الفصل الأوّل: عصر المؤلِّف
إنّ العصر الذي يعيشه الإنسان له دور بارز في حياته وتكوين شخصيته لذلك كان على الباحث الذي يدرس شخصية من الشّخصيات أو أثرًا من آثارها أن يكتب - ولو على وجه الإيجاز - عن النواحي السياسية والعلمية والاجتماعية السائدة في ذلك العصر، ليقف على مدى تأثير وتأثر تلك الشخصية بأحداث عصرها.
وقد عاش المؤلِّف القاضي الإمام صالح بن الحسين الجعفري في الفترة ما بين نهاية القرن السادس ومنتصف القرن السابع الهجريين.
الحالة السياسية:
كان القرن السادس ومنتصف القرن السابع الهجري من فترات العصر العباسي الثاني الذي ضعفت فيه الخلافة العباسية وتفككت إلى دويلات صغيرة، وظهرت ممالك مستقلة عنها، ولم يكن للخليفة العباسي إلاّ السلطة الاسمية على بغداد وما جاورها. أما السلطة الفعلية فكان للسلاجقة في بلاد فارس والمشرق وما رواء النهر، وللغزنويّين في بلاد الهند وخراسان، وللفاطميّين في مصر حتّى سنة ٥٦٧هـ، ثم انتقلت إلى الأيوبيّين الذين بسطوا سلطانهم إلى بلاد الشام، والموحدّين في الأندلس والمغرب، والصليحيّين في
[ ١ / ١٥ ]
اليمن١.
وكانت الصورة العامة في ذلك العصر اضطراب الأمن وعدم الاستقرار وانتشار الفتن والثورات والقلاقل وكثرة الحروب الداخلية بين الأمراء والملوك المتنازعين على السلطة والطامعين فيها، مما أدّى إلى ضعف قوّة المسلمين في مواجهة الحروب الخارجية ومن أبرزها الحروب الصليبية التي كانت تشنها دول أروبا على العالم الإسلامي، والغزو المغولي التتري الذي أدّى إلى القضاء على الخلافة العباسية وتدمير عاصمتها بغداد سنة ٦٥٦هـ.
ولم يكن الحال مختلفًا عن ذلك في مصر، حيث عاش المؤلِّف بداية حياته في كنف الدولة الأيوبية الفتية التي أسسها الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي سنة ٥٦٩هـ، وورثها من بعده أبناؤه إلى أن انتهت الدولة الأيوبية وأفل نجمها سنة ٦٤٨هـ، وكان عمر المؤلِّف حينئذٍ (٥٧)، عامًا، ثم عاش بعد ذلك بقية عمره في ظلّ دولة المماليك البحرية٢.
أما السلاطين والملوك الذين عاصرهم المؤلِّف فهم:
١- السلطان الملك الناصر صلاح الدّين الأيوبي ت سنة: ٥٨٩هـ.
٢- السلطان الملك العزيز عثمان بن السلطان صلاح الدين ت سنة: ٥٩٥هـ.
٣- السلطان الملك المنصور محمّد بن السلطان الملك العزيز عثمان، وقد خلعه الملك العادل سنة ٥٩٦هـ.
٤- السلطان الملك العادل أبو بكر بن أيوب، أخو السلطان صلاح الدين ت ٦١٥هـ.
٥- السلطان الملك الكامل محمّد بن العادل الصغير أبو بكر ت ٦٣٥هـ.
_________________
(١) ١ ر: الدولة العباسية ص ٤٣٠، محمود الخضري، تاريخ الإسلام ٦٣١/ ٤_٢٣٢، د. حسن إبراهيم. ٢ هم الملوك الأراك.
[ ١ / ١٦ ]
٦- السلطان الملك العادل الصغير أبو بكر بن الكامل محمّد، وقد خلعه الأمراء سنة ٦٣٧هـ.
٧- السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل محمّد ت ٦٤٧هـ.
٨- السلطان الملك المعظم توران شاه بن الملك الصالح نجم الدين أيوب، وقد قتله المماليك سنة ٦٤٨هـ. وبموته انتهت الدولة الأيوبية من ديار مصر وانتقلت إلى دولة المماليك الأتراك.
٩- وتولت السلطنة من بعده الملكة شجرة الدر زوجة الملك الصالح نجم الدين أيوب وتزوجت الأمير عزّ الدين أيبك التركاني ونزلت له عن السلطنة وكانت مدة سلطنتها ثمانين يومًا.
١٠- السلطان الملك المعزّ أيبك التركاني ت سنة: ٦٥٥هـ.
١١- السلطان الملك المنصور نور الدين عليّ بن الملك المعزّ أيبك، تولى السلطنة وعمره خمس عشرة سنة، وقيل: عشر، وقد خلعه الأمير سيف الدولة قطز سنة ٦٥٧هـ.
