لما بين المصنف ﵀ الإيمان وشيئًا مما يتعلق به كزيادته ونقصانه والاستثناء فيه، أخذ يبين العلاقة بين الإيمان والإسلام، فقال:
" والإيمان هو الإسلام وزيادة، قال الله ﷿: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ "
" والإيمان هو الإسلام وزيادة " وهذا التقرير للفرق بين الإسلام والإيمان - على وجازته واختصاره - دقيق جدًا؛ فإنَّ الإيمان إذا أطلق وذكر مفردًا شمل الدين كلَّه، كما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ ١. وكذلك الإسلام إذا أطلق وذكر مفردًا تناول الدين كلَّه بأصوله وفروعه، وباعتقاداته الظاهرة وأعماله الباطنة، كما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِينًا﴾ ٤.
فإذا قُرنا في نص واحد كان الإيمان مختصًا بالاعتقادات الباطنة، واختص الإسلام بالأعمال الظاهرة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ
_________________
(١) ١ الآيتان ٢، ٣ من سورة الأنفال. ٢ الآية ١٩ من سورة آل عمران. ٣ الآية ٨٥ من سورة آل عمران. ٤ الآية ٣ من سورة المائدة.
[ ٣١٣ ]
وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ١، وكما في الآية التي أوردها المصنف ﵀: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ٢.
وهذا كلُّه مبني - كما سبق - على قاعدة عند أهل العلم بيَّنها الحافظ ابن رجب ﵀ بقوله:""إنَّ من الأسماء ما يكون شاملًا لمسميات متعددة عند إفراده وإطلاقه، فإذا قرن ذلك الاسم بغيره صار دالًا على بعض تلك المسميات، والاسم المقرون به دال على باقيها " ٣. ويعبر عنها غيره بقوله: " إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا ".
ففي الآية دلالة واضحة على وجود فرق بين الإسلام والإيمان عند الاجتماع في الذكر، فقد ادعى هؤلاء الأعراب لأنفسهم مرتبة الإيمان ولمَّا يصلوا إليها بعدُ، فنفاها الله ﷿ عنهم بقوله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾، ولم يكونوا بنفي الإيمان عنهم داخلين في الكفر، إذا إن هناك رتبة دون الإيمان وهي الإسلام. ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: إنكم مازلتم بعد في رتبة الإسلام.
وهذا يفيد أنَّ الدين مراتب: مرتبة الإسلام، ثم أعلى منها مرتبة الإيمان، ثم أعلى منهما مرتبة الإحسان.
وإذا كان الأمر كذلك فما هو الإحسان؟ وما هو الإيمان؟ وما هو الإسلام؟
وقد جاءت الإجابة عن هذا السؤال في حديث جبريل المشهور وهو حديث طويل مخرج في صحيح مسلم ٤ من حديث ابن عمر عن أبيه، وفي
_________________
(١) ١ الآية ٣٥ من سورة الأحزاب. ٢ الآية ١٤ من سورة الحجرات. ٣ سبق ذكره. ٤ الصحيح " رقم ٩٣ "
[ ٣١٤ ]
الصحيحين ١ من حديث أبي هريرة، وفيه أن جبريل سأل النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان فاجتمعت الثلاثة في الذكر، فقال النبي ﷺ:""الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا "، وقال عن الإيمان:""أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره "، وقال عن الإحسان:""أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " وفي آخر الحديث قال:""هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ".
فدل الحديث على أنَّ الإسلام هو الأعمال الظاهرة، وأن المسلم هو من شهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله وأقام الصلاة وأتى بالعمل الظاهر، كما قال ﷺ:""من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته " ٢. لكنَّ هذه الأعمال الظاهرة لا تكون نافعة لمن قام بها عند الله ﵎ إلا إذا كان عنده من الإيمان القلبي ما يصحح إسلامه، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٣، فإن لم يكن له هذا القدر من الإيمان القلبي كان منافقًا.
أما المؤمن: فهو الذي تحقق الإيمان في قلبه، فآمن بما أمر الله تعالى عباده بالإيمان به. ومن كان شأنه كذلك في باطنه صلح ظاهره تبعًا لذلك؛ لأنَّ الجوارح لا تتخلف عن مرادات القلوب. فإذا صلح القلب هذا الصلاح وعمر
_________________
(١) ١ البخاري " رقم ٥٠ "، ومسلم " رقم ٩٧ " ٢ أخرجه البخاري " رقم ٣٩١ " ٣ الآية ٥ من سورة المائدة.
[ ٣١٥ ]
بالإيمان هذه العمارة جدَّت الجوارح واجتهدت عملًا وطاعة وتقربًا إلى الله سبحانه، كما قال النبي ﷺ:""ألا وإنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلُّه ألا وهي القلب " ١.
