديث غريب جدًا من هذا الوجه". وقال الألباني: حديث منكر. (ر: سلسلة الأحاديث الضعيفة ٣/٢٥٩-٢٦٤) . وأخرجه أحمدفي المسند١/٣٤٨، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بنحوه في سياق طويل. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/٣٠: "وراه أحمد والطبراني، وفيه عثمان بن عمرو الجزري، وثّقه ابن حبان وضعّفه غيره، وبقية رجاله رجال الصحيح". وذكره ابن كثير في البداية ٣/١٩٨، ١٩٩، عن الإمام أحمد وقال: "وهذا إسناد حسن، هو من أجود ما روي في قصة نسج العنكبوت". اهـ. وقال أحمد شاكر في تعليقه على المسند (ح ٣٢٥١): "في إسناده نظر. وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة ٣/٢٦٢، وقال تعقيبًا على قول ابن كثير: وليس بحسن في نقدي، لأن عثمان بن عمرو بن ساج الجزري لا يحتج به. وفيه ضعف". اهـ. (ر: الجرح ٦/١٦٢، التقريب ٢/١٣) . ٢ هو: عامر بن فهيرة التيمي ﵁، مولى أبي بكر الصِّدِّيق وأحد السابقين وكان مولودًا من الأزد استشهد ببئر معونة. (ر: الإصابة ٣/١٤) .
[ ٢ / ٨٤٣ ]
يلحق بهم فانصرف سراقة يقول للناس: كفيتم ما ها هنا. ووقع في نفسه ظهور النبي صلى الله عليه وسلم١.
ورآهم آخر من الرعاة فخرج ينشد يعلم قريشًا، فلما ورد مكّة ضرب على قلبه فأنسي ما قدم له حتى رجع إلى موضعه٢.
قال ابن إسحاق: "وجاءه أبو جهل بصخرة وهو ساجد وقريش ينظرون إليه ليطرحها عليه، فلزقت بيده ويبست يده إلى حد عنقه فرجع القهقري وسأله فدعا له حتى انطلقت يداه، وكان حلف لقريش لئن رآه ليدمغنه فسألوه عن شأنه / (٢/١٧٠/أ) فذكر أنه عرض له دونه فَحْلٌ ما رأى مثله هَمَّ به أن يأكله، فقال ﵇: ذلك جبريل لو دنا مني لأخذه"٣.
_________________
(١) ١ قصة سراقة في الهجرة أخرجها البخاري في كتاب المناقب باب (٢٥) . (ر: فتح الباري ٦/٦٢٢)، وفي كتاب مناقب الأنصار باب (٤٥) . (ر: فتح الباري ٧/٣٣٨، ٣٣٩)، ومسلم ٣/١٥٩٢، ٤/٢٣٠٩، ٢٣١٠، وأحمد في المسند ١/٢-٣، وأبو نعيم في الدلائل ص ٣٢٩، ٣٣٠، والبيهقي في الدلائل ٢/٤٨٤-٤٨٧، عن البراء وعن سراقة بن مالك رضي الله تعالى عنهما. ٢ لم يخرجه السيوطي. (ر: في المناهل ص ٥٥، الطبعة الحجرية) . وقال القاري في شرحه ٣/٢١٤: "غير معروف عند أهل الأثر"، وقال الخفاجي في نسيم الرياض ٣/٢١٤: "لا يعرف من وراه". ٣ أخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ٢٠٥، والبيهقي في الدلائل ٢/١٩٠، ١٩١، كلاهما عن محمّد بن إسحاق. (ر: السيرة ١/٣٦٤-٣٩)، عن بعض أهل العلم. (وفي إسناد البيهقي قال ابن إسحاق: حدّثني شيخ من أهل مصر قديم منذ بضع وأربعين سنة)، عن سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس قال: ، فذكره في سياق طويل. قلت: إسناده صحيح.
[ ٢ / ٨٤٤ ]
وذكر السمرقندي١ أن رجلًا من بني المغيرة أتى النبي ﷺ ليقتله فطمس الله على بصره فلم [يره] ٢. وكان يسمع قراءته ولا يهتدي إليه فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه٣.
وعن أبي هريرة قال: "إن أبا جهل وعد قريشًا لئن رأى محمّدًا ليؤذينّه، فلما صلى النبي أعلموه فأقبل فلما قرب منه ولَّى هاربًا ناكصًا على عقبيه متقيًا بيديه فسئل عن ذلك، فقال: لما دنوت منه أشرفت على خندق مملوء نارًا كدت أهوي فيه وأبصرت هولًا عظيمًا وخفق أجنحة قد ملأت الأرض. فقال عليه
_________________
(١) ١ أبو الليث نصر محمّد السمرقندي، الفقيه الحنفي، الملقب بإمام الهدى له تصانيف منها: تفسير القرآن وتنبيه الغافلين. توفي سنة ٣٧٣هـ. (ر: سير أعلام النبلاء ١٦/٣٢٢، الجواهر المضيئة ٢/١٩٦، الأعلام ٨/٢٧) . ٢ في ص، م (يراه) والصواب ما أثبتّه. ٣ أورده القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ [يّس: من الآية٩] عن مقاتل قال: ، فذكره بلفظ المؤلِّف. (ر: تفسير القرطبي ١٥/٩، ١٠) . وأخرجه البيهقي في الدلائل ٢/١٩٦، ١٩٧، من طريق محمّد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله عزوجل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ [يّس: من الآية٩]، قال: "وذلك أن أناسًا من بين مخزوم تواصوا بالنبي ﷺ ليقتلوه منهم أبو جهل والوليد بن المغيرة ونفر من بني مخزوم، فبينا النبي ﷺ قائم يصلي، فلما سمعوا قراءته أرسلوا الوليد ليقتله، فانطلق حتى انتهى إلى المكان الذي كان يصلي النبي ﷺ فيه، فجعل يسمع قراءته ولا يراه " الخ. قال البيهقي: "وروي عن عكرمة ما يؤكد هذا". اهـ. قلت: في إسناده محمّد بن مروان، السدي الصغير كوفي متهم بالكذب. (ر: التقريب ٢/٢٠٦)، وقول البيهقي: "روي عن عكرمة"، يشير إلى ما أخرجه ابن جرير في تفسير ٢٢/١٥٢، عن عكرمة قال: "قال أبو جهل لئن رأيت محمّدًا لأفعلن ولأفعلن، فنَزَلت: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا ﴾ [الآيات، يّس: من الآية٨] . فكانوا يقولون: هذا محمّد، فيقول: أين هو؟ أين هو؟ لا يبصره. وأخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ١٩٩، ٢٠٠، من طريق النضر بن عبد الرحمن أبو عمرو الخزاز عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فذكره بنحوه. إلاّ أنّ في إسناده النضر بن عبد الرحمن وهو متروك. (ر: التقريب ٢/٣٠٢) .
[ ٢ / ٨٤٥ ]
السلام: "تلك الملائكة، لو دنا لاختطفته عضوًا عضوًا"١.
وعن شيبة٢ بن عثمان الحجبي، قال: لما كان يوم حنين وكان حمزة قتل أبي وعمي، قلت: اليوم أدرك ثأري من محمّد. فلما اختلط الناس أتيته من خلفه ورفعت سيفي لأصبه عليه فلما دنوت منه ارتفع لي شواظ من نار أسرع من / (٢/١٧٠/ب) البرق فوليت هاربًا، وأحس بيَ النبي ﷺ فدعاني فوضع يده على صدري وهو أبغض الخلق إليَ فما رفعها إلاّ وهو أحبّ الخلق إليَّ، وقال لي: أُدن فقاتل، فتقدمت أمامه أضرب بسيفي وأقيه بنفسي ولو لقيت تلك الساعة أبي لأوقعت به دونه٣.
وعن فضالة٤ بن عمير، قال: أردت قتل النبي ﷺ عام الفتح وهو يطوف بالبيت فلما دنوت، قال: أفضالة؟ قلت: نعم. قال: ما كنت تحدث به نفسك؟ قلت: لا شيء. فضحك واستغفر ليَ ووضع يده على صدري فسكن قلبي.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري مختصرًا في كتاب التفسير سورة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق الآية:١] . (ر: فتح الباري ٨/٧٢٤)، وأخرجه مسلم مطوّلًا ٤/٢١٥٤، وأبو نعيم في الدلائل ص: ٢٠٨، والبيهقي في الدلائل ٢/١٨٩، عن أبي هريرة ﵁. ٢ شيبة بن عثمان، وهو: الأوقص القرشي العبدي، الصحابي المعروف، خادم الكعبة، وإليه ينسب سدنة الكعبة، مات سنة ٥٩هـ، وله ثلاثة أحاديث. ٣ أخرجه ابن إسحاق معلقًا. (ر: السيرة ٤/١٢٤)، وأخرجه أبو نعيم ص ١٩٥، والبيهقي ٥/١٤٥ كلاهما في الدلائل من طريق عبد الله بن المبارك عن أبي بكر الهذلي عن عكرمة، قال: قال شيبة: ، فذكره. وعزاه السيوطي في الخصائص ١/٤٤٩، أيضًا إلى أبي القاسم البغوي وابن عساكر، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/١٨٥، وقال: "رواه الطبراني، وفيه أبو بكر الهذلي وهو ضعيف". اهـ. قلت: وهوكما قال الهيثمي، فإن أبا بكر الهذلي متروك الحديث. (ر: التقريب٢/٤٠١) . ٤ في ص، م (فضالة بن عمرو) والتصويب من سيرة ابن هشام ٤/٨٥. وهو: فضالة بن عمير بن الملوح الليثي، له ذكر وشعر يوم الفتح. (ر: التجريد ٢/٨، الإصابة ٥/٢١٠) .
[ ٢ / ٨٤٦ ]
فوالله ما رفع يده حتى ما خلق الله من شيء أحب إليّ منه صلى الله عليه وسلم١.
ووفد عامر٢ بن الطفيل وأربد٣ بن قيس على رسول الله ﷺ، وكان عامر قال لأربد: أنا أشغل عنك وجه محمّد بالحديث فاضربه أنت. فلما خرجا من عنده ولم يصنع شيئًا، قال: أين ما عزمت عليه؟ قال: والله ما هممت به إلاّ وجدتك بيني وبينه أفأضربك بالسيف؟ ٤.
ومن عصمة الله له أن كثيرًا من اليهود والكهنة أنذروا به قريشًا ووصفوه لهم وأخبرهم بسطوته / (٢/١٧١/أ) بهم وحَضُّوهم على قتله فحماه الله وعصمه من كلّ سوء حتى بلغ فيه كرامته.
قال المؤلِّف: وقد روي عن أفاضل الصحابة أنهم سمعوا ليلة ولادة رسول
_________________
(١) ١ ورواه ابن هشام معلقًا. (ر: السيرة ٤/٨٥)، وابن عبد البر في الدر بلا سند ص ٢٦٤، وعنه الحافظ في الإصابة ٥/٢١٠. ٢ عامر بن الطفيل بن مالك العامري ذكره جعفر المستغفري في الصحابة وهو غلط، قال الذهبي: أجمع أهل النقل على أن عامرًا مات كافرًا وقد أخذته غدة، فكان يقول: غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية. (ر: التجريد١/٢٨٥، الإصابة ٥/١٢٧) . ٣ أربد بن قيس بن جزء بن خالد العامري، كان أخو لبيد بن ربيعة لأمه، أرسل الله عزوجل عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما، فأنْزل الله عزوجل: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: من الآية١٣]، وقد رثاه أخوه لبيد بأبيات ذكرها ابن إسحاق. (ر: السيرة ٤/٢٨٥-٢٩١)، تفسير ابن كثير ٢/٥٢٤، ٥٢٥) . ٤ أورده البيهقي في الدلائل ٥/٣١٨، ٣١٩، من طريق ابن إسحاق بلا سند. (ر: السيرة ٤/٢٨٤، ٢٨٥)، في سياق طويل وأخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ٢٠٦، ٢٠٧، من طريق عبد العزيز بن عمران عن عبد الله وعبد الرحمن ابنا زيد بن أسلم عن أبيهما عن عطاء بن يسار عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: ، فذكره بنحوه. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/٤٤، ٤٥: "رواه الطبراني في الأوسط والكبير بنحوه، وفي إسنادهما عبد العزيز بن عمران وهو ضعيف". اهـ. قلت: عبد العزيز بن عمران الزهري، المذني، الأعرج، متروك، احترقت كتبه فحدث من حفظه فاشتد غلطه. (ر: التقريب ١/٥١١)، وأورده ابن عبد البر في الدرر في السير ص ٣٠٧، ٣٠٨، بلا سند.
[ ٢ / ٨٤٧ ]
الله ﷺ يهوديًا ينادي صاحبه على أطم١ من آطام٢ المدينة: يا فلان إنه قد طلع في هذه الليلة نجم أحمد٣. وذلك مواطئ لقول المجوسالذي حكاه النصارى في إنجيلهم عند مولد المسيح٤، وأنَّى لهم بتحقيق تلك الحكاية عن المجوس إلاّ بالطريق التي ثبتت به أخبارنا، فإن قدحوا في صحة أخبارنا لم يسلموا من مثل ذلك فيما صاروا إليه، وقد حكى الصنارى أنّ أم المسيح حين خافت عليه هيرودس هوبَتْ إلى مصر وهو طفل٥، فأما رسول الله فعصمه الله من كيد أعدائه وهو بين أظهرهم وقد جهدوا جهدهم ولم نحتج إلى ما نقله المخالفون.
٥٦- ومن معجزاته ﵇ إمداد الله له بالملائكة وطاعة الجن له، قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، [سورة الأنفال: من الآية١٢] . وقال عزّ من قائل: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ٦ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ ﴾، [سورة الأنفال: من الآيتان ٩-١٠]، وقال: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ
_________________
(١) ١ الأطم: بناء مرتفع والمراد به هنا: الحصن. (ر: النهاية ١/٥٤) . ٢ في م: أطم. ٣ أخرجه الحاكم ٢/٢٨٦، وأبو نعيم ص ٧٥، والبيهقي ١/١١٠، كلاهما في الدلائل، كلهم من طريق ابن إسحاق. (ر: ١/١١، ٢١٢)، حدّثني صالح بن إبراهيم عن يحيى ابن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري، قال: حدّثني من شئت من رجال قومي عن حسان بن ثابت ﵁: ، فذكره. قلت: في إسناده انقطاع فإن يحيى بن عبد الله لم يسم عمن سمع. وله شاهد من حيدث حويصة بن مسعود ﵁ بنحوه أخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ٧٧، إلاّ أنّ في إسناده الواقدي وهو متروك، غير أن محمّد بن إسحاق إمام في المغازي والسير، فإذا روى رواية لم يخالفه فيها أحد فهي مقبولة عند المحقِّقين من المحدّثين والمؤرّخين، وروايته هذه رويت من وجه آخر، وإن كان فيها ضعف إلاّ أنّها تدل على أ، لها أصلًا. والله أعلم. ٤ متى ٢/١-٧، لوقا ٢/٨-١٤. ٥ متى ٢/١٣-١٥. (٢/١٧١/ب) .
[ ٢ / ٨٤٨ ]
الْقُرْآنَ﴾، [الاحقاف: من الآية٢٩]، وقد رأى الجن جماعة من أصحاب نبيّنا ﵇ وكذلك شاهدوا جبريل وهو يسأل رسول الله ﷺ عن الإسلام والإيمان١، ورأى جبريل ﵇ ابن عباس٢ وأسامة٣ وغيرهما.
وأبصر سعد٤ جبريل وميكائيل عن يمين رسول الله ﷺ وعن شماله في صورة رجلين عليهما ثياب بيض٥.
وقد كانت الملائكة تصافح عمران بن حصين صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم٦.
ورأى ابن مسعود الجن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم٧.
ولما قتل مصعب بن عمير أخذ راية المسلمين ملك على صورته فكان النبي
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب الإيمان باب (٣٧) . (ر: فتح الباري ١/١١٤)، ومسلم ١/٣٦، ٣٧، وابن ماجه. (ر: صحيح ابن ماجه ١/١٦)، عن عبد الله بن عمر عن أبيه رضي الله تعالى عنهما، في سياق طويل. ٢ أخرجه أحمد في المسند ١/٢٩٣، ٢٩٤، والبيهقي في الدلائل ٧/٧٥، كاهما من طريق حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٢٧٩، وقال: "رواه أحمد والطبراني بأسانيد، ورجالهما رجال الصحيح". ٣ حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما، أخرحه البخاري في المناقب باب (٢٥) . (ر: فتح الباري ٦/٦٢٩)، ومسلم ٤/١٩٠٦، والبيهقي في الدلائل ٧/٦٨. ٤ هو: سعد بن أبي وقاص ﵁. ٥ كان ذلك في عزوة أحد، أخرجه البخاري في كتاب المغازي باب (١٨) . (ر: فتح الباري ٧/٣٥٨)، ومسلم ٤/١٨٠٢، والبيهقي في الدلائل ٣/٢٥٤، ٢٥٥، عن سعد بن أبي وقاص ﵁. ٦ أخرجه مسلم ٢/٨٩٩، ٩٠٠، والبيهقي في الدلائل ٧/٧٩، ٨٠، عن عمران بن حصين ﵁. ٧ قال البيهقي في الدلائل ٢/٢٣٠: "والأحاديث الصحاح تدل على أن عبد الله بن مسعود لم يكن مع النبي ﷺ ليلة الجن، وإنما كان معه حين انطلق به وبغيره ويريهم آثار الجن وآثار نيرانهم". وأخرجه الإمام مسلم ١/٣٣٢، عن عامر، قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا. ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة ففقدناه ". الحديث. وأخرجه البيهقي في الدلائل ٢/٢٢٩، عن الشعبي عن علقمة بمثله.
[ ٢ / ٨٤٩ ]
﵇ يقول له: تقدم يا مصعب. فقال: لست بمصعب. فعرف أنه ملك١.
قال المصنِّف: إن طعن في هذه الشهادات المتضافرة يهدي أو نصراني وَرَد عليهم فيما حكوه عن بطرس وابني زيدي من أنهم رأوا الملائكة بالجبل٢ وقد جاءت للمسيح، وكذلك ما رواه اليهود من مجيء الملائكة لإبراهيم ولوط وموسى٣. وكل سؤال انعكس على السائل سقط جوابه عن المسؤول.
وقد أَرَى النبيُّ ﷺ جبريلَ / (٢/١٧٢/أ) لحمزة في الكعبة فخر حمزةُ مغشيًا عليه٤.
وحكى جماعة من العلماء أن عمر بن الخطّاب ﵁ قال: "بينا رسول الله ﷺ [جالس] ٥ إذ أقبل شيخ في يده عصا فسلم على النبي ﷺ فرد عليه النبيّ. وقال: نغمة الجن فمن أنت؟ قال: أنا هامة بن الهيثم بن لاقش
_________________
(١) ١ أخرجه ابن سعد ٢/٢٩، ٤٢، وقال: أنا الواقدي ثني الزبير بن سعيد النوفلي عن عبد الله بن الفضل بن العباس، قال: ، فذكره. قلت: إسناده منقطع، فعبد الله بن الفضل، ثقة من الرابعة. (ر: التقريب ١/٤٤٠)، وفيه أيضًا الواقدي وهو متروك. وله تابع أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٧/٣٦٩، رقم ٣٦٧٧٠، من طريق موسى ابن عبيدة عن محمّد بن ثابت أن رسول الله ﷺ ، فذكره. وإسناده ضعيف. فإن موسى بن عبيدة، ضعيف، من صغار السادسة. (ر: التقريب ٢/٢٨٦)، ومحمّد بن ثابت، عن أبي هريرة، مجهول من السادسة. (ر: التقريب ٢/١٤٩) . ٢ متى ٤/١١، لوقا ٢٢/٤٣. ٣ تكوين ١٨/٢-٢٢، ١٨/٢٣-٣٣. ٤ أخرجه البيهقي مطولًا في الدلائل ٧/٨١، وقال: "هكذا روى هذا (الحديث) عن عمار بن أبي عمار وهو مرسل". قلت: عمار بن أبي عمار، مولى بني هاشم، أبو عمرو، صدوق ربما أخطأ، من الثالثة. (ر: التقريب ٢/٤٨) . ٥ في ص، م (جالسا) والصواب ما أثبتّه.