١٢- السلطان الملك المظفر سيف الدين قطز المعزي، وقد قتله الأمير بيبرس سنة ٦٥٨هـ، واستولى على الحكم.
١٣- السلطان الملك الظاهر بيبرس البندقداري العلائي ت سنة: ٦٧٦هـ بدمشق١ وفي عهده توفي المؤلِّف - ﵀ - سنة ٦٦٨هـ.
ويلاحظ من خلال هذا العرض السريع كثرة من تولوا حكم مصر في هذه الفترة، ويرجع ذلك إلى أن منهم من قتل أو خلع من الحكم، إما لسوء تدبيره في الحكم، أو سوء سيرته، أو لطمع الطامعين في السلطة.
_________________
(١) ١ ر: الجوهر الثمين في سير الخلفاء والملوك والسلاطين، ص ٢٢٠-٢٨٣، لابن دقماق، خطط المقريزي ٣/٨٤-٩٣.
[ ١ / ١٧ ]
وأما عن أبرز الأحداث التي حصلت في الفترة التي عاشها المؤلِّف فهي كالآتي:
أوّلًا:
- الجهاد الإسلامي الذي قاده ملوك الأيوبيّين ثم المماليك ضدّ غزوات الفرنجة (الأوربيّين) النصارى على العالم الإسلامي ضمن سلسلة ما يسمى بالحروب الصليبية التي بدأت منذ نهاية القرن الخامس الهجري وانتهت عسكريًا١ في نهاية القرن السابع الهجري، وقد كان الدافع لهذه الحروب الصليبية هو الحقد النصراني على العالم الإسلامي ثم الطمع والجشع في غزو ونهب ثروات البلاد الإسلامية واتّخاذ دعوى نصرة النصرانية واسترجاع بيت المقدس ستارًا لذلك، ولقد خاض المسلمون في هذه الفترة معارك ضارية ضدّ ثلاث حملات صليبية هي الحملة الخامسة والسادسة والسابعة.
- أما الحملة الصليبية الخامسة فقد كانت في سنة ٦١٥هـ، وقام الصليبيّون٢ بمهاجمة ومحاصرة مدينة دمياط بمصر، وكان سلطان الدولة الأيوبية إذ ذاك الملك العادل أبو بكر الذي مات أثناء حصار دمياط، فاضطربت أمور الدولة واستطاع الصليبيّون احتلال دمياط سنة ٦١٦هـ، ثم الانطلاق منها لغزو القاهرة، وكان الملك الكامل ابن الملك العادل قد تولى السلطنة بعد وفاة أبيه، ونادى بالنفير العام، واستنجد بأخويه الملك عيسى صاحب دمشق، والملك الأشرف صاحب حلب فحضرا بجيوشهما لخدمته، لما اجتمعوا ساروا إلى دمياط والتقوا مع الصليبيّين في المنصورة سنة ٦١٨هـ في معركة فاصلة كان النصر للمسلمين والهزيمة للكافرين واستسلامهم
_________________
(١) ١ أما فكريًا، فلا تزال الحروب الصليبية مستمرة إلى يومنا هذا متمثلة في الغزو الفكري الغربي وحملات التنصير والاستشراق بأسلحتها المتنوعة الإعلامية والفكرية والاقتصادية. ٢ بقيادة ملك بيت المقدس (مملكة عكا النصرانية) حنابرين، وملك النمسا ليوبولد السادس، وملك المجر أندريه الثاني الذي رجع إلى بلاده قبل حصار دمياط.
[ ١ / ١٨ ]
وخروجهم من مصر صاغرين، وهكذا انتهت هذه الحملة بهزيمة منكرة وفشل ذريع١.
وأما الحملة الصليبيّة السادسة فقد كانت أيضًا في عهد الكامل ابن الملك العادل، وكان قائدها الإمبراطور الألماني فريدريك الثاني الذي وصل بأسطوله الحربي إلى عكا سنة ٦٢٦هـ، وفاوض فريدريك الملك الكامل - الذي كان آنذاك بالشام لخلاف بينه وبين أخيه الملك عيسى صاحب دمشق - على أن يرد المسلمون إلى النصارى ما كان صلاح الدين قد استرجعه منهم، فوقعت المصالحة بين الإمبراطور فريدريك والملك الكامل على أن يردوا لهم بيت المقدس وحده دون الأماكن المقدسة الإسلامية وأن تبقى بقية البلاد بأيدي المسلمين٢.
