" وأجمع القائلون بالأخبار والمؤمنون بالآثار: أنَّ رسول الله ﷺ أُسرِي به إلى فوق سبع سماوات ثم إلى سدرة المنتهى، أُسرِي به ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى: مسجد بيت المقدس، ثم عُرج به إلى السماء بجسده وروحه جميعًا، ثم عاد من ليلته إلى مكة قبل الصبح، ومن قال: إنَّ الإسراء في ليلة والمعراج في ليلة فقد غلط، ومن قال: إنَّه منام وأنَّه لم يُسْرَ بجسده فقد كفر "
انتقل المصنف ﵀ إلى الكلام عن الإسراء بالنبي ﷺ من مكة إلى بيت المقدس، والعروج به إلى السماء، وهو من فضائله ﷺ وخصائصه."
ولا يؤمن بالإسراء إلا من يؤمن بالأخبار ويعول عليها، أما التائهون الذين يقدمون عقولهم وآراءهم وأفكارهم ولا يعظِّمون الآثار ولا يعتنون بالأخبار فلا يؤمنون به، بل ربما اعترضوا أو انتقدوا أو حرَّفوا أو أوَّلوا أو سلكوا غير ذلك من المسالك الباطلة في سبيل رده.
في ليلة واحدة: إسراء إلى بيت المقدس وعروج إلى السماء، من كانت حدود إيمانياته بالمعقول فقط وليس للأخبار عنده شأن هل يتلقى ذلك بالقبول؟!
ولهذا قال المصنف ﵀: " وأجمع القائلون بالأخبار والمؤمنون بالآثار " ففي هذا فضيلةُ من شرح الله ﷿ صدره لتلقي أحاديث النبي ﷺ بالقبول. وإذا أردت معرفة تمام هذه المرتبة فانظر إلى حال الصديق ﵁ لما ذكرت له قريش هذا الأمر وقالت له: إنَّ صاحبك يزعم أنَّه عُرج به إلى السماء. قال:""والله لئن كان قاله لقد صدق " ١. وعلى سبيلها قول
_________________
(١) ١ انظر: السيرة النبوية لابن هشام " ٢/٤٢٣ "
[ ٢٥٧ ]
صاحب السنة: إن صح الحديث فأنا مؤمن به.
" أنَّ رسول الله ﷺ أُسرِي به إلى فوق سبع سماوات ثم إلى سدرة المنتهى " في الكلام شيء من الاختصار؛ فإنَّه ﷺ أُسري به إلى بيت المقدس ثم عُرج به إلى السماء كما سيبينه المصنف بعد.
" أُسرِي به ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى: مسجد بيت المقدس، ثم عُرج به إلى السماء " أُتِي ﷺ ليلةً بالبراق وانطلق به إلى بيت المقدس، فربط البراق عند باب المسجد ودخل وصلى فيه، ثم عُرج به من بيت المقدس إلى السماء، ثم فتح له باب السماء، ثم عرج به إلى السماء التي تليها، إلى أن وصل إلى سدرة المنتهى فوق السماء السابعة، وفي كلِّ سماء يمر بنبي من الأنبياء أو أكثر، فمر في الأولى بآدم، وفي الثانية بيحيى وعيسى، وفي الثالثة بيوسف، وفي الرابعة بإدريس، وفي الخامسة بهارون، وفي السادسة بموسى، وفي السابعة بإبراهيم. ثم رُفع له البيت المعمور، وسأل عنه جبريل فقال: هذا البيت المعمور، يدخله في كلِّ يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون. ثم فرض الله عليه الصلاة خمسين صلاة، ثم رجع، فمر بموسى فقال له: إنَّ أمتك لا تطيق ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. فكان يتردد بين الله ﷿ وموسى حتى خففت إلى خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال له موسى: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. فقال ﷺ: سألت ربي حتى استحييت، ولكن أرضى وأسلم. فلما جاوز نادى مناد: أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي ١.
وهذا يبين عظم شأن الصلاة في الدين وجلالة قدرها عند الله، فكلُّ طاعة
_________________
(١) ١ انظر: صحيح البخاري " رقم ٣٨٨٧ "، ومسلم " رقم ٤٠٩ "
[ ٢٥٨ ]
أمر الله بها ينزل بها جبريل إلى الأرض ثم يبلغها النبي ﷺ، إلا هذه الصلاة عُرج به ﷺ إلى السماء وتلقاها منه سبحانه مباشرة. وهو في ذلك المقام سمع كلام الله من الله، فهو كليم الله، شارك موسى ﵇ في الكلام، كما شارك إبراهيم ﵇ في الخلة، قال ﷺ:"" فإنَّ الله تعالى قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا " ١، ولهذا اجتمع فيه ما تفرق في الأنبياء.