أما المحسن فأعلى من هؤلاء، إذ الإحسان: الإتقان والإجادة، فالمحسن هو الذي أتقن في تحقيق الدين وأجاد في تتميم العبادة والطاعة لرب العالمين حتى بلغ به الحال أنْ يعبد الله كأنَّه يراه. وهذه رتبة عالية رفيعة لا يصل إليها كلُّ أحد كما قال تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ٢.
فهذه مراتب الدين، وقد جاء نظيرها في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٣.
ومن لا يفرق بين الإسلام والإيمان يحتج بقول الله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٤ فإنَّ المعنيين في الآية أهلُ بيت واحد وقد ذكروا مرة بالإيمان ومرة بالإسلام.
والجواب على هذا أن التنويع في الوصف في الآية قد جاء للفرق بين حالين: حال الإخراج وحال الوجود، فلما ذُكر الموجودون ذكروا بصفة الإسلام على اعتبار العمل الظاهر، ولما ذُكر المخرجون ذكروا بصفة الإيمان؛ لأنَّ الموجودين فيهم من عمله الظاهر عمل أهل الإسلام لكنه ليس منهم، كامرأة لوط، ولهذا لم تكن من المخرجين، مع أنها من الموجودين.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري " رقم ٥٢ "، ومسلم " رقم ٤٠٧٠ " ٢ الآيتان ١٣، ١٤ من سورة الواقعة. ٣ الآية ٣٢ من سورة فاطر. ٤ الآيتان ٣٥، ٣٦ من سورة الذاريات.
[ ٣١٦ ]
وعلى هذا فالآية مؤكدة للفرق بين الإسلام والإيمان، وهي حجة على من لم يفرق، وليست حجة له.
وبعد أن ذكر المصنف ﵀ الفرق بين الإسلام والإيمان شرع بذكر بعض الأدلة المبينة للإسلام والإيمان فقال:
" وروى عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:""بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام شهر رمضان، وحج البيت " ".
هذه يسميها العلماء مباني الإسلام الخمسة، فالإسلام يبنى على هذه الأسس ويقوم عليها، وكما قيل:
والبيت لا يُبتنى إلا بأعمدة ولا عماد إذا لم تُرسَ أوتاد
والملاحظ في هذه المباني أنَّها من أعمال الظاهر، ومن جاء بها إن كان عنده في الباطن من الإيمان ما يصحح به إسلامه فهو المسلم. وإن كان مُظهرًا لهذه الأعمال في الظاهر فقط وليس عنده إيمان باطن فهو منافق وليس من أهل الإسلام.
فبين هذا الحديث المراد بالإسلام، ولهذا قال المصنف عقبه: " فهذه حقيقة الإسلام ".
" والإيمان فحقيقته ما رواه أبو هريرة فيما قدمناه "
يشير المصنف ﵀ إلى حديث الشعب المذكور قريبًا، وعلى هذا فإنَّ الإيمان أعم وأشمل وأوسع من الإسلام، وقد سبق قول المصنف ﵀: " والإيمان هو الإسلام وزيادة ".
[ ٣١٧ ]
ثم ذكر المصنف حديثًا في الفرق بين الإسلام والإيمان فقال:
" وروى سعد بن أبي وقاص ﵁ قال:""أعطى رسول الله ﷺ رهطًا وأنا جالس، وترك رسول الله ﷺ منهم رجلًا هو أعجبهم إلي، فقمت فقلت: مالك عن فلان، والله إني لأراه مؤمنًا. فقال رسول الله ﷺ: أو مسلمًا. ذكر ذلك سعد ثلاثًا وأجابه بمثل ذلك. ثم قال: إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يُكبَّ في النار على وجهه " "
هذا الحديث يبين الفرق بين رتبة الإسلام ورتبة الإيمان، فقد أعطى النبي ﷺ رهطًا - والرهط: الجماعة ما بين الثلاثة والعشرة - نفقة، وترك رجلًا من بينهم. ولما ظنَّ سعد ﵁ أنَّ العطاء بحسب الإيمان وقوته - وكان يرى أنَّ هذا الرجل أفضلهم دينًا وطاعة وعبادة - قال للنبي ﷺ: " مالك عن فلان، والله إني لأراه مؤمنًا " فنبهه النبي ﷺ بقوله: " أو مسلمًا " أي احكم عليه برتبة الإسلام التي يحكم بها على كلِّ من صلح ظاهره، ولا تحكم عليه بالإيمان لأنَّه مبني على معرفة ما في باطن العبد؛ إذ هو راجع إلى صلاح الباطن مع صلاح الظاهر، وهذا شيء لا يطلع عليه الناس.
فلا يطلق الحكم بالإيمان على شخص إلا بالاستثناء - كما سبق - فيقال: هو مؤمن إن شاء الله، كما يمكن إطلاق الحكم بالإيمان في الخطاب العام ويكون المقصود أصله، كما يقول الخطيب يوم الجمعة أيها المؤمنون، أو يا أيها الذين آمنوا.
