" وتواترت الأخبار، وصحت الآثار بأن الله ﷿ ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا "
شرع المؤلف ﵀ هنا في الكلام على صفة النزول، وهي صفة فعلية من صفات الله جل وعلا متعلقة بمشيئته سبحانه، دل عليها حديث رسول الله ﷺ، وقد نص غير واحد من أهل العلم، منهم ابن عبد البر ١، وشيخ الإسلام ابن تيمية ٢، وابن القيم ٣، والذهبي"٤ على أنَّ هذا الحديث متواتر.
وممن نصَّ على تواتره أيضًا الإمام الحافظ عبد الغني المقدسي، حيث صدَّر كلامه على هذه الصفة بقوله: " وتواترت الأخبار " فهو ممن قرر أن حديث النزول حديث متواتر، وأكده في نهاية كلامه على هذه الصفة، حيث أورد جمعًا من الصحابة ممن رووا هذا الحديث عن رسول الله ﷺ.
والنزول عند أهل السنة والجماعة حق، والقول فيه كالقول في سائر الصفات، فهم يقولون: إنَّ الرب ﷾ ينزل إلى سماء الدنيا كما أخبر بذلك رسوله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، ولا يخوضون في نزوله بتكييف أو تمثيل أو تعطيل، بل يثبتون لله نزولًا حقيقيًا يليق بجلاله وكماله وعظمته سبحانه، لا يشبه نزول المخلوقين.
وما يلزم في نزول المخلوق من النقص والحاجة والافتقار ليس بلازم
_________________
(١) ١ انظر: التمهيد " ٧/١٢٨ " ٢ كتاب النزول " ص ١٠٨ " ٣ مختصر الصواعق " ٢/٢٣٠ - ٢٤٨ " ٤ مختصر العلو " ص١١٦ "
[ ١١١ ]
للنزول عندما يضاف إلى الرب سبحانه، فإنَّ ما يضاف إلى الرب ﵎ يخصه ويليق بجلاله وكماله، وما يضاف إلى المخلوق يخصه ويليق بضعفه ونقصه كما سبق تقريره.
وإثبات أهل السنة للنزول - وسائر الصفات - إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف؛ فإنَّه لم يأت في النصوص ذكر كيفية صفات الله ﵎، وإنما جاء فيها الإخبار عنه سبحانه بذكر صفاته ونعوت كماله؛ فأخبرنا النبي ﷺ أنَّ الله ﵎ ينزل، ولم يخبرنا كيف ينزل. فلا سبيل إلى الخوض في معرفة كيفية صفاته، بل الواجب قطع الطمع عن إدراكها، ومن خاض في طلب معرفتها فقد خاض في أمر لا سبيل إلى نيله وتحصيله.
ولما ذكر المصنف ﵀ أنَّ الأحاديث في هذه الصفة صحيحة متواترة، بيَّن موقف المسلم صاحب السنة من هذه النصوص، فقال:
" فيجب الإيمان به والتسليم له " هذا هو الموقف، يجب على المسلم أن يؤمن بنزول الله إلى السماء الدنيا؛ لثبوته في الأحاديث الصحيحة المتواترة، وأن يتلقاه بالقبول والتسليم.
" وترك الاعتراض عليه " أي: وأن لا يقابل ذلك بالانتقاد والاعتراض، إذ كيف يليق بمسلم أن ينتقد أو يعترض على ما ثبت عن الرسول الكريم ﷺ.
" وإمراره من غير تكييف، ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تنزيه ينفي حقيقة النزول "
هذه هي المحترزات التي سبقت الإشارة إليها، والتي يجب على المسلم أن يحترز منها عند إثباته الصفات لله ﵎، وأن يحذر تمام الحذر من
[ ١١٢ ]
الوقوع فيها، وهي: التكييف والتمثيل والتأويل والتعطيل.
" ولا تنزيه ينفي حقيقة النزول " التنزيه في صفات الله ﵎ مطلوب، فواجب على المسلم أن ينزه الله ﵎ عمَّا لا يليق به، فينَزَّه سبحانه عن النقائص والعيوب، وعن أن يقال في شيء من صفاته إنها تشبه صفات المخلوقين.