وعندما استولى الملك الصالح أيوب من الملك الكامل على السلطنة في مصر سنة ٦٣٧هـ، كانت له عداوة مع بقية بني أيوب بالشام خاصة عمه الملك الصالح إسماعيل الذي تحالف مع الصّليبيّين وتنازل لهم عن بعض البقاع منها طبرية وصيدا لمساعدته في حربه ضدّ الملك الصالح أيوب فلم يكن أمام الملك الصالح أيوب (صاحب مصر) إلا الاستعانة بالقبائل الخوارزمية من وراء الفرات سنة ٦٤٢هـ لمحاربة عسكر الشام المتحالف مع الفرنجة، وجرت معارك شديدة بين الفريقين انتصر فيها الملك الصالح أيوب على أعدائه جميعًا سنة ٦٤٢هـ، وأعاد بيت المقدس إلى السيادة الإسلامية٣.
_________________
(١) ١ ر: بدائع الزهور في وقائع الدهور ١/٢٥٨-٢٦٣، لأبي البركات محمّد بن أحمد بن إياس، الجوهر الثمين ص ٢٣٥، وفيات الأعيان ٤/١٧٢، لابن خلكان. ٢ ر: الجوهر الثمين ص ٢٣٥، البداية والنهاية ١٣/١٢٣، ١٢٤، الحروب الصليبية في المشرق والمغرب ص ١١٣-١١٦، لمحمّد العروسي. ٣ ر: النجوم الزاهرة٦/٣٢١-٣٢٤،لابن تغري بردي، البداية والنهاية١٣/١٦٤-١٦٥.
[ ١ / ١٩ ]
كان استرجاع بيت المقدس من النصارى سببًا في قيام الحملة الصليبية السابعة التي قادها ملك فرنسا لويس التاسع١ سنة ٦٤٧هـ، ضدّ البلاد المصرية - التي كانت لها السيادة على الأماكن المقدسة - وقامت أساطيله الحربية باحتلال مدينة دمياط، ولما وصلت الأخبار بذلك إلى الملك الصالح أيوب أمر بإشهار النداء في مصر والقاهرة بالنفير عامًا، وخرج الملك الصالح بجيشه لصدّ زحف الصليبيين المتّجهين نحو القاهرة وأثناء الحرب ونشوب المعارك توفي الملك الصالح إلاّ أنّ زوجته شجرة الدر أنقذت الموقف وأخفت موته إلاّ عن بعض خاصة القواد وقامت معهم بتدبير الأمور إلى حين وصول ولي العهد الملك توران شاه بن أيوب وتوليه السلطة سنة ٦٤٨هـ، وقيادة الجيوش ضدّ الصليبيين في معركة فاصلة قاسية كنت الغلبة فيها للمسلمين والهزيمة المنكرة للصليبيين، وأسرّ فيها قائدهم الملك لويس التاسع الذي افتدى نفسه بمبلغ كبير وعاد إلى بلاده مدحورًا٢، وبذلك انتهت هذه الحملة التي تعتبر آخر الحملات الصليبية على الشرق الإسلامي.
أما عن جهاد ملوك دولة الممالك، فإن الملك الظاهر بيبرس لما تولى السلطنة في مصر أخذ يهاجم الصليبيّن ويحرر منهم الحصون والمدن كقيسارية٣، وأرسوف صفد٤، ويافا والشقيف٥، وأنطاكية وغيرها عنوة أو مصالحة، وما إن توفي الظاهر بيبرس سنة ٦٧٦هـ، حتى انحصرت الإمارات الصليبية في منطقة
_________________
(١) ١ في الجوهر الثمين: إفرنسيس، وفي النجوم: ريدا فرنس. ٢ ر: الجوهر الثمين ص ٢٤٤-٢٤٨، النجوم الزاهرة ٦/٣٦٢-٣٦٨، البداية والنهاية ١٣/١٧٨، الحروب الصّليبيّة ص ١١٧-١٢٢ للعروسي. ٣ ر: الجوهر الثمين ص ٢٧٧-٢٩٢، لابن دقماق، الحروب الصّليبيّة ص ١٣١، للعروسي. ٤ مدينة بفلسطين بين يافا وحيفا. (ر: المنجد في الأعلام ص ٥٦٠) . ٥ قلعة بمدينة صفد بفلسطين. (المرجع السّابق، ص: ٤٢٧) .
[ ١ / ٢٠ ]
ساحلية صغيرة لا تعدو عكا وطرابلس١.
ثانيًا:
ومن أبرز الأحداث المؤلمة في هذه الفترة الزمنية الغزو المغولي على العالم الإسلامي الذي قضى على الخلافة العباسية ودمر عاصمتها بغداد سنة ٦٥٦هـ، واستولى المغول التتار على بلاد الشام وغيرها من بلاد المسلمين وعاثوا في الأرض قتلًا وحرقًا ودمارًا وفسادًا مما لا مثيل له في التاريخ، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم.
