" ونؤمن بأنَّ الدجال خارج في هذه الأمة لا محالة، كما أخبر رسول الله ﷺ وصح عنه "
أي: إنَّ خروجه حق، ولن تقوم الساعة حتى يخرج.
والدجال مأخوذ من الدجَلِ وهو الكذب والافتراء، فهو أعظم الناس كذبًا وأشدهم افتراء وإفكًا على الله، يصرف الناس بكذبه عن دين الله تعالى.
ويسمى: المسيح الدجال لأنَّ عينه اليمنى ممسوحة طافية، قال النبي ﷺ:""الدجال ممسوح العين، مكتوب بين عينيه كافر. ثم تهجاها: ك ف ر. يقرؤه كلُّ مسلم " ١ فهو أعور، وهذه علامة على نقصه، يراها كلُّ أحد. ولهذا قال النبي ﷺ:""ألا إنَّه أعور، وإنَّ ربكم ليس بأعور " ٢، فكيف يصدق أنه رب وفيه مثل هذه العلامة.
وقد أخذ العلماء من هذا الحديث أنَّ الله ﷿ موصوف بأنَّ له عينين اثنتين؛ لأنَّ العور في اللغة: وجود عينين إحداهما طافية، ونفيه يدل على.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم " رقم ٧٢٩٢ " ٢ أخرجه البخاري " رقم ٧١٣١ "، ومسلم " رقم ٧٢٩٠ "
[ ٣٢٢ ]
وجود عينين مبصرتين لا عيب فيهما ولا نقص.
وخروج الدجال فتنة عظيمة، بل هي أعظم الفتن، كما قال النبي ﷺ:""ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال " ١.
ولخطورة فتنته وعظمها كان كلُّ نبي يحذر أمته منه، فقال ﷺ:""ما من نبي إلا وقد أنذر أمته الأعور الدجال " ٢، وأمرنا رسولنا الكريم ﷺ بالتعوذ من فتنته في كلِّ صلاة فقال:""إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع. يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال " ٣.
ومن الإيمان بالدجال: الإيمان بكلِّ أمر يتعلق به صحت به السنة. ومن نصحِ النبي ﷺ لأمته أن بيَّن لنا صفته وعلامته، وذكر لنا أخباره وأحواله وأعماله، وقد أكثر ﷺ من ذكره حتى بلغت أحاديثه حد التواتر.
ويدَّعي عند خروجه أنَّه رب العالمين، ويصدِّقه أقوام كثيرون، ويتبعه خلق عديدون، ويخرج معه من يهود أصبهان سبعون ألفًا، ويُمكِّنه الله ﷿ من بعض مقدوراته ابتلاء وامتحانًا للناس، فيمر بالمدن والقرى يدعو أهلها لاتباعه واعتقاد أنَّه الرب، فإن استجابوا له أمر السماء أن تمطر عليهم فتمطر، وأمر الأرض أن تنبت فتنبت وتخرج كنوزها، وتغدو ماشيتهم على أتم ما يكون من السمن وضرعها أحسن ما يكون من الدر. وإن امتنعوا أجدبت أرضهم وتضرروا ضررًا بالغًا. ومعه جنة ونار، فمن آمن به أدخله جنته،
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم " رقم ٧٣٢١ " ٢ أخرجه البخاري " رقم ٧١٣١ "، ومسلم " رقم ٧٢٩٠ " ٣ أخرجه مسلم " رقم ١٣٢٤ "
[ ٣٢٣ ]
ومن امتنع أدخله ناره. وقد وجه النبي ﷺ من ابتلي به أن يدخل ناره فقال ﷺ:"" فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يراه نارًا، فإنه ماء عذب طيب " ١.
ويمكث في الناس أربعين يومًا، وقد أخبر النبي ﷺ عن أيامه هذه فقال:"" أربعون يومًا، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم. فقال الصحابة: فذلك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدروا له قدره " ٢. وفي هذا دليل على حرص الصحابة على الخير، إذ سألوا عن أمر دينهم، ولو كان غيرهم ربما سأل كيف ينام.
وأخبر النبي ﷺ " أنَّ رجلًا - هو من خير الناس يومئذ - يأتي الدجال فيقول: أيها الناس هذا الدجال الذي ذكر رسول الله ﷺ، فيأمر الدجال به فيشج، فيقول: خذوه وشجوه، فيوسع ظهره وبطنه ضربًا، فيقول: أو ما تؤمن بي؟ فيقول: أنت المسيح الكذاب. فيؤمر به فيؤشر بالمئشار من مفرقه، حتى يفرق بين رجليه. ثم يمشي الدجال بين القطعتين، ثم يقول له: قم. فيستوي قائمًا. فيقول له: أتؤمن بي؟ فيقول: ما ازددت فيك إلا بصيرة. ثم يقول: يا أيها الناس إنَّه لا يفعل بأحد بعدي من الناس. فيأخذه الدجال ليذبحه فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاسًا، فلا يستطيع إليه سبيلًا. فيأخذ بيديه ورجليه فيقذف به، فيحسب الناس إنما قذفه إلى النار، وإنما ألقي في الجنة " ٣.
فهذه بعض الفتن التي تحصل من هذا الدجال، وعلى العبد المؤمن أن يحذر هذه الفتنة وأن يتقي أسبابها، فقد صح عن النبي ﷺ أنَّه قال:""من
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري " رقم ٣٤٥٠ "، ومسلم " رقم ٧٢٩٦ " ٢ أخرجه مسلم " رقم ٧٢٩٩ " ٣ أخرجه البخاري " رقم ١٨٨٢ "، ومسلم " رقم ٧٣٠٣ " واللفظ له.
[ ٣٢٤ ]
سمع بالدجال فلينأ عنه، فو الله إنَّ الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من الشبهات " ١.
وعلى الإنسان أن يُروِّض نفسه على البعد عن الفتن وعدم الدخول فيها، فإنَّه إذا فعل ذلك سلم بإذن الله وحفظ من فتنة الدجال؛ لأنَّ فتنته - كما يقول العلماء ـ"كما أنَّها فتنة شخص فهي فتنة جنس، فإذا لم يملك العبد نفسه عند دجال صغير فكيف بالدجال الأكبر.
كما أنَّه على المسلم أن يلازم الاستعاذة بالله من شر فتنة المسيح الدجال عند كلِّ صلاة كما أرشدنا النبي ﷺ.
وقد اتفق علماء الأمة على خروج الدجال، ولم يخالف في ذلك إلا طائفة من ضلال المبتدعة قالوا: ليس هناك دجال يخرج حقيقة، وإنما المراد بالدجال رمز لوجود الباطل، كما أنَّ المراد بنزول عيسى رمز لوجود الحق. وممن فاه بذلك وتكلم به رجل يقال له محمد أبو عبية ٢. وقد رد عليه الشيخ حمود التويجري ﵀ ردًا وافيًا شافيًا في كتابه: " إتحاف الجماعة ".
[ ٣٢٥ ]