" والإيمان بعذاب القبر حق واجب وفرض لازم، رواه عن النبي ﷺ علي بن أبي طالب، وأبو أيوب، وزيد بن ثابت، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وأبو بكرة، وأبو رافع، وعثمان بن أبي العاص، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وعائشة زوج النبي ﷺ، وأختها أسماء، وغيرهم "
بدأ المصنف ﵀ بذكر الشفاعة والحوض ثم رجع إلى عذاب القبر وفتنته، وهو بهذا لم يراع الترتيب، ولذا عطفه بالواو - بخلاف ما سبق - فإنه ذكر الإيمان بالشفاعة ثم عطف عليه الإيمان بالحوض بـ " ثم " الدالة على الترتيب.
والإيمان بعذاب القبر من مسائل الإيمان باليوم الآخر؛ لأنَّ ضابطه الجامع هو: الإيمان بكلِّ ما يكون بعد الموت، مما ثبت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
وعذاب القبر حق، دل عليه الكتاب العزيز وسنة النبي ﷺ، فنؤمن به ولا ننكره. أمَّا أرباب العقول الفاسدة الذين لا يؤمنون إلا بما شهدت به عقولهم فإنَّهم يجحدونه، ويبنون ذلك على عقول مجردة، حتى قال بعضهم: حُفِرت بعض القبور فما رأينا شيئًا.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن المبارك في الزهد " رقم ١٦٠٩ "، وأحمد " ٣/٢٣٠ "، وابن أبي عاصم في السنة " رقم ٦٩٨ ".قال الحافظ ابن حجر في الفتح " ١١/ ٤٧٦ ": " وسنده صحيح ". وقال الألباني: إسناده صحيح على شرط مسلم.
[ ٢٨٥ ]
وقد اقتصر المصنف ﵀ على ذكر أدلة السنة - وهي متواترة كما نص على ذلك غير واحد من أهل العلم - ١، لكن في القرآن آيات تدل عليه، منها قول الله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ٢، فيعرضون على النار صباحًا ومساءً قبل يوم القيامة، وهذا بلا شك في القبر.
وفي الآية دليل على أنَّ عذاب الكفار في القبر مستمر إلى يوم القيامة، وإذا قامت فعذابهم أشد وأبقى.
أمَّا عصاة الموحدين من أهل الكبائر فعذابهم على قدر كبائرهم ولا يكون مستمرًا. فقد""مرَّ النبي ﷺ مع أصحابه بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير: أمَّا أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة. ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين، فغرز في كلِّ قبر واحدة. قالوا: يا رسول الله: لم فعلت هذا؟ قال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا " ٣.
وقد اقتضت حكمة الله أن لا يكون عذاب القبر ظاهرًا، إذ لو كان ظاهرًا لما تدافن الناس، قال ﷺ:""إنَّ هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه " ٤.
فإذا عُذِّبَ الميت في قبره صاح صيحة يسمعها كلُّ من يليه إلا الثقلين، قال النبي ﷺ:""ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة
_________________
(١) ١ منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى " ١٣/٣٥ "، وابن أبي العز في شرح الطحاوية " ص ٣٩٩ " ٢ الآية ٤٦ من سورة غافر. ٣ أخرجه البخاري " رقم ٢١٨ "، ومسلم " رقم ٦٧٥ " ٤ أخرجه مسلم " رقم ٧١٤٢ "
[ ٢٨٦ ]
يسمعها من يليه إلا الثقلين " ١.
وإنما كان عذاب القبر خفيًا لأنَّه لو كان أمرًا ظاهرًا لما كان الإيمان به إيمان غيب، والإيمان النافع المنجي إنما هو إيمان الغيب.
ونعيم القبر - أيضًا - حق، فالناس بين منعم ومعذب، فالمنعمون هم أهل الإيمان والطاعة، والمعذبون أهل الكفر والعصيان. قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ ٢.
[ ٢٨٧ ]