" وأجمع أهل الحق، واتفق أهل التوحيد والصدق أنَّ الله تعالى يُرى في الآخرة، كما جاء في كتابه، وصح عن رسوله ﷺ "
شرع المصنف في الحديث عن رؤية الله جل وعلا يوم القيامة، وأن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم عيانًا.
والرؤية عند أهل السنة حق، وجرت عادة كثير من أهل العلم أن يذكروا الكلام على رؤية الله جل وعلا في مباحث الصفات؛ باعتبار أنَّ الله ﷿ يُرى: يراه المؤمنون بأبصارهم حقيقة من فوقهم، ويتجلى لهم سبحانه ويمكنهم من رؤيته.
ومن أهل العلم من يذكر ما يتعلق بالرؤية في مباحث الإيمان باليوم الآخر، عند ذكرهم نعيم أهل الجنة؛ لأنَّ هذا يتحقق لأهل الإيمان في الجنة، بل هو أعلى وأعظم وألذ نعيم يناله أهل الجنة في الجنة.
ورؤية الله جل وعلا مطمع من مطامع أهل الإيمان، وهدف يسعون لتحصيله، ويسألون الله ﷿ أن يمنَّ عليهم به، ويدعون الله جل وعلا أن يكرمهم برؤيته يوم القيامة. وأيُّ نعيم أعظم من أن يرى المخلوق ربَّ العالمين وخالق الخلق أجمعين ذا الجلال والكمال والعظمة والكبرياء، فهي أكمل وألذ وأعظم نعيم يناله أهل الجنة في الجنة. وقد جاء في دعاء النبي ﷺ الثابت في سنن النسائي وغيره ١ من حديث عمار بن ياسر ":"وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة".
_________________
(١) ١ أخرجه النسائي " رقم ١٣٠٥ "، والبزار " رقم ١٣٩٣ "، وابن حبان " رقم ١٩٧١ " وصححه الألباني في صحيح الجامع " رقم ١٣٠١ "
[ ١٧١ ]
يقول أهل العلم: من يتمنى الموت قد يتمناه لشدة وبلاء نزل به فيتمنى الموت ليسلم منه، وقد يتمناه لفتنة مضلة تنزل بالناس يخشى على نفسه منها. وليس الغرض من تمني النبي ﷺ لقاء الله في هذا الحديث السلامة من مصيبة حلت، ولا الوقاية من فتنة نزلت، وإنما غرضه ﷺ الشوق إلى الله ﷿ والطمع في رؤيته ﷾.
وإيمان المؤمنين بالرؤية يزيد الطاعة فيهم؛ لأنهم يعلمون أنَّ الطاعة والعبادة سبب للرؤية، وسبق أن أشرت إلى أن للإيمان بصفات الله أثرًا بالغًا على العبد في عبادته وطاعته وإقباله على الله تعالى.
وأدلة الرؤية في الكتاب والسنة متضافرة، جاء في القرآن في مواضع عديدة نصوص واضحة الدلالة على أنَّ الله ﷿ يُرى يوم القيامة، وجاء في سنة النبي ﷺ أحاديث كثيرة تبلغ حد التواتر ١ تدل على أنَّ الله يرى يوم القيامة، وللإمام الدارقطني كتاب " الرؤية " جمع فيه الأحاديث الواردة في الرؤية، وممن جمع أحاديث الرؤية جمعًا جيدًا ابن القيم ﵀ في كتابه " حادي الأرواح "، والشيخ حافظ الحكمي ﵀ في كتابه"" معارج القبول " ٢.