أما تنزيه المبتدعة فهو باطل؛ لأنه تعطيل للصفات وعدم إثبات لها، ولهذا كان من تسبيحات بعضهم قوله: سبحان المنزه عن الصفات. فهم ينزهون الله تعالى عما يليق به؛ فينزهونه عن النزول، وهو صفة ثابتة لله تليق به، أضافها إليه رسوله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. وهكذا القول في الاستواء واليد وجميع الصفات، فلا يجوز أن ننزهه تنزيهًا يفضي إلى نفي اليد، ولا يجوز أن ننزهه تنزيهًا يترتب عليه نفي الاستواء.
ولهذا فإن التسبيح الذي ينفي عن الله ﷿ صفاته ليس هو في الحقيقة تسبيحًا، وإنما هو تعطيل للصفات، قال ابن هشام ﵀:"ألا ترى أن تسبيح المعتزلة اقتضى تعطيل كثير من الصفات"١. وقال ابن رجب - في تفسير قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ ٢ ـ:"سبِّحه بما حمد به نفسه، إذ ليس كلُّ تسبيح بمحمود، كما أنَّ تسبيح المعتزلة يقتضي تعطيل كثير من الصفات"٣ هذا هو التنزيه الذي يذمه المصنف، والسلف عمومًا.
فهذه الكلمة " ولا تنزيه ينفي حقيقة النزول "كلمة دقيقة ومتينة جدًا، وخصوم المصنف ﵀ في زمانه لما شنَّعوا عليه عند ولاة الأمر، شنعوا
_________________
(١) ١ مغني اللبيب " ١/١٤٠ " مع أنه وقع في بعض ذلك غفر الله له. ٢ الآية ٣ من سورة النصر. ٣ تفسير سورة النصر " ص٧٣ "
[ ١١٣ ]
عليه بكلمات في كتابه، منها هذه الكلمة ١ التي تبين أساس الخلل الذي وقعوا فيه؛ فقد أتى على الشيء الذي يتشبثون به لتعطيل الصفات فنبه عليه، ورد على المعطلة الذين يوهمون الناس أنهم منزهة لله ﵎، فكشف حقيقة أمرهم، وجلَّى واقع حالهم.
قال الحافظ ابن رجب:"أما قوله: " ولا أنزهه تنزيهًا ينفي حقيقة النزول " فإن صح هذا عنه ٢ فهو حق، وهو كقول القائل: لا أنزهه تنزيهًا ينفي حقيقة وجوده، أو حقيقة كلامه، أو حقيقة علمه، أو سمعه، أو بصره، ونحو ذلك"٣.
لما قرر المصنف ﵀ هذه الخلاصة بدأ يورد الأدلة الدالة على نزول الرب ﵎ فقال:
" فروى أبو هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال:"ينزل ربنا ﷿ كلَّ ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له، حتى يطلع الفجر"وفي لفظ:"ينزل الله ﷿""
عندما تتأمل هذا الحديث تجد أنَّ النبي ﷺ أسند فيه النزول إلى الرب، فقال: " ينزل ربنا "، وفي بعض ألفاظ الحديث كما نبه المصنف " ينزل الله ﷿ "، والحديث كما تقدم حديث متواتر، ومعنى هذا أنَّ عددًا كبيرًا من الصحابة سمعوه من النبي ﷺ، وكلُّ واحد منهم سمعه من النبي ﷺ بهذا
_________________
(١) ١ انظر ذيل طبقات الحنابلة " ٤/٢٢ " ٢ وهو صحيح عنه كما في كتابه الذي بين أيدينا. ٣ ذيل طبقات الحنابلة " ٤/٢٣ "
[ ١١٤ ]
اللفظ: " ينزل ربنا " فلو كان الذي ينزل غير الله: إما الملَك، أو الرحمة، أو الأمر، أو غير ذلك مما يدعيه معطلة هذه الصفة، لكان اللائق بنصح النبي ﷺ وبيانه وفصاحته أن يقول - في كلِّ مرة ـ: ينزل ملَك ربنا، أو يقول: تنزل رحمة ربنا، أو يقول ذلك على أقل تقدير في بعض المرات حتى يحمل هذا على هذا. أما أن يسمع الجميع منه هذا الحديث بلفظ: " ينزل ربنا "، وهو يقصد أن الذي ينزل غير الله، إما ملَك الله أو رحمته أو أمره، فلا يمكن ذلك؛ فإنَّ الخطاب بهذه الطريقة وهذا الأسلوب فيه تعمية على الناس، وهو أشبه بالألغاز والأحاجي منه بالنصح والبيان.