[ ٢ / ٨٥٠ ]
بن إبليس - فذكر أنه لقي نوحًا ومن بعده ، في حديث طويل، وأقرأه ﵇ سورًا من القرآن١.
وقد حكى الواقدي أنّ خالدًا قتل العُزَّى عندما هدم بيتها٢.
٥٧- ومن دلائل نبوته ما نطقت به قدماء الشعراء الموحدّين من التنويه
_________________
(١) ١ ذكره السيوطي في اللألئ المصنوعة ١/١٧٤، وابن عراق في تنْزيه الشريعة ١/٢٣٨، ٢٣٩، وقال: أخرجه العقيلي (في الضعفاء ١/٩٨)، من طريق إسحاق بن بشر الكاهلي وجاء من حديث أنس من طريق أبي سلمة محمّد بن عبد الله الأنصاري بنحوه، وهكذا قال العقيلي بنحوه ولم يسقه. ثم قال: وليس للحديث أصل، وتعقب بأن الكاهلي قد تابعه محمّد بن أبي معشر نحوه رواه البيهقي في الدلائل (٥/٤١٨-٤٢٠)، وقال عقب إخراجه: أبو معشر روى عنه الكبار، إلاّ أنّ أهل الحديث ضعفّوه، قال: وقد روي من وجه آخر هذا أقوى منه، وجاء أيضًا من حديث عمر أخرجه أبو نعيم في الدلائل (ص ٣٧٠-٣٧٢) من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس عن عمر، وأخرجه الفاكهي في أخبار مكّة عن ابن عباس لم يذكر عمر، وأخرجه أبو جعفر المستغفري في الصحابة عن سعيد بن المسيب: قال: قال عمر. ولحديث أنس طريق ثانٍ ليس فيه أبو سلمة الأنصاري أخرجه أبو نعيم في الدلائل، وجاء عن عائشة مرفوعًا: أن هامة بن هيثم بن لاقش في الجنة. أخرجه علي بن الأشعث أحد المتروكين المتهمين في كتاب السنن. اهـ. قلت: ومع مجموع هذه الطرق فلا يزال الحديث ضعيفًا. ٢ أخرجه ابن إسحاق معلقًا. (ر: السيرة ٤/١١٢)، وابن سعد ٢/١٤٥، وأخرجه أبو نعيم ص ٥٣٥، والبيهقي ٥/٧٧، كلاهما في الدلائل من طريق محمّد بن فضيل عن الوليد بن جميع عن أبي الطفيل ﵁، قال: ، فذكره في سياق طويل، - وفيه -: أن العُزى امرأة عريانة ناشرة شعرها تحثو التراب على رأسها، فعممها خالد بنالسيف حتى قتلها. قلت: في إسناده الوليد بن عبد الله بن جميع الزهري، صدوق يهم، رمي بالتشيع. (ر: التقريب ٢/٣٣٣) . وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/١٧٩، وقال: "رواه الطبراني، وفيه يحيى بن المنذر وهو ضعيف". اهـ.
[ ٢ / ٨٥١ ]
بشأنه ﷺ مثل: تبع١ والأوس٢ بن حارثة، وكعب٣ بن لؤي،
_________________
(١) ١ تُبَّع: سم لملك اليمن، وقد تقدم. (ر: ص ٨٨) . والمراد هنا هو: تبع الثاني أبو كرب تبان أسعد بن كلي كرب بن زيد، وقد حاصر المدينة وأراد تخريبها إذ جاءه حبران من أحبار اليهود فقالا له: أيها الملك لا تفعل، فإنك إن أبيت إلاّ ما تريد حيل بينك وبينها، ولم نأمن عليك عاجل العقوبة. فقال لهما: ولم ذلك؟ فقالا: هي مهاجر نبي يخرج من هذا الحرم من قريش في آخر الزمان تكون داره وقراره. فتناهى عن ذلك تبع وساق الحبرين معه إلى اليمن، وعمر البيت الحرام وكساه. قال السهيلي: وقد قال تبع حين أخبره الحبران عن رسول الله ﷺ شعرًا: شهدت على أحمد أنّه رسول من الله باري النسم فلو مُدَّ عمري إلى عمره لكنت وزيرًا له وابن عم وجاهدت بالسيف أعداءه وفَرَّجت عن صدره كلّ همّ (ر: سير ابن هشام ١/٥٤-٦٦، ابن سعد ١/١٥٨، ١٥٩، المعارف ص ٣٤٨، لابن قتبية، الروض الأنف ١/٣٥، البداية ٢/١٦٣-١٦٧) . ٢ أوس بن حارثة بن ثعلبة العنقاء، من بني مزيقياء، من الأزد، وإليه تنسب قبيلة الأوس من الأنصار، وكان أوس من عدة ناس في الفترة هداهم الله تعالى للتوحيد لم يعبدوا الأصنام وكانوا يعاشرون أهل الكتاب فيخبرونهم بما في كتبهم من ذكر النبي ﷺ فيذكرونه في خطبهم وأشعرهم، ولأوس شعر فيه أخرجه الخرائطي في (الهواتف) وابن عساكر عن جامع بن جران، قال: لما حضرت الأوس بن حارثة الوفاة أوصى ابنه مالكًا بوصايا ثم أنشأ يقول - ومنه -: ألم يأت قومي أن لله دعوة يفوز بها أهل السعادة والبر إذا بعث المبعوث من آل غالب بمكّة فيما بين زمزم والحَجَر هنالك فابغوا نصره ببلادكم بني عامر إن السعادة في النصر (ر: البداية ٢/٣٣١، ٣٣٢، لابن كثير، الخصائص ١/٤٩، ٥٠، للسيوطي، نسيم الرياض ٣/٢٥٨، الأعلام ٢/٣١، للزركلي) . ٣ أخرج قصته أبو نعيم في الدلائل ص ٨٩، من طريق الحسن بن زبالة المخزومي من محمّد بن طلحة التيمي عن محمّد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال: كان كعب بن لؤي بن غالب بن فهر يجمع قومه يوم الجمعة ، فيخطبهم فيقول: أما بعد: فاسمعوا وتعلموا وافهموا واعلموا، ليل ساج ونهار وضاح ، - وذكر خطبة طويلة فيها -: "حرمكم زَيِّنوه وعَظِّموه، وتمسكوا به فسيأتي له نبأ عظيم وسيخرج منه نبي كريم ثم يقول: نهار وليل كلّ أوْب بحادث سواء عليها ليلها ونهارها يؤوبان بالأحداث حين تأوبا وبالنعم الضافي علينا ستورها على غفلة يأتي النبي محمّد فيخبر أخبارًا صدوقًا خبيرها قلت: أورده الماوردي في أعلام النبو ص ٢٢٩، بلا سند، وابن كثير في البداية ٢/٢٤٤، عن أبي نعيم، وفي إسناده محمّد بن الحسن بن زبالة، أبو الحسن المدني، كذاب. (ر: التقريب ٢/١٥٤) .
[ ٢ / ٨٥٢ ]
وسفيان١ بن مجاشع،
وقس٢ بن ساعدة،
_________________
(١) ١ سفيان بن مجاشع بن دارم التميمي المجاشعي، جد الفرزدق والأقرع بن حابس، أخرج ابن سعد ١/١٦٩ عن قتادة بن السكن العرني، قال: كان في بني تميم سفيان ابن مجاشع أتى أسقفا فقال له: إنه يكون ببلاد العرب نبي اسمه محمّد. فولد له ولد سماه محمّدًا. وأخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ٩٤ عن خليفة بن عبده، قال: سألت محمّد بن عدي بن ربيعة كيف سَمَّاك أبوك في الجاهلية محمّدًا؟ فقال: ، فذكره بنحوه في سياق طويل. وعزاه السيوطي في الخصائص ١/٤٠، ٤١، إلى البيهقي والبطراني والخرائطي في (الهواتف)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٢٣٣: "وراه الطبراني وفيه من لم أعرفهم". ونقل الصالحي عن ابن ظفر عن سفيان بن مجاشع أنه رأى قومًا من تميم اجتمعوا على كاهنة لهم فسمعها تقول: العزيز من والاه، والذليل من خالاه، والموفور من مالاه، والموتور من عاداه. فقال سفيان: من تذكرين لله أبوك؟ فقالت: صاحب حِل وحرم وهدى وعلم فقال سفيان لله أبوك من هو؟ فقالت: نبي مؤيَّد قد أتى حين يوجد ودنا أوان يولد، يبعث إلى الأحمر والأسود بكتاب لا يفند اسمه محمّد. فقال سفيان: لله أبوك أعرابي أم أعجمي؟ قالت: أما والسماء ذات العنان والشجرات ذات الأفنان، إنه لمن معد بن عندنان، فَقَدْك يا سفيان. فأمسك عنها ثم ولد له غلام فسمّاه محمّدًا (ر: الإصابة ٦/٥٩، ١٩٣، سبل الهدى والرشاد ١/١٤٢) . ٢ قُسُّ بن ساعد الإيادي، البليغ الخطيب المشهور، وأحد حكماء العرب، وكان أسقف نجران، ذكره ابن السكن وابن شاهين والمروزي وأبو موسى في الصحابة، وصرح ابن السكن بأنه مات قبل البعثة، وهو أوّل من آمن بالبعث من أهل الجاهلية، وأوّل من توكا على عصا في الخطبة، وأوّل من قال: أما بعد، وقد سمع النبي ﷺ حكمته في عكاظ، ومن خطبه: إن لله دينًا هو أحب الأديان إليه من دينكم الذي أنتم عليه، ونبيًا قد حان حينه وأظلكم أوانه، وأدرككم إبّانه، فطوبى لمن آمن به فهداه وويل لمن خالفه وعصاه، ومن شعره: الحمد لله الذي لم يخلق الخلق عبث لم يُخْلنا حينًا سدى من بعد عيسى واكترث أرسل فينا أحمدا خير نبي قد بعث صلى عليه الله ما حجّ له ركب وحثّ أخرج حديث قس وفيه شعره وخطبه أبو نعيم في الدلائل ص ١٠٣، والبيهقي في الدلائل ٢/١٠١-١١٣، والطبراني والبزار. (ر: المجمع ٩/٤١٩)، وغيرهم عن ابن عباس وأنس بن مالك - ﵃ - في سياق طويل. قال البيهقي: "وقد روي من وجه آخر عن الحسن البصري منقطعًا، وروي مختصرًا من حديث سعد بن أبي وقاص وأبي هريرة، وإذا روى حديث من أوجه وإن كان بعضها ضعيفًا دَلَّ على أن للحديث أصلًا". اهـ. وأورد أخباره ابن كثير، ثم قال: "وهذه الطرق على ضعفها كالمتعاضدة على إثبات أصل القصة". اهـ. (ر: الإصابة ٥/٢٨٥، ٢٨٦، البداية ٢/٢٣٠-٢٣٧، الأعلام ٥/١٩٦) .
[ ٢ / ٨٥٣ ]
وما ذكرهسيف١ بن ذي يزن الملك، وما عرف به زيد٢ بن عمرو بننفيل. وورقة٣ بن نوفل،
_________________
(١) ١ سيف بن ذي يزن، آخر من ملك اليمن من قحطان، وأخباره مشهورة في التواريخ والسير، أما تبشيره ببعثة النبي ﷺ فقد أخرجه الماوردي في أعلام النبوة ص ٢٣٤-٢٣٦، وأبو نعيم ص ٩٥-٩٩، البيهقي ٢/٩-١٤، كلاهما في الدلائل، وابن عساكر. (ر: تهذيب تاريخ ١/٣٦٢-٣٦٦)، كلهم من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: ، فذكره في سياق طويل جدًا - وفيه: أن الملك سيف قال لعبد المطلب: إذا ولد بتهامة غلام به علامة، بين كتفيه شامة كانت لكم الإمامة ولكم به الزعامة إلى يوم القيامة، هذا زمنه الذي يولد فيه، أو قد ولد، اسمه محمّد، يموت أبوه وأمه، وكفله جده وعمه إلى آخر ما ذكر من وصف النبي ﷺ وأحواله. قلت: حديث منكر، فإن محمّد بن السائب الكلبي متهم بالكذب. (ر: التقريب ٢/١٦٣)، وله شاهد من حديث زرعة بن سيف بن ذي يزن، أخرجه البيهقي في الدلائل ٢/٩-١٤، بطوله. (ر: للتوسع: السيرة ١/١٠٤-١١١، لابن هشام المعارف ص ٣٥٧، لابن قتيبة، الإصابة ٣/١٩٠، البداية ٢/٣٢٨) . ٢ زيد بن عمرو بن نفيل العدوي، والد سعيد بن زيد، وابن عم عمر بن الخطّاب ﵁، وكان ممن طلب التوحيد وخلع الأوثان، ولا يأكل مما ذبح عليها، وكان يحيي المؤودة، ويعبد الله على دين إبراهيم ﵇، مات قبل البعثة بخمس سنين. وسئل عنه النبي ﷺ، فقال: "إنه يبعث يوم القيامة أمة وحده". قال الذهبي: "إسناده حسن". ومن شعره: أربًا واحدًا أم ألف ربّ أدين إذا تُقُسِّمَت الأمور عزلت اللات والعزى جميعًا كذلك يفعل الجَلْد الصّبَّور (ر: أخباره في صحيح البخاري كتاب المناقب. (ر: فتح الباري ٧/١٤٢-١٤٥)، دلائل ٢/١٢٠-١٢٦، للبيهقي، السيرة ١/٢٨٦-٢٩٥ لابن هشام، السيرة ص ٨٥-٩٢، للذهبي، الإصابة ٣/٣١) . ٣ ورقة بن نوفل بن أسد القرشي الأسدي، ابن عم خديجة أم المؤمنين، اعتزل الأوثان، وتنصَّر وقرأ الكتب السابقة، وقصته مشهورة في حديث ابتداء الوحي بغار حراء، وذكره الطبري والبغوي وابن قانع وابن السكن وغيرهم في الصحابة، وقال ابن حجر: في إثبات الصحبة له نظر، وتوفي بعد بدء الوحي بقليل، وفي حديث عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ سئل عن ورقة فقال: "يبعث يوم القيامة أمة وحده". قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٤١٩: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح". اهـ. ومن شعره: هذي خديجة تأتيني لأخبرها وما لنا يخفي الغيب من خبر بأن أحمد يأتيه فيخبره جبريل إنك مبعوث إلى البشر (ر: أخباره في صحيح البخاري كتاب التعبير. (ر: فتح الباري ٩/٣٧)، ومسلم ١/١٣٩، السيرة ١/٢٨٤-٣٠٣، لابن هشام، دلائل ٢/١٢٠-١٢٨، ١٣٥-١٥٤، للبيهقي ص ١١٨-١٢٤، للذهبي، الإصابة ٦/٣١٧-٣١٩) .
[ ٢ / ٨٥٤ ]
وعثكلان الحميري١شامول٢ صاحب تبع.
_________________
(١) ١ قال القاري في شرحه ٣/٢٦٣: لم أر من ذكره في معرض البيان. اهـ. قلت: ذكره الحافظ في الإصابة ٥/١٠٧، وقال: "عسكلان بن عواكن الحميري، أحد المعمرين كان ممن بشر برسالة النبي ﷺ ثم أدرك البعثة وأرسل إلى النبي ﷺ بشعر يمدحه ويذكر فيه إسلامه ولم يبلغنا أنه هاجر، وروى حديثه البلوي عن عمارة بن زيد عن عبد الله بن العلاء عن عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن جده، قال: سافرت إلى اليمن قبل مبعث رسول الله ﷺ بسنة فنَزلت على عثكلان بن عواكن الحميري وكان شيخًا كبيرًا ، فذكر قصة طويلة وفيها -: "أن عثكلان قال لعبد الرحمن: أنبئك بالمعجبة، وأبشرك بالمرغبة، إن الله قد بعث في الشهر الأوّل من قومك نبيًّا، ارتضاه صفيًا، وأنْزل عليه كتابًا، وجعل له ثوابًا، ينهى عن الأصنام، ويدعو إلى الإسلام، ثم حَمَّله إلى النبي ﷺ أبياتا منها: أشهد بالله ذي المعالي وفالق الليل والصباح إنك في السر ومن قريش يا ابن المفدى من الذباح أشهد بالله ربّ موسى أنك أرسلت بالبطاح ثم قال الحافظ: "أخرجه ابن عساكر في تاريخه الكبير من هذا الوجه، والبلوي ضعيف، رواية عنه عمر بن مدرك، اتهمه يحيى بن معين". اهـ. ٢ أخرجه ابن سعد ١/١٥٨، ١٥٩، وعنه ابن عساكر. (ر: تهذيب تاريخ ابن عساكر ٣/٣٣٦-٣٣٨)، عن الواقدي عن سليمان بن داود بن الحصين عن أبيه عن ابن عباس عن أبي بن كعب، قال: لما قدم تبع المدينة ونزل بقناة فبعث إلى أحبار اليهود فقال: إني مُخَرِّب هذا البلد حتى لا تقوم به يهودية ويرجع الأمر إلى دين العرب. قال: فقال له ساول اليهودي - وهو يومئذٍ أعلمهم -: أيها الملك، إن هذا بلد يكون إليه مهاجر نبي من بني إسماعيل، مولده مكة واسمه أحمد، وهذه دار هجرته، إن منْزلك هذا الذي أنت به يكون به من القتلى الجراح ، الخ. في سياق طويل وفيه ذكر سامول صفة النبي ﷺ. وأورده ابن قتيبة في المعارف ص ٣٥١، بنحوه، والماوردي في علام النبوة ص ٢٣٠، وليس فيه تسمية هذا الحبر اليهودي، وأن تبع نزل في سفح أحد.
[ ٢ / ٨٥٥ ]
وما حكاه علماء اليهود وأسلم لَمَّا حقق أمره مثل عبد الله١ بن سلام وابني٢ سعية وابن٣ يامين ومخيريق٤ وكعب الأحبار٥ من أحبار اليهود وعلمائهم.
_________________
(١) ١ عبد الله بن سلام بن الحارث، أبو يوسف الإسرائيل ثم الأنصاري، ﵁، من ذرية يوسف ﵇، كان من بني قينقاع، كان اسمه الحصين فغيّره النبي ﷺ، أسلم أوّل ما قدم النبي ﷺ المدينة، وقصة إسلامه مشهورة، أخرجها البخاري وغيره عن أنس أن عبد الله بن سلام أتى رسول الله ﷺ مقدمه المدينة، فقال: إني سائلك عن ثلاث خصال لا يعلمها إلاّ نبي ، الحديث. وفيه قصته مع اليهود أنهم قوم بهت، مات بالمدينة سنة ٤٣هـ ﵁، وله خمسة وعشرون حديثًا. (ر: صحيح البخاري كتاب مناقب الأنصار والتفسير. (فتح الباري ٧/٢٤٩، ٢٧٢، ٨/١٦٥)، السيرة ٢/١٨٦، لابن هشام، دلائل ٢/٥٢٦-٥٣٢، للبيهقي، ودلائل ص ٣٥٥-٣٥٧، لأبي نعيم، سير أعلام النبلاء ٢/٤١٣، الإصابة ٤/٨٠) . ٢ هما: أسد، وقيل: أسيد، وثعلبة ابنا سَعْيَة، رضي الله تعالى عنهما، وقيل: سَعْيَة القرظي، ممن أسلم من اليهود، وقد أخرج أبو نعيم ص ٨١، والبيهقي ٢/٨٠، كلاهما في الدلائل وابن السكن. (ر: الإصابة ١/٣١)، كلهم من طريق ابن إسحاق. (ر: السيرة ١/٢٧٢)، قال: حدّثني عاصم بن عمرو بن قتادة أن شيخًا من بني قريظة حدّثه أن إسلام ثعلبة وأسد ابني سعية، وأسد بن عبيد إنما كان عن حديث ابن الهيبان - من أحبار اليهود بالشام - فذكره قصته بطولها ، وأنه كان يُعْلمهم بقدوم النبي ﷺ قبل الإسلام، فلما كان الليلة التي في صبحها فتح قريظة، قال لهم هؤلاء الثلاثة: يا معشر يهود إنه والله للرجل الذي كان وصف لنا ابن الهيِّبان فاتقوا الله واتبعوه. فأبوا عليهم، فنَزل الثلاثة إلى النبي ﷺ فأسلموا. اهـ. وأخرجه ابن سعد ١/١٦،عن الواقدي، وذكره الحافظ في الإصابة١/٣١، من طرق عدةعن ابن إسحاق. ٣ ابن يامين بن عمير بن عمرو بن كعب بن حجاش، من بني النضير، وقيل: إنه بنيامين أو منبه، ويقال: بليامين-باللام-وهو أحد الحبرين اللذين قدما من اليمن مع تبع، واسم الآخر: سخيت. (ر: الروض الأنف١/١٦٣، نسيم الرياض ٣/٢٦٤) . ٤ أخرج أبو نعيم في الدلائل ص ٧٨، والطبري في تاريخه ٢/٥٣١، كلاهما عن ابن إسحاق معلقًا. (ر: السيرة ٢/١٨٨)، قال: وكان من حديث مخيريق وكان حبرًا عالمًا، وكان رجلًا غنيًا كثير الأموال من النخل، وكان يعرف رسول الله ﷺ بصفته، وما يجد في علمه، وغلب عليه إلف دينه، لم يزل على ذلك حتى إذا كان يوم أحد، وكان يوم أُحُد يوم السبت قال: يا معشر يهود، والله إنكم لتعلمون أن نصر محمّد عليكم الحق. قالوا: إن اليوم يوم السبت. قال: لا سبت لكم. ثم أخذ سلاحه فخرج حتى أتى رسول الله ﷺ بأحد وقاتل حتى قتل. اهـ. وأخرجه الواقدي في المغازي ١/٢٦٣، وعنه ابن سعد ١/٥٠١، ٥٠٢، وذكره الحافظ في الإصابة ٦/٧٣. ٥ كعب بن ماتع الحميري، أبو إسحاق المعروف بكعب الأحبار، أدرك النبي ﷺ رجلًا وأسلم في خلافة عمر ﵁، وكان حسن الإسلام متين الديانة، ثقة، وكان خبيرًا بكتب اليهود، له ذوق في معرفة صحيحها من باطلها في الجملة، روى عنه عدة من الصحابة منهم: أبو هريرة، وابن عباس، توفي كعب بحمص ذاهبًا للغزو في أواخر خلافة عثمان ﵁ سنة ٣٢هـ. (ر: ابن سعد ٧/٤٤٥، سير أعلام النبلاء ٣/٤٨٩-٤٩٤، التقريب ٢/١٣٥، الجرح ٧/١٦١، الإصابة ٥/٣٢٢-٣٢٤) .