ثالثًا:
حينما عزم التتار على غزو مصر بعد استيلائهم على الشام، اتّفق الأمراء المماليك على تولية الملك المظفر قطز سنة ٦٥٧هـ، الذي أعد العدة لملاقاة التتار وأعلن النفير العام في القاهرة وسائر الأقاليم بالخروج إلى الجهاد ومقاتلة التتار الذين انهزموا شرّ هزيمة في معركة عين جالوت٢ بيان٣ سنة ٦٥٨هـ٤، وكانت نهاية الخرافة السائدة بأن المغول لا ينهزمون، وبداية تحرير البلاد الإسلامية منهم. ولله الحمد.
رابعًا:
إعادة الخلافة العباسية في مصر على يد الملك ظاهر بيبرس سنة ٦٥٩هـ، بعد هدمها وانقطاعها في بغداد، وتولية المستنثر بالله أحمد بن الإمام الظاهر
_________________
(١) ١ قلعة بالقرب من قضاء النبطية بجنوب لبنان. (المرجع السّابق، ص: ٣٧) . ٢ بليدة شرق دارين بين بيسان ونابلس من أعمال فلسطين. (ر: معجم البلدان / ٧٦، ياقوت الحموي) . ٣ مدينة بالأردن بالغور الشمالي. (ر: معجم البلدان ٣/٦٠) . ٤ ر: الجوهر الثمين ص ٢٦٤-٢٦٩، السلوك ١/٤٣١، الخطط ٢/٢٣٨، للمقريزي النجوم الزاهرة ٧/٧٩-٨٢.
[ ١ / ٢١ ]
بالله محمّد الخلافة العباسية ومبايعته بالقاهرة١.
تلك كانت أهمّ الأحداث وأبرزها في عصر المؤلِّف باختصار، ويهمنا الآن معرفة دور المؤلِّف فيها، وما مدى تأثيرها فيه؟
لم تذكر المصادر٢ التي ترجمت للمؤلّف - ﵀ - دورًا بارزًا له في تلك الأحداث، إلاّ أنّها ذكرت أنّ المؤلِّف صالح بن الحسين الجعفري كان قاضيًا في مدينة قوص٣ مدة وواليا عليها مدة أخرى، وقد استنجت من ذلك أنّ المؤلِّف كان له دور علمي أثناء الحروب الصليبية وغيرها - بحكم ما تولاه من الوظائف المهمّة في الدولة ومكانته الاجتماعية والعلمية والقيادية - في حثّ الناس على الجهاد والخروج لصدّ الغزاة وحماية الأعراض والبلاد، وترغيب الناس في الصدقة، وجمع الأموال لإعداد الجيوش، خاصة حينما أعلن الملك الكامل والملك الصالح والملك المظفر قطز النفير العام في مصر.
وبجانب جهاد المؤلِّف بالسيف والسنان كان له أيضًا جهاد القلم واللسان والحجّة والبرهان ضدّ الصليبيّين وأعوانهم من اليهود، وبيان فساد دينهم وما هم عليه من الباطل والخذلان.
ويظهر لنا هذا الجانب بحسب ما وقفت عليه من كتبه في الرّدّ على اليهود والنصارى ومنها: (تخجيل من حرَّف التوراة والإنجيل) و(الرّدّ على النصارى)، و(البيان الواضح المشهود من فضائح النصارى واليهود) .
_________________
(١) ١ ر: الجوهر الثمين ص ١٧٩-١٨٥، البداية والنهاية ١٣/٢٣١-٢٣٢. ٢ سيأتي ذكر هذه المصادر. (ر:) . ٣ قوص: مدينة في مصر على ضفة النيل الشرقية (محافظة قنا)، تبعد عن القاهرة (٨٠٠كم) تقريبًا في جنوب الصعيد، أصبحت في القرن السابع الهجري (القرن ١٤م) أولى مدن الصعيد وثانية المدن المصرية، فكانت مدينة كبيرة عظيمة وأهلها أرباب ثروة واسعة وهي محط التجار القادمين من عدن، وهي شديدة الحر لقربها من البلاد الجنوبية. (ر: معجم البلدان ٤/٤١٣، لياقوت الحموي، المنجد في الأعلام ص ٥٥٨، الموسوعة الميسرة ١٤٠٧) .
[ ١ / ٢٢ ]
وقد أكد لنا المؤلِّف أداءه لهذا الواجب في ذكره سبب تأليف كتابه (البيان الواضح) أنّه كان من باب الذَّبِّ عن الدين والجهاد القامع للملحدين١.
