" والرضا " أي: ومن صفاته سبحانه: الرضا، قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ٣، فهو يحب أهل الإيمان ويرضى عنهم.
[ ١٦٠ ]
وإذا آمن العبد بذلك فعليه أن يطلب رضا الله ﷿ بفعل الأمور التي ترضيه سبحانه.
هذه نماذج من صفات الله التي ثبتت في القرآن وصحت في سنة النبي الكريم ﷺ. ولما ذكر المصنف ﵀ هذه الأمثلة قال:
" وسائر ما صح عن الله ورسوله "
وهذا تأكيد منه ﵀ على أنَّ ما ذكره مجرد أمثلة، وإلا فصفات الله ﷿ كثيرة جدًا في الكتاب والسنة.
" وإن نبت عنها أسماع بعض الجاهلين واستوحشت منها نفوس المعطلين "
هذه فائدة مهمة جدًا، وتنبيه من المصنف مفيد للغاية.
معنى نبت: تجافت وابتعدت عنها أي: وجدوا تجاهها شيئًا من الوحشة. وفي مصنف عبد الرزاق ١ أنَّ رجلًا انتفض عندما سمع حديثًا من أحاديث الصفات، فقال ابن عباس ﵁:"ما فرق من هؤلاء - وفي رواية ما فرَّق هؤلاء - يجدُّون عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه". فبعض الناس عندما يسمع صفة لأول مرة ينبو عنها سمعه ويجد وحشة تجاهها، لكن قيام هذا الأمر في نفسه لا يكون مسوغًا لجحد شيء أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ.
ومن خلال هذه المقولة يدرك المؤمن سبب تعطيل المعطلة لكثير من صفات الله ﵎، فرغم أنَّ الله أثبتها لنفسه في كتابه وأثبتها له رسوله ﷺ في سنته، عندما نبت عنها أسماعهم واستوحشت منها نفوسهم عطلوها ونفوها
_________________
(١) ١ " رقم ٢٠٨٩٥ "، وانظر السنة لابن أبي عاصم " رقم ٤٨٥ " وقال الألباني: إسناده صحيح.
[ ١٦١ ]
عن الله ﷾، وقالوا: لا يوصف الله بكذا ولا بكذا، وعدَّدوا صفات كثيرة ثابتة في القرآن وسنة النبي الكريم ﷺ.
وأهل السنة ليسوا في شيء من ذلك لا قليل ولا كثير، فإذا نبت أسماعهم أو استوحشت قلوبهم طردوا ذلك من نفوسهم، وآمنوا بما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ في سنته.
قال الإمام أحمد ﵀:"ومثل أحاديث الرؤية كلها وإن نبت عن الأسماع، واستوحش منها المستمع فإنما عليه الإيمان بها، وأن لا يرد منها جزءًا واحدًا، وغيرها من الأحاديث المأثورات عن الثقات"١.
وقال أفلح بن محمد:"قلت لعبد الله بن المبارك: يا أبا عبد الرحمن إني أكره الصفة - عنى صفة الرب جل وعز - فقال له عبد الله بن المبارك: أنا أشد الناس كراهة لذلك، ولكن إذا نطق الكتاب بشيء، وإذا جاءت الآثار بشيء جسرنا عليه"٢ أي: أكره أن أتكلم في صفة الله ابتداء من قبل نفسي، لكن لما نطقت بذلك النصوص تجاسر وتكلم به. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:"أراد ابن المبارك: أنَّا نكره أن نبتدئ بوصف الله من ذات أنفسنا حتى يجيء به الكتاب والآثار"٣.
فعندما تقول - بكلِّ اطمئنان ـ: الله يغضب ويسخط ويرضى ويحب ويبغض، ما الذي جعلك تجسر وتقول هذا الكلام؟ وما الذي جعل أئمة السلف وعلماءهم يجسرون ويؤلفون كتبًا يقولون فيها: من صفاته أنَّه يرضى
_________________
(١) ١ رواه اللالكائي في شرح الاعتقاد " رقم ٣١٧ " ضمن اعتقاد الإمام أحمد من رواية عبدوس ابن مالك العطار. ٢ رواه اللالكائي في شرح الاعتقاد " رقم ٧٣٧ " ٣ الحموية " ص٣٠ "
[ ١٦٢ ]
ويسخط ويحب ويبغض؟ الجواب بلا إشكال: لما نطقت بذلك النصوص جسرنا على ذلك. وإلا فمن الذي يجرؤ أن يتكلم في شأن الرب العظيم بلا مستند من الكتاب أو السنة.
[ ١٦٣ ]