بعد انتهاء المصنف ﵀ من ذكر الإسراء والمعراج دخل في الكلام على رؤية النبي ﷺ ربه ليلة المعراج، فقال:
" وأنه ﷺ رأى ربه ﷿،كما قال ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ . قال الإمام أحمد - فيما روينا عنه ـ: وأنَّ النبي ﷺ رأى ربه ﷿، فإنَّه مأثور عن النبي ﷺ صحيح، رواه قتادة عن عكرمة عن ابن عباس. ورواه الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس. ورواه علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس. والحديث على ظاهره كما جاء عن النبي ﷺ، والكلام فيه بدعة، ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره، ولا نناظر فيه أحدًا "
هذه المسألة فيها نزاع معروف بين أهل العلم على قولين:
القول الأول: أنَّ النبي ﷺ رأى ربه عندما عُرِج به إلى السماء، ونُقِل ذلك عن بعض الصحابة.
القول الثاني: أنَّ النبي ﷺ لم ير ربه.
وبعض أهل العلم في كتب الاعتقاد انتصروا للقول بأنَّ النبي ﷺ رأى ربه، ومنهم المصنف هنا، وكذلك ابن خزيمة في كتاب التوحيد ١.
لكنَّ التحقيق أنَّ النبي ﷺ لم ير ربه، وليس مع من قال: إنَّ النبي ﷺ رأى ربه ليلة المعراج دليل واضح يبنى عليه القول بذلك، بل الأدلة في عدم الرؤية أصرح، سواء الأدلة العامة في هذا الباب، أو الأدلة الخاصة المتعلقة به ﷺ. ومن هذه الأدلة: ما جاء في صحيح مسلم ٢ عن أبي ذر ﵁
_________________
(١) ١ " ٢/٤٧٧ - ٥٦٢ " ٢ الصحيح " رقم ٤٤٢ "
[ ٢٦٣ ]
قال:""سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه ". فهذا واضح في الدلالة على أنَّه ﷺ لم ير ربه. ولعله ﷺ رأى النور، كما جاء في الحديث:""حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " ١. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:""قد ثبت بالنصوص الصحيحة واتفاق سلف الأمة أنَّه لا يرى الله أحد في الدنيا بعينه، إلا ما نازع فيه بعضهم من رؤية نبينا محمد ﷺ خاصة " ٢. وقال - أيضًا ـ:""وليس في الأدلة ما يقتضي أنَّه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة، ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدل " ٣.
والمصنف ﵀ لما انتصر لقول من قال: إنَّ النبي ﷺ رأى ربه لم يذكر دليلًا واضحًا على ذلك فقال:
" كما قال ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ " وهذه الرؤية لجبريل؛ لأنَّ النبي ﷺ رآه على صورته الحقيقية مرتين، كما ثبت عن عائشة ﵂"أنَّها قالت - لما قال لها مسروق بن الأجدع: ألم يقل الله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ ٤،: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ ٥"ـ:""أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله ﷺ، فقال: إنما هو جبريل، لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطًا من السماء سادًا عظم خلقه ما بين السماء والأرض " ٦.
" قال الإمام أحمد فيما روينا عنه " هذه رواية عبدوس بن مالك العطار عن الإمام أحمد.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه. ٢ مجموع الفتاوى " ٦/٥١٠ " ٣ مجموع الفتاوى " ٦/ ٥٠٩ - ٥١٠ " ٤ الآية ٢٣ من سورة التكوير. ٥ الآية ١٣ من سورة النجم. ٦ أخرجه مسلم " رقم ٤٣٨ "
[ ٢٦٤ ]
" وأنَّ النبي ﷺ رأى ربه ﷿، فإنَّه مأثور عن النبي ﷺ صحيحٌ، رواه قتادة عن عكرمة عن ابن عباس. ورواه الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس. ورواه علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس " لهذا الأثر الموقوف عن ابن عباس ﵄ روايتان، الرواية الأولى مطلقة، قال فيها:""رأى ربه ﵎ " ١. والرواية الأخرى مقيدة، قال فيها:""رآه بفوائده مرتين " ٢، وقال مرة:"" رآه بقلبه " ٣. ولم يأت عنه ﵁ أنه قال: رآه بعينه ٤.