وأنبه على فائدة في هذا الباب، وهي أنَّه لا يشترط في الاستدلال بالحديث في أبواب الاعتقاد أن يكون متواترًا، بل لو كان خبر أحاد يرويه العدل عن مثله متصلًا إلى النبي ﷺ بلا شذوذ ولا علة فهو حجة في العقيدة والأحكام، وأول
_________________
(١) ١ وممن نص على تواتر أحاديث الرؤية: شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى " ١٣ / ٣٥ "، وابن كثير في تفسيره " ٤/٤٥٠ "، وابن أبي العز الحنفي في شرح العقيدة الطحاوية " ص١٩٣ " ٢ " ١/٣٠٦ - ٣٣٥ "
[ ١٧٢ ]
من قال: إنَّ العقيدة لا يحتج فيها بخبر الآحاد المعتزلة، وإنما أتوا بهذا التقرير الفاسد ليجعلوه متكأً لهم في رد ما لا يوافق عقولهم وأهواءهم من أحاديث النبي ﷺ، ولا يعرف هذا القول عن أحد من أهل السنة؛ فإنَّ النبي ﷺ قد بعث معاذًا وحده إلى اليمن ١ ليعلم الناس العقيدة والعبادة وكلَّ شيء، وهو رجل واحد. وهذا دليل من جملة أدلة كثيرة استدل بها أهل العلم على صحة الاحتجاج بخبر الواحد في الاعتقاد، وقد سبق أن نبه المصنف ﵀ على هذا الأمر بقوله: " وصح عن رسوله بنقل العدل عن العدل ".
وأحاديث الرؤية متواترة عن النبي ﷺ، ولما سمعها الصحابة رضوان الله عليهم أمروها كما جاءت، وآمنوا بها كما وردت، ولا يعرف عن صحابي واحد أنَّه انتقد أو اعترض أو حرَّف أو أوَّل شيئًا منها - وحاشاهم من ذلك ـ، وإنما وُجِدت هذه المناهج في أهل الأهواء والبدع فيما بعد.
" وأجمع أهل الحق، واتفق أهل التوحيد والصدق " وهذا محل إجماع، ولم يخالف فيه إلا أهل البدع من المعتزلة ومن تأثر بهم، ولا عبرة بمخالفتهم.
" أنَّ الله تعالى يُرى في الآخرة " وهذا فيه أنَّ الرؤية إنما تكون في الآخرة، وأمَّا الدنيا فمهما بلغ العبد من الإيمان فلن يرى الله، لما صح عن النبي ﷺ أنَّه قال:"إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا"٢. وهذا محل إجماع عند أهل السنة، وليس في هذه المسألة خلاف، إلا فيما يتعلق بالنبي ﷺ خاصة هل رأى ربه أو لم يره.
_________________
(١) ١ انظر: صحيح البخاري " رقم ١٤٥٨ "، ومسلم " رقم ١٢١ " ٢ أخرجه النسائي في الكبرى " رقم ٧٧٦٤ "، وأحمد " ٥/٣٢٤ "، وابن أبي عاصم في السنة " رقم ٤٢٨ "، والضياء في المختارة " ٨/٢٦٤ " وقال الألباني في " ظلال الجنة ": " إسناده جيد رجاله ثقات ".
[ ١٧٣ ]
والصحيح كما قرره المحققون من أهل العلم: أنَّ النبي ﷺ لم ير ربه، وأن رؤية الله للجميع إنما تكون في الآخرة، فهي من نعيم الآخرة فتكون في الآخرة.
ففي قول المصنف ﵀: " يُرى " رد على المعتزلة ومن تأثر بهم ممن ينكر الرؤية.
وقوله: " في الآخرة " رد على أرباب التصوف ومن على شاكلتهم ممن يدعي أنه يرى الله في الدنيا.
" كما جاء في كتابه، وصح عن رسوله ﷺ " يشير المصنف إلى أنَّ الرؤية دلَّ عليها أدلة من القرآن والسنة، ثم بدأ يذكر بعض هذه الأدلة فقال:
" قال الله ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ "
هذا دليل من القرآن، ناضرة من النضرة، يقال: وجه نضر أو ذو نضرة أي: ذو حسن وبهاء ونور وضياء. ويقال: نضَّر الله وجهك أي: جعله ذا نضرة وحسن وبهاء وجمال.