" ذكر ذلك سعد ثلاثًا وأجابه بمثل ذلك " أدركت سعدًا ﵁ الرحمة والمحبة لهذا الرجل لما يرى من صلاحه فكرر كلامه ثلاثًا، ويكرر النبي ﷺ جوابه. ثم بين له النبي ﷺ الحكمة والمقصد من العطاء فقال: " إني
[ ٣١٨ ]
لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يُكبَّ في النار على وجهه " أي أنَّ هذا العطاء تأليف للقلوب، ولم يعط النبي ﷺ هذا الرجل لما عنده من الإسلام والصلاح الظاهر.
وقد نفع الله ﷿ بهذا التأليف نفعًا عظيمًا، ودخل أقوام كثيرون في دين الله بهذا التأليف، ولهذا جعله الله أحد مصارف الزكاة.
" قال الزهري: فنرى أنَّ الإسلام الكلمة، والإيمان العمل الصالح "
" الزهري ": إمام من أئمة السلف، له نقول كثيرة في السنة والعقيدة لها شأنها عند أهل العلم.
" الإسلام الكلمة، والإيمان العمل الصالح " وهذا الكلام إذا لم يفهم على وجهه الصحيح ربما استشكل، لأنَّه سبق أنَّ الإسلام هو الأعمال الظاهرة، وأنَّ الإيمان رتبة أعلى منه. وقد عدَّ الزهري - وهو الإمام المعروف - الإيمان العمل الصالح.
ولهذا استشكل الشيخ حافظ الحكمي ﵀ هذا الكلام من الزهري فقال:""هذا عندي فيه نظر؛ فإنَّه غير قيم المبنى ولا واضح المعنى، والزهري إمام عظيم من كبار حملة الشريعة لا يجهل مثل هذا، وليس هذه العبارة محفوظة عنه من وجه يصح بهذه الحروف. فإنْ صح النقل عنه ففي الكلام تصحيف وإسقاط، لعل الصواب فيه هكذا: " الإسلام الكلمة والإيمان والعمل " فسقطت الواو العاطفة للعمل على الإيمان. وهذا متعين لموافقته قول أهل السنة قاطبة أنَّ الإيمان اعتقاد وقول وعمل " ١.
_________________
(١) ١ معارج القبول " ٢/٦٠٥ "
[ ٣١٩ ]
لكن كلام الزهري ﵀ ثابت عنه ١، وليس مراده أنَّ الإسلام الواجب أو المطلوب هو الكلمة، بل مقصوده بـ " الإسلام: الكلمة ": أنَّ أول ما يُدخَل به الإسلام هو الكلمة: شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله ﷺ، ومن أتى بها صار مسلمًا متميزًا عن اليهود والنصارى تجرى عليه أحكام المسلمين. وإذا أتى بهذه الكلمة طُولب بما وراءها من أعمال الإسلام. وقوله: " والإيمان: العمل الصالح ": إشارة إلى أنَّه إذا وُجد الإيمان تُوجد الأعمال الكثيرة والطاعات العديدة؛ لأنَّ الإيمان إذا تحقق في القلب وتم واكتمل جاءت الأعمال على أحسن ما يكون ٢.
" قلنا: فعلى هذا قد يخرج الرجل من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرج من الإسلام إلا إلى الكفر بالله ﷿ "
وهذا يوضحه بعض أهل العلم بوضع ثلاث دوائر، كلُّ واحدة منها أضيق من الأخرى، فالدائرة الصغرى الإحسان، والأوسع منها الإيمان، ثم الأوسع منها الإسلام، فيحتاج العبد إلى أن يحقق الإسلام والإيمان حتى يصل بعد ذلك إلى درجة الإحسان. فإن خرج من الإحسان لم يخرج إلى الكفر وإنما يخرج منه إلى مرتبة الإيمان، فإن خرج من الإيمان كان في مرتبة دونه وهي مرتبة الإسلام، فإن خرج منها فما ثم إلا الكفر ٣.
فعلى هذا كلُّ محسن مؤمن مسلم، وكلُّ مؤمن مسلم، وليس كلُّ مسلم مؤمنًا، وليس كلُّ مؤمن محسنًا.
_________________
(١) ١ رواه أبو داود " رقم ٤٦٨٤ "، وعبد الله بن أحمد في السنة " رقم ٧٥٢ "، واللالكائي في شرح الاعتقاد " رقم ١٤٩٣، ١٤٩٥ " كلهم بلفظ: " الإسلام: الكلمة، والإيمان: العمل ". ٢ انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية " ٧/٤١٥ " ٣ انظر: السنة لعبد الله " رقم ٧٢٥ "
[ ٣٢٠ ]