فهل يُعقَل أن يقول مدرس لطلابه: جاء الأستاذ. وهو يقصد: جاء أخوه؟ أو يقول: جاء الطالب. وهو يقصد: جاء والد الطالب. ولا يكون في كلامه أيُّ قرينة يفهم منها السامع أن الذي جاء والد الطالب، ويريد أن يفهم المخاطبون أن الذي جاء هو والد الطالب. هل هذا يكون بيانًا وإيضاحًا؟!
عددٌ كبير من الصحابة يصلون إلى ثمانية وعشرين صحابيًا - كما ذكر ذلك ابن القيم ﵀ ١ - يقول لهم النبي ﷺ: " ينزل ربنا " " ينزل الله ﷿ "، كلُّهم يسمعونه بهذا اللفظ، وهو عند هؤلاء المتكلمين يقصد أن الذي ينزل هو الملَك.
أيليق بنصح النبي ﷺ إذا كان الذي ينزل الملك أو الرحمة، وليس الرب - أن يقول لهذا العدد الكبير من الصحابة، وفي أوقات مختلفة: ينزل ربنا. والذي ينزل غير الله؟! هذا يتنافى مع كمال نصح النبي ﷺ، بل فيه طعن في نصحه ﷺ.
_________________
(١) ١ انظر: مختصر الصواعق " ٢٣٠ - ٢٤٨ "
[ ١١٥ ]
وهذا أحد الأوجه التي ذكرها أهل العلم في الرد على من يتأول النزول أو ينفي حقيقته عن الله ﵎.
" حين يبقى ثلث الليل الآخر " أي: في الثلث الأخير من الليل، هذا هو وقت النزول الإلهي، وقد جاء في بعض ألفاظ الحديث الأخرى ذكرُ أوقات أخرى للنزول، مثل: "حين يمضي ثلث الليل الأول "، أو: " حين يمضي نصف الليل ". فإن كانت تلك الروايات ثابتة فهي محمولة - كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - على تعدد النزول، وإلا فالأصح هو ما في هذه الرواية: " حين يبقى ثلث الليل الآخر " ١.
" يقول " أي الذي ينزل، وهو الله ﷾.
" من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له " إذا كان الذي ينزل - على زعم هؤلاء - هو الملَك، أيصح أن يقول"ـ مخاطبًا الناس ـ: من يدعوني، من يسألني، من يستغفرني؟!
فهذا من الوجوه التي تبين فساد تأويل هؤلاء وتعطيلهم لهذه الصفة، فالملَك لا يقول ذلك؛ لأنه يجعل بذلك ندًا مع الله ﷿، يُدعى ويُسأل، ويُستغاث به ويُطلب منه.
ولو كان الذي ينزل الملَك لكانت الصيغة مختلفة، كأن يقول: " ينزل ملَك ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: إن ربكم يقول: من يسألني ومن يدعوني ومن يستغفرني " كما في الحديث الآخر:"إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إنَّ الله يحب فلانًا فأحببه، فيحبه
_________________
(١) ١ انظر: شرح حديث النزول " ص ١٠٧ - ١٠٨ "
[ ١١٦ ]
جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إنَّ الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء. ثم يوضع له القبول في الأرض"١.
" ولا يصح حمله على نزول القدرة، ولا الرحمة، ولا نزول الملك "
لما أثبت المصنف ﵀ النزول، وذكر حديث أبي هريرة دليلًا عليه، أشار إلى التأويل الذي حصل من المبتدعة أهل الأهواء لهذه الصفة، حيث أولوا النزول بنزول القدرة أو الرحمة أو الملَك.
وقد نبه أهل العلم على أمر يتعلق بالرد على من يحرف النزول ويصرفه عن بابه الذي دلت عليه السنة، فقالوا: ينظر أولًا في حال هذا المتأول، هل هو ممن يثبت علو الله أم لا. فإن كان لا يثبت العلو ولا يؤمن به فيقال له: ممن ينزل الأمر، وممن تنزل الرحمة، وممن ينزل الملَك، وما عندك فوق إله؛ إذ إنك لا تثبت علو الله.