الحالة الاجتماعية:
كان المجتمع المصري يتألف من عدة طبقات: طبقة أهالي البلاد الأصليّين السنيّين الذين يؤلفون الأغلبية الساحقة من المصريّين، ثم طبقة المغاربة الذين قامت الدولة الفاطمية على أكتافهم ويدينون بالمذهب الشيعي مذهب الفاطميّين، ثم طبقة الأتراك الذين كثر عددهم في مصر منذ أيام الدولة الطولونية سنة ٢٥٤-٢٩٢هـ، وظهر أمرهم في عهد الخليفة الحاكم الفاطمي، ثم طبقة السودانيّين الذين كثر عددهم في مصر منذ أيام كافور الإخشيد سنة ٣٥٥-٣٥٧هـ. وظهر أمرهم منذ أيام الحاكم الفاطمي الذي استعان بهم ضدّ الأتراك٢، ثم ظهرت طبقة أخرى في عهد المماليك وهم التتار الذين قدموا إلى مصر في أوائل عهد السلطان بيبرس وازداد عددهم في عهد السلطان كتبغا سنة ٦٩٥هـ٣.
كما كان يعيش في المجتمع المصري المسلم طائفة أهل الذّمّة (وهم اليهود والنصارى) التي تدفع الجزية للدولة الإسلامية مقابل حمايتها وتمتعها بحريتها الدّينية في ظلّ التسامح الإسلامي. وقد تعددت فرق أهل الكتاب وطوائفهم في مصر على النحو الآتي:
_________________
(١) ١ ر: مقدمة كتاب: (البيان الواضح المشهود) ورقة ٥ / أ. ٢ ر: مصر في العصور الوسطى ص ٤٦١، عليّ إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام ٤/٦٢٧، ٦٢٨، د. حسن إبراهيم. ٣ ر: مصر في العصور الوسطى ص ٤٧٨، د. عليّ إبراهيم.
[ ١ / ٢٣ ]
أما اليهود فكانوا أقلية بالنسبة للنصارى، وينقسمون إلى ثلاث فرق رئيسة هي:
١- فرقة الربانيّين: وهم جمهور اليهود، ومنهم يكون رئيس اليهود المشرف على الطوائف اليهودية الأخرى.
٢- ثم يليهم في العدد فرقة القرائين.
٣- ثم فرقة السامريّين (أو السامرة) وكانوا أقلية صغيرة العدد في مصر١.
وقد كان لكلّ من فرق اليهود كنائسها الخاصّة بها، وقد أحصى المقريزي إحدى عشرة كنيسة في القاهرة والفسطاط وأقاليم البلاد المصرية، وكلّها محدث في الإسلام على حدّ قوله٢.
أما النصارى فقد انقسموا إلى ثلاث فرق رئيسة هي:
١- اليعاقبة (مذهب اليعقوبية) وهم الأقباط الذين يمثلون أغلبية النصارى في مصر.
٢- الملكية أو الملكانية: وهم أقلية بالنسبة لليعاقبة كما أنهم في غالبيتهم من أصول غير مصرية كالروم وغيرهم، ومن ثمّ اشتدت العداوة بينهم وبين الأقباط.
وكان لكل فرقة بطريرك خاص بها يتولى تنظيم الشؤون الداخلية لجماعته وفقًا لقوانينهم والإشراف على الكنائس والأديرة وما يتعلق بها، وتحديد مواعيد أعيادهم ومواسمهم وتنظيم علاقة أبناء طائفته بالدولة٣.
_________________
(١) ١ ر: صبح الأعشى ١١/٣٨٥، ٣٨٨، ٣/٢٥٣، ٢٥٧، ٢٦٨، للقلشندي. ٢ الخطط ٢/٤٦٣، ٤٧٤. ٣ ر: صبح الأعشى ١١/٣٩٢، ٣٩٥، ٣٩٧، أهل الذمة ص ٣٤، ١٠٣-١٨٠، د. قاسم عبده.
[ ١ / ٢٤ ]
٣- النسطورية: وهم أقلية صغيرة العدد في مصر١.
وقد انتشرت كنائس النصارى في كلّ أنحاء مصر، وكانت غالبيتها ملكًا لليعاقبة بحكم كونهم الأغلبية، فقد أحصى المقريزي ما يزيد على اثنتين وثمانين كنيسة لليعاقبة في الوجه القبلي، كما امتلك النصارى الملكية بعض الكنائس في القاهرة والفسطاط، ووجدت بعض كنائس للأرمن والنساطرة٢.