فإذا حملت الرواية المطلقة على المقيدة اتفقت أقاويل السلف في هذا الباب. قال شيخ الإسلام ابن تيمية:""ليس ذلك بخلاف في الحقيقة، فإنَّ ابن عباس لم يقل رآه بعيني رأسه " ٥.
والرؤية التي بالفؤاد ثابتة له ﷺ، كما في قوله:""إني قمت من الليل فتوضأت وصليت ما قدر لي، فنعست في صلاتي حتى استثقلت، فإذا أنا بربي ﵎ في أحسن صورة " ٦.
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي " رقم ٣٢٨٠ "، وابن أبي عاصم " رقم ٤٣٩ "، وابن حبان في صحيحه " رقم ٥٧ "، والبيهقي في الأسماء والصفات " رقم ٩٣٣ "، وقال الألباني: " إسناده حسن ". ٢ أخرجه مسلم " رقم ٤٣٦ " ٣ أخرجه مسلم " رقم ٤٣٥ " ٤ انظر: رؤية النبي ﷺ لربه للشيخ محمد بن خليفة التميمي " ص١٢٦ " ضمن العدد ١١٣ من مجلة الجامعة الإسلامية فقد أشار إلى جملة من الروايات عن ابن عباس بهذا المعنى لكنها لم تصح. ٥ اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم " ص٤٨ " ٦ أخرجه الترمذي " رقم ٣٢٣٥ "، وأحمد " ٥/ ٢٤٣ "، وابن خزيمة في التوحيد " رقم ٣٢٠ " قال الترمذي: " هذا حديث حسن صحيح، سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: هذا حديث حسن صحيح ".
[ ٢٦٥ ]
" والحديث على ظاهره كما جاء عن النبي ﷺ " الحديث كما سبق موقوف على ابن عباس وليس مرفوعًا إلى النبي ﷺ، والتحقيق في هذا كما سبق أن يحمل المطلق من كلامه ﵁ على المقيد.
" والكلام فيه بدعة " يعني إذا ردَّ المسلم الشيء الصحيح الثابت المتقرر في أحاديث النبي ﷺ فيعترض عليه وينتقده بعقله فهذا بدعة"، لكن الشأن في ثبوت ذلك.
" ورُوي عن عكرمة عن ابن عباس قال:""إنَّ الله ﷿ اصطفى إبراهيم بالخلة، واصطفى موسى بالكلام، واصطفى محمدًا ﷺ بالرؤية " "
أورد المصنف ﵀ هذه الرواية عن ابن عباس ﵁ مستدلًا بها على رؤية النبي ﷺ ربه، وهي محمولة على الرواية المقيدة والله أعلم.
" وروى عطاء عن ابن عباس ﵄ قال:""رأى محمد ﷺ ربه مرتين " "
وهذه الرواية مقيدة بما جاء في الرواية الأخرى:""بفؤاده مرتين " ١.
" ورُوي عن أحمد ﵀ أنَّه قيل له: بم تجيب عن قول عائشة ﵂:""من زعم أنَّ محمدًا قد رأى ربه ﷿ " الحديث؟ قال: بقول النبي ﷺ:""رأيت ربي ﷿ " "
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم " رقم ٤٣٦ " ؟
[ ٢٦٦ ]
المروي عن الإمام أحمد ﵀ في هذا الباب مثل ما هو مروي عن ابن عباس ﵁، إمَّا روايات مطلقة، قال فيها: " رأى ربه "، أو روايات مقيدة بفؤاده. وعلى هذا فتحمل الرواية المطلقة على المقيدة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو العارف المستقرئ لكلام الإمام أحمد ـ:""وكذلك الإمام أحمد تارة يطلق الرؤية، وتارة يقول: رآه بفؤاده. ولم يقل أحد إنَّه سمع أحمد يقول: رآه بعينه. لكن طائفة من أصحابه سمعوا بعض كلامه المطلق ففهموا منه رؤية العين، كما سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عباس ففهم منه رؤية العين " ١.