وفي الحديث عن النبي ﷺ قال:"نضر الله امرأً سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيره" ١. وهذه دعوة من النبي ﷺ لمن اعتنى بالسنة حفظًا وتبليغًا أن ينضر الله وجهه أي يجعل وجهه ذا نضرة.
وفي هذا الحديث دليل على أنَّ المحافظة على السنة تعطي نضرة للوجه في الدنيا والآخرة، وإضاعة السنة والانغماس في البدعة يكسب صاحبه سوادًا في الوجه وظلمة فيه، فالسنة ضياء والبدعة ظلام، ولهذا يقول عبد الله بن
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود " رقم ٣٦٦٠ "، والترمذي " رقم ٢٦٥٦ وقال حديث حسن "، وابن ماجه " رقم ٢٣٠ " وصححه الألباني في الصحيحة " رقم ٤٠٤ "
[ ١٧٤ ]
المبارك ﵀:"صاحب البدعة على وجهه الظلمة وإن ادهن كلَّ يوم ثلاثين مرة"١. والمعصية أيضًا تكسب صاحبها شيئًا من الظلمة والذل، كما قال الحسن البصري ﵀:"إنهم - يعني أهل المعاصي والذنوب - وإن هملجت بهم البراذين وطقطقت بهم البغال، إنَّ ذل المعصية لفي قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه"٢.
" يومئذ " أي: يوم القيامة، فمحل هذا الثواب يوم القيامة.
" ناضرة " أي: حسنة بهية. وعندما تطالع أقاويل السلف في معنى ناضرة تجد عباراتهم متنوعة، فمنهم من يقول: مشرقة. ومنهم من يقول: بهية. ومنهم من يقول: حسنة. ومنهم من يقول: جميلة. ومنهم من يقول: مضيئة. ومنهم من يقول: منيرة. أقاويل كثيرة وكلُّها حق يشملها معنى النضرة المذكورة في الآية. أسأل الله ﷿ أن يمن عليَّ وعليكم بذلك.
" ناظرة " بالظاء أخت الطاء، وهي من النظر، أي ناظرة إلى الله ﷿ بالأبصار، وهذا فيه دلالة على ثبوت الرؤية، وأنَّ أهل الإيمان أهل النضرة يرون ربهم ﷿.
وهنا لفتة للإمام الحسن البصري ﵀ عند هذه الآية، يقول:"تنظر إلى الخالق، وحق لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق"٣. يعني كيف لا تزدان وجوههم وتحسن وهم ينظرون إلى الله ﷿.
إنَّ صاحب الإيمان والسنة لما يقرأ هذه الآية ونظائرها يتحرك قلبه شوقًا إلى الله، وطمعًا في أن يكون من هؤلاء الذين تنضر وجوههم بالنظر إليه تبارك
_________________
(١) ١ رواه اللالكائي " رقم ٢٨٤ " ٢ إغاثة اللهفان " ٢/١٨٨ "، ومجموع الفتاوى " ١٥/٤٢٦ " ٣ رواه ابن جرير في تفسيره " رقم ٣٥٦٥٤ "
[ ١٧٥ ]
وتعالى بأبصارهم، أما أهل البدع ففي حرمان - نسأل الله السلامة والعافية - لما يقرءون مثل هذه الآيات ينشغلون بصرفها عن ظاهرها لأوهام فاسدة قامت في نفوسهم.
وقد حاول بعض أهل الأهواء صرف هذه الآية عن معناها، فقالوا: ليس المراد أنها تنظر إليه، فرؤية الله غير ممكنة - عندهم ـ، بل النظر في الآية من الانتظار أي: منتظرة لثواب الله ونعيمه، فأفسدوا معنى الآية، وجعلوها مثل قوله ﵎: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ ٢،مع أن قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ دال على أنهم قد نالوا اللذة والنعيم، إلا أنَّ هؤلاء المبتدعة جعلوهم في انتظار للنعيم لا أنهم قد نالوه، فزادوا على ذلك إضعاف قدر النعيم الذي يناله أهل النعيم في الجنة.