أما فيما يتعلق بالناحية الاقتصادية في مصر زمن الأيوبيّين وعصر المماليك البحرية فقد كانت منتعشة، وكان المال يأيتها من موارد عدّة، منها: الجزية التي كانت تصلها من الإمارت، والضرائب المعتادة التي تجبى من الشعب، إضافة إلى غنائم الحروب وغيرها، ولم تحدث في عهد الأيوبيّين إلاّ مجاعة واحدة في عهد السلطان العادل سنة٥٩٦هـ استمرت نحو ثلاث سنوات، كان سببها انخفاض مياه النيل، فانتشر القحط، وهرب الناس من مصر إلى الشام وغيرها ومات الناس من التعب والجوع واشتدّ الغلاء٣.
تلك صورة موجزة عن المجتمع المصري زمن المؤلّف، نتعرف من خلالها بعض المؤثّرات في شخصية المؤلّف وتكوينه، إذ لا يخفى أن للبيئة الاجتماعية التي تحيط بالإنسان تأثيرًا فيه بصورة مباشرة أو غير مباشرة، سلبًا أو إيجابًا.
وقد كان المؤلِّف - بحكم وظيفته قاضيًا لمدينة قوص وواليًا عليها - على اتّصال وثيق بمختلف طبقات الشعب مسلمهم وذميهم، كبيرهم وصغيرهم، واطلاع على أمورهم ومشكلاتهم، وتحكيم شرع الله فيهم وإقامة العدل
_________________
(١) ١ خطط المقريزي ٢/٥١٠، الانتصار لواسطة عقد الأمصار ص ١٠٧، لابن دقماق. ٢ خطط المقريزي ٢/٥١٦-٥١٨، الانتصار لواسطة عقد الأمصار ص ١٠٧-١٠٩، أهل الذّمّة ص ١٢٩، ١٣٠، د. قاسم. ٣ السلوك ١/١٥٦، للمقريزي، البداية والنهاية ١٣/٢٢، ٢٩، مصر في العصور الوسطى ص ٣٨٠-٣٨٣.
[ ١ / ٢٥ ]
والقسط بينهم، وقد كان للاحتكاك المباشر بين المؤلِّف القاضي واليهود والنصارى أثر في تأليف كتبه في الرّدّ اليهود والنصارى، خاصة إذا ما علمنا أن مدينة قوص من المدن الرئيسة التي كان يعيش فيها عدد كبير من الذّميّين، فقد ذكر بنيامين التطيلي - الذي قام برحلة إلى مصر في عصر الأيوبيّين - أنّه وجد بقوص حوالي ثلاثمائة يهودي١، كما ذكر المؤرخ المقريزي أنه كان بقوص وأسوان إحدى عشرة كنيسة للنصارى٢، فقد كان من الطبيعي أن يقوم المؤلِّف الفقيه بجوابه في الدعوة إلى الإسلام بأن يبيّن لليهود والنصارى بطلان ما يعتقدونه من العقائد الفاسدة وما يتمسكون به من الشريعة المنسوخة والكتب المحرفة ويقدّم لهم النصيحة الواجبة المؤيّدة بالأدلة النقلية والبراهين العقلية لاعتناق الإسلام والانضمام إلى أهل الإيمان، وقد أوضح المؤلِّف أن من أسباب تأليفه لكتاب (التخجيل) هو القيام بما أُمِر به المسلمون في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهِم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، كما بيَّن المؤلِّف خلال كتابه بعضًا من نشاطه في مجال الدعوة عن طريق المناظرة والمحاورة لأحبار اليهود والنصارى بإبطال شبههم وإقامة الحجّة عليهم وإلزامهم بالاعتراف بنبوّة سيدنا محمّد ﷺ.
_________________
(١) ١ ر: كتاب (رحلة بنيمين التطيلي) ص ١٧٣، ترجمة وتعليق عزرا حداد - طبعة بغداد سنة ١٩٤٥م، نقلًا من كتاب أهل الذّمّة في مصر ص ٢١،٦٠،د. قاسم عبده. ٢ ر: الخطط ٣/٥٧٩.
[ ١ / ٢٦ ]
الحالة العلمية:
إنّ الحوادث المؤلمة والغزوات المتكررة على العالم الإسلامي من التتار والصليبيّين تركت آثارًا سيّئة وخطيرة على الحركة العلمية، فقد قتل الأئمة والعلماء وهدمت المساجد والمدارس وأحرقت المكتبات وأتلفت الكتب، ولكن على الرغم من ذلك فإن الحركة الفكرية والثقافية في ذلك العصر كانت مزدهرة ازدهارًا كبيرًا، فقد ظهر الأئمة والعلماء والأعلام في مختلف العلوم منهم:
محمّد بن عمر بن حسين الرازي المفسر ت سنة: ٦٠٦هـ، وعبد الله بن أحمد بن محمّد بن قدامة المقدسي، ت سنة: ٦٢٠هـ، وعلي بن محمّد الشيباني المعروف بابن الأثير المؤرخ ت سنة: ٦٣٠هـ، وعلم الدين عليّ بن محمّد بن عبد الصمد السخاوي ت سنة: ٦٤٣هـ، وابن التلمساني شرف الدين عبد الله بن محمّد الفهري ت سنة: ٦٤٤هـ، وابن الحاجب عثمان بن عمر ت سنة: ٦٤٦هـ، ونجم الدين مختار بن محمود الزاهدي الغزميني ت سنة: ٦٥٨هـ، والعزّ ابن عبد السلام المعروف بسلطان العلماء ت سنة: ٦٦٠هـ، ومحمّد بن أحمد بن أبي بكر الأنصاري القرطبي المفسر ت سنة: ٦٧١هـ، وأبو زكريا يحيى بن شرف الدين النووي ت سنة: ٦٧٦هـ، وشهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي ت سنة: ٦٨٤هـ، وغيرهم ممن يصعب حصرهم والإحاطة بهم.