" بقول النبي ﷺ:"" رأيت ربي ﷿ " " إن كان المقصود بهذا حديث ابن عباس الذي استدل به الإمام أحمد في رواية عبدوس فقد سبق الكلام عليه. وإن كان المقصود حديث:""رأيت ربي في أحسن صورة " فهذه رؤية منامية وليست يقظة كما قرر ذلك أهل العلم. يقول ابن القيم ﵀:""وكلام أحمد يصدق بعضه بعضًا، والمسألة رواية واحدة عنه؛ فإنَّه لم يقل بعينه، وإنما قال: " رآه ". واتبع في ذلك قول ابن عباس: " رأى محمد ربه ". ولفظ الحديث:""رأيت ربي " وهو مطلق، وقد جاء بيانه في الحديث الآخر. ولكن في رد الإمام أحمد قول عائشة ومعارضته بقول النبي ﷺ إشعار بأنَّه أثبت الرؤية التي أنكرتها عائشة، وهي لم تنكر رؤية المنام، ولم تقل: من زعم أنَّ محمدًا رأى ربه في المنام فقد أعظم على الله الفرية. وهذا يدل على أحد أمرين: إمَّا أن يكون الإمام أحمد أنكر قول من أطلق نفي الرؤية؛ إذ هو مخالف للحديث. وإمَّا أن يكون رواية عنه بإثبات الرؤية، وقد صرح بأنَّه رآه
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى " ٦/٥٠٩ "
[ ٢٦٧ ]
رؤيا حلم بقلبه، وهذا تقييد منه للرؤية، وأطلق عنه بأنَّه رآه، وأنكر قول من نفى مطلق الرؤية، واستحسن قول من قال: رآه ولا يقول بعينه ولا بقلبه. وهذه النصوص عنه متفقة لا مختلفة، وكيف يقول أحمد: " بعيني رأسه يقظة "، ولم يجد ذلك في حديث قط. فأحمد إنما اتبع ألفاظ الحديث كما جاءت، وإنكاره قول من قال: لم يره أصلًا، لا يدل على إثبات رؤية اليقظة بعينه، والله أعلم " ١.
" وفي حديث شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس بن مالك ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال:""فرجعت إلى ربي وهو في مكانه " والحديث بطوله مخرج في الصحيحين، والمنكر لهذه اللفظة راد على الله ورسوله "
ورد هذا في صحيح البخاري ٢ في سياق تردد النبي ﷺ بين موسى وبين الله ﷿، لكن بلفظ:""فعلا به إلى الجبار، فقال وهو مكانه يا رب خفف عنا ". والضمير في قوله: " وهو مكانه " يعود إلى النبي الكريم ﷺ، أي: في مكانه الذي أوحى الله إليه فيه قبل نزوله إلى موسى عليهما الصلاة والسلام ٣.
وهذا السياق - كما هو واضح - ليس فيه ما يدل على أنه ﷺ رآه.
" والمنكر لهذه اللفظة راد على الله ورسوله " نعم المنكر لهذه اللفظة - حسبما هو ثابت في الصحيح - راد على الله ورسوله؛ لأنها ثابتة فلا يجوز ردها، لكن ليس فيها ما يدل على أنَّ النبي ﷺ رأى ربه.
_________________
(١) ١ التبيان في أقسام القرآن " ص٢٦٠ - ٢٦١ " ٢ " رقم ٧٥١٧ " ٣ انظر: شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للشيخ عبد الله الغنيمان " ٢/٤٦١ "
[ ٢٦٨ ]
وعلى هذا فليس فيما استدل به المصنف ﵀ شيء صريح في الدلالة على أنَّ النبي ﷺ رأى ربه.
والتحقيق أنَّه ﷺ لم يره، وأنَّ رؤية الله في الدنيا وإن كانت غير ممتنعة إلا أنَّه اقتضت حكمته ﷿ أن تكون يوم القيامة في دار الجزاء، كما قال رسول الله ﷺ:""إنَّكم لن تروا ربكم حتى تموتوا " ١. ونسأل الله جل وعلا أن يرزقنا لذة النظر إلى وجهه الكريم في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة بمنه وكرمه.
_________________
(١) ١ سبق تخريجه.
[ ٢٦٩ ]