وأهل العلم يقولون: إنَّ للنظر أحوالًا من حيث التعدي واللزوم، ويختلف معناه بحسب ذلك:
ـ فإذا تعدى بنفسه بدون حرف فهو بمعنى الانتظار، كقول الله ﵎: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ أي: انتظرونا، وقوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ أي: منتظرة بأيِّ شيء يرجع المرسلون
ـ وإذا تعدى بحرف " في " فهو بمعنى التفكر والاعتبار، كقول الله ﵎: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٣ أي: يتفكروا ويعتبروا في هذه المخلوقات العظيمة العجيبة.
ـ وإذا تعدى بحرف " إلى " كما في الآية: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا
_________________
(١) ١ الآية ١٣ من سورة الحديد. ٢ الآية ٣٥ من سورة النمل. ٣ الآية ١٨٥ من سورة الأعراف.
[ ١٧٦ ]
نَاظِرَةٌ﴾ فلا يكون إلا الرؤية بالباصرة.كيف وقد انضم إلى ذلك إسناد النظر إلى الوجه الذي فيه البصر فقال: " وجوه يومئذ ناضرة ". فهذا كله محقق للرؤية ومؤكد لمعناها، ومع ذلك فإنَّ أهل الأهواء يأبون إلا رد ذلك.
ثم إن في القرآن الكريم آيات عديدة تدل على أنَّ الله ﷿ يُرى يوم القيامة ويراه المؤمنون بأبصارهم، منها: قول الله تعالى عن الكفار: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ١، فإذا حُجِب الكفار تعذيبًا لهم ونكالًا بهم، عُلم من ذلك أنَّ المؤمنين يرونه سبحانه؛ لأنَّه إذا قيل: إنَّ المؤمنين لا يرون ربهم فهذا يعني أنهم والكفار سواء. فيسوون بين من قال الله ﷿ فيهم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ومن قال فيهم: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ . قال الإمام الشافعي ﵀:"فلما حجبهم في السخط كان في هذا دليل على أنهم يرونه في الرضا"٢. فحقيق بمن ينكر رؤية الله يوم القيامة ألا ينالها؛ فإنه لا يعتقدها ولا يؤمن بها، ولا سأل الله يومًا أن ينعم عليه بها. إنما الحقيق بالرؤية من آمن بها وعمل بأسباب نيلها، وسأل ربه أن يعطيه إياها.
" وروى جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: كنا جلوسًا ليلة مع رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال:" إنكم سترون ربكم ﷿ كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا. ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ "وفي رواية: سترون ربكم عيانًا "
هذا حديث من الأحاديث الدالة على أنَّ المؤمنين سيرون ربهم ﵎ يوم القيامة.
_________________
(١) ١ الآيتان ١٤، ١٥ من سورة المطففين. ٢ تهذيب السنن لابن القيم " ١٣/٣٨ "، وشرح الطحاوية " ص١٩١ "
[ ١٧٧ ]
"كنا جلوسًا " وهذا يفيد أنَّ الحديث ذكره النبي ﷺ لجمع من الصحابة.
وفي هذه الصيغة أدب الصحابة في الإخبار عن الرسول ﷺ، فلا يقولون كان معنا أو كان عندنا، بل يقولون: كنا معه، أو كنا عنده.
" فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة " أي في منتصف الشهر، وفي هذه الليلة يكون القمر قد تم، ويسمى بدر التمام، وإذا كان الجو صحوًا فكلُّ الناس يرونه في هذه الليلة، يرونه حقيقة بأبصارهم رؤية عيانية بدون مزاحمة، أما في أول الشهر فقلة الذين يرونه، وأحيانًا يحتاجون إلى التضام ليتمكنوا من رؤيته؛ لأنَّه شيء رفيع ودقيق، فيتقارب الناس حتى يستطيع بعضهم دلالة بعض عليه.
