" ونؤمن بأنَّ الموت يؤتى به يوم القيامة فيذبح "
وهذا حق، نؤمن به على ظاهره، فنعتقد أنه يؤتى بالموت فيذبح حقيقة، ولا نسلك مسلك أهل التأويل، بل نمره كما جاء ونصدق به كما ورد. قال الترمذي:""والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة، مثل: سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم أنهم رووا هذه الأشياء ثم قالوا: تروى هذه الأحاديث، ونؤمن بها. ولا يقال: كيف؟ وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن تروى هذه الأشياء كما جاءت، ويؤمَن بها، ولا تفسر، ولا تتوهم، ولا يقال: كيف؟ وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه " ١.
هذه جادة السلف ﵏ وطريقهم، وهو نهج مبارك مضوا عليه في جميع الأخبار المغيبة: يمرون الخبر كما جاء، ولا يتوهمون ولا يكيفون، فلا يحاولون قياس الخبر المغيب من أمور يوم القيامة بمداركهم وعقولهم، بل يؤمنون به كما ورد، ويقولون هو حق كما أخبر به رسول الله ﷺ.
ومراد الترمذي ﵀ بقوله: " ولا تفسر " أي: التفسير الباطل، الذي هو تكلف وتنطع وحمل للنص على غير معناه، وإبعاد له عن دلالاته. أما بيان معناه على ضوء دلالة اللغة فهذا لا إشكال فيه، فإننا مخاطبون بكلام واضح مفهوم المعنى.
وهذه الكلمة ترد عن السلف في الصفات، كما جاء عن أبي عبيد القاسم بن سلام، ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، لما ذكروا أحاديث الصفات
_________________
(١) ١ السنن " ٤/٦٩٢ "
[ ٣٣٤ ]
قالوا: " لا نفسرها "، ومرادهم - كما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أي: لا نفسرها تفسيرات الجهمية المبتدعة ١.
" كما روى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:""يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي مناد: يا أهل الجنة. فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: هذا الموت - وكلهم قد رآه ـ، ثم ينادي: يا أهل النار. فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت - وكلهم قد رآه ـ، فيذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. ثم قرأ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ " "
" كهيئة كبش أملح " الأملح: الأبيض الذي يخالطه سواد، والله ﷿ قادر على كلِّ شيء، قادر على أن يقلب الأعراض أجسامًا والأجسام أعراضًا، ولا يعجزه ﵎ شيء، فلا يقال: كيف يؤتى به ونحن نعلم أنَّ الموت عرض؟! لا يقول ذلك إلا ضال منحرف شاك في قدرة الله.
" فينادي مناد: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون " أي يتطلعون إلى مزيد فضل وإنعام؛ لأنَّهم يعلمون أنَّهم لا ينادون إلا للزيادة في النعيم والإكرام.
" فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: هذا الموت، وكلُّهم قد رآه " فكلُّ واحد منهم مات وعاين الموت ورآه، فلكلِّ واحد منهم معه موقف عصيب.
" ثم ينادي: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون " فيظنون أنَّ هناك خروجًا وفكاكًا من هذا العذاب، فيتطلعون لذلك.
" فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت - وكلُّهم قد رآه ـ
_________________
(١) ١ انظر: الحموية " ص٤٠ "
[ ٣٣٥ ]
فيذبح " أي الكبش الذي هو الموت يذبح حقيقة بين الجنة والنار، وأهل الجنة والنار يرونه، في مشهد من الجميع.
" ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت " فيبقى أهل الجنة في الجنة خالدين فيها أبد الآبدين، ويبقى أهل النار - نسأل الله ﷿ السلامة والعافية - خالدين فيها أبد الآبدين، كما قال ﵎: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ ١. وهذا إنما يكون بعد إخراج عصاة الموحدين من النار، حين لا يبقى في النار إلا أهلها الخالدون فيها.
" ثم قرأ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾؟ وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون؟ " يتقطعون أسفًا وندمًا وحسرة، ولكن لا ينفع الندم حينئذ، ونسأل الله ﷿ السلامة والعافية وأن يجيرنا وإياكم من النار.
_________________
(١) ١ الآيتان ٣٦، ٣٧ من سورة فاطر.
[ ٣٣٦ ]
" فصل "
من أصول الإيمان: الإيمان بالأنبياء والرسل الكرام الذين أرسلهم الله ﷿، واعتقاد أنَّهم رسله حقًا وأنبياؤه صدقًا، وأنَّ الله ﷿ بعثهم للناس بالهدى والحق مبشرين ومنذرين. واعتقاد أنهم أدوا الأمانة ونصحوا لأممهم، وبلغوا ما أمرهم الله بتبليغه على الكمال والتمام، وأنَّ من أطاعهم فهو من أهل الجنة، ومن عصاهم فهو من أهل النار. واعتقاد فضلهم ورفعة شأنهم وعلو قدرهم، وأنَّ الله ﷿ اجتباهم واختارهم وميزهم على الناس، خصهم برسالته وفضلهم على العالمين. واعتقاد التفاضل بينهم، وأنَّ أفضل الأنبياء الرسل، وأفضل الرسل أولو العزم منهم، وأفضل أولي العزم محمد ﷺ؛ فهو إمام المرسلين وخيرهم ومقدمهم ﷺ.
وكما أنَّ الإيمان بالرسل عمومًا أصل من أصول الإيمان، فإنَّ الإيمان بنبوة محمد ﷺ وأنَّه خاتم الأنبياء والمرسلين أصل عظيم من أصول هذا الدين، ولا إيمان لمن لم يؤمن بنبوته؛ بَشَّر به الأنبياء قبله، وذكروه لأممهم.
وقد بُعث ﷺ للناس أجمعين، ورحمة للعالمين، لم يبعث للعرب خاصة وإنَّما بعث للناس عامة.
ومن الإيمان به ﷺ: الإيمان بفضائله وخصائصه ومناقبه، وجميع ما منَّ الله ﵎ عليه به، ولهذا عقد المصنف هذا الفصل العظيم لبيان فضل الرسول الكريم خاتم النبيين وإمام المرسلين وقدوة الخلق أجمعين ﷺ. فقال:
[ ٣٣٧ ]