وإن كان يثبت العلو، ويقول: إنَّ الذي ينزل هو الرحمة أو الملَك أو الأمر فيناقش بالطريقة الأخرى التي منها: بعض الوجوه التي أشرت إليها سابقًا، ومنها ما ذكره المصنف ﵀ حيث أورد روايات أخرى للحديث تقصم ظهور هؤلاء المعطلة، فقال:
" لِمَا روى مسلم بإسناده عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال:"ينزل الله ﷿ إلى السماء الدنيا حين يمضي ثلث الليل فيقول: أنا الملِك، أنا الملِك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، حتى يضيء الفجر""
ومقصود المصنف ﵀ من إيراد هذه الرواية هو لفظة: " أنا الملِك
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري " رقم ٣٢٠٩ "، ومسلم " رقم ٦٦٤٧ "
[ ١١٧ ]
أنا الملِك " فهي قاصمة لظهور هؤلاء المتأولين، فيقول لهم المصنف: إذا كان الذي ينزل هو ملَك من الملائكة، أيقول هذا الملَك: أنا الملِك أنا الملِك؟! لا يمكن أن يقول ذلك، وإلا كان مدَّعيًا لنفسه الألوهية والربوبية، وأنه شريك لله في الملك، أو متفرد به من دون الله.
ثم أورد حديث رفاعة بن عَرابة - بفتح العين - الجهني أيضًا للفظة فيه تقصم ظهور أهل التأويل، فقال:
" وروى رفاعة بن عَرابة الجهني أنَّ رسول الله ﷺ قال:"إذا مضى نصف الليل أو ثلث الليل، ينزل الله ﷿ إلى السماء الدنيا فيقول: لا أسأل عن عبادي أحدًا غيري، من ذا الذي يستغفرني أغفر له، من ذا الذي يدعوني أستجيب له، من ذا الذي يسألني أعطيه. حتى ينفجر الصبح" رواه الإمام أحمد "
ساق المؤلف هذا الحديث لأجل هذه اللفظة: " لا أسأل عن عبادي أحدًا غيري " ففيها أبلغ الرد على هؤلاء المعطلة، إذ لو كان الذي ينزل هو الملَك: جبريل أو غيره، لم يصح أن يقول: " لا أسأل عن عبادي أحدًا غيري "؛ فإنَّ هذا لا يقوله إلا الله ﷾.
ولما أورد المصنف ﵀ هذين الحديثين لأجل اللفظتين السابقتين قال:
" وهذان الحديثان يقطعان تأويل كلِّ متأول، ويدحضان حجة كلِّ مبطل "
أي يكفي أن تقول لهم: هل الذي تزعمون أنه ينزل هو الذي يقول: " أنا الملِك، أنا الملِك "؟!، وهل الذي تزعمون أنه ينزل هو الذي يقول: " لا أسأل عن عبادي أحدًا غيري "؟! وكما ذكر المصنف، هذان اللفظان يقطعان
[ ١١٨ ]
تأويل كلِّ متأول، ويدحضان حجة كلِّ مبطل.
ثم لما ذكر الأحاديث السابقة: حديث أبي هريرة من طريقين وحديث رفاعة، أشار إلى ما يؤكد المعنى الذي سبق أن أشار إليه في صدر كلامه عن هذه الصفة، وهو أنَّ الحديث متواتر عن النبي ﷺ، فأورد أسماء جماعة من الصحابة ممن رووا هذا الحديث، فقال:
" وروى حديث النزول: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وجبير بن مطعم، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وعمرو بن عبسة، وأبو الدرداء، وعثمان بن أبي العاص، ومعاذ بن جبل، وأم سلمة زوج رسول الله ﷺ، وخلق سواهم "
وممن جمع أحاديث النزول: الدارقطني في كتاب " النزول "، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية أورد جملة من هذه الأحاديث في كتابه: " شرح حديث النزول ".
وقال الإمام اللالكائي:"رواه عن النبي ﷺ عشرون نفسًا"١، وذكر جملة منهم. وقال ابن القيم:"رواه - أي حديث النزول - عن النبي ﷺ نحو ثمانية وعشرين نفسًا"، ثم ساق أحاديثهم ٢.