فالنبي ﷺ اختار للبيان ليلة الرابع عشرة، وهي التي يكون فيها القمر في تمام الوضوح وتمام البيان، وهذا من كمال نصحه ﷺ وتمام بيانه لهذا الأمر العظيم.
" إنكم سترون ربكم ﷿ كما ترون هذا القمر " الخطاب هنا لأهل الإيمان، ولا يدخل فيه الكفار
وقد بدأهم النبي ﷺ بالخبر فقال: " إنكم سترون ربكم "، وجاء في حديث آخر في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁:"أنَّ ناسًا قالوا لرسول الله ﷺ: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ: هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: فإنكم ترونه كذلك"١.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري " رقم ٧٤٣٧ "، ومسلم " رقم ٤٥٠ "
[ ١٧٨ ]
وأهل العلم يقولون: هاتان حادثتان، مرة كان النبي ﷺ جالسًا مع الصحابة كما في حديث جرير فبدأهم بالبيان، ومرة سأله بعض الصحابة"فأجابهم ﷺ كما في حديث أبي هريرة.
وقوله ﷺ: " سترون " يفيد أنَّ هذه الرؤية ليست في الدنيا، وإنَّما هي في المستقبل. وقد جاء التصريح في بعض روايات هذا الحديث بأن هذه الرؤية إنما تكون يوم القيامة، فقال ﷺ: " إنكم سترون ربكم يوم القيامة " ١.
يقول العلماء: أكد النبي ﷺ رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة بمؤكدات كثيرة، فأكدها أولًا بـ " إنَّ " وهي حرف توكيد، ثم بالسين التي تدخل على الفعل المضارع، وهي أيضًا يؤتى بها للتأكيد، ثم أكدها بالإشارة في قوله: " كما ترون هذا القمر "، فرؤيتهم للقمر بالأبصار حقيقة، بأعينهم ينظرون إليه ويشاهدونه. فهذه كلها مؤكدات على أنَّ رؤية الله يوم القيامة رؤية حقيقية.
" كما ترون هذا القمر " الكاف للتشبيه: لتشبيه الرؤية بالرؤية، وليست للمرئي بالمرئي. أي: كما أنكم ترون القمر حقيقة بأعينكم عيانًا جهارًا بأبصاركم بدون حجاب، فكذلك يوم القيامة سترون ربكم عيانًا بيانًا بأبصاركم بدون حجاب.
" لا تُضَامون في رؤيته " وفي رواية " لا تَضَامُّون " وفي رواية " لا تُضارُّون في رؤيته " وكلُّ هذه الروايات تدل على معنى وضوح الرؤية، فلا يتضامون؛ لأنَّ التضام إنما يحصل عندما يكون الشيء الذي يراد رؤيته ضعيفًا لا يُرى إلا بمشقة وتضام. ولا يتضارون في رؤيته فلا يحصل لبعضهم ضرر بأن لا يراه، بل الكلُّ يرونه. ولا يُضامون في رؤيته، فلا يحصل لهم ضيم فيها.
ومع كثرة هذه الأحاديث وصحتها، ووضوح دلالتها بكلِّ هذه المؤكدات،
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري " رقم ٧٤٣٦ "
[ ١٧٩ ]
فإنَّ أهل البدع يأبون ذلك، لا لشيء إلا لأنَّ قلوبهم المُمْرَضَةَ استوحشت من ذلك. حتى بلغت الوقاحة بأحد المبتدعة في عصرنا أن قال: أنا مستعد أن أناظر وأباهل على أنَّ الله لا يُرى يوم القيامة. فانظروا إلى هذا البلاء واحمدوا الله على العافية. وإلا فالأحاديث المثبتة للرؤية من أوضح ما يكون، والصحابة لما سمعوا هذه الأحاديث لم ينكروها ولا اعترضوا عليها، بل أخذوا يروونها للناس، ولا يزال أهل الحق يتناقلونها بينهم، ويسألون الله ﷿ أن يمنَّ عليهم برؤيته.
" فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا " في هذاجواب لسؤال يطرح نفسه - كما يقولون ـ، فإنَّ الصحابة لما سمعوا هذا الحديث من النبي ﷺ: " إنَّكم سترون ربكم ﷿ كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته " لاشك أنَّهم دار في نفوسهم شوق عظيم وحب كبير لنيل هذه الرؤية، وأخذوا يرجونها ويتمنونها، نفوس صافية، وقلوب مؤمنة ومقبلة على الله وجاءها هذا الخبر لابد أنهم تساءلوا ما العمل؟ كيف ننال هذه الرؤية؟ ما السبيل إلى تحصيلها؟ وما الأمور المعينة على نيلها؟
ومن تمام نصح النبي ﷺ وكمال بيانه أنَّه يجيب عن مثل هذه التساؤلات دون أن يُسأل ١، فقال: " فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا " وفي هذا إشارة منه ﷺ إلى أنَّ رؤية الله ﷿ يوم القيامة لا تنال بمجرد الأماني: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ ٢، بل لابد من عمل وجد واجتهاد وبذل وإقبال على الله
_________________
(١) ١ نظير هذا قوله ﷺ: " إنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا " إذا سمعت هذا الكلام تبادر إلى ذهنك سؤال، ألا وهو ما المخرج؟ فيأتيك الجواب بدون سؤال: " فعليكم بسنتي ". ٢ الآية ١٢٣ من سورة النساء.
[ ١٨٠ ]
﵎، ولهذا أرشد النبي ﷺ إلى الأسباب التي ينال بها العبد رؤية الله ﷿، فأرشد ﷺ إلى صلاتين عظيمتين - وهما صلاة الفجر وصلاة العصر - وقد ورد في شأنهما نصوص كثيرة جدًا تدل على فضلهما، منها: ما ثبت في الصحيحين ١ أنَّ النبي ﷺ قال:"من صلى البردين دخل الجنة"، وثبت في الصحيحين أيضًا عن النبي ﷺ أنَّه قال:"يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم - وهو أعلم بهم ـ: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون" ٢.
وإنَّما خص"هاتين الصلاتين لما فيهما من الفضل، ولما فيهما من الثقل على كثير من الناس، فمن سمت همته وأعانه الله ﷿ ووفقه للمحافظة على هاتين الصلاتين فهو لما سواهما من الصلوات أكثر محافظة، بل إن صلاة الفجر خاصة مفتاح اليوم، ومن أكرمه الله ﷿ بالنهوض لهذه الصلاة والاهتمام بها أعين على الصلوات بقية اليوم، وما يكون من العبد في الفجر ينسحب على بقية اليوم، كما قال بعض السلف:"يومك مثل جملك إذا أمسكت أوله تبعك آخره". ومن ضيع صلاة الفجر أصبح خبيث النفس كسلان كما قال النبي ﷺ:"يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على مكان كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد. فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان" ٣. ومن استمر في
_________________
(١) ١ البخاري " رقم ٥٧٤ "، ومسلم " رقم ١٤٣٦ " ٢ البخاري " رقم ٥٥٥ "، ومسلم " رقم ١٤٣٠ " ٣ أخرجه البخاري " رقم ١١٤٢ "، ومسلم " رقم ١٨١٦ "
[ ١٨١ ]
نومه وتمادى في كسله إلى أن يُفوِّت على نفسه صلاة الصبح فإنَّ الشيطان يبول في أذنه، كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ، ففي الصحيحين من حديث ابن مسعود ﵁ قال: ذُكِر رجل عند النبي ﷺ نام حتى أصبح فقال:"ذاك رجل بال الشيطان في أُذُنَيْه أو قال: في أُذنه"، فيصبح والعُقَد كلُّها كهيئتها، وإضافة إلى ذلك يبول الشيطان في أذنه، وحسب من كان كذلك خيبة وخسارة وشرًا. وقد جاء عن ابن مسعود ﵁ أنَّه قال:"حسب الرجل من الخيبة والشر أن ينام حتى يصبح وقد بال الشيطان في أذنه" ١ نسأل الله العافية والسلامة. وعلى كلٍّ فمن حافظ على هاتين الصلاتين حافظ على بقية الصلوات، ومن حافظ على الصلوات حافظ على بقية الطاعات واجتنب المنهيات، كما قال ﵎: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ٢.