كما نشطت مراكز علمية في الأندلس وغيرها، وانتشرت المؤلَّفات النافعة في العلوم المختلفة وتنافس الناس على اقتنائها ودراستها وقد ساعد على هذه الحركة العلمية وازدهارها عدّة عوامل من أبرزها:
_________________
(١) اعتناء الملوك والولاة بالعلم وتشجيعهم وإكرامهم للعلماء.
(٢) تولي العلماء للمناصب المهمّة والعالية في الدّولة واحترام الناس لهم وتقديرهم.
[ ١ / ٢٧ ]
٣- كثرة المدارس والمراكز العلمية التي تنشأ في البلاد الإسلامية.
٤- توافر خزائن الكتب في المساجد والمدارس وانتشار المكتبات العلمية العامّة والخاصّة.
وقد توافرت تلك العوامل في مصر، حيث عاش المؤلِّف ﵀، فقد عرف عن ملوك الأيوبيّين والمماليك حبهم وتقديرهم للعلم والعلماء، فكان السلطان صلاح الدين الأيوبي ت سنة: ٥٨٩هـ، يحبّ العلماء وأهل الخير ويقربهم ويحسن إليهم، حتى صار لكثرة مخالطته بهم وأخذه عنهم من كبار الفقهاء١، وكذلك كان ابنه بعده الملك العزيز عثمان الذي سمع الحديث من الحافظ السلفي والفقيه أبي طاهر بن عوف الزهري وغيرهم٢، وكذلك كان من بعده الملك العادل أبو بكر٣.
ثم كان الملك الكامل الذي يحضر مجلسه الفقهاء كلّ ليلة ويتحدث معهم ويشاركهم في علومهم ويبيت معهم كواحد منهم٤، ويتنافس العلماء في إهداء كتبهم ومؤلَّفاتهم إليه، فقد أهدى إليه المؤلِّف صالح بن الحسين الجعفري كتابه: (العشر المسائل) وتسمّى أيضًا: (البيان الواضح المشهود من فضائح النصارى واليهود) الذي ألّفه في عهد الكامل سنة ٦١٨هـ، وأهداه إليه ليقمع به أشطان طاغية الروم الأبتر الشيطان الذي أرسل إلى السلطان الكامل عدّة
_________________
(١) ١ ر: الجوهر الثمين ص ٢٢٤، ٢٢٥، النجوم الزاهرة ٨/٩، ٥٦. ٢ ر: وفيات الأعيان ٣/٢٥١، لابن خلكان، الجوهر الثمين ص ٢٣٠، النجوم الزاهرة ٦/١٢٧-١٢٩. ٣ ر: النجوم الزاهرة ٦/١٦٣. ٤ ر: وفيات الأعيان ٥/٨١، الجوهر الثمين ص ٢٣٨، النجوم الزاهرة ٦/٢٢٧، ٢٢٨، خطط المقريزي ٣/٣٣٩.
[ ١ / ٢٨ ]
مسائل يطلب من المسلمين الجواب عنها، وكان ذلك سبب تأليف المؤلِّف لذلك الكتاب١.
كما أهدى الإمام أحمد بن إدريس القرافي كتابه: (أدلة الوحدانية في الرّدّ على النصرانية) إلى السلطان الكامل٢.
وكذلك كان الملك الصالح نجم الدين يكرم العلماء ويحبّهم ويسمع منهم ويبالغ في إكرامهم ويجري على أهل العلم الجرايات٣.
أما عن ملوك المماليك فإن السلطان الظاهر بيبرس كان محبًّا للعلماء ومقربًا لهم، وبنى المدارس والجوامع الكثيرة٤.
أما عن المدارس والمراكز العلمية فقد كانت كثيرة جدًّا، نذكر منها٥:
١- المدرسةالناصريةوقد بناها السلطان صلاح الدين في عام٥٦٦هـ.