[ ٢ / ٨٥٦ ]
وكذلك ما حكاه أحبار النصارى و[متديّنوهم] ١ مثل: بحيرا الراهب٢ / (٢/١٧٢/ب)، و[نسطور الحبشة] ٣ وصاحب بصرى٤ وضغاطر٥ وأسقف الشام٦
_________________
(١) ١ في ص، م (متديّنيهم) والصواب ما أثبتّه. ٢ تقدمت ترجمته. (ر: ص: ٧٥٩) . ٣ في م، ص: (يصطهون) وهو خطأ، والتصويب من الشفا١ /٧١٩، وقال الخفاجي: ونسطور الحبشة، احترز به عن نسطور الشام وغيره. ونسطور الشام قصته مذكورة في السير وهي: قريبة من قصة بحيرا. (ر: ابن سعد ١/١٣٠، تهذيب تاريخ ابن عساكر ١/٢٧٣)، وفي بعض النسخ (الشفا) نسطور بدون إضافة للحبشة، وقد قال الشراح (الشفا): "إن نسطور الحبشة غير معروف، ولعله من علماء أهل الكتاب الذين كانوا عند النجاشي". اهـ. (ر: نسيم الرياض ٣/٢٦٥) . ٤ قال الخفاجي: وصاحبها: ملكها الذي أرسل إليه النبي ﷺ دحية ﵁ بكتابه، وهو: الحارث بن أبي شمر الغساني - كما قاله ابن حجر - وقال: إنه مات عام الفتح، ولم يذكر قصته وإسلامه وما أخبر به عن أمره ﷺ. (ر: نسيم الرياض ٣/٢٦٥، فتح الباري ١/٣٨) . قلت: أخرج قصته ابن سعد ١/٢٦١، عن ابن عباس والمسور بن رفاعة والشَّفاء والعلاء بن الحضرمي وعمرو بن أمية الضمري - ﵃ -، دخل حديث بعضهم في حديث بعض قالوا: ، فذكره في سياق طويل - وفيه -: أن شجاع بن وهب رسولُ رسول الله ﷺ بكتابه إلى الحارث الغساني، وكان بغوطة دمشق فلم يُسْلِم وتَوَعَّد النبي ﷺ بجيش يُسَيِّره إليه وكتب إلى قيصر يخبره بذلك. فكتب إليه قيصر أن لا تسر إليه والْهَ عنه، وأسلم حاجب الحارث واسمه: (مُرّي)، وكان روميًا وكان يقول: إني قد قرأت الإنجيل فأجد صفة هذا النبي ﷺ بعينه فأنا أومن به وأصدّقه أخاف من الحارث أن يقتلني. وبعث مُرّي بكتاب مع شجاع إلى النبي ﷺ يقرئه به السلام ويخبره أنه على دينه، فقال رسول الله ﷺ: "صدق"، أما الحارث فقال عنه ﷺ: "باد ملكه". فمات الحارث عام الفتح. وأخرجه ابن سعد أيضًا ٣/٦٤، من طريق الواقدي بنحوه، ونقله عنه ابن كثير في البداية ٤/٢٦٨، مختصرًا، والسيوطي في الخصائص ٢/١٨، ١٩. ٥ ضغاطر الرومي الأسقف، ويقال: اسمه: تغاطر، وهو أسقف من كبار الروم أسلم على يد دحية ﵁، لما أرسله رسول الله ﷺ إلى هرقل وغَيَّر لباسه وأظهر إسلامه فقتلوه، وكان ذلك في سنة ست من الهجرة، وهو الذي أبهمه البخاري في حديث أبي سفيان في قصة قيصر حيث قال: كتب هرقل إلى صاحب له برومية كان نظيره في العلم. (ر: التجريد ١/٢٧٢، وفتح الباري ١/٣٣، ٤٢، ٤٣، دلائل ص ١٠١-١٠٣، لأبي نعيم، الإصابة ٣/٢٧٧، نسيم الرياض ٣/٢٦٦) . ٦ قال القاري في شرحه ٣/٢٦٦: "ولعله نسطور المحترز عنه فيما تقدم". اهـ. وقال الخفاجي: (وفي نسخة (أساقفة الشام) ويعني بهم: صاحب إيليا وهرقل ابن الناطور وغيرهم". (ر: نسيم الرياض ٣/٢٦٦) .
[ ٢ / ٨٥٧ ]
والجارود١، والنجاشي ملك الحبشة٢، وسلمان وأساقفة نجران٣ ممن آمن وحقّق وأسلم وصدق.
٥٨- ومن دلائل نبوته ﵇ ما نطقت به الكهان:
مثل شافع٤ بن كليب وشقّ وسَطِيح٥
_________________
(١) ١ الجارود بن المعلى ﵁، ويقال ابن عمرو بن المعلى، أبو غياث، واسمه بشر، وكان سيد عبد القيس على دين النصرانية، وفد على رسول الله ﷺ سنة عشرة فأسلم، وكان حسن الإسلام صُلْبًا على دينه، وأدرك الرِّدة ولما ارتد قومه دعاهم إلى الحقّ، وقتل الجارود بأرض فارس سنة ٢١هـ، وفي خلافة عمر رضي الله تعالى عنهما. (ر: السيرة ٤/٢٩٣، ٢٩٤، لابن هشام، دلائل ٥/٣٢٨، للبيهقي، الإصابة ١/٢٢٦، البداية ٥/٤٨) . ٢ تقدمت ترجمته. (ر: ص: ٨٣٣) . ٣ هم الذين وفدوا على رسول الله ﷺ من نجران في ستين راكبًا فيهم أربعة عشر رجلًا من أشرافهم وكان لهم علم بالكتاب وفيهم أسقفهم وإمامهم أبو حارثة بن علقمة وقد شَرُفَ فيهم ودرس كتبهم وكانت ملوك الروم من النصرانية يُحلّونه ويخدمونه، وقد أبى وفد نصارى نجران قبول الإسلام وفيهم نزلت صدر سورة آل عمران، ودعاهم رسول الله ﷺ إلى المباهلة فنكلوا وصالحوه على الجزية، وقد أسلم بعضهم حينمنا رجعوا إلى نجران، ومنهم: كوز بن علقمة أخ لأبي حارثة حينما أقر له بأن محمّدًا ﷺ هو النبي المنتظر، فأضمرها كوز حتى أسلم بعد ذلك. (ر: صحيح البخاري كتاب المغازي. (فتح الباري ٨/٩٣)، السيرة ٢/٢٥٤-٢٦٦، لابن هشام، دلائل ص ٣٥٣-٣٥٤، لأبي نعيم، دلائل ٥/٣٨٢-٣٩٣ للبيهقي) . ٤ شافع بن كليب، هو: كاهن من كهان العرب، أخبر تبعًا بخبر النبي ﷺ وبمهاجرته إلى المدينة - كما تقدم بيانه - وقال الحافظ الحلبي ومن تبعه: لا أعرفه. (ر: نسيم الرياض ٣/٢٧١) . ٥ شقّ وسطيح: هما كاهنان من كهان العرب، وشِقُّ - بكسر الشين - هو: شِق بن صعب بن يَشْكر، وجده الأعلى ربيعة بن أنمار، وكان بيد واحدة ورجل واحدة، وعين واحدة، ولذلك سمي شِقٌّ شِقًّا، لأنه كان كشق الإنسان أي: كنصفه. وسَطِيح - بفتح السين وكسر الطاء - هو: ابن ربيع بن ربيعة بن مسعود، وسمي سطيح سطيحًا لأنه كان كالقطعة من اللحم الملقاة على الأرض وكأنه سطح عليها، فإن جسده لا عظم فيه غير جمجمة رأسه، فكان يدرج كالثوب فإذا غضب انتفخ وقيل: إنه عاش ثلاثمائة سنة. وقصتهما وذكرهما للنبي ﷺ مذكورة في السيرة مشهورة ولهما قصص كثيرة في التواريخ وأدركا زمانه ﷺ. (ر: السيرة ١/٤٨-٥٤، لابن هشام، أعلام النبوة ص ٢٤٠-٢٤٢، للماوردي، دلائل ص١٢٢-١٢٨،لأبي نعيم، دلائل ١/١٢٦-١٣٠، للبيهقي، البداية ٢/٢٦٨-٢٦٩، الخصائص ١/٥٧-٦١، نسيم الرياض ٣/٢٧١) .
[ ٢ / ٨٥٨ ]
وسواد١ بن قارب الدوسي وخنافر٢.
_________________
(١) ١ سواد بن قارب الدوسي أو السدوسي، الصحابي ﵁، وكان كاهنًا من كهان العرب - قبل إسلامه -، كان له رئي من الجن يزتيه ويخبره بالمغيّبات فبينما هو ذات ليلة إذ أتاه فضربه برجله وقال له: قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالتي إن كنت تعقل، قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى الله عزوجل وإلى عبادته، ثم أتاه ليالي يقول له مثل مقالته، فركب ناقته وأتى المدينة واجتمع مع رسول الله ﷺ وآمن به وأخبره بخبر رؤيته وما قال له من الأشعار فسر بذلك رسول الله ﷺ. قلت: وهذا الحديث له عدة طرق ذكرها الحافظ في الإصابة ٣/١٤٨، ١٤٩، والسيوطي في الخصائص ١/١٧٠-١٧٢، وأخرجه البخاري في التاريخ ٢/٢/٢٠٢، والحاكم ٢/٦٠٣، والبيهقي في الدلائل ٢/٢٤٨-٢٥٤، وأبو نعيم في الدلائل ص ١١١-١١٤، وابن إسحاق. (ر: السيرة ١/٢٦٨)، وابن شاهين في الصحابة والحسن بن سفيان في مسنده وغيرهم. وأصل هذا الحديث في صحيح البخاري كتاب المناقب. (فتح الباري ٧/١٧٧)، مختصرًا دون ذكر اسم سواد، وقال البيهقي: "يشبه أن يكون سواد بن قارب". اهـ. وجزم به ابن حجر في الفتح. ٢ خُنَافر بن التوأم الحميري، كان كاهنًا من حمير ثم أسلم على يد معاذ بن جبل، وقصة إسلامه أنه كان له رئي في الجاهلية ففقده بعد ظهور الإسلام، ثم أتاه ذات ليلة فقال له: ، فذكر كلامًا طويلًا جاء فيه قول: - فرقان بين الكفر والإيمان أتى به رسول من مضر ثم من أهل المدر ابتعث فظهر، فجاء بقول قد بهر، وأوضح نهجًا قد دثر، فيه مواعظ لمن اعتبر، قلت: ومَن هذا المبعوث بالآي الكبر؟ قال: أحمد خير البشر، فإن آمنت أعطيت البشر، وإن خالفت أصليت سقر، فآمنت يا خنافر وأقبلت إليك أبادر، قال خنافر: فاحتملت أهلي وأقبلت على معاذ بن جبل بصنعاء فبايعته على الإسلام. اهـ. أورد قصته الحافظ في الإصابة ٢/١٥١، بطولها ثم قال الحافظ: في إسناده مقال، وذكره الأزدي وقال: إسناد خبره ضعيف. اهـ.
[ ٢ / ٨٥٩ ]
وأفعى نجران١، وجِذْل بن جِذْل الكندي٢، وابن خَلَصة الدوسي٣،
_________________
(١) ١ قال الخفاجي: هو: ملك من ملوك نجران كان كاهنًا، وهو الأفعى بن الأفعى الجرهمي، فعن عاصم بن عمر بن قتادة، قال: قدم شيخ من صدا على رسول الله ﷺ ومعه أربعون رجلًا يَحُفُّون به فقال: يا رسول الله - فذكر كلامه وفيه -: وقد سمعت أفعى نجران يذكر في غابر الزمان أنه سيبعث نبي من صفته أن له خاتمًا يسطع نوره بين كتفيه يبعث بمكة ويهاجر إلى طيبة، فبالذي فضلك بالرسالة وإيضاح الدلالة إلا كشفت لي عن خاتم نبوتك، فتبسم رسول الله ﷺ، وقال: حفظت على طول العهد وإن فيك لمعتبرًا، ثم كشف له عن خاتم النبوة فأكب عليه يقبله. اهـ. وأفعى نجران هو الذي حكم بين أولاد نزار لما تشاحوا في ميراث أبيهم وهم: مضر وربيعة وأنمار وإياد، وقال: يا مضر، أنت أبو النبي التهامي، فإنا نجد في الآثار أنه من ولد نزار بن معد بن عدنان، وإني لأرى النبوة بين عينيك نورًا، وأجلسه على سرير ملكه وجلس تحته. (ر: نسيم ٣/٢٧٢، تاريخ الطبري ٢/٢٥، سبل الهدى ١/٣٤٢-٣٤٤، للصالحي، الأعلام ٢/٥) . ٢ قال الخفاجي: هو كاهن من كهان العرب أخبر بمبعثه ﷺ قديمًا، ولم نر تفصيل قصته، إلاّ أنّ التلمساني قال: جذل من كنده وهي قبيلة معروفة، لما ولدته أمه التمست ذَكَرَهُ فلم تجده من شدّة البرد، فظنته جارية فطرحته وزوجها في سكرات الموت، فاشتغلت بموته، ثم ذكرت بعد ثلاث رؤيا بشرت فيها بولد ذكر تسميه باسم أبيه، فقامت وهي تظن أنه مات فوجدت كلبه ترضعه فحملته وَسمَّته باسم أبيه. (ر: نسيم الرياض ٣/٢٧٢) . ٣ ابن خلصة الدوسي، كاهن من كهان العرب، بشر بالنبي ﷺ، أخرج خبره الخرائطي في كتاب الهواتف من طريق عيسى بن يزيد عن صالح بن كيسان عمن حدّثه عن مرداس بن قيس الدوسي، قال: حضرت النبي ﷺ وذكرت عنده الكهانة وما كان من تعبيرها عند مخرجه، فقلت: يا رسول الله عندنا شيء من ذلك أخبرك به ، فذكر قصة طويلة منها: - أن كاهنهم ابن خلصة كان يصيب كثيرًا ثم أخطأ مرة بعد مرة ثم قال لهم: يا معشر دوس حرست السماء وخرج خير الأنبياء، فقلنا: من أين؟ قال: بمكة وأنا ميت وإنه مات عقب ذلك. وذكره السيوطي في الخصائص١/١٨٥،١٨٦، وعزاه أيضًا إلى ابن عساكر، وقال الحافظ في الإصابة ٦/٧٩: "وعيسى بن يزيد أظنه ابن داب وهو كذاب، وفي السند عبد الله بن محمّد ابن البلوي أيضًا". اهـ.
[ ٢ / ٨٦٠ ]
وسعدى١ بنت كريز، وفاطمة ابنة النعمان٢، إلى ما سمع من الأصنام٣ ونطقت به هواتف الجان٤، ووجد مكتوبًا على الحجارة المدفونة بالقلم الأوّل٥. إلى ما ظهر عند مولده من الآيات مما حكته
_________________
(١) ١ سعدي بنت كريز بن ربيعة بن عبد شمس العبشمية ﵂، خالة عثمان بن عفان ﵁، وكانت قد تكهنت لقومها، ذكر أبو سعد النيسابوري في كتاب شرف المصطفى من طريق محمّد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان وهو الملقب بالديباج عن أبيه عن جده، قال: كان إسلام عثمان أنه ، فذكر قصة طويلة فيها -: أن خالته سعدى أخبرت عثمان ببعثة النبي ﷺ وتزوجه بابنته رقية فصدقها وكان ذلك سبب إسلامه، وفي ذلك تقول خالته سعدى: هدى الله عثمان الصفي بقوله فأرشده والله يهدي إلى الحقّ فبايع بالرأي السديد محمّدًا وكان ابن أروى لا يصد عن الحقّ وذكره الحافظ في الإصابة ٨/١٠٦، ١٠٧، في سياق طويل وسكت عن الخبر ونقله الخفاجي في نسيم ٣/٢٧٣، مختصرًا. ٢ أخرجه ابن سعد ١/١٦٧، والبيهقي في الدلائل ٢/٢٦١، من طريق عاصم بن عمر ابن قتادة والزهري عن علي بن حسين - مرسلًا - قال: كانت امرأة في بني النجار يقال لها فاطمة بنت النعمان كان لها تابع من الجن فكان يأتيها، فأتاها حين هاجر النبي ﷺ فانقض على الحائط، فقالت: مالك لم تأت كما كنت تأتي؟ قال: قد جاء النبي الذي يُحَرِّم الزنا والخمر، وذكره السهيلي في الروض الأنف ٢/٢١٣، عن ابن إسحاق معلقًا. ٣ ومن ذلك ما سمعه عمر بن الخطاب ﵁ - قبل إسلامه - من صارخ يقول: يا جليح أمر نجيح رجل فصيح يقول: لا إله إلاّ الله. أخرجه البخاري في كتاب المناقب. (ر: فتح الباري ٧/١٧٧)، وقد ذكر ابن إسحاق. (ر: السيرة ١/٢٦٨-٢٦٩)، والبيهقي في الدلائل ٢/٢٤٣-٢٦٠)، وأبو نعيم في الدلائل ص ١١٥-١٢٢، والسيوطي في الخصائص ١/١٧٠-١٧٣، وغيرهم كثيرًا مما سمعه المشركون من أجواف أصنامهم يقول إن أمرهم بطل بظهور الرسول ﷺ ويأمرهم باتباعه. ٤ ومن ذلك سمعه سواد بن قارب ﵁ وقد تقدم، وسماع ذياب بن الحارث هاتفًا يقول: يا ذياب يا ذياب اسمع العجاب بعث محمّد بالكتاب، وسماع ابن قرة الغطفاني هاتفًا يقول: جاء حقّ فسطع ودم باطل فانقمع، إلى غير ذلك. وللخرائطي كتاب (الهواتف) جمع فيه ذلك. وذكره أيضًا أبو نعيم في الدلائل ص ١٠٧-١١٤، والبيهقي في الدلائل٢/٢٤٨،٢٦١،والهيثمي في مجمع الزوائد٨/٢٤٦-٢٥٥، وابن كثير في البداية ٢/٣٣٢-٣٥٦، والسيوطي في الخصائص ١/١٧٣-١٨٢. ٥ وقد نقله المؤرخون في قصص كثيرة، منها: ما ورى عن طلحة ﵁، قال: وجد في البيت حجرًا منقورًا في الهدمة الأولى، فدعي رجل فقرأه، فإذا فيه: عبدي المنتخب المتوكل المنيب المختار، مولده بمكة ومهاجره طيبة، لا يذهب حتى يقيم السنة العوجاء ويشهد أن لا إله إلاّ الله وأمته الحمادون ، ذكر ابن ظفر أنه وجد بالخط العبراني على حجر: باسمك اللهم جاء الحق من ربّك بلسان عربي مبين. لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله، وكتبه موسى بن عمران. (ر: التاريخ الكبير١/١/٤٤٥، للبخاري، دلائل ٢/٦١، للبيهقي الخصائص ١/٦٢، ٦٣، للسيوطي، سبل الهدى والرشاد ١/١٠٣-١٠٧، ٥٠٧-٥٠٩، للصالحي) .