وفي الحديث إشارة إلى الصلة بين الصلاة والرؤية، ولهذا كان ﷺ يسأل ربه في الصلاة أن يكرمه بالرؤية كما في حديث عمار بن ياسر السابق ذكره.
" فإن استطعتم " وهذا يفيد أنَّ التكليف بالاستطاعة، كما قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ٣، وقال رسول الله ﷺ:"صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب" ٤، وقال النبي ﷺ:"وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم"٥. واستطاعة الإنسان يعلمها من نفسه، فالصحابة رضوان الله عليهم لعلو مقام هذه الصلاة بينهم كان الرجل
_________________
(١) ١ أخرجه محمد بن نصر في قيام الليل " ص١٠٣ "، وقال الحافظ ابن حجر في الفتح " ٣/٢٩ ": " وهو موقوف صحيح الإسناد ". ٢ الآية ٤٥ من سورة العنكبوت. ٣ الآية ٢٨٦ من سورة البقرة. ٤ أخرجه البخاري " رقم ١١١٧ " ٥ أخرجه البخاري " رقم ٧٢٨٨ "، ومسلم " رقم ٦٠٦٦ "
[ ١٨٢ ]
يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف ١، والمتهاون لأدنى تعب أو أقل انشغال يترك الصلاة ويتعلل بعدم الاستطاعة.
" ألا تغلبوا " في هذا إشارة إلى أنَّ في الدنيا أمورًا ستغالبكم على المحافظة على هاتين الصلاتين، فإن استطعتم ألا تهزموا أمام هذه الشواغل والصوارف فافعلوا، حتى تنالوا هذا الثواب العظيم وغيره مما أعده الله ﷿ لعباده المؤمنين.
وما أكثر الصوارف في أيامنا هذه، فبعض الناس يغلبه على الصلاة التي هي زينة الحياة الدنيا شرب الشاي، وبعضهم يغلبه حديث تافه وسمر ماجن ولهو باطل ومشاهدات رديئة، ومن الناس من يغلبه النوم، ولهذا خصت صلاة الفجر بأن يقال في النداء إليها: " الصلاة خير من النوم " أي أنَّ الصلاة خير من هذا النوم الذي يغالبك وتتلذذ به.
ومن عظيم عناية النبي الكريم ﷺ بهذه الصلاة ما جاء في حديث أبي قتادة الأنصاري ﵁ قال:"كان رسول الله ﷺ إذا كان في سفر فعرس بليل: اضطجع على يمينه، وإذا عرس قبيل الصبح: نصب ذراعه، ووضع رأسه على كفه"٢، يفعل ذلك ﷺ حتى لا يستغرق في النوم ويغلب على الصلاة.
وهناك أمر يقع أحيانًا عند بعض طلبة العلم، تجدهم في الليل يسهرون في مسائل علمية ومناصحات وتداول أبحاث وتحقيق مسائل، ويطول بهم البحث إلى وقت متأخر من الليل، حتى تثقل رؤوسهم عن الصلاة المكتوبة. فسهرهم
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم " رقم ١٤٨٦ " عن ابن مسعود؟. ٢ أخرجه مسلم " رقم ١٥٦٣ "
[ ١٨٣ ]
هذا - ولو كان على قراءة القرآن وذكر الله - فإنَّه محرم؛ لأنَّه على حساب إضاعة صلاة الفجر.
فعلى طالب العلم أن يعتني بهذه الصلاة وأن يحافظ عليها وعلى جميع الصلوات المكتوبة، فقد ذُكِرَت عند النبي ﷺ مرة فقال:"من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له برهان ولا نور ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وهامان وفرعون وأبي ابن خلف"١ أي أنَّه يحشر مع صناديد الكفر وأعمدته.