٢- المدرسةالصلاحية وبناها السلطان صلاح الدين في عام٥٧٢هـ.
٣- المدرسة الفاضلية أسسها القاضي الفاضل عبد الرحيم ت سنة: ٥٩٦هـ، وكان من أكابر العلماء في عصر الأيوبيّين.
٤- المدرسة الشريفية وقفها الأمير الشريف فخر الدين أبو نصر إسماعيل بن ثعلب الجعفري الزيني أحد أمراء مصر في الدولة الأيوبية ت سنة: ٦١٢هـ.
٥- المدرسة الكاملية وهي دار الحديث بناها الملك الكامل في عام ٦٢١هـ.
_________________
(١) ١ مقدمة كتاب: (البيان الواضح المشهود) - مخطوط، الورقات ٤، ٥. ٢ ر: مقدمة كتاب (أدلة الوحدانية) ص ١٩-٢١، تحقيق عبد الرحمن دمشقية. ٣ ر: السلوك ٢/٣٠٨، ٣٤٠، النجوم الزاهرة ٦/٣٣١. ٤ ر: النجوم الزاهرة ٧/١٨١، عصر سلاطين المماليك ١/٢٧. ٥ ر: للتوسع خطط المقريزي ٣/٣١٣-٣٨٣، حسن المحاضرة ٢/٢٥٧-٢٧٠.
[ ١ / ٢٩ ]
٦- المدرسة الصالحية وهي أربع مدارس للمذاهب الأربعة بناها الملك الصالح نجم الدين أيوب في عام ٦٣٩هـ.
٧- المدرسة الظاهرية وبناها الملك الظاهر بيبرس في عام ٦٦٢هـ.
وكانت هذه المدارس وغيرها تعنى بتدريس العلوم الدينية والأدبية والعقلية، كما كانت تلك المدارس والمساجد والقصور تلحق بها خزائن الكتب (المكتبات) التي تحتوي على أمّهات الكتب وأنفسها وأوسعها في سائر العلوم.
بذلك نرى أن البيئة العلمية المحيطة بالمؤلِّف ساعدته كثيرًا في تكوينه العلمي وعلى تحصيل العلم والاجتهاد فيه حتى أصبح من العلماء البارزين الذين كانت لهم التصانيف العديدة المفيدة ونال ثقة الولاة والحكام في تعيينه قاضيًا في مدينة قوص وواليًا عليها، خاصّة إذا ما علمنا أن مدينة قوص قد نشطت أثناء الحروب الصليبية حينما استولى الصليبيّون على فلسطين وعلى ثغورها فازداد خطرهم وأصبح الطريق المألوف لحجاج بيت الله الحرام غير مأمون، فأصبحت مدينة قوص من المدن الرئيسة المهمّة التي يمرّ بها حجاج بيت الله القادمين من الأندلس وشمال أفريقيا، فكثرت بها المدارس والمعاهد والمساجد وقصدها العلماء ونزلوا فيها، وبزغ منها علماء في مختلف العلوم، وكثر فيها الأدباء والشعراء؛ لأنّها أصبحت محط رحال الحجيج١.
ومن هؤلاء العلماء الذين درسوا العلم ودَرَّسوه في قوص: شمس الدين أبو عبد الله محمّد بن محمود الأصفهاني توفي سنة: ٦٨٨هـ٢، وجلال الدّين أحمد بن عبد الرحمن الكندي الدشنادي توفي بقوص سنة ٦٧٧هـ٣، والقاضي
_________________
(١) ١ ر: الغزو الصليبيب والعالم الإسلامي ص ٢٢٩، ٢٣٠، عليّ عبد الحليم محمود، الموسوعة الميسرة ١/١٤٠٧. ٢ ر: طبقات الشافعية ٨/١٠١، للسبكي، حسن المحاضرة ٢/١٦٤. ٣ ر: طبقات الشافعية ٨/٢٠، للسبكي.
[ ١ / ٣٠ ]
بهاء الدين القفطي هبة الله بن عبد الله بن سيد الكل، كان قيمًا بالمدرسة النجيبية قوص توفي سنة ٦٩٧هـ١، وتقي الدين بن دقيق العيد محمّد بن عليّ بن وهب القشيري، تفقه على والده بقوص وتفي سنة: ٧٠٢هـ٢، والحسين بن أبي بكر بن عياض بن موسى السبتي القوصي توفي سنة ٦٨٢هـ٣، وغيرهم.
_________________
(١) ١ ر: طبقات الشافعية ٨/٣٩٠. ٢ ر: طبقات الشافعية ٩/٢٠٧. ٣ ر: معجم المؤلِّفين ٣/٣١٧.
[ ١ / ٣١ ]