ويعتبر حديث المعراج أحد أدلة علو الله ﷿، وأنَّه سبحانه مستو على عرشه. حدثني ثقة قال: التقيت برجل يقول: إنَّ الله في كلِّ مكان. فقلت: هل تؤمن بفضل النبي ﷺ ومناقبه؟ قال: نعم. قال: قلت: هل تؤمن بالعروج به إلى السماء؟ قال: نعم. قال: قلت: إن أنكرت علو الله لم تؤمن لا بفضل النبي ﷺ ولا بربك، فلا عظمت النبي ﷺ ولا آمنت بربك وبعلوه. يقول: فقال لي الرجل: آمنت بعلو الله وصدقت.
" بجسده وروحه جميعًا " هنا يرد المصنف ﵀ على من يقول: إنَّ الإسراء والمعراج كان بالروح فقط. وهذا باطل وغير صحيح، بل عُرج به ﷺ بروحه وجسده،قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ ٢ وقوله جل وعلا: " بعبده " يتناول الروح والجسد، وهكذا بقية الأحاديث. فمن قال: إنَّ الإسراء والمعراج كان بالروح فقط ليس عنده دليل. ومن قال: إنَّه منام فهو أشد باطلًا وبعدًا عن الحق والصواب.
" ثم عاد من ليلته إلى مكة قبل الصبح " أي: لم يأت عليه الصبح إلا وهو في فراشه.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم " رقم ١١٨٨ " ٢ الآية ١ من سورة سورة الإسراء.
[ ٢٥٩ ]
" ومن قال: إنَّ الإسراء في ليلة، والمعراج في ليلة فقد غلط " قال هذا بعض شراح الحديث بناء على أوهام وقعت لبعض الرواة فيه، وبنى عليها بعضهم تعدد وقوع الإسراء والمعراج. قال ابن القيم ﵀:""وكان الإسراء مرة واحدة. وقيل: مرتين: مرة يقظة ومرة منامًا، وأرباب هذا القول كأنهم أرادوا أن يجمعوا بين حديث شريك وقوله: " ثم استيقظت " وبين سائر الروايات. ومنهم من قال: بل كان هذا مرتين، مرة قبل الوحي لقوله في حديث شريك: " وذلك قبل أن يوحى إليه "، ومرة بعد الوحي كما دلت عليه سائر الروايات. ومنهم من قال: بل ثلاث مرات: مرة قبل الوحي، ومرتين بعده. وكلُّ هذا خبط، وهذه طريقة ضعفاء الظاهرية من أرباب النقل، الذين إذا رأوا في القصة لفظة تخالف سياق بعض الروايات جعلوه مرة أخرى، فكلَّما اختلفت عليهم الروايات عددوا الوقائع. والصواب الذي عليه أئمة النقل: أنَّ الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة " ١.
" ومن قال: إنَّه منام وأنه لم يُسْرَ بجسده فقد كفر " لأنَّه جحد هذا الأمر الواضح الصريح الذي دلت عليه النصوص.
بعد أن ذكر المصنف ﵀ هذا التلخيص فيما يتعلق بالإسراء والمعراج أعقبه بذكر الأدلة كما هي طريقته، فقال:
" قال الله ﷿: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ "
_________________
(١) ١ زاد المعاد " ٣/ ٤٢ " وقال الحافظ ابن حجر في الفتح " ١٣/٤٩٤ ": " مجموع ما خالفت فيه رواية شريك غيره من المشهورين عشرة أشياء، بل تزيد على ذلك ".
[ ٢٦٠ ]
فهذا دليل على الإسراء، وفيه أيضًا إشارة إلى المعراج إذ قال جل وعلا: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ ١، فقد رأى ﷺ من آيات ربه الكبرى عندما عُرج به إلى السماء.
" وروى قصة الإسراء عن النبي ﷺ: أبو ذر، وأنس بن مالك، ومالك بن صعصعة، وجابر بن عبد الله، وشداد بن أوس، وغيرهم "
فهو حديث مستفيض، رواه عن النبي ﷺ غير واحد من الصحابة رضوان الله عليهم، وعدَّه غير واحد من أهل العلم من الأحاديث المتواترة ٢.
" كلُّها صحاح مقبولة مرضية عند أهل النقل مخرجة في الصحاح "
وهذا حكم من المصنف على أحاديث الإسراء بأنها صحيحة مرضية متلقاة بالقبول عند أئمة السلف وعلماء أهل السنة والجماعة.
_________________
(١) ١ الآية ١ من سورة الإسراء. ٢ منهم: ابن القيم كما في اجتماع الجيوش الإسلامية " ص٩٨ "
[ ٢٦١ ]