وفي الحديث فوائد مهمة، منها:
أنَّ الصلاة أفضل العبادات، وأنَّ لها شأنًا عظيمًا في الدين، والنصوص في ذلك لا تعد ولا تحصى.
ومنها: أنَّ الاعتقاد الصحيح السليم يؤثر على عمل العبد وسلوكه، فكلما ازداد إيمانه وقوي يقينه ازداد استقامة وجِدًا وعملًا وبذلًا ومحافظة على طاعة الله.
" ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ "" المراد بالتسبيح: صلاة الفجر وصلاة العصر. والصلاة تسمى صلاة، وتسمى ببعض أجزائها، فيقال لها: ركوع، وسجود، وتسبيح. يقال: سجد سجدتين أي: صلى ركعتين.
" وفي رواية: سترون ربكم عيانًا " وفي هذا مؤكد آخر لكون رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة تكون عيانًا بالأبصار.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد " ٢/١٦٩ "، وعبد بن حميد " رقم ٣٥٣ "، والدارمي " رقم ٢٧٢١ "، وابن حبان " رقم ١٤٦٧ "، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد " ١/٢٩٢ ": " رجال أحمد ثقات ". وحسَّن إسناده الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ في مجموع فتاويه "١٠/٢٧٨ "
[ ١٨٤ ]
" وروى صهيب عن النبي ﷺ قال:"إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا: يا أهل الجنة، إنَّ لكم عند الله موعدًا لم تروه، فيقولون: ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا، ويزحزحنا عن النار، ويدخلنا الجنة؟ قال: فيكشف الحجاب فينظرون إليه، قال: فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر إليه، ثم تلا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ " رواه مسلم "
" صهيب ": هو ابن سنان الرومي ﵁.
" إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا " أي: عندما يدخل أهل الجنة الجنة ويرون نعيمها، ويحصل لهم الزحزحة عن النار، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ ١ ينادون:
" يا أهل الجنة، إنَّ لكم عند الله موعدًا لم تروه " هذا الموعد هو رؤية الله، والوعد به جاء في القرآن في قوله جل وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وفي سنة النبي ﷺ في قوله:"إنكم سترون ربكم".
" فيكشف الحجاب فينظرون إليه " أي: يكشف حجابه وهو النور، فينظرون إلى الله ﷿ حقيقة بأبصارهم.
" قال: فو الله ما أعطاهم الله شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إليه " وهذه شهادة من النبي ﷺ على أنَّ رؤية المؤمنين ربهم هي أفضل نعيم في الجنة.
ثم إنَّ المصنف ﵀ لما ذكر دليلًا من القرآن ودليلين من السنة ذكر بعض الآثار عن السلف في إثبات الرؤية فقال:
" وقال مالك بن أنس ﵁: الناس ينظرون إلى الله تعالى
_________________
(١) ١ الآية ١٨٥ من سورة آل عمران.
[ ١٨٥ ]
بأعينهم يوم القيامة " وهذا فيه أنَّ منهج السلف في الرؤية: إثباتها وإمرارها كما جاءت، والإيمان بها كما وردت، واعتقادهم أنها حق، وأنَّ المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة حقيقة بأبصارهم.
" وقال أحمد بن حنبل: من قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر " هذا حكم المنكر من حيث الإطلاق؛ لأنَّه أنكر أمرًا تضافرت عليه الأدلة، وتكاثرت فيه النصوص، وأجمع عليه سلف الأمة. لكن إن أُتِي بمعيَّنٍ ينكر الرؤية ابتداءً لا يُكفَّرُ، بل تزال عنه الشبهة، خاصة وأن رؤوس أهل البدع شبَّهوا على الناس وكتبوا كتبًا وأتوا بتلبيسات كثيرة.
[ ١٨٦ ]