ثم لما أورد المصنف ﵀ النصوص قرر العقيدة التي يعتقدها أهل السنة بناء على هذه الأحاديث، فقال: " ونحن مؤمنون بذلك مصدقون، من غير أن نصف له كيفية، أو نشبهه بنزول المخلوقين "
" نحن ": أي أهل السنة، المتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
" مؤمنون بذلك مصدقون " أي: مقرون بأنَّ الله ينزل إلى سماء الدنيا،
_________________
(١) ١ شرح الاعتقاد " ٣/٤٣٤ " ٢ انظر مختصر الصواعق " ٢/٢٣٠ - ٢٤٨ "
[ ١١٩ ]
كما أخبر بذلك رسوله ﷺ.
" من غير أن نصف له " أي: نزول الله.
" كيفية " أي: لا نكيف النزول، وليس من أهل السنة أحد يحاول أن يقدر في ذهنه كيفية لنزول الله ﵎ فضلًا عن أن يتكلم بلسانه بشيء من ذلك، فنؤمن بأنَّه ﷾ ينزل حقيقة إلى السماء الدنيا، لكننا نجهل كيفية نزوله.
" أو نشبهه بنزول المخلوقين " أي: لا يقاس نزول الله ﵎ بنزول المخلوقين، فلنزول المخلوقين لوازم مختصة بهم، وهي النقص والاحتياج والافتقار. أما نزول الله فهو نزول يليق بجلاله وكماله.
جاء عن أحد السلف وهو أبو جعفر الترمذي ﵀ نظير قول الإمام مالك عندما سُئل عن الاستواء، فقد سأله رجل عن النزول، فقال له: النزول كيف يكون، يبقى فوقه علو؟ فقال:"النزول معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"١.
وهذا مما يؤكد لنا أنَّ قول الإمام مالك ﵀ هو بمثابة القاعدة، تطبق في جميع الصفات، وليس مختصًا بالاستواء.
قال الذهبي - تعليقًا على هذا الأثر ـ:"صدق فقيه بغداد وعالمها في زمانه؛ إذ السؤال عن النزول ما هو: عيٌّ؛ لأنَّه إنما يكون السؤال عن كلمة غريبة في اللغة، وإلا فالنزول والكلام والسمع والبصر والعلم والاستواء عبارات جليلة واضحة للسامع، فإذا اتصف بها من ليس كمثله شيء، فالصفة تابعة
_________________
(١) ١ رواه الخطيب في تاريخ بغداد " ١/٣٦٥ " وقال الألباني في مختصر العلو " ص٢٣٢ ": " هذا إسناده رجاله كلهم ثقات ".
[ ١٢٠ ]
للموصوف، وكيفية ذلك مجهولة عند البشر"١.
ثم شرع المصنف ﵀ في ذكر بعض الآثار عن السلف في ذلك، فقال:
" وقد قال بعض العلماء: سئل أبو حنيفة عنه - يعني عن النزول - فقال: ينزل بلا كيف "
هذا ذكره البيهقي في كتابه " الأسماء والصفات " ٢.
" ينزل بلا كيف " هذه طريقة أهل السنة، " ينزل ": أي نثبت النزول لله جل وعلا على الوجه اللائق بجلاله وكماله.
" بلا كيف ": أي بدون أن نحدد لهذا النزول كيفية.
" وقال محمد بن الحسن الشيباني - صاحبه ـ:"الأحاديث التي جاءت أنَّ الله يهبط إلى سماء الدنيا ونحو هذا من الأحاديث إن هذه الأحاديث قد روتها الثقات، فنحن نرويها، ونؤمن بها، ولا نفسرها""
" الأحاديث التي جاءت أنَّ الله يهبط إلى سماء الدنيا " يهبط أي: ينزل، وقد جاء الحديث في بعض رواياته بلفظ: " يهبط "، فعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:"إذا كان ثلث الليل الباقي، يهبط الله ﷿ إلى السماء الدنيا"٣.
" ونحو هذا من الأحاديث " أي التي جاء فيها التصريح بنزول الله ﵎ إلى سماء الدنيا.
_________________
(١) ١ مختصر العلو " ص٢٣١ " ٢ " ٢/٣٨٠ " ٣ أخرجه أحمد " ١/٣٨٨ "، وأبو يعلى " رقم ٥٣١٩ " وقال الهيثمي في مجمع الزوائد " ١٠ / ١٥٣ ": " رجاله رجال الصحيح ".