[ ٢ / ٨٦١ ]
أمه والنسوة الثقات من كونه حال بروزه كان رافعًا بصره إلى السماء١، وأنها رأت نورًا خارجًا معه٢، ورأين النجوم وقد تدلت من الأفق٣، والنور قد أضاء حتى ملأ الأرض إلى ما جرى عند ولادته من ارتجاج
_________________
(١) ١ أخرجه ابن سعد ١/١٠٢، عن عكرمة مرسلًا، وأخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ١٣٨، عن ابن أبي هند بنحوه، وفيه انقطاع فإن داود بن أبي هند القشيري، وإن كان ثقة يهم بآخرة إلاّ أنه من الطبقة الخامسة مات سنة أربعين ومائة وقيل: قبلها. (ر: التقريب ١/٢٣٥) . وأخرجه البيهقي في الدلائل ١/١١٣، عن أبي الحكم التنوخي مرسلًا. ٢ أخرجه أحمد في المسند ٤/١٢٨، والحاكم ٢/٦٠٠، وعنه البيهقي في الدلائل ١/٨٣، وابن حبان. (ر: الموارد ص ٥١٢)، كلهم عن طريق سعيد بن سويد عن العرباض بن سارية السلمي ﵁. وقال الحاكم: "حديث صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٢٢٦، وقال: "رواه أحمد بأسانيد والبزار والطبراني بنحوه، وأحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح غير سعيد بن سويد وقد وثقه ابن حبان". اهـ. وله شاهد من حديث أبي أمامة ﵁ أخرجه أحمد في المسند ٥/٢٦٢، والبيهقي في الدلائل ١/٨٤، كلاهما من طريق فريج بن فضالة عن لقمان ابن عامر عنه. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٢٢٥، وقال: "رواه أحمد وإسناده حسن وله شواهد تقويه". ورواه الطبراني. ٣ أخرجه أبو نعيم ص ١٣٥، والبيهقي ١/١١١ كلاهما في الدلائل من طريق يعقوب ابن محمّد الزهري عن عبد العزيز بن عمران عن عبد الله بن عثمان عن أبي سويد الثقفي عن عثمان بن أبي العاص عن أمه: أنها حضرت آمنة أم رسول الله ﷺ لما ضربها المخاض ، فذكرته. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٢٢٣: "رواه الطبراني، وفيه: عبد العزيز بن عمران وهو متروك". اهـ. وهو كما قال الهيثمي. (ر: التقريب ١/٥١١) .
[ ٢ / ٨٦٢ ]
أبواب كسرى وسقوط شرفاته١، وغيض ماء بحيرة طبرية، وخمود نار فارس وكان لها ألف عام لم تخمد٢، وحراسة السماء بالشهب وقطع رصد الشياطين٣.
_________________
(١) ١ في م: شرافته. ٢ أخرجه أبو نعيم ص١٣٨-١٤١،والبيهقي١/١٢٦-١٢٩، كلاهما في الدلائل، والماوردي في أعلام ص٢٤٠، وابن السكن في الصحابة. (ر: الإصابة ٦/٢٧٩) . والخرائطي في الهواتف. (ر: البداية ٢/٢٦٨)، وابن عساكر. (ر: الخصائص ١/٨٧)، كلهم من طريق يعلى بن عمران البجلي عن مخزوم بن هاني المخزومي عن أبيه - وقد أتت عليه خمسون ومائة سنة قال: لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ ، فذكر في سياق طويل. وذكره الذهبي في السيرة ص ٣٥-٣٨، وقال: "هذا حديث منكر غريب". اهـ. وقال ابن عساكر: "حديث غريب لا نعرفه إلاّ من حديث مخزوم عن أبيه، تفرد به أبو أيوب البجلي". اهـ. قلت: وأخرجه عبدان في كتاب الصحابة من طريق سعيد بن مزاحم عن معروف ابن حربوذ عن بشير بن تيم، قال: لما كانت ليلة مولد النبي ﷺ ، فذكر القصة بطولها. وقال الحافظ في الإصابة ١/١٨٧: إنه مرسل. اهـ. ٣ قال تعالى حكاية عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن الآيان:٨-٩] .
[ ٢ / ٨٦٣ ]
وكونه ﵇ لم يكن له ظل في شمس / (٢/١٧٣/أ) ولا قمر لأنه نور كله١، وكان الذباب لا يسقط على جسدهوثيابه٢.
وأعلم أصحابه بموته ودنوّ أجله٣. وأخبرهم أن قبره بالمدينة يكون٤ وفي
_________________
(١) ١ قال السيوطي في المناهل ص ٤٢: "أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، من طريق عبد الرحمن بن قيس وهو وضاع كذاب عن عبد الملك بن الرائد وهو مجهول عن ذكوان أن رسول الله ﷺ لم يكن يرى له ظل في شمس ولا قمر، ولا أثر قضاء حاجة". ٢ هذا الخبر لم يخرجه السيوطي في المناهل ص ١٧٣. وقال القاري في شرحه للشفا ٣/٢٨٢: "قال الدلجي: لا علم لي بمن رواه". وقال الخافجي في نسيم الرياض ٣/٢٨٢: "هذا ما قاله ابن سبع أيضًا إلاّ أنهم قالوا: لا يعلم من روى هذا". ٣ نعى رسول الله ﷺ نفسه إلى أبي مويهبة مولاه وقد أخرج حديث أبي مويهبة ﵁ الإمام أحمد في مسنده ٣/٤٨٨، والحاكم ٣/٥٥-٥٦، كلاهما من طريق عبيد بن حنين مولى الحكم بن أبي العاص عن أبي مويهبة مولى رسول الله، قال: ، وذكره في سياق طويل. وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. كما نعى رسول الله ﷺ إلى ابنته فاطمة ﵂، وقد أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ من طرق. (ر: فتح الباري ٨/١٣٥، كتاب المغازي باب (٨٣)،وفي كتاب الاستئذان باب (٤٣)، ر:١١/٧٩، ٨٠، (ر: صحيح مسلم ٤/١٩٠٤، ١٩٠٥) . ٤ قال السيوطي في المناهل ص ١٧٣: "أخرجه أبو نعيم في الدلائل عن معقل بن يسار بلفظ: "المدينة مهاجري ومضجعي، من الأرض". وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٣/٣١٣، عن معقل وقال: "رواه الطبراني في الكبير وفيه عبد السلام بن أبي الجنوب وهو متروك". اهـ. وهو كما قال الهيثمي. (ر: التقريب ١/٥٠٥، الكامل في الضعفاء ٥/١٧٦٢) .
[ ٢ / ٨٦٤ ]
بيته سكنه١. ونداء الملائكة عند غسله: ألا تنْزعوا قميصنبيّ الله صلى الله عليه وسلم٢.
٥٩- ومن دلائل نبوّته ﷺ ما أظهر الله على يد أصحابه وأمته من الكرامات والآيات البيّنات، وذلك زيادة في تخصيصه وآياته وصدقه وزلفته عند الله تعالى، وهذه الدلالة متّسعة جدًا فلنقتصر منها على لمعة يسيرة يحصل
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي ٣/٣٣٨، عن عائشة ﵄، قالت: لما قبض رسول الله ﷺ اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر: سمعت رسول الله ﷺ شيئًا ما نسيته، قال: "ما قبض الله نبيًا إلاّ في الموضع الذي يجب أن يدفن فيه". قال الترمذي: "حديث غريب، وعبد الرحمن بن أبي بكر المليكي يُضَعَّف من قبل حفظه". اهـ. قلت: إلاّ أنّ له طرقًا وشواهد تقوّيه: فقد أخرجه ابن ماجه، (ر: ضعيف ابن ماجه ص: ١٢٥، للألباني)، وابن إسحاق، (ر: السيرة ٤/٤١٧)، وابن سعد ٢/٢٩٢، والبيهقي في الدلائل ٧/٢٦٠، من طريق ابن عباس عن أبي بكر الصّديق ﵃. وأخرجه البيهقي في الدلائل ٧/٢٥٩، عن سالم بن عبيد - وكان من أصحاب الصفة - عن أبي بكر ﵄. وأخرجه البيهقي في الدلائل ٧/٢٦١، عن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع عن أبي بكر. ورواه مالك ١/٣٢٠ بلاغًا ورواه ابن سعد ٢/٧١، بسند صحيح عن أبي بكر مختصرًا موقوفًا، وهو في حكم المرفوع. اهـ. وذكره السيوطي في الخصائص٢/٤٨٥،وقال: له طرق عدة موصولة ومرسلة. اهـ. وقال الشيخ الألباني: "إنه حديث ثابت بما له من الطرق والشواهد". (ر: أحكام الجنائز ص: ١٣٧، ١٣٨) . ٢ أخرجه الترمذي ٣/٣٣٨، عن عائشة ﵂، قالت: لما قبض رسول الله ﷺ اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر: سمعت من رسول الله ﷺ شيئًا نسيته، قال: "ما قبض الله نبيًّا إلاّ في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه". قال الترمذي: "حديث غريب. وعبد الرحمن بن أبي بكر المليكي يُضَعِّف من قبل حفظ". اهـ. قلت: إلاّ أنّ له طرقًا وشواهد تقويه: فقد أخرجه ابن ماجه. (ر: ضعيف ابن ماجه ص ١٢٥، للألباني)، وابن إسحاق. (ر: السيرة ٤/٤١٧)، وابن سعد ٢/٢٩٢، والبيهقي في الدلائل ٧/٢٦٠، من طريق ابن عباس عن أبي بكر الصّدّيق - ﵃ -. وأخرجه البيهقي في الدلائل ٧/٢٥٩ عن سالم بن عبيد - وكان من أصحاب الصفة عن أبي بكر رضي الله تعالى عنهما. وأخرجه البيهقي في الدلائل ٧/٢٦١، عن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع عن أبي بكر، ورواه مالك ١/٢٣٠ بلاغًا. ورواه ابن سعد ٢/٧١، بسند صحيح عن أبي بكر مختصرًا موقوفًا، وهو في حكم المرفوع. اهـ. وذكره السيوطي في الخصائص٢/٤٨٥، وقال: "له طرق عدة موصولة ومرسلة". اهـ. وقال الشيخ الألباني: "إنه حديث ثابت بما له من الطرق والشواهد". (ر: أحكام الجنائز ص ١٣٧، ١٣٨) .
[ ٢ / ٨٦٥ ]
الغرض، ففي صدور الكرامات والآيات على يد الأتباع برهان ظاهر على صدق المتبوع١.
- قالت عائشة: لما حضرت أبا بكر الوفاة، قال: يا بنية إن أحبّ الناس إليَّ بعدي أنت، وإن أعزّ الناس عليّ فقره بعدي أنت وإني كنت نحلتك جداد عشرين وسقًا من مالي فوددت والله أنك حزتيه، وإنما هو أخواك وأختاك٢. قالت: هذان أخواي، فمن أختاي، قال: ذو بطن ابنة خارجة فقد ألقي في روعي / (٢/١٧٣/ب) أنها جارية، فولدت أم كلثوم٣.
_________________
(١) ١ قال الإمام ابن تيمية: "ومن أصول أهل السنة والجماعة: التصديق بكرامات الأولياء، وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات، كالمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر قرون الأمة، وهو موجود فيها إلى يوم القيامة". (ر: مجموع الفتاوى ٣/١٥٦) . وقال: "إن كرامات الأولياء هي من دلائل النبوة، فإنها لا توجد إلاّ لمن اتّبع النبي الصادق فصار وجودها كوجود ما أخبر به النبي من الغيب، والأولياء دون الأنبياء والمرسلين، فلا تبلغ كرامات أحد قط إلى مثل معجزات المرسلين، كما أنهم لا يبلغون في الفضيلة والثواب إلى درجاتهم ولكن قد يشاركونهم في بعضها كما قد يشاركونهم في بعض أعمالهم. وكرامات الصالحين تدل على صحة الدين الذي جاء به الرسول، لا تدل على أن الولي معصوم، ولا على أنه يجب طاعته في كل ما يقول". (ر: النبوات ص ٨، ١٥٧، مجموع الفتاوى ١١/٢٧٤، ٢٧٥) . وقال حصل في موضوع الأولياء التباس وخلط عظيم بين الناس: فطائفة أنكروا وقوعها ونفوها بالكلية وهم الجهمية والمعتزلة ومن تابعهم. وفي هذا إنكار لما هو ثابت في القرآن والسنة، فخالفوا النصوص وكابروا الواقع. وطائفة غلت في إثباتها وهم علماء الضلال ومشائخ الطرق الصوفية والمنحرفين. الذين اعتقدوا أن السحر والشعوذة والدجل من الكرامات، واستغلوها وسيلة للشرك والتعلق بأصحابها من الأحياء والأموات حتى نشأ عنه الشرك الأكبر بعبادة القبور وتقديس الأشخاص. وطائفة توسطوا في موضوع الكرامات بين التفريط والإفراط وهم أهل السنة والجماعة. ٢ في الطبقات لابن سعد وردت العبارة كالآتي: "وإنما هو مال الوارث، وهما أخواك وأختاك". ٣ أخرجه ابن سعد ٣/١٩٤، من طريق الزهري وهشام بن عروة كلاهما عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: ، فذكرته. قلت: إسناده صحيح. والله أعلم.
[ ٢ / ٨٦٦ ]
- وروي عن عمر أنه نادى: يا سارية١ الجبل. يقول ذلك لبعض أمراء المسلمين حين أحاط به العدو، وبينهما أكثر من شهر، فأسمع الله سارية صوتَه، فكانت سبب سلامة المسلمين٢، وهذه كرامة لا توازيها كرامة.
- وروى سيف بن عمر الأسدي٣ أن عمر اعترض الذين سيَّرهم إلى العزاة فرأى فيهم فتية فكرهم وتفرَّس فيهم الشّرّ، وتعجب الناس من كراهيته فيهم، ولم يرد أن يشهر أمرهم للناس، فكان فيهم من غزا عثمان وقتله وقتل عليّ بن أبي طالب وأثاروا الفتن على الناس بعد٤.
_________________
(١) ١ سارية بن زنيم بن عبد الله الدئلي الكناني، اختلف في صحبته، فقال ابن عساكر: له صحبة، وقال الذهبي: "إنه أدرك النبي ﷺ"، وقال المرزباني: "كان سارية مخضرمًا"، وقال العسكري: "روى عن النبي ﷺ ولم يلقه"، وذكره ابن حبان في التابعين، وقد ولاّه عمر ناحية الفرس، وأمّره على جيش وسيّره إلى فارس سنة ٢٣هـ، وذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة في القسم الأوّل، وقال: بأنهم كانوا لا يؤمرون على الجيش إلاّ الصحابة". (ر: التجريد ١/٢٠٣، الإصابة ٣/٥٢، ٥٣، الأعلام ٣/٦٩) . ٢ أخرجه البيهقي في الدلائل ٦/٣٧٠، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة٧/١٢٣٠، وأبو نعيم في الدلائل ص ٥٧٩، كلهم من طريق ابن وهب عن يحيى بن أيوب عن ابن عجلان عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما. وذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة ٣/٥٣، وعزاه أيضًا للزين عاقولي في زوائد ابن الأعرابي في كرامات الأولياء، وحرملة في جمعه لحديث ابن وهب، وقال الحافظ: إسناده حسن. وذكره ابن كثير أيضًا في تاريخه ٧/١٣١، ثم قال: إسناد جيد. ثم أورد للقصة طرقًا أخرى، وقال في آخرها: فهذه طرق يشد بعضها بعضًا. اهـ. ٣ سيف بن عمر الأسدي التميمي الكوفي، من أصحاب السير، ضعيف في الحديث، عمدة في التاريخ، من كتبه: الجمل، والفتوح الكبير، والرّدّة، وينقل عنه الطبري كثيرًا في تاريخه، توفي ببغداد سنة ٢٠٠هـ. (ر: التقريب ١/٣٤٤، التهذيب ٤/٢٩٥، الأعلام ٣/١٥٠) . ٤ ذكره الطبري في تاريخه ٣/٦، ٧ في حوادث سنة ١٤هـ، ممن خرجوا إلى القادسية، وهؤلاء الفتية الذين كرههم عمر ﵁ فتية دُلْم سباط مع معاوية بن خديج، فكان منهم رجل يقال له: (سودان بن حُمْران) قتل عثمان بن عفان ﵁، وإذا منهم حليف لهم يقال له: (عبد الرحمن بن ملجم) قتل عليّ بن أبي طالب ﵁.
[ ٢ / ٨٦٧ ]
- وروي أنّ عليًّا١ رضوان الله عليه قدم عليه قوم من الخوارج من أهل البصرة فيهم رجل يقال له: الجعد بن بَعْجَة، فقال له: اتّق الله يا عليّ فإنك ميت. فقال عليّ رضوان الله عليه: بل مقتول، ضربة على هذا تخضب هذه - يعني لحيته من رأسه -، عهد معهود وقضاء مقضي وقد خاب من افترى٢.
- ولما حضر الناس لبيعة عليّ جاءه عبد الرحمن٣ بن مْلْجَم المُرَادِي / (٢/١٧٤/أ) فردّه
_________________
(١) ١ ليست في م. ٢ أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة ١/٥٤٢، والحاكم ٣/١٤٣، والبيهقي في الدلائل ٦/٤٣٨، والخطيب في الأسماء المبهمة ص ٤٩، كلهم من طريق شريك عن عثمان بن المغيرة عن زيد بن وهب، قال: ، فذكره. قلت: إسناده ضعيف. فإن شريك بن عبد الله بن أبي نمر صدوق يخطئ، سّيء الحفظ. (ر: التهذيب ١/٣٥١، والتقريب ١/٣٥١)، إلاّ أنّ البيهقي فقال: "إن لهذا الحديث شواهد يقوي بها". اهـ. وذكر منها: حديث أبي فضالة الأنصاري، وثعلبة ابن يزيد، ثم قال: "ورويناه في كتب السنن بإسناد صحيح عن زيد بن أسلم عن أبي سنان الدؤلي عن عليّ ﵁ في إخبار النبي ﷺ بقتله". اهـ. ٣ قاتل عليّ ﵁، خارجي مفترٍ، شهد فتح مصر، واختلط بها مع الأشراف، وكان ممن قرأ القرآن والفقه ومن العُبّاد. قال الإمام الذهبي: "وهو عند الخوارج من أفضل الأمة، وكذلك تعظمه النصيرية، وعند الروافض أشقى الخلق في الآخرة، وهو عندنا - أهل السنة - ممن نرجو له النار، ونُجَوِّز أن الله يتجاوز عنه، لا كما يقول الخوارج والروافض فيه، وحكمه حكم قاتل عثمان وقاتل الزبير وقاتل طلحة وقاتل سعيد بن جبير وقاتل عمار وقاتل خارجة وقاتل الحسين، فكل هؤلاء نبرأ منهم ونبغضهم في الله ونكل أمورهم إلى الله عزوجل. (ر: ابن سعد٣/٣٢-٤٠، تاريخ الإسلام-عهد الخلفاءص٦٥٣، ٦٥٤، للذهبي) .