[ ١٢١ ]
" إنَّ هذه الأحاديث قد روتها الثقات، فنحن نرويها " لاحظ المنهج، هذه الأحاديث قد روتها الثقات فنحن نرويها. أهل البدع لا يروونها ولا يعتدون بها، وإنما يخوضون في ردها وتأويلها.
" ونؤمن بها " يعني نصدق ونقر بمدلولها، وبما جاء فيها من أخبار.
" ولا نفسرها " أي: تفسيرات الجهمية، التي هي تحريف وصرف للفظ عن ظاهره ومدلوله، فهذا التفسير باطل ١.
والسلف ﵏ عندما يقولون: " لا نفسرها " أو " لا تفسر " أي أحاديث الصفات، يقصدون: لا تفسر تفسيرات الجهمية. أما تفسيرها الذي هو فهم معناها، ومعرفة مدلولها على ضوء مقتضى اللغة التي خوطبنا بها فمطلوب ومتعين.
" وروينا عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: كنت أنا وأبي عابرين في المسجد، فسمع قاصًا يقص بحديث النزول، فقال: إذا كان ليلة النصف من شعبان ينزل الله ﷿ إلى سماء الدنيا، بلا زوال ولا انتقال ولا تغير حال. فارتعد أبي ﵀، واصفر لونه، ولزم يدي، وأمسكته حتى سكن، ثم قال: قف بنا على هذا المتخوض، فلما حاذاه قال: يا هذا، رسول الله ﷺ أغير على ربه ﷿ منك، قل كما قال رسول الله ﷺ. وانصرف "
ثم أورد ﵀ هذا الأثر عن الإمام أحمد في قصة سماعه لهذا القاص، وإنكاره عليه. وهذا الخبر ذكره أيضًا مرعي الكرمي الحنبلي في كتابه " أقاويل الثقات في أحاديث الصفات " ٢. وهو غاية في الجمال والحسن،
_________________
(١) ١ انظر: الحموية لابن تيمية " ص٣٠ " ٢ " ص ٦٢ - ٦٣ "
[ ١٢٢ ]
وفيه الرد على باطل هؤلاء المبطلين، وتكلفات المتخرصين في الكلام حول صفات الله تعالى.
فالإمام أحمد مر على هذا القاص وهو يقص بحديث النزول، وعادة كثير منهم التزيد في الكلام، وعدم الاقتصار؛ لأنَّ للقاص مهمة معينة، وهدفًا محددًا، وهو أن يؤثر على الناس. فتراه يزيد في الكلام، ويتوسع في الأخبار، ويضيف إليها إضافات.
ولهذا يقول الإمام أحمد ﵀:"أكذب الناس السؤَّال والقصاص"١، السؤَّال: الذين يسألون الناس حاجتهم ويشكون إليهم فقرهم، فمثل هؤلاء يكثر فيهم الكذب؛ لأنهم يريدون التأثير على من أمامهم. وكذلك الشأن في القصاص، فانظر إلى هذه الزيادات من هذا القاص: " بلا زوال، ولا انتقال، ولا تغير حال " أشياء من عنده أضافها للحديث، وهي ألفاظ مجملة أطلقها المتكلمون وجعلوها متكأً لهم في تعطيل الصفات.
فلما سمع الإمام أحمد هذا الكلام " ارتعد، واصفر لونه، ولزم يدي " أي: أمسك بيده.
وهذا الوصف يكثر في السلف، فتراهم يتأثرون تأثرًا بالغًا مثل تأثرنا لأمور الدنيا. نحن في أمور الدنيا يرتعد الواحد منا، ويصفر لونه، وتحمر بشرته. بينما السلف ﵏ ما كان يظهر عليهم هذا التأثر في أمور الدنيا، لكن إذا انتهكت حرمات الله، واعتُدِي على صفات الله ﵎ ظهر عليهم ذلك.
_________________
(١) ١ ذكره ابن مفلح في المقصد الأرشد " ٢/٣١٣ "
[ ١٢٣ ]
ولهذا يستغرب بعض الناس عندما يسمع خبر مالك ﵀ لما جاءه المبتدع وسأله عن الاستواء، كيف استوى؟ وأنه غضب وعلاه الرحضاء، أي: صار يتصبب عرقًا من شدة الغضب والتأثر.
" ثم قال: قف بنا على هذا المتخوض " في بعض النسخ " المتخرص " وكلاهما منطبق عليه.
" فلما حاذاه " أي: صار محاذيًا له قريبًا منه.
" قال: يا هذا رسول الله ﷺ أغير على ربه ﷿ منك " وهذه الكلمة يُرد بها على كلِّ متخرص، وكلِّ متكلم، وكلِّ مبتدع فيما يتعلق بالصفات، فإنهم يضعون أشياء وتكلفات وأمورًا لا تدل عليها النصوص، ولم تبن على الأدلة، بزعم منهم أنهم ينزهون الله ﵎ بها. ورسول الله ﷺ أغير على ربه ﷿ منهم.
" قل كما قال رسول الله ﷺ " هذا هو منهج أهل السنة في الصفات: أن يقول المسلم مثل ما قال الرسول الكريم ﷺ، لا كما يقول المتخرصون،: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.
" قال حنبل: قلت لأبي عبد الله - يعني الإمام أحمد ـ: ينزل الله إلى سماء الدنيا، قلت: نزوله بعلمه أو بماذا؟ فقال لي: اسكت عن هذا، مالك ولهذا، أمض الحديث على ما رُوي بلا كيف ولا حد، على ما جاءت به الآثار، وبما جاء به الكتاب "
" نزوله بعلمه أو بماذا؟ " يعني بأيِّ شيء؟
" فقال لي: اسكت عن هذا " لأن هذه الأسئلة لا ترد إلا عند المتكلمين والمتكلفين.
_________________
(١) ١ الآيات ١٨٠ - ١٨٢ من سورة الصافات.
[ ١٢٤ ]
" اسكت عن هذا، مالك ولهذا، أمضِ الحديث على ما رُوي " يعني أمِرَّه كما جاء، الحديث جاء مثبتًا لنزول الرب ﵎، والنزول فيه أسند إليه ﵎، فأمضه كما ورد.
" بلا كيف ولا حد " وهذا على طريقة أهل السنة في الصفات: يثبتونها إثبات وجود لا إثبات تكييف وتحديد، فالنزول لا يحد بوصف معين أو بهيئة معينة، وإنما هو نزول يليق بالله ﵎ لا نعرف كيفيته.
ولم ينقل عن أحد من السلف ﵏ أنه تأول النزول أو غيره من الصفات، وقد تحدى شيخ الإسلام ابن تيمية بعض المتكلمين في زمانه، وأمهلهم ثلاث سنوات أن يأتوا عن واحد من السلف أنَّه تأول شيئًا من صفات الله ﵎، فلم يقدروا على ذلك ١.
وهنا أنبه على أنَّه نقل عن الإمام مالك بن أنس ﵀ أنَّه قال:"ينزل ربنا: أي أمره" ٢، وهذه الرواية لا تثبت عن الإمام مالك؛ لأنها جاءت عنه من طريقين: الطريق الأولى من طريق كاتبه حبيب بن أبي حبيب، يقول ابن القيم:"وحبيب هذا غير حبيب، بل كذاب وضاع باتفاق أهل الجرح والتعديل، ولم يعتمد أحد من العلماء على نقله"٣. والطريق الأخرى جاءت من طريق رجل لا يعرف، فالسند إلى الإمام مالك ﵀ لا يثبت.
إضافة إلى أنَّ هذا مخالف لما رواه زهير بن عباد قال:"من أدركت من
_________________
(١) ١ انظر: مجموع الفتاوى " ٣/١٦٩ " ٢ انظر: التمهيد لابن عبد البر " ٧/١٤٣ " ٣ مختصر الصواعق " ٢/٢٦١ "، وانظر: شرح حديث النزول " ص٢١٠ "
[ ١٢٥ ]
المشايخ: مالك وسفيان وفضيل بن عياض وعيسى بن المبارك ووكيع: كانوا يقولون: إن النزول حق"١، كما أنَّه مخالف لطريقة مالك وطريقة السلف في الصفات عمومًا - ومنها النزول - من إمرارها كما جاءت وإثباتها لله على الوجه اللائق بجلاله وكماله.
" وقال الإمام إسحاق بن راهويه: قال لي الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب هذا الحديث الذي ترويه عن رسول الله ﷺ: ينزل ربنا ﷿ كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف ينزل؟ قال: قلت: أعز الله الأمير، لا يقال لأمر الرب ﷿ كيف. إنما ينزل بلا كيف "
" يا أبا يعقوب " يخاطب الإمام إسحاق بن راهويه.
" هذا الحديث الذي ترويه عن رسول الله ﷺ: ينزل ربنا ﷿ كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف ينزل؟ " يسأل عن كيفية النزول.
" قال: قلت: أعز الله الأمير " لاحظ التلطف معه، ومخاطبته مخاطبة تناسب مقامه، فهو أحد الولاة، فخاطبه بهذه المخاطبة حتى يتقبل الحق ولا يتمسك بالباطل.
" لا يقال لأمر الرب ﷿ كيف " يعني أنَّ " كيف " لا تصلح في هذا المقام، فكما أنه ﵎ لا يقال في أفعاله: " لم "، فلا يقال في صفاته: " كيف ". فالتكييف في الصفات باطل، والسؤال عن الأفعال بـ " لم " باطل أيضًا. قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ ٢.
وأهل السنة يسمون من يسأل عن أفعال الله بـ " لم ": لِمَ فَعَلَ كذا، ولِمَ لَمْ يفعل كذا باللمية، والذين يسألون عن الصفات بـ " كيف ": المكيفة. وكلٌّ
_________________
(١) ١ ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى " ٥/٥٦ " ٢ الآية ٢٣ من سورة الأنبياء.
[ ١٢٦ ]
من الأمرين باطل. قال الإمام البربهاري ﵀:"واعلم أنَّه إنما جاء هلاك الجهمية من أنهم فكروا في الرب ﷿، فأدخلوا: " لم " و" كيف "، وتركوا الأثر، ووضعوا القياس، وقاسوا الدين على رأيهم"١.
" وإنما ينزل بلا كيف " أي بلا كيف نعلمه، وإلا فلنزول الله كيفية، لكننا لا نعلمها. فالمنفي: علمنا بالكيف، لا وجوده.
ثم قال الحافظ عبد الغني"﵀:
" ومن قال يخلو العرش عند النزول أو لا يخلو، فقد أتى بقول مبتدع ورأي مخترع "
يشير المصنف ﵀ إلى مسألة تتعلق بنزول الله ﷿ إلى سماء الدنيا، وهي: حينما ينزل هل يخلو منه العرش أو لا يخلو؟ "
والأقوال التي ذكرت في هذه المسألة ثلاثة، لخصها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله:"منهم من ينكر أن يقال: يخلو أو لا يخلو، كما يقول ذلك الحافظ عبد الغني ٢ وغيره. ومنهم من يقول: بل يخلو منه العرش، وقد صنف عبد الرحمن بن منده مصنفًا في الإنكار على من قال: لا يخلو منه العرش والقول الثالث، وهو الصواب، وهو المأثور عن سلف الأمة وأئمتها: أنه لا يزال فوق العرش، ولا يخلو العرش منه، مع دنوه ونزوله إلى السماء الدنيا، ولا يكون العرش فوقه"٣.
_________________
(١) ١ شرح السنة " ص٤٣ " ٢ يشير شيخ الإسلام إلى كلام الحافظ عبد الغني الموجود في هذه العقيدة، فالظاهر أنه وقف عليها، أو وقف على كلامه في كتاب آخر له. ٣ شرح حديث النزول " ص٢٣٢ " وقال " ص٢٠١ ": " وفي الجملة: فالقائلون بأنه يخلو منه العرش طائفة قليلة من أهل الحديث، وجمهورهم على أنه لا يخلو منه العرش، وهو المأثور عن الأئمة المعروفين بالسنة، ولم ينقل عن أحد منهم بإسناد صحيح ولا ضعيف أنَّ العرش يخلو منه ".
[ ١٢٧ ]
وإنما صوَّب شيخ الإسلام ﵀ القول الثالث لما فيه من الجمع بين النصوص التي تثبت الاستواء لله ﵎ على الوجه اللائق به وأنه سبحانه مستو على عرشه بائن من خلقه، مع الحديث المثبت للنزول.
فالله ﷿ مستو على عرشه بائن من خلقه، وينزل كيف شاء، ولا يشبه نزوله سبحانه نزول المخلوقين، واللوازم التي تلزم في نزول المخلوقين