[ ٢ / ٨٦٨ ]
مرتين أو ثلاثًا ثم أتاه، فقال: ما يحبس أشقاها ليخضبن هذه من هذه ثم تمثل:
أشدد حيازيمك١ للموت فإن الموت لاقيك٢
ولا تجزع من الموت٣ إذا حلّ بواديك٤
- ودعا عبد الله بن جحش قبل يوم أحد بيوم فقال: اللهم إنَّا لاقو عدوّنا غدًا، وإني أقسم عليك يا رب لما يقتلوني ويبقروا بطني ويجدعوني٥، فإذا قلت لي: لم فُعِل بك هذا؟ فأقول: اللهم فيك. فلما التقوا وفعلوا به ذلك، فمرّ عليه الذي سمعه بالأمس يدعو بذلك فقال: اللهم أما هذا فقد استجيب له، وأنا أرجو أن يعطى ما سأل في الآخرة٦.
_________________
(١) ١ في م: (رحبان الملك)، والحَيْزُوم: الصدر، أو ما استدار بالظهر والبطن. أو ضلع الفؤاد، وما اكتنف الحلقوم من جانب الصدر. (ر: القاموس ص ١٤١٣) . ٢ في الطبقات لابن سعد: (آتيك) . ٣ في الطبقات لابن سعد: (القتل) . ٤ أخرجه ابن سعد ٣/٣٣، عن الفضل بن دكين أبي نعيم عن فطر بن خليفة عن أبي الطفيل قال: ، فذكره. قال ابن سعد: "وزاد في غير أبي نعيم في هذا الحديث بهذا الإسناد عن عليّ بن أبي طالب: إنه لعهد النبي ﷺ إليّ". اهـ. ٥ في م: (ويجدعوا بيَ) . ٦ أخرجه أبو نعيم في الحلية١/١٠٩، والبيهقي في كتاب السنن٦/٣٠٧، ٣٠٨، كلاهما من طريق إسحاق بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه سعد ﵁، قال: ، فذكره. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٣٠٤، ٣٠٥: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح". اهـ. وعزاه الحافظ في الإصابة ٤/٤٦ أيضًا إلى البغوي. وأخرجه أبو نعيم في الحلية ١/١٠٩، والبيهقي في الدلائل ٣/٢٤٩، ٢٥٠، عن سعيد بن المسيب مرسلًا.
[ ٢ / ٨٦٩ ]
- وذكر سيف بن عمر أنه لما كانت وقعة البحرين والمسلمون أميرهم العلاء١ بن الحضرمي فلما كانوا بالدهناء٢ حيث لا ماء أراد الله أن يريهم آية عظيمة فلما نزل الناس نَفَرت ركابهم في جوف الليل فلم يبق معهم منها بعير إلاّ زاد ولا مزاد، وذلك حين نزل الناس وقبل أن يَحُطُّوا، فهجم عليهم من الغم ما لم يهجم على أمة / (٢/١٧٤/ب) حتى أفضى بعضهم إلى بعض فنادى منادي العلاء: أن اجتمعوا. فاجتمعوا إليه، فقال: ما هذا الذي ظهر فيكم وغلب عليكم؟ فقالوا: كيف لا نكون كذلك ونحن إن بلغنا غدالم تَحْم شمسه حتى نصير حديثًا. فقال: لا تراعوا ألستم مسلمين؟ ألستم في سبيل الله؟ ألستم أنصار الله؟ قالوا: بلى. قال: فأبشروا فوالله لا يخذل الله من كان في مثل حالكم. فلما طلع الفجر صلّى بنا، ومنا المتيمم ومنا من بات٣ على طهوره لعدم الماء، فلما قضى صلاته جثا على ركبتيه وجثا الناس فنصب في الدعاء ونصبوا معه فلمع لهم سراب مع طلوع الشمس فالتفت إلى الصفّ، وقال: رايد ينظر ما هذا؟ فرجع فقال: سراب. فأقبل على الدعاء، ثم لمع لهم آخر فكذلك ثم لمع آخر فقال العلاء: ماء. فقام وقام الناس فنَزلوا على ماء كثير فشربوا واغتسلوا، فما تعالى النهار حتى أقبلت الإبل تُكْرَد٤ من كل وجه فأناخت إليهم وعليها أزوادهم، فقام كل رجل
_________________
(١) ١ العلاء بن الحضرمي ﵁، الصحابي المعروف، واسم أبيه عبد الله بن عماد، له أربعة أحاديث. ٢ الدَّهْنَاء: الوادي الذي ببلاد بني تميم ببادية البصرة في أرض بني سعد. (ر: معجم البلدان ٢/٤٩٣) . ٣ في م: (كان) . ٤ أي: تُساق. (ر: القاموس ص ٤٠٢) .
[ ٢ / ٨٧٠ ]
منهم إلى ظهره فأخذه فما فقدوا سِلْكًا فأرووها وشربوا العَلَّ١ بعد النَّهَل٢ ثم ترحوا، قال: وفيهم أبو هريرة صاحب / (٢/١٧٥/أ) رسول الله ﷺ فعمد إلى إداوة فملأها ثم تركها على الماء فلما أبعدوا قال أبو هريرة لرفيقه: ارجع بيَ إلى الماء. فرجع فإذا الإداوة مملوءة والأرض بلاقع٣ فحقق وحققوا أنها آية من الله عزوجل.
- ولما انتهى العلاء إلى البحر وجد العدوّ قد تحرَّز من المسلمين في الجانب الآخر فجمع المسلمين وخطبهم فقال: إن الله - وله - الحمد قد أراكم من آياته في البر ماء تعتبرون٤ به في البحر فانهضوا إلى عدوّكم واستعرضوا البحر إليهم فإن الله قد جمعهم لكم بدارين٥، فقالوا: نفعل والله ولا نهاب بعد الدهناء أحدًا. فارتحلوا بأجمعهم حتى جاءوا ساحل البحر فدعا ودعوا: "يا أرحم الراحمين، يا كريم يا حليم، يا أحد يا صمد، يا حيّ يا محيي الموتى، يا حيّ يا قيوم، لا إلهَ إلاّ أنت يا ربنا". فأجازوا٦ البحر فإذن الله يمشون على مثل رملة ميثاء٧ فوقها ماء يغمر أخفاف الإبل، وإن ما بين الساحل ودارين مسيرة يوم وليلة لسفن
_________________
(١) ١ العَلُّ والعَلَلُ: الشربة الثانية، أو الشرب بعد الشرب تباعًا. (ر: القاموس ص١٢٣٨) . ٢ النَّهَل: أوّل الشرب. (ر: القاموس ص ١٣٧٧) . ٣ البَلْقع: الأرض القفر. جمعه: بلاقع. (ر: القاموس ص ٩١٠) . ٤ في م: (تعبرون) . ٥ دارين: فرضة بالحبرين يجلب إليها المسك من الهند، والنسبة إليها: (دَارِيٌّ) وهي حاليًا قرية أو جزيرة من شرق المملكة العربيّة السّعوديّة بالقرب من القطيف. (ر: معجم البلدان ٢/٤٣٢، المعالم الأثيرة ص ١١٥، محمّد شراب) . ٦ في م: (فأخذوا) . ٧ المِيْثاء: الأرض السهلة. (ر: القاموس ص ٢٢٦) .
[ ٢ / ٨٧١ ]
البحر في بعض الأحوال، فالتقوا بعدوّهم فما تركوا منهم مخبرًا وسبوا الذراري واستاقوا الأموال فبلغ / (٢/١٧٥/ب) سهم نفل الفارس ستة آلاف، والراجل ألفين فلما فرغوا من عدوّهم رجعوا عودهم على بدئهم١ حتى عبروا أيضًا، فقال عفيف بن المنذر٢ شاعرهم:
ألم تر أن الله ذَلَّل بَحْرَه وأنزل بالكفار إحدى الجَلاَئِل٣
دَعَوْنا الذي شَقَّ البحار فجاءنا بأعجب من فَلْق البحار الأوائل
ولما اتّصل الخبر بأبي بكر ﵁ قال: إن هذا من عظيم الآيات، اللهم اخلف محمّدًا فينا٤.
- ومن كرامات هذه الأمة كلام العجماء: ورى سيف بن عمر أنسعدًا٥ والمسلمون بالقادسية٦ وهم في الغزاة قرموا إلى اللحم فأرسلوا مَنْ يطلب لهم شيئًا من الغنم والبقر فتحصن أصحابها وأحرزوا ماشيتهم
_________________
(١) ١ في م: (درهم) . ٢ ذكره الحافظ في الإصابة ٥/١٠٩، في القسم الثالث ممن ليسوا من أصحاب النبي ﷺ باتّفاق من أهل العلم والحديث، قال: "عفيف بن المنذر التميمي، أحد بني عمرو بن تميم، ذكره سيف في الفتوح، وأنه شهد مع العلاء الحضرمي في قتال الحطيم وأبلى فيه بلاء حسنًا، وهو القاتل يذكر خوضهم البحر مع العلاء ، وذكر الأبيات. اهـ. وذكر هذه الأبيات أيضًا ياقوت الحموي في معجم البلدان ٢/٤٣٢. ٣ في م: (الجلاجل) . ٤ ذكره الطبري في تاريخه ٢/٥٢٢-٥٢٨، وقال: كتب إليَ السّرَّي عن شعيب عن سيف عن الصعب بن عطية بن بلال عن سهم بن منجاب عن منجاب بن راشد، قال: ، فذكره في سياق طويل. ونقله ابن كثير في البداية ٦/٣٧٠، مختصرًا. ٥ هو: سعد بن أبي وقاص مالك الزهري، الصحابي المعروف ﵁. ٦ القادسية: بين النجف والجفّ إلى الشمال الغربي في الكوفي، وإلى الجنوب من كربلاء. (ر: معجم البلدان٤/٢٩١، معجم المعالم الجغرافية ص ٢٤٨، عاتق البلادي) .
[ ٢ / ٨٧٢ ]
فرأى عاصم١ بن عمرو رجلًا على أجمة٢ فسأله أن يدله على البقر والغنم، فحلف له وقال: لا أعلم. وإذا هو راعي تلك الأجمة فصاح منها ثور: كذب والله هَا نحن أولاء، فدخل فاستاق الثيران فأتى بها العسكر، فقسمها عاصم على المسلمين فأخصبوا، وبلغ ذلك الحجاج بن يوسف أيامه فأنكره فحضر/ (٢/١٧٦/أ) إليه جماعة ممن سمع الثور يقول ذلك فشهدوا به عنده٣.
- ومن كراماتهم في هذه الغزاة ما رآه رستم٤ - الذي كان على الفرس - رأى فيما يرى النائم كأن ملكًا نزل من السماء حتى دخل عسكر فارس فختم السلاح أجمع ثم دفعه إلى النبي ﷺ فدفعه النبي ﷺ إلى عمر رضي الله عنه٥.
- ومن كراماتهم المشهور: أن أسيد٦ بن حضير، وعباد٧ بن بشر كانا عند
_________________
(١) ١ عاصم بن عمر التميمي ﵁، من الصحابة، أحد الشعراء الفرسان، أخو القعقاع بن عمرون أنشد أشعارًا كثيرةً في فتوح العراق، وكان له ولأخيه بالقادسية مقامات محمودة وبلاء حسن. (ر: الإصابة ٤/٦، الأعلام ٣/٢٤٨) . ٢ الأَجَمَة: الشجر الكثيف الملتف. جمعه: أُجُم. (ر: القاموس ص ١٣٨٨) . ٣ ذكره الطبري في تاريخه ٣/١٣، ١٤، عن سيف بن عمر، وفيه أن الذين شهدوا عند الحجاج بصحة هذه الكرامة منهم: نذير بن عمرو، والوليد بن عبد شمس وزاهر. ٤ رستم بن فرخزاد، قائد جيش الفرس بالقادسية، وكان منجمًا، وقد فَوَّضته بوران بنت كسرى ملكة الفرس أمر الملك عشر سنين ثم يصير الملك إلى آل كسرى، وقتله هلال بن علّفة التيمي في القادسية. (ر: البداية ٧/٢٩-٥١) . ٥ ذكره الطبري في تاريخه ٣/٢٥، ٢٦، عن سيف بن عمر، وابن كثير في البداية ٧/٤٢، ٤٣. ٦ أسيد بن الحضير بن سماك الأنصاري الأشهلي ﵁، الصحابي المعروف - له ثمانية عشر حديثًا. ٧ عباد بن بشر بن وقش الأنصاري ﵁، له حديث واحد أورده أبو داود والطبراني وابن شاهين، قال إسماعيل القاضي عن ابن المديني. لا أعلم له غيره. (ر: الإصابة ٤/٢٢) .
[ ٢ / ٨٧٣ ]
نبي الله ﷺ في ليلة ظلماء حندس يتحدثان حتى إذا خرجا من عنده أضاءت لهما عصى أحدهما فمشيا في ضوئها، فلما تفرق بهما الطريق أضاءت لكل واحد منهما عصاه فمشى في ضوئها، انفرد بإخراجه البخاري١.
- ومن ذلك أن أم٢ أيمن مولاة خرجت من مكّة مهاجرة إلى رسول الله ﷺ إلى المدينة وهي ماشية ليس معها زاد وهي صائمة في يوم شديد الحرّ فأصابها عطش شديد، فبينا هي بالروحاء٣ أو قريبًا منها إذا بحفيف شيء فوق رأسها، قالت: فرفعت رأسي فإذا أنا بدلو من السماء / (٢/١٧٦/ب) مدلى برشاء أبيض. قالت: فدنا مني حتى إذا كان حيث استمكن منه تناولته فشربت منه حتى رويت. قال: فلقد كنت بعد ذلك أطول في الشمس في اليوم الشديد الحركي أعطش فما عطشت بعدها٤.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار باب (١٣) . (ر: فتح الباري ٧/١٢٤، ١٢٥)، وعنه البيهقي في الدلائل ٦/٧٨، عن أنس ﵁. ٢ أم أيمن ﵂ مولاة النبي ﷺ وخاضنته اسمها: بنت ثعلبة، وماتت في خلافة عثمان - ﵃ -، ولها خمسة أحاديث. (ر: الإصابة ٨/٢١٢-٢١٤) . ٣ الروحاء: محطة على الطريق بين المدينة وبدر، على مسافة ٧٤كم، من المدينة. (ر: العالم الأثير ص ١٣١، محمّد شراب) . ٤ أخرجه ابن سعد في الطبقات ٨/٢٢٤، أبو نعيم في الحلية ٢/٦٧، وابن السكن. (ر: الإصابة ٨/٢١٣)، من طريق جرير بن حازم وهشام بن حسان عن عثمان بن القاسم، قال: ، فذكره. وأخرجه البيهقي في الدلائل ٦/١٢٥، عن ثابت وأبو عمران الجوفي وهشام بن حسان قالوا:. .، فذكروه وإسناده منقطع. وأورده الحافظ في الإصابة ٨/٢١٨، عن ابن سعد وابن السكن، وسكت عنه.
[ ٢ / ٨٧٤ ]
- ومن ذلك أيضًا أن البراء بن مالك لقي جيشًا من المشركين وقد استعلى المشركون على المسلمين فقالوا له: يا براء إن رسول الله قال: إنك لو أقسمت على الله لأبرَّك١، فأقسم على ربّك. فقال: أقسمت عليك يا ربّ لما منحتنا أكتافهم. فمنحوا أكتافهم. ثم التقوا أيضًا على قنطرة السوس قاتلوا في المسلمين فقالوا له: أقسم يا براء على ربّك. فقال: أقسمت عليك يا ربّ لما منحتنا أكتافهم. فمنحوا أكتافهم٢.
- وفي رواية أنه لما كان يوم تستر٣ انكشف المسلمون، فقال البراء: أقسمت عليك يا ربّ لما منحتنا أكتافهم وألحقتني بنبيّك. فمنحوا أكتافهم فاستشهد٤.
ومن ذلك أيضًا أن الملائكة كانت تسلم على عمران بن الحصين وتصافحه فلما اكتوى انقطعت عنه، فلما كان قبيل موته عاودته فسلمت عليه رضي الله عنه٥.
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي ٥/٦٥٠، من طريق ثابت وعليّ بن زيد عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره، منهم البراء بن مالك". قال الترمذي: هذا حديث صحيح حسن. ٢ أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب ١/١٥٤، والحاكم ٣/٢٩١، ٢٩٢، والبيهقي في الدلائل ٦/٣١٨، كلهم من طريق سلامة بن روح عن عُقيل بن خالد عن ابن شهاب عن أنس ﵁، قال: ، فذكره. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد لم يخرجاه". ووافقه الذهبي. ٣ تُسْتَر - بالضم ثم السكون وفتح التاء الأخرى -: وهو تعريب شوشة، أعظم مدينة بخوزستان، فيها أقبر البراء بن مالك، وفتحت سنة ٢٠هـ، وجعلها عمر ﵁ من أرض البصرة لقربها منها. (ر: معجم البلدان ١/٢٩) . ٤ ذكره الطبري في تاريخه ٣/١٨١، وابن كثير في البداية ٧/٩٥، ٩٦، وابن حجر في الإصابة ١/١٤٨، ١٤٩. ٥ تقدم تخريجه. (ر: ص: ٨٤٩) .
[ ٢ / ٨٧٥ ]
- ومن ذلك / (٢/١٧٧/أ) قال بعضهم١: غزونا مع العلاء بن الحضرمي دارين فدعا بثلاث دعوات فاستجيب له فيهن، نزلنا منْزلًا فطلب الماء ليتوضأ فلم يجده، فقام فصلى ركعتين وقال: اللهم إنا عبيدك وفي سبيلك نقاتل عدوّك، اللهم اسقنا غيثًا نتوضأ منه ونشرب فإذا توضأنا لم يكن لأحد في نصيب غيرنا، فسرنا قليلًا فإذا نحن بماء حين أقلعت عنه السماء فتوضأنا منه وتزودنا.
- قال الراوي: فملأت إداوتي٢ وتركتها مكانها حتى أنظر هل استجيب له أم لا؟ فسرنا قليلًا ثم قلت لأصحابي: نسيت إداوتي، فجئت إلى ذلك المكان فإذا به كأنه لم يصبه ماء قط وأخذت إداوتي، ثم سرنا حتى أتينا دارين والبحر بيننا بين العدوّ، وقال: يا عليم يا حكيم يا عليّ يا عظيم، إنّا عبيدك وفي سبيلك نقاتل عدوّك فاجعل لنا إليهم سبيلًا. وتَقحَّم٣ البحر فخضنا ما يبلغ لبودنا٤ فخرجنا إليهم، فلما رجعنا مرض بفؤاده فمات فطلبنا ماء نغسله فلم نجده فلففناه في ثيابه ودفناه فسرنا/ (٢/١٧/ب) غير بعيد فإذا نحن بماء كثير، فقال بعضنا لبعض: فلو رجعنا فاستخرجناه ثم غسلناه. فرجعا فطلبناه فلم نجده. فقال رجل من القوم: إني سمعته يقول: "يا عليّ يا عظيم يا حكيم أخفِ عليهم موتي ولا تطلع على عورتي أحدًا". فرجعنا وتركناه٥.
_________________
(١) ١ هو: سهم بن منجاب، كما ذكر ذلك ابن الجوزي في صفة الصفوة ١/٦٥٩، وأشار إليه البيهقي في الدلائل ٦/٥٣. ٢ الإِدَاوة - بالكسر - إناء الطهارة أو المهطرة، وجمعه: الأَدَاوَى. (ر: القاموس ص ١٦٢٤) . ٣ أي: دخل البحر، يقال: أقحم فرسه النظر: أدخله. (ر: القاموس ص ١٤٨٠) . ٤ لِبْدٌ ولِبَدة: كلّ شعر أو صوف متلبد. (ر: القاموس ص ٤٠٤) . ٥ ذكر هذه الرواية بنصّها ابن الجوزي في صفة الصفوة ١/٦٩٥، ٦٩٦، والبيهقي مختصرًا في الدلائل ٦/٥٣.
[ ٢ / ٨٧٦ ]
- ودخلت في أذن رجل من أهل البصرة حصاة فعالجها الأطباء فلم يقدروا عليها حتى وصلت إلى صماخه فأسهرت ليله ونغصت عيش نهاره، فشكى ذلك إلى بعض أصحاب الحسن فقال: ويحك إن كان شيء ينفعك الله به فدعوة العلاء بن الحضرمي التي دعا بها في البحر وفي المفازة. قال: وما هي رحمك الله؟ قال: يا عظيم يا حليم يا حكيم١. فدعا بها فوالله ما برحنا حتى خرجت من أذنه ولها طنين حتى صكَّت الحائط وبرأ٢.
- قال المؤلِّف: هكذا رأيتها في عدة مصنفات وفيها تقديم وتأخير وزيادة ونقصان، فالرأي أن يدعو الإنسان بهذه الرواية مرّة وبالرواية الأخرى مرّة أخرى ليأتي على كلّ ما ورد منها٣.
- وقال / (٢/١٧٨/أ) ثابت البناني٤: شكا قَيِّمُ أنس بن مالك إلى أنس عطش أرضه فصلّى أنس ودعا، فثارت سحابة حتى غشيت أرضه وملأت، صهريجه فأرسل غلامه فقال: انظر أين بلغت هذه؟ فنظر فإذا هي لم تعد أرضه٥.
_________________
(١) ١ في صفوة الصفوة: (يا عليم) . ٢ ذكر هذه القصة ابن الجوزي في صفة الصفوة ١/١٩٦، عن عمرو بن ثابت، قال: ، فذكره. ٣ قصة العلاء الحضرمي ﵁، أخرجها ابن سعد ٤/٣٦٢، وأبو نعيم في الدلائل ص ٥٧٤، والبيهقي في الدلائل ٦/٥٢، ٥٣، والهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٣٧٩، والذهبي في تاريخ الإسلام (عهد الخلفاء ص ٢٣٧)، وابن كثير في البداية ٦/٢٩٢، ٢٩٣، وغيرهم. ٤ ثابت بن أَسْلَم البُناني - بضم الموحدة ونوين مخففين -: أبو محمّد البصري، ثقة عابد، من الرابعة، روى عن أنس وابن عمر - ﵃ - وغيرهم، مات سنة مائة وبضع وعشرين من الهجرة، وله ست وثمانون. (ر: (ر: الجرح والتعديل ٢/٤٤٩، التقريب ١/١١٥) . ٥ أخرجه ابن سعد ٧/٢١، وابن عساكر في تاريخه ٣/١٦٨، كلاهما من طريق جعفر ابن سليمان الضُّبَعي عن ثابت البناني، قال:. .، فذكره. قلت: إسناده حسن، فإن جعفر الضبعي صدوق. (ر: التقريب ١/١٣١)، وله تابع أخرجه ابن سعد ٧/٢١، ٢٢، وعنه ابن عساكر ٣/١٦٨، عن ثمامة بن عبد الله في سياق أطول بنحوه. يوذكره ابن الجوزي في صفوة الصفوة ١/٧١٢.
[ ٢ / ٨٧٧ ]
- وقالت مولاة أبي أمامة الباهي: كان أبو١ أمامة يحب الصدقة ويجمع لها الدنانير الدراهم والفلوس وما يُؤكل حتى البصلة ونحوها فلا يقف سائل إلاّ أعطاه ما تهيأ له، قالت: فأصبحنا يومًا وليس معنا ولا عندنا شيء من الطعام وليس في البيت سوى ثلاثة دنانير. فوقف به سائل فأعطاه دينارًا ثم آخر فأعطاه دينارًا ثم وقف ثالث فأعطاه الثالث، قالت: فغضبت. فاستلقى على فراشه وأغلقت عليه الباب حتى أذن المؤذن بالظهر فجئته فأيقظته فراح إلى مسجده صائمًا فرققت عليه فاستقرضت ما هيأت له به عشاء وسراجًا ووضعت المائدة ودنوت من فراشه لأمهد له فوجدت تحته ثلاثمائة دينار فقلت في نفسي: ما صنع الذي صنع إلاّ ثقة بذلك فعددتها فإذا ثلاثمائة دينار فتركتها/ (٢/١٧٨/ب) على حالها حتى انصرف عن المسجد بعد العشاء فلما دخل البيت ورأى ما هيأت له حمد الله وتبسم في وجهي وجلس وتعشّى فلما فرغ قلت: يغفر الله لك جئت بما جئت به ثم تركته بمضيعة. قال: وما ذاك؟ قلت: ما جئت به من هذه الدنانير. ورفعت الفراش عنها، ففزع حين رآها وقال: ويحك ما هذا؟ قلت: لا أعلم إلاّ أني وجدتها هَا هنا على ما ترى. قالت: فكثر فزعه٢.
_________________
(١) ١ أبو أمامة الباهي، اسمه: صُدي بن عجلان بن الحارث، الصحابي المعروف، له مائتان وخمسون حديثًا. ٢ أخرجه أبو نعيم في الحلية ١٠/١٢٩، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حدّثني مولاة أبي أمامة ﵁ قالت: ، فذكرته. - وزاد فيه -: "قالت: (مولاة أبي أمامة): فقمت فقطعت زناري وأسلمت، قال: ابن جابر: فأدركتها في مسجد حمص وهي تعلم النساء القرآن والسنن والفرائض وتفقهن في الدين". اهـ.
[ ٢ / ٨٧٨ ]
- وقال ميمون١ بن مهران: شهدت جنازة عبد الله بن عباس بالطائف فلما وضع ليصلى عليه جاء طائر أبيض حتى دخل في أكفانه فالتمس فلم يوجد فلما سُوِّيَ عليه سمعنا صوتًا ولا نرى شخصًا يقول: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [سورة الفجر الآيات: ٢٧-٣٠] ٢.
- ولما أتى العطاء إلى زينب زوجة رسول الله ﷺ من عمر رضوان الله عليه وقسمته في وجوه البرّ رفعت يديها إلى السماء، وقالت: اللهم لا يدركني عطاء لعمر٣ بعد عامي هذا. فماتت قبل أن يدركها٤.
_________________
(١) ١ ميمون بن مِهْران الجزري، أبو أيوب، أصله كوفي، نزل الرِّقة، ثقة فقيه، ولي الجزيرة لعمر بن عبد العزيز، وكان يرسل، من الرابعة، مات سنة ١١٧هـ. (ر: الجرح ٨/٢٣٣، التقريب ٢/٢٩٢) . ٢ أخرجه أبو نعيم في الحلية ١/٣٢٩، من طريق الفرات بن السائب عن ميمون بن مهران. قلت: إسناده ضعيف. فإن فرات بن السائب أبو سليمان، ضعيف الحديث، منكر الحديث، قاله أبو زرعة وأبو حاتم. (ر: الجرح والتعديل ٧/٨٠)، إلاّ أنّ له طرقًا أخرى كثيرة صحيحة، منها: ما أخرجه الحاكم ٣/٥٤٣، ٥٤٤، والذهبي في سير أعلام النبلاء ٣/٣٥٨، من طريق مروان بن شجاع عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٨٥، وقال: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح". وذكره الحافظ في الإصابة ٤/٩٤، من طرق، فقال: "أخرجه الزبير بن بكار بسند له إلى موسى بن عقبة عن مجاهد " فذكره. وأخرجه يعقوب بن سفيان من طريق عبد الله بن مامين عن أبيه. وأخرجه المدائني عن حفص بن ميمون عن أبيه. اهـ. ملخصًا. وقال الذهبي في سيرأعلام النبلاء٣/٣٥٨: "فهذه قضية متواترة". اهـ. ٣ في م: (أحمر) . ٤ أخرجه ابن سعد ٨/١٠٩، وأبو نعيم في الحلية ٢/٥٤، كلاهما من طريق محمّد بن عمرو بن علقمة عن يزيد بن خصيفة عن عبد الله بن رافع عن برزة بنت رافع، قالت: ، فذكرته في سياق طويل. قلت: أورده الذهبي في سير أعلام النبلاء ٢/٢١٢، والحافظ في الإصابة ٨/٣٢، وسكتا عنه. وفي إسناده: محمّد بن عمرو الليثي صدوق له أوهام. (ر: التقريب ١/١٩٦)، وبرزة أو برة بنت رافع لم أقف على ترجمتها. وباقي رجاله ثقات. وأخرجه ابن سعد ٨/١٠٩، أيضًا بسند فيه الواقدي عن محمّد بن كعب، قال: ، فذكره مختصرًا.
[ ٢ / ٨٧٩ ]
- وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: / (٢/١٧٩/أ) أسلمت أم١ شريك عزيّة بنت جابر بن حكيم الدوسية وجعلت تدخل على أهل مكّة فتدعو النساء إلى الإسلام سرًّا ترغبهن فيه، فلما ظهر أمرها لأهل مكّة قالوا: نبعثك إلى قومك. قالت: فحملوني على بعير ليس تحتي شيء ثم تركوني ثلاثًا لا يطعمونني ولا يسقونني، وكانوا إذا نزلوا منْزلًا أوثقوني في الشمس واستظلوا هم وحبسوا عني الطعام والشراب، فبينما هم كذلك، وأنا في الشمس إذا بشيء بارد على صدري فتناولته فإذا هو دلوٌ من ماء فشربت منه قليلًا ثم نزع مني فرفع ثم عاد فتناولته فشربت منه ثم رفع مرارًا ثم نزل ليَ فشربت حتى رويت ثم صببت سائره على جسدي وثيابي، فلما استيقظوا وجدوا أثر الماء على ثيابي ووجدوا هيئتي حسنة، فقالوا: حَلَلْتِ سقاءنا فشربتي منه. قالت: لا والله. ولكنه كان من الأمور كيت وكيت. فقالوا: لئن كنت صادقة لدينك خير من ديننا. فلما نظروا إلى أسقيتهم وجدوها كما تركوها فأسلموا، ثم جاءت هي فوهبت نفسها لرسول الله ﷺ بغير مهر فقبلها ودخل بها٢.
_________________
(١) ١ أم شريك القرشية العامرية من بني عامر بن لؤي، اختلف في نسبتها أنصارية أو عامرية من قريش أو أزدية من دوس، قال ابن حجر: "واجتماع هذه النسب ممكن كأن يقول: قرشية تزوجت في دوس فنسبت إليهم، ثم تزوجت في الأنصار فنسبت إليهم، أو لم تتزوج بل هي نسبت أنصارية بالمعنى الأعم". اهـ. وقد كانت ممن وهبت نفسها للنبي ﷺ. (ر: ابن سعد ٨/١٥٤، حلية الأولياء ٢/٦٦، سير أعلام النبلاء ٢/٢٥٥، الإصابة ٨/٢٤٨، ٢٤٩) . ٢ نقل المؤلِّف هذه الكرامة من ابن الجوزي في صفة الصفوة ٢/٥٣، ٥٤، عن ابن عباس. وأخرجها ابن سعد ٨/١٥٥، عن الواقدي - وهو متروك - عن الوليد بن مسلم عن منير بن عبد الله الدوسي قال: ، فذكره، وإسناده مرسل. وأخرجها أبو نعيم في حلية الأولياء ٢/٦٦، من طريق محمّد بن مروان السدي - أحد المتروكين -، وأبو موسى في الذيل. (ر: الإصابة ٨/٢٤٨)، كلاهما من طريق مححّد بن السائب اللكبي - وهو متروك متهم بالكذب - عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: ، فذكره.
[ ٢ / ٨٨٠ ]
- وكانت (٢/١٧٩/ب) حفصة١ ابنة سيرين٢ تسرج المصباح وتقومإلى مصلاها فربما طفئ المصباح فيضيء لها البيت حتى تصبح٣.
- قال المؤلِّف: ووقفت على كرامة غريبة لسلف هذه الأمة وهي ما رواه سيف بن عمر في الفتوح قال: حاصر المسلمون بهرسير٤ من أرض العراق فلما اشتد عليهم الحصار وأبطأ على المسلمين الفتح أشرف عليهم رسول من الحصن، فقال: إن الملك يقول لكم هل لكم إلى المصالحة على أنّ لنا ما يلينا من دجلة إلى الجبل ولكم ما يليكم من دجلة إلى الجبل؟ أما شبعتم، لا أشبع الله بطونكم. فبدر الناس أبو مفزَّر الأسود بن قطبة وقد أنطقه الله بشيء لا يدري ولا نحن ما هو فأجابه بالفارسية وهو لا يعرف من الفارسية شيئًا ولا نحن. فرجع الرسول إلى الملك بما سمع من أبي مفزر ورأيناهم يقطعون إلى المدائن هاربين فقلنا له: يا أبا مفزر ما قلت له؟ قال: لا والذي بعث محمّدً بالحقّ ما أدري ما هو إلاّ أنّ عَلَيَّ سكينة، وأنا أرجو أن أكون قد أُنطقت بالذي هو خير. وأنْبَأَت الناس
_________________
(١) ١ هي: حفصة بنت سيرين أم الهذيل الأنصارية البصرية، سيدة جليلة من سيدات التابعيات، اشتهرت بالعبادة والفقه وقراءة القرآن والحديث، روت عن أخيها يحيى وأنس بن مالك وأم عطية الأنصارية وغيرهم، توفيت سنة ١٠١هـ، وهي ابنة سبعين سنة. وفي رواية سنة ٩٢هـ. (ر: ترجمتها في: صفوة الصفوة ٤/٢٤-٢٦، التهذيب ١٢/٤٣٨، أعلام النساء ١/٢٧٣، ٢٧٤، عمر كحالة) . ٢ في م: (سيرويه) . ٣ أخرجه هذه الكرامة ابن الجوزي في صفوة الصفوة ٤/٢٦، عن هشام بن حسان. قلت: هشام بن حسان الأزدي، ثقة من أثبت الناس في ابن سيرين. (ر: التقريب ٢/٣١٨٩) . ٤ بَهُرَسِير - بالفتح ثم الضم، وفتح الراح، وكسر السين المهلمة، وياء ساكنة وراء -: من نواحي سواد، وهي معربة من (دِه أردشير) أو (بِه أردشير)، كأن معناه: خير مدينة أردشير، وهي في غربي دجلة. (ر: معجم البلدان ١/٥١٥) .
[ ٢ / ٨٨١ ]
يسألون عن ذلك حتى / (٢/١٨٠/أ) جاءه سعد فقال: يا أبا مفزّر ما قلت للرسول فوالله إنهم لهراب؟ ثم نادى سعد في الناس ثم نَهَدَ١ بهم فوجد القوم قد هربوا وتركوا المدينة ووجدوا منهم قومًا خارج المدينة فأسروهم، وسألهم المسلمون لأي شيء هربوا وتركوا المدينة؟ فقالوا: بعث الملك إليكم يعرض عليكم الصلح فأجاب متكلمكم إنه لا صلح بيننا أبدًا حتى نأكل عَسَل إفريدين بأُترج كوثي. فقال الملك: لا طاقة لا طاقة لأحد بهؤلاء وأسرع الجلاء والهرب٢.
- وقال مالك٣ بن دينار ﵁: لما ولي عمر بن عبد العزيز - ﵀ - قال: رعاة الشاء في رؤوس الجبال: من هذا الخليفة الصالح الذي قد قام على الناس؟ قال: فقيل لهم: وما علمكم بذلك؟ قالوا: إنه إذا قام خليفة صالح كفت الذئاب والسباع عن شائنا٤.
- قال مالك بن أنس الإمام ﵁: "كان يونس بن يوسف٥ من العباد ومن خيار الناس فذهب يومًا إلى المسجد فلقيته امرأة في طريقه
_________________
(١) ١ أي: نهض بهم. (ر: القاموس ص ٤١٣) . ٢ أورده الطبري في تاريخه ٣/١١٨، ١١٩، وابن كثير في البداية ٧/٧٠، ٧١، عن سيف بن عمر. ٣ مالك بن دينار البصري، الإمام الزاهد العابد، أبو يحيى من ثقات التابعين ومن أعيان كتبه: المصاحف. توفي سنة ١٣٠هـ. (ر: حلية الأولياء ٢/٣٥٧، سير أعلام النبلاء ٥/٣٦٢، التهذيب ١٠/١٤) . ٤ أخرجه أبو نعيم في الحلية ٥/٢٥٥، من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل عن عليّ ابن مسلم الطوسي عن يسار بن حاتم عن جعفر الضبعي عن مالك بن دينار. قلت: سيار بن حاتم العَنَزي صدوق له أوهام. (ر: التقريب ١/٤٣٤)، إلاّ أنّ أبا نعيم ذكر للخبر شاهدين: أوّلهما: عن جسر القصاب، والآخر عن موسى بن أعين. وأورده ابن الجوزي في صفوة الصفوة ٢/١١٨. ٥ اختلف في اسمه، فقيل: يوسف بن يونس، وقيل: يونس بن يوسف، أبو عمرو بن عماس، وكان متعبدًا مجتهدًا يصلي الليل. (ر: صفوة الصفوة ٢/١٣٤) .
[ ٢ / ٨٨٢ ]
فوقع في نفسه منها، فقال: اللهم إنك جعلت بصري / (٢/١٨٠/ب) لي نعمة وقد خشيت أن يكون عليّ نقمة فاقبضه إليك. قال: فعمي. وكان ابن أخ له١ يقوده إلى المسجد فإذا استقبل الجدار اشتغل الصبي يلعب مع الصبيان فإن نابته نائبة حصب الصبي فأقبل إليه، فبينا هو ذات يوم صحوة في المسجد إذ أحس في بطنه بشيء فحصب الصبي فشغل الصبي مع الصبيان حتى خاف الشيخ على نفسه. فقال: اللهم كنت جعلت لي بصري نعمة فخشيت أن يكون علي نقمة فسألتك فقبضته إليك، وقد خشيت الآن الفضيحة فاردد عليّ بصري. فانصرف إلى منْزله بصيرًا، بغير قائد. قال مالك: فرأيته أعمى ورأيته بصيرًا صحيحًا٢.
- وحجّ٣ المنصور٤ سنة سبع وأربعين ومائة فلما قدم المدينة بعث إلى جفعر٥ بن محمّد وقال: أحضره إلي مُتعبًا، قتلني الله إن لم أقتله.
_________________
(١) ١ في م: (لي) . ٢ ذكر هذه الكرامة ابن الجوزي في صفوة الصفوة ٢/١٣٤، ١٣٥. ٣ ذكره هذه الكرامة القاضي أبو علي المحسن بن عليّ التنوخي ت سنة ٣٨٤هـ، في كتابه الفرج بعد الشدة ١/٣١٨-٣٢٠، والذهبي سير أعلام النبلاء ٦/٢٦٦، كلاهما من طريق الفضل بن الربيع، قال: حجّ أبو جعفر المنصور ، فذكره في سياق طويل. وقد أورد القاضي التنوخي هذا الخبر من وجهين مختلفين، أحدهما: من بعض الكتب بغير إسناد، والآخر: من طريق أبي الفرج الأصفهاني. (ر: الفرج ١/٣١٣-٣١٨) . ٤ عبد الله بن محمّد بن عليّ العباس، أبو جعفر المنصور، ثاني الخلفاء العباسيين، ولي الخلافة بعد أخيه السفاح سنة ١٣٦هـ، وهو الذي بنى بغداد، مات بمكة محرمًا بالحج سنة ١٥٨هـ. (ر: سير أعلام النبلاء ٧/٨٣، الجوهر الثمين ص٩١ لابن دقماق، البداية ١٠/١٢١، الأعلام ٤/١١٧) . ٥ جعفر بن محمّد الباقر بن عليّ زين العابدين الهاشمي القرشي، أبو عبد الله الملقب بالصادق، فقيه، إمام، صدوق، كان يغضب من الرافضة ويمقتهم إذا علم أنهم يتعرضون لجده أبي بكر الصدّيق، فإن أمه هي أم فروة بنت القاسم بن محمّد بن أبي بكر الصّدّيق، وأمها هي أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، ولهذا كان جعفر يقول: ولدني أبو بكر الصّدّيق مرتين، ولد ومات بالمدينة سنة١٤٨هـ. (ر: سير أعلام النبلاء ٦/٢٥٥، التهذيب٢/١٠٣، التقريب١/١٣٢، حلية الأولياء٣/١٩٢، الأعلام٢/١٢٦) .
[ ٢ / ٨٨٣ ]
فتغافل عنه الربيع١ لينساه، ثم أعاد ذكره للربيع، وقال: ابعث من يأتي به قتلني الله إن لم أقتله. فلما كان في الثالثة أحضره الربيع، وقال: أبا عبد الله اذكر الله فإنه قد أرسل إليك للتي لا شوي لها. فقال جعفر - رضوان الله عليه -: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله / (٢/١٨١/أ) العلي العظيم. ثم أعلم المنصور بحضوره. فلما دخل قال: يا عدوّ الله اتّخذك أهل العراق إمامًا يُؤَدُّون إليك زكاة أموالهم وتلحد في سلطاني وتبغيه الغوائل، قتلني الله إن لم أقتلك. فقال: يا أمير المؤمنين إن سليمان ﵇ أعطي فشكر، وإن أيوب ابتلى فصبر، وأن يوسف ظلم فغفر، وأنت من ذلك السِّنخ٢. فقال له المنصور: [أنت عندي يا أبا عبد الله] ٣ البريء الساحة، والسليم الناحية، القليل الغائلة، جزاك الله من ذي رحم أفضل ما ذوي الأرحام عن أرحامهم. ثم تناول يده فأجلسه معه على فراشه ثم دعا بالغالية والطيب فغلَّفه بيده حتى خلت لحيته قاطرة، ثم قال: في حفظ الله وكلأته. ثم قال: يا ربيع الحقّ أبا عبد الله بجائزته وكسوته، سِرْ أبا عبد الله في حفظ الله وفي كنفه. قال الربيع: فلحقه بذلك فقلت له: إني قد رأيت من هذا الرجل في أمرك ما لم تره، ورأيت بعد ذلك ما قد رأيت فما قلت يا أبا عبد الله حين دخلت عليه؟
_________________
(١) ١ هو: الربيع بن يونس، الوزير الحاجب الكبير. أبو الفضل الأموي، من موالي عثمان ﵁. كان وزيرًا للمنصور، وكان من نبلاء الرجال. وألبائهم، توفي سنة ١٦٩هـ. (ر: سير أعلام النبلاء ٧/٣٣٥، شذارت الذهب ١/٢٧٤) . ٢ السِّنخ - بالكسر -: الأصل. (ر: القاموس ص ٣٢٣) . ٣ في م، ص: (إلى وعندي أبا عبد الله)، وهو خطأ، والتصويب من كتاب الفرج بعد الشدة.
[ ٢ / ٨٨٤ ]
قال: قلت: اللهم احرسني بعينك التي لا تنام / (٢/١٨١/ب) واكنفني بركنك الذي لا يرام، واغفر لي بقدرتك عليّ، فلا أهلك وأنت رجائي، اللهم إنك أكبر وأجل ممن أخاف وأحذر، اللهم بك أدفع في نحره وأستعيذ بك من شرّه١.
- مسألة:
[إن] ٢ قال بعض النصارى: أن لا نبيّ بعد المسيح، أكذبه ما في كتاب فراكسيس وهو رسائل الحوريين إذ قال في الفصل الحادي عشر منه: "إنه قدم في تيك الأيام أنبياء من بيت المقدس فقام أحدهم يسمى أغابوس٣ فتنبأ لهم وقال: إنه سيكون في هذه البلاد قحط شديد"٤.
_________________
(١) ١ ورد الدعاء في كتاب الفرج بعد الشدة ١/٣١٩، وفي سير أعلام النبلاء ٦/٢٦٦، كاملًا كالآتي: "اللهم أحرسني بعينك التي لا تنام، واكفني بركنك الذي لا يرام، واذكرني برحمتك، واعف عني بقدرتك، لا أَهْلَكُ وأنت رجائي، ربِّ كم من نعمة أنعمت بها عَلَيَّ، قَلَّ لك عندها شكري فلم تحرمني، وكم من بلية ابتليتني بها قَلَّ لك عندها صبري فلم تخذلني، فيا مَنْ قَلَّ عند نعمه شكري فلم يحرمني، ويا مَنْ قَلَّ عند بليّته صبري فلم يخذلني، يا مَنْ رآني على الخطايا فلم يهتكني، يا ذا المعروف الذي لا ينقضي أبدًا، ويا ذا النعماء التي لا تحصى عددًا، صَلِّ على محمّد وعلى آل محمّد، بك أدرأ في نحره، وأعوذ بك من شرّه، اللهم أعني على ديني بدنياي، وعلى آخرتي بتقواي، واحفظني فيما غبت عنه، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، يا مَنْ لا تضره الذنوب، ولا تنقصه المغفرة، اغفر لي ما لا يضرّك وأعطني ما لا ينقصك، إنك أنت الوهّاب، أسألك فرجًا قريبًا، وصبرًا جميلًا، ورزقًا واسعًا، والعافية من جميع البلايا، وشكر العافية". ٢ إضافة يقتضيها السياق. والله أعلم. ٣ ورد في قاموس الكتاب ص ٨٩، ترجمته كالآتي: "ربما كانت الكلمة من أصل عبري معناها: (المحبوب)، وأغابوس: نبي مسيحي كان في أورشليم في عصر الرسل (الحواريين) الأوّل، وذهب إلى أنطاكية وتنبأ بجوع عظيم، وقد حدث هذا الجوع في أيام كلوديوس قيصر، ولما مَرَّ بولس بقيصرية في رحلته الأخيرة إلى أورشليم جاء أغابوس من اليهودية وربط يديه ورجليه بمنطقة بولس، وحذر بولس من أنهم سيقيدونه هكذا متى وصل أورشليم، ويقول التقليد إن أغابوس كان واحدًا من السبعين تلميذًا اللذين أرسلهم المسيح". اهـ. ٤ سفر أعمال الرسل ١١/٢٨، ٢١/١١.
[ ٢ / ٨٨٥ ]
وقال أيضًا في هذا الفصل: "إنه كان في بيعة أنطاكية أنبياء منهم: برنابا وشمعون ولوقش وما ناين وشاؤل فهؤلاء الخمسة بأنطاكية"١.
وقال أيضًا في الفصل الخامس عشر من الكتاب: "إنه كان [لفيلبس المبشر] ٢ أربع بنات متنبئات"٣.
وقال لوقا في كتاب فراكسيس أيضًا: "إن النفر المتوجهين إلى أنطاكية كان نزولهم على بيت عينًا لأنهم كانوا أنبياء"٤.
قال مؤلِّفه: من زعم أنه لا نبي بعد المسيح فهو جاهل بدين النصارى / (٢/١٨٢/ب) إذ لا خلاف عندهم أن فولس صاحب الأربع عشر رسالة هو رسول جاء بعد رفع المسيح، وقد حكى في رسالته أنه أدرك من أصحاب المسيح شمعون الصفا ويعقوب، فقد بطل قول من قال: إنه لا نبيّ بعد المسيح.
فإن قيل: فقد حَذَّرَنا المسيح ﵇ في الإنجيل من الأنبياء الكذبة الذين يلبسون لباس الحملان وهم في الباطن بصور الذئاب الضارية ثم وصفهم فقال: ومن ثمارهم تعرفونهم٥.
قلنا: هذا تصريح من المسيح ﵇ بمجيء الصادق إذ خصّ التحذير بالكذبة ولولا ذلك لم يقل: "ومن قِبَل ثمارهم تعرفونهم". ولقال: لا نبيّ بعدي، ولم يحوجهم إلى الاستدلال بثمارهم على كذبهم، كلا ولكنه صريح
_________________
(١) ١ سفر أعمال الرسل ١٣/١، كالآتي: "وكان في أنطاكية في الكنيسة هناك أنبياء ومعلّمون، برنابا، وسمعان الذي يدعى نيجر، ولوكيوس القيرواني، ومناين الذي تربي مع هيردوس رئيس الرِّبع، وشاؤل". ٢ في م، ص (لفولس المفسر) والتصويب من النصّ. ٣ سفر أعمال الرسل ٢١/٨، ٩. ٤ سفر أعمال الرسل ١١/٢٧. ٥ متى ٧/١٥-٢٠، في سياق طويل، وقد اختصره المؤلّف.
[ ٢ / ٨٨٦ ]
بمجيء النبي الصادق ونصّ عليه في غير موضع من إنجيله كما تقدم، ثم الكاذب من لم يقم على نبوّته برهان.
وقد جاء نبيّنا محمّد رسول الله ﷺ بآيات ظاهرة ودلالات متضافرة كانشقاق القمر وتسليم الحجر واستجابة الشجر وإبراء الأبرص والأجذم والمجنون والآدر / (٢/١٨٢/ب) ونطق الذارع وخسف الأرض بعدوّه عند الإتباع وتفجير الماء ونطق العجماء والإخبار عن الغيوب، والنصر في مواطن الحروب والكتاب العزيز الذي أخرس الشقاشق١ وفضح المنافق وعجز الجنّ والإنس عن الإتيان بمثله وأناط الفصحاء والحكماء حبالهم بحبله.
قال المسيح ﵇: "ومن قِبَل ثمارهم تعرفونهم"، وقد علم الموافق والمفارق أن محمّدًا ﷺ لم تثمر شجرة دعوته عبادة غير الله، فلم يشرك مع الله سواه، ولا جعل له نِدًّا من خلقه، ولا ادّعى له ولدًا، ولا قال: اعبدوا إلهين اثنين ولا ثالث ثلاثة، ولا عَبَدَ رجلًا ولا عجلًا لا كوكبًا ولا وثنًا، بل أمر بعبادة الله إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، والإخلاص له وتنْزيهه عن النقائص والآفات والحلول في المحدثات والتدنس بالزوجات، ولم يجعل الله ولدًا ولا والدً بل خلع الأنداد ونبذ الأضداد، وأمر بطاعة الله ونهى عن معصيته وزهد في الدنيا ورغب في الأخرى، وجاء بكتاب من عند الله يشتمل على الأمر بالمعروف والنهي
_________________
(١) ١ الخطباء، والشِّقْشِقَة: الخُطْبَة. (ر: القاموس ص ١١٦٠) .
[ ٢ / ٨٨٧ ]
عن المنكر / (٢/١٨٣/أ) وبر الوالدين وصلة الرحم وحفظ الجار وفرض الصدقات والأمر بالصيام والصلاة والحثّ على محاسن الأخلاق ومكارم العادات، ثم كسر الأصنام وعطل الأوثان وأخمد النيران وأعلن بالأذان١.
فأما هو في نفسه ﷺ فأربى على سائر الأمم في العبادة وتقدم إخوانه من المرسلين في الإرشاد والإفادة، فهذه ثمار محمّد ﷺ التي صارت أعلق به من الغرام ببني عذرة، والإقدام بابن أبي صفرة.
وقد بين يوحنا الإنجيلي أن التحاذير إنما كان من الدجال قال في رسالته الثانية: "إنه قد خرج في العالم ضُلاّل كثيرون لا يعترفون بالمسيح الجسداني، فمن كان من٢ هؤلاء فهو الضالّ المضل، فأما المقيم على تعليم السيد المسيح فالأب يكون معه"٣.
والتعليم الذي أمر به المسيح هو توحيد الباري وتنْزيهه، وقوله: "أنا نبيّ الله ورسوله وعبده، لا أعمل
_________________
(١) ١ وهذا من دلائل نبوته ﷺ، فإن دعوته وما اشتملت عليه شريعته من الكمال في أمور الدين والدنيا، والآداب والفضائل لا تكون إلاّ وحيًا من عالم الغيب والشهادة العليم الحكيم. ومن دلائل نبوته ﷺ - إضافة على ما سبق - قرائن أحواله ﷺ وسيرته قبل النبوة وبعدها، واتّصافه ﷺ بالأخلاق العظيمة والكمال الإنساني، وزهده في الدنيا بعد إقبالها عليه ﷺ. ومن دلائل نبوته ﷺ أيضًا نصرة الله عزوجل وحفظه إيّاه، وتمكين أسباب النصر له الخارجة عن عادة البشر، وإعلاء أمره وإظهار دعوته على رؤوس الأشهاد في سائر البلاد. ومن دلائل نبوته ﷺ أيضًا أن الداعين إلى دينه من بعده والشاهدين بحقيقة أمره كانوا خيار الناس وأبرارهم كأبي بكر الصّدّيق وعمر وعثمان وعليّ وغيرهم من الصحابة - رضوان الله عليهم - المبسوطة أخبارهم في كتب التاريخ مما يشهد بزهدهم وورعهم وكمال أخلاقهم - كيف لا يكونوا كذلك وقد تربوا في مدرسة المصطفى ﷺ - وقد أقبلت عليهم الدنيا بزهرتها فأدبروا عنها، فمن كانوا كذلك لم يظن بهم الأباطيل والكذب. والله أعلم. ٢ ليست في م. ٣ رسالة يوحنا الثانية ١/٧-١١.
[ ٢ / ٨٨٨ ]
بمشيئتي بل بمشيئة من أرسلني"١. كما تقدم فهذا تعليم المسيح الذي دعا إليه وعلّمه، فمن أقام عليه فهو مؤمن بالمسيح، ومن راغمه فهو الضالّ المضل كما / (٢/١٨٣/ب) أخبر المسيح ﵇.
قال المؤلِّف - عفا الله عنه -:واعلم أنه لو جاز أن يتمسك بنهي عيسى في الإنجيل عن الأنبياء الكذبة في ردّ محمّد ﷺ لجاز أن يتمسك بنهي موسى في التوراة عن الأنبياء الكذبة في ردّ عيسى، فقد قال الله في السفر الخامس من التوراة بعد ذكر النبي الصادق: "فأما الذي يقول ما لم آمره به ويدعو باسم آلهة أخرى فليقتل ذلك قتلًا فإنما يريد أن يضلكم عن الطريق - ثم قال -:إن أشكل عليكم معرفة ما لم أقله مما قلته فانظروا فإني لا أتم قول الكاذب ولا أكمل فعله، لأنه قال ما لم أقله وإن ما تَقَوَّله كذب وجرأة وصفاقة وجه، فلا تخافوه ولا تفزعوا منه"٢.
ولمّا لم يقدح ذلك في حقّ عيسى لم يقدح مثله من الإنجيل في حقّ محمّد ﷺ.
فإن قيل: فمن هم الكذبة الذين ذكروا في توراة موسى وإنجيل عيسى؟
قلنا: لا يلزمنا بيانهم ولكنا نتبرع بذلك ونقول: قد نَجَمَ كذابون ونَبَغ متمحلون وقد أخبر بمجيئهم بطرس صاحب / (٢/١٨٤/أ) المسيح، فقال: "اعلموا أنه ما [جاءت] ٣ قط نبوة من مشيئة البشر بل من روح القدس سيق بها قوم عند الله مطهرون، وقد كانت أيضًا في الشعب أنبياء كذبة كما أنه
_________________
(١) ١ ورد النّصّ في نجيل متى ٦/٢٩، ٣٨، ٣٩، كالآتي: "هذا هو عمل الله أن تؤمنوا بالذي هو أرسله ، لأني قد نزلت من السماء ليس لأعمل مشيئتي بل مشية الذي أرسلني". ٢ تكوين ١٨/١٥-٢٢. ٣ في ص، م (خاب) والتصويب من النّصّ.
[ ٢ / ٨٨٩ ]
يكون أيضًا فيكم معلمون كذبة أولئك الذين يدخلون إلى فرقة الهلكة، ويفتتن بنجاستهم قوم كثير، ويفترون على صحة الحقّ أولئك الذين دينونتهم لا تبطل وهلكتهم لا تنعس"١.
فأخبر بطرس بأنه قد كان ويكون في شعب بني إسرائيل من يفتري على الله الكذب.
قلت: وقد جرى مثل ذلك من أراذل العرب وأدعياء النبوة الكاذبة جماعة كالأسود العنسي٢ باليمن، ومسيلمة٣ باليمامة، وطليحة٤، وسجاح٥
_________________
(١) ١ رسالة بطرس الثانية ١/٢١، ٢/١-٣. ٢ اسمه: عيهلة بن كعب، يلقب ذا الخمار، لأنه كان معتمرًا مختمرًا أبدًا، ادعى النبوة في آخر حياة النبي ﷺ، وكان الأسود رجلًا مشعبذًا يريهم الأعاجيب، وكانت ردته أوّل ردة في الإسلام، وجاء كتاب النبي ﷺ إلى من بقي من المسلمين باليمن بقتله، فقتله أحدهم، وقد كانت فترة ملكه منذ ظهر إلى أن قتل ثلاثة أشهر سنة اهـ. (ر: البداية ٦/٣٠٦-٣١١، الكامل في الأثير ٢/٣٣٦-٣٣٨، الأعلام /١١١) . ٣ مسيلمة بن ثمامة بن كبير الحنفي الوائلي، ولد باليمامة، ويتلقب برحمن اليمامة، وهو أحد من وفدوا إلى رسول الله ﷺ سنة ٩هـ، من بني حنيفة، وبعد عودة الوفد ارتد مسيلمة وادعى النبوة، فأرسل إليه أبو بكر الصّدّيق بقيادة خالد بن الوليد فهزموا جيش مسيلمة وقتله وحشي بن حرب قاتل حمزة، وذلك سنة ١١هـ. (ر: البداية ٥/٥٠، ٥١، ٦/٣٢٠-٣٢٧، الكامل ٢/٣٦١، ٣٦٢، الأعلام ٨/١٢٥) . ٤ طليحة بن خويلد الأسدي، كان من أشجع العرب، قدم على النبي ﷺ في وفد بني أسد سنة ٩هـ، وبعد رجوعهم ارتد طليحة في حياة النبي ﷺ وادّعى النبوة، فأرسل إليه أبو بكر جيشًا بقيادة خالد وهزموا جيش طليحة الذي فرّ مع زوجته إلى الشام ثم أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، وبايع عمر بن الخطاب، ثم لحق بجيش المسلمين وأبلى في الجهاد بلاء حسنًا حتى استشهد بنهاوند سنة ٢١هـ. (ر: البداية ٦/٣١٨، الكامل ٢/٣٤٣، ٣٤٨، الأعلام ٣/٢٣٠) . ٥ سجاح بنت الحارث بن سويد التغليبة، وكانت من نصارى العرب، وادعت النبوة بعد موت النبي ﷺ وحدوث الرّدّة في القبائل، وقد اجتمع معها مسيلمة الكذاب، وأقامت في قومها بني تغلب إلى زمان معاوية فأجلاهم عنها عام الجماعة، ويذكر أنها أسلمت وحسن إسلامها وانتقلت إلى البصرة ومات بها سنة ٥٥هـ، وأنه صلى عليها سمرة بن جندب عامل معاوية إذ ذاك على البصرة، وقيل: غير ذلك. (ر: البداية ٦/٣١٩-٣٢١، الكامل ٢/٣٥٤-٣٥٧، الأعلام ٣/٧٨) .
[ ٢ / ٨٩٠ ]
في آخرين فحام على أكثرهم حَمَام الحِمام١ وصُرعوا بسيوف أهل الإسلام، وأحق الله الحقّ وأبطل الباطل وحَلَّى نبيه حلية الرسالة وعطل العاطل.
فإن قيل: قال المسيح في الإنجيل: "إنه سيقوم مسيح كذاب وأنبياء كذبة ويأتون بآيات وعلامات فيضلوا الناس إن قدروا على ذلك". وحتى يتم / (٢/١٨٤/ب) ما قاله دانيال ﵇ في نبوته٢.
قلنا: أما [المتنبؤون] ٣ فقد ذكرنا مجيئهم وكيف أكذبهم الله وأبادهم، وأما المسيح الكذاب فهو الدجال الكذاب الضالّ المضل الذي حذرته الأنبياء قومهم، وقال فيه نبيّنا محمّد ﷺ: "إنه جعد٤ قطط٥ أعور العين اليمنى كأنها عنبة طافية، أشبه الناس بعبد العزى٦ بن قطن"٧.
_________________
(١) ١ الحمام: ككتاب: قضاء الموت وقدره. (ر: القاموس ص ١٤١٧) . ٢ ورد النّصّ في إنجيل متى ٣٤/٥-١٥، في سياق طويل، وقد ذكره المؤلِّف مختصرًا كما ورد في نفس الإصحاح ٢٤/٢٤، ما يأتي: "لأنه سيقوم مسحاء كذبة وأنيباء كذبة ويعطون آيات عظيمة وعجائب حتى يضلوا لو أمكن المختارين أيضًا". ٣ في ص، م (المتنبئين) والصواب ما أثبتّه. ٤ جَعْد: الجِعد في صفات الرجال يكون مدحًا وذمًا، فالمدح، معناه: أن يكون شديد الأسْر والخلق، أو يكون جعد الشعر، وهو ضدّ السِّبْط، لأن السبوطة أكثرها في شعور العجم. وأما الذمّ، فهو: القصير المتردد الخلْق، وقد يطلق على البخيل أيضا. (ر: النهاية ١/٢٧٥) . ٥ القطط: الشديد الجعودة. (ر: النهاية ٤/٨١) . ٦ عبد العزى بن قطن بن عمرو الخزاعي، من بني المصطلق من خزاعة، وأمه هالة بنت خويلد، وليس له صحبة، فقد هلك في الجاهلية. (ر: فتح الباري ٦/٤٨٨، ١٣/١٠١) . ٧ أخرجه البخاري في كتاب الفتن باب (٢٦) . (ر: فتح الباري ٣٠/٩٠)، ومسلم ١/١٥٥، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وأخرحه مسلم ٤/٥١، ٥٢، عن النواس بن سمعان ﵁ في سياق طويل.
[ ٢ / ٨٩١ ]
"بين عينيه: (ك ف ر)، يقرأ كل مؤمن ومؤمنة كاتب وغير كاتب"١. "تتقدمه سوء مجاعة"٢.
فقال أعرابي: "بأبي أنت يا رسول الله بلغني أن الدجال الكذاب يجيء إثر جوع ومعه جبال من الثريد، أترى لي صلى الله عليك أن أتبطن من ثريده حتى إذا تضلعت آمنت بالله وكفرت بالدجال. فتبسم رسول الله ﷺ وقال: إذًا يكفيك الله بما يكفي به المؤمنين"٣.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري. (ر: فتح الباري ١٣/٩١، ومسلم ٤/٢٢٤٨، عن أنس بن مالك ﵁، وأخرجه مسلم ٤/٢٢٤٩، عن حذيفة ﵁. قال الإمام النووي: "الصحيح الذي عليه المحقّقون أن هذه الكتابة على ظاهرها، وأنها كتابة حقيقية، جعلها الله آية وعلامة من جملة العلامات القاطعة بكفره، وكذبه وإبطاله، يظهرها الله تعالى لكل مسلم، كاتب وغير كاتب، ويخفيها عمن أراد شقاوته وفتنته، ولا امتناع في ذلك". اهـ،. (ر: شرح النووي لصحيح مسلم ١٨/٦٠، فتح الباري ١٣/١٠٠) . ٢ أخرجه أحمد في المسند ٦/٤٥٥، ٤٥٦، من طريق شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ في بيتي فذكر الدجال، فقال: "إن بين يديه ثلاث سنين ، الحديث في سياق طويل. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٣٤٧، ٣٤٨: "رواه كله أحمد والطبراني من طرق، وفي إحدها: "يكون قبل خروجه سنون خمس جدب"، وفيه شهر بن حوشب وفيه ضعف وقد وثق". اهـ. قلت: شهر بن حوشب الأشعري، مولى أسماء بنت يزيد، صدوق، كثير الإرسال والأوهام، وقد تقدم. (ر: ص: ٨٣٣) . وله شاهد من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁، أخرجه ابن ماجه. (ر: ضعيف ابن ماجه ص ٣٢٩) . ٣ لم أقف على من رواه بهذا اللفظ، ولكن ورد في الحديث الصحيح أن مع الدجال جبل خبز ونهر ماء. أخرجه البخاري. (ر: فتح الباري ١٣/٨٩)، مسلم ٤/٥٤، عن المغيرة بن شعبة ﵁.
[ ٢ / ٨٩٢ ]
واعلم أن قصة الدجال مشهورة عند سائر١ الأمم، ولم يبعث نبي بعد نوح ﵇ إلاّ وقد حذّره قومَه٢، وقصة صاف٣ بن صياد صحيحة / (٢/١٨٥/أ) عند أهل الحديث٤ ونحن نؤثر الاختصار.
_________________
(١) ١ أجمع أهل السنة والجماعة على خروج الدجال في آخر الزمان، فإن الإيمان بذلك واجب يدخل ضمن الإيمان باليوم الآخر، لأنه من أشراط الساعة الكبرى ومن أنكر خروجه فقد خالف ما دلت عليه الأحاديث المتواترة وخالف ما عليه أهل السنة الجماعة، ولم ينكر خروجه إلاّ بعض المبتدعة كالخوارج والجهمية وبعض المعتزلة وبعض الكتاب العصريّين والمنتسبين إلى العلم كالشيخ محمّد عبده، والشيخ محمّد فهيم أبو عبية، وغريهم ممن لم يعتمدوا على حجة صحيحة يدفعون بها النصوص المتواترة سوى عقولهم وأهوائهم ومثل هؤلاء لا عبرة بهم ولا بقولهم، والواجب على المؤمن الإيمان بما صحّ الله ورسوله واعتقاد ما يدلّ عليه، لأن مقتضى الإيمان بالله ورسوله هو التسليم لما جاء عنهما والإيمان به. والله أعلم. ٢ أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب (٣) . (ر: فتح الباري ٦/٣٧٠)، ومسلم ٤/١١٤٥، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: فقام رسول الله ﷺ في الناس فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال، فقال: "إني لأنذركموه. ما من نبي إلاّ أنذره قومه، لقد أنذره نوح قومَه " الحديث. ٣ صاف - ويقال: عبد الله بن صياد - أبو صائد كان من يهود المدينة، ولد على عهد النبي ﷺ أعور مختونًا، وكان دجالًا يتكهن أحيانًا فيصدق ويكذب، وقد فُقد ابن صياد يوم الحرة، وذكره الذهبي في التجريد وقال: إنه أسلم فهو تابعي، له رؤية. وقد التبس على العلماء ما جاء في ابن صياد وأشكل عليهم أمره: فقال بعضهم: إنه غير الدجال الأكبر، وإليه ذهب البيهقي وابن تيمية وابن كثير. قال بعضهم: إنه الدجال، وإليه ذهب القرطبي، والنووي والشوكاني فيما يفهم من كلامهما. ولكل منهم دليله فيما ذهب إليه. (ر: التجريد ١/٣١٩، التذكرة ص ٧٠٢، للقرطبي، شرح النووي لصحيح مسلم ١٨/٤٦، ٤٧، نيل الأوطار ٧/٢٣٠، الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ٧٧، النهاية ١/١٧٣، لابن الأثير، الإصابة ٥/١٣٦، أشراط الساعة ص ٢٨٣-٣٠٤، يوسف الوابل) . ٤ ابن صياد وما جاء فيه من الأحاديث أخرجها البخاري. (ر: فتح الباري ٣/٣١٨، ١٣/٢٢٣)، ومسلم ٤/٢٢٤٠-٢٢٤٧، وأحمد في المسند ٥/١٤٨، وغيرهم.
[ ٢ / ٨٩٣ ]
قد شهد يوحنا الإنجيلي أن المسيح الكذاب الآن موجود في الدنيا غير أنه لم يظهر بعد، فقال في الفصل الرابع من رسالته الأولى: "إن المسيح الكذاب الذي سمعتم به سيأتي، وإنه الآن في العالم"١.
وذلك مصدق لما ذكره محمّد رسول الله ﷺ في شأن ابن صياد اليهودي٢.
وقد أطنب فولس في ذكره في الرسالة التاسعة وحذر إخوانه من فِتنَتِهِ فقال: "يا إخواني أطلب إليكم ألا تعجلوا ولا تشدهوا من كلمة ولا من روح ولا من رسالة تأتيكم، فإنه لعل إنسانًا يطغيكم بنحو من الأنحاء، وليس يكون ذلك حتى يأتي [الارتداد] ٣ أولًا ويظهر إنسان الخطيئة ابن البوار الصداد اللدان، ويستكبر على كلٍّ وحتى يجلس في هيكل الله ويخبر عن نفسه، وإنما هو الأثيم الذي يأتي في آيته بالقوى والآيات والعجائب الكاذبة ومكائد الشيطان، وجسد يبيده سيدنا يسوع المسيح بروح فيه"٤.
وقد شهد يوحنا / (٢/١٨٥/ب) الإنجيلي في رسالته الأولى أن الدجاجلة من بني إسرائيل لا من غيرهم، فقال: "إن هذه الساعة هي آخر الزمان وقد
_________________
(١) ١ رسالة يوحنا الأولى ٤/٣، كالآتي: "وهذا هو روح ضد المسيح الذي سمعتم أنه يأتي، والآن هو في العالم". ٢ ورد في حديث تميم الداري ﵁ أنه رأى المسيح الدجال في جزيرة في البحر، وقد صدقه رسول الله ﷺ فيما قال. أخرجه الإمام مسلم ٤/٢٢٦١-٢٢٦٤، عن فاطمة بنت قيس ﵂ في سياق طويل. ٣ في ص، م (العتو) والتصويب من النّصّ. ٤ رسالة بولس إلى تسالونيكي ٢/١-١٢، في سياق طويل بألفاظ متقاربة، وقد اختصر المؤلِّف بعضه.
[ ٢ / ٨٩٤ ]
سمعتم أنه يجيء المسيح الكذاب، والآن قد كان مسيحون كذابون كثيرون ومِنَّا خرجوا"١.
فأخبر أن الدجاجلة الكذابين من بني إسرائيل لا من بني إسماعيل٢، وقد قال رسول الله ﷺ: "إن بين يدي الساعة [دجالين كذابين] ٣ قريبًا من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله". وفي راوية: "فيهم أربع نسوة"٤.
فإن قيل: كيف يجوز إجراء الخوارق على يدي أرباب المخارق.
قلنا: قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني٥: "أما على يد مُدَّعي النبوة فلا، وأما على يد مدعّي الربويبة فنعم. إذا الأوّل يؤدي إلى إفحام الرسل والتباس دليل التصديق على المكلّفين بخلاف ذلك في مدعي الربوبية فإن سمات الحدث عليه ظاهرة"٦.
_________________
(١) ١ رسالة يوحنا الأولى ٢/١٨، كالآتي: "أيها الأولاد هي الساعة الأخيرة، وكما سمعتم أن ضد المسيح يأتي، قد صار الآن أضداد للمسيح كثيرون، من هنا نعلم أنها الساعة الأخيرة. منا خرجوا". ٢ إن اليهود ينتظرون المسيح الدجال ويزعمون أنه من سلالة داود ﵇، وقد ورد في الحديث الصحيح أن الدجال يتبعه سبعون ألفًا من يهود أصبهان. أما النصارى فإنهم ينتظرون مسيح الضلالة ويزعمون أنه المسيح الذي قتله وصلبه اليهود وأنه ابن الله وسيأتي يوم القيامة لمحاسبة الخلائق. وأما المسلمون فإنهم ينتظرون - تصديقًا للصادق الأمين ﷺ - مسيح الهدى عيسى بن مريم عبد الله ورسوله فيكسر الصليب ويقتل المسيح الدجال والخنْزير ويحكم بشريعة محمّد ﷺ. ٣ في ص، م (دجالون كذابون) والصواب ما أثبتّه. ٤ تقدم تخريجه. (ر: ص: ٨٢٧) . ٥ نقل عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني أنه ينفي الكرامة ولا يرى جوازها، وبأن خوارق العادة لا تكون إلاّ لنبي. وهو بذلك يوافق مذهب المعتزلة. (ر: النبوات ص ٥، لابن تيمية، شرح جوهرة التوحيد ص ١٥٤، للبيجوري) . ٦ قال النووي: "قال المازري: إن قيل: إظهار المعجزة على يد الكاذب ليس بممكن، وكيف ظهرت هذه الخوارق للعادة على يده؟ فالجواب: أنه إنما يَدَّعي الربوبية، وأدلة الحدوث تخل ما ادعاه وتكذبه، وأما النبيّ فإنما يَدَّعي النبوة وليست مستحيلة في البشر، فإذا أتى بدليل لم يعارضه شيء صُدِّق. وأما قول الدجال (أرأيتم إن قلت هذا ثم أحييته أتشكون في الأمر؟ فيقولون: لا) . فقد يُسْتَشْكَل لأن ما أظهره الدجال لا دلالة فيه لربوبيته لظهور النقص عليه ودلائل الحدوث وتشويه الذات وشهادة كذبه وكفره المكتوبة بين عينيه وغير ذلك". اهـ. (ر: شرح النووي لصحيح مسلم ١٨/٧١، ٧٢) . وقال ابن حجر: "قال الخطابي: فإن قيل: كيف يجوز أن يجري الله الآية على يد الكافر؟ فإن إحياء الموتى آية عظيمة من آيات الأنبياء فكيف ينالها الدجال وهو كذاب مفترٍ يدّعي الربوبية؟ فالجواب: أنه على سبيل الفتنة للعباد، إذ كان عندهم ما يدل على أنه مبطل غير محقّ في دعواه، وهو أنه أعور مكتوب على جبهته: (كافر) يقرأه كل مسلم، فدعواه داحضة مع وسم الكفر ونقص الذات والقدر، إذ لو كان إلهًا لأزال ذلك من وجهه، وآيات الأنبياء سالمة من المعارضة فلا يشتبهان". اهـ. ونقل الحافظ أيضًا بنحو كلام الخطابي عن الطبري وابن العربي. (ر: فتح الباري ١٣/١٠٣) .
[ ٢ / ٨٩٥ ]
والذي ارتضاه الأئمة أن الله يفعل ما يريد ويضل من يشاء من العبيد غير أن الكاذب ينتج الله له [ما يُكَذِّبه] ١ ويناقضه، أو يخلق العلم الضروري بالمكلّفين بكذبه٢.
والذي يدل على جريان الخارق على يد المارق نصّ التوراة والإنجيل والقرآن والسنة كما تقدم. والله أعلم وأحكم.
نجز الكتاب الملقَّب بـ: [تخجيل مَنْ حَرَّفَ الإِنْجِيلَ] ولله الحمد، رحم الله مَنْ قرأه ودعا لمؤلِّفه بالرحمة والرضوان وكاتبه وجميع المسلمين.
وصلى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وأتباعه وذرّيّاته والتابعين وتابع التابعين إلى يوم الدين.
_________________
(١) ١ بياض في ص، م، والكلمة المثبتة من اجتهاد المحقِّق لموافقته سياق الكلام. والله أعلم. ٢ قال ابن العربي: "الذي يظهر على يد الدجال من الآيات من إنزال المطر والخصب على من يُصَدِّقه والجدب على من يكذبه، واتباع كنوز الأرض له، وما معه من جنة ونار ومياه تجري، كلّ ذلك محنة من الله واختبار ليهلك المرتاب وينجو المتيقن، وذلك كله أمرٌ مُخَوِّف، ولهذا قال ﷺ: "لا فتنة أعظم من فتنة الدجال"، وكان يستعيذ منها في صلاته تشريعًا لأمته". اهـ. (ر: فتح الباري ١٣/١٠٣) . وبنحو ذلك ذكره ابن كثير في البداية ١/١٦٥.
[ ٢ / ٨٩٦ ]
خاتمة البحث
الحمد لله فاتحة كل خير وخاتمة كلّ نعمة، أحمده عزوجل وأشكره على توفيقه وعونه، وعلى جميع نعمه الظاهرة والباطنة وبعد.
فإن مَنْ أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال بحثي ما يأتي:
١- إن الاطلاع على الكتاب المقدسة عند أهل الكتاب وغيرهم جائز لأهل العلم ممن أراد مجادلتهم وبيان ما فيها من التحريف والتبديل والباطل، وإنه غير جائز للعامي والحدث الغر من الناس.
٢- إن مجادلة اليهود تكون في الأمور الآتية:
- إثبات وقوع النسخ في شريعتهم من التوراة وما يتبعها من الكتب المقدسة لديهم.
- بيان مواطن التحريف والتبديل والتناقض في كتبهم المقدسة وإثبات عدم حجيتها وصلاحيتها.
- بيان بطلان عقائدهم الفاسدة وأقوالهم الباطلة في الذات الإلهية والنبوة والأنبياء اليوم الآخر وغيرها.
- إظهار فصائحهم المخزية وأفعالهم القبيحة خلال تاريخهم.
- إثبات نبوة عيسى ﵇.
- إثبات نبوة محمّد ﷺ ونسخ الإسلام للشرائع السابقة.
٣- إن مجادلة النصارى تكون في الأمور الآتية:
[ ٢ / ٨٩٩ ]
- إثبات وحدانية الله عزوجل وتنْزيهه عن الضد والند والولد.
- إثبات بشرية المسيح ﵇ وعبوديته لله عزوجل.
- بطلان أسس العقيدة النصرانية المنحرفة (التثليث والاتّحاد، صلب المسيح تكفيرًا عن الخطيئة، محاسبة المسيح للناس يوم القيامة) .
- نقد قانون الأمانة.
- تفسير الألفاظ التي ضلّ فيها النصارى في كتبهم المقدسة لديهم.
- بيان مواطن التحريف والتبديل والتناقض في كتبهم المقدسة لديهم.
- إظهار فضائح اعتقاداتهم وعباداتهم وطقوسهم وحيل رهبانهم وأحبارهم.
-إثبات نبوة محمّد ﷺ ونسخ الإسلام للشرائع السابقة.
٤- إن دلائل نبوّة محمّد ﷺ متنوعة ومتعددة، فمنها بشارات الأنبياء السابقين صلوات الله وسلامه عليهم، والإرهاصات السابقة لبعثته ﷺ، والمعجزات الكثيرة ومن أعظمها معجزة القرآن الكريم الخالدة، ودعوته ﷺ إلى مكارم الأخلاق وكمال شريعته، وسيرته ﷺ وأحواله قبل البعثة وبعدها، وتأييد الله له بالنصر والتمكين في الأرض، وسيرة أصحابه - ﵃ - الذين حملوا لواء الدعوة من بعده، وكرامات الأولياء والصالحين من أمته ﷺ، وغير ذلك من الدلائل التي تكفي مفرداتها في إثبات النبوة والرسالة للنبي ﷺ، فكيف بمجموعها؟!!.
٥- إن ما توصل إليه علماء المسلمين قديمًا من نتائج في علم الأديان مثل: بيان بعض مواطن التحريف والتناقض في الكتب المقدسة، وإن
[ ٢ / ٩٠٠ ]
النصرانية الحالية (المنحرفة) من مبتدعات بولس واختراعاته وغير ذلك من التنائج تؤكده أبحاث الباحثين المعاصرين من اليهود والنصارى وأقوال مفكريهم وأحبارهم.
وهذا دليل على أسبقية علمائنا المسلمين ودقة ملاحظاتهم واستنتاجاتهم.
٦- إن في السنة النبوية المطهرة مادة غنية يستفيد منها الباحث في علم الأديان، ينبغي الاستفادة منها ودراستها دراسة مستفيضة من هذا المنظور.
_________________
(١) وأما التوصيات التي أقترحها فمنها:
(٢) ينبغي تدريس العقيدة الإسلامية الصحيحة مقرونة بأدلتها من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وأئمة السلف، ثم الاهتمام بتدريس مادة الأديان الفرق في الكلّيّات والجامعات الإسلامية لتثبيت العقيدة الصحيحة ولما لها نم الفوائد الكثيرة، خاصة في البلاد الإسلامية التي تواجه حملات التنصير والاستشراق والغزو الفكري.
(٣) أن يضاف إلى منهج مادة الأديان والفرق بالجامعة الإسلاميّة دراسة الهندوسية والبوذية وبعض الوثنيات الأخرى المعاصرة بدل الاقتصار على اليهودية والنصرانية، حيث إن طلاب الجامعة الإسلاميّة يمثلون شتى بقاع الأرض ويواجهون مختلف الأديان والفرق، لذلك ينبغي توجيههم وإعدادهم للمسؤولية الملقاة على عاتقهم.
(٤) ينبغي أن لا تقتصر دراسة الأديان والفرق على الدراسة الوصفية أو التاريخية، وإنما يجب أن تكون دراسة نقدية تميز بين الصحيح والباطل والخبيث الطيب، وتسلّح الطلاب ببعض أساليب المجالسة وأدوات الهجوم والنقد للعقائد الباطلة والأفكار الفاسدة.
[ ٢ / ٩٠١ ]
٤- الاستفادة من تراث علمائنا المسلمين في علم الأديان - خاصة في مجال نقد الكتب المقدسة عند اليهودية والنصارى - عن طريق ترجمتها وتبسيطها ونشر الأجزاء النقدية منها في كتيبات صغيرة ليسهل توصيل ما بها من المعلومات النقدية إلى الشخص العادي من اليهود والنصارى وغيرهم وتعريفهم بما في كتبهم المقدسة لديهم من مواطن الضعف والقصور، وإبراز البديل لأديانهم الباطلة وهوالإسلام الحقّ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
٥- المتابعة المستمرة لخطط التنصير والاستشراق والغزو الكفري وفضح أهدافها وأساليبها وبيان أخطارها ووضع الخطط الكفيلة بمقاومتها.
والله أعلم.
اللهم اغفر لي فيما أذنبت لا تؤاخذني فيما أخطأت وتقبل مني فيما قدمت فأنت نعم الولي ونعم النصير.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
[ ٢ / ٩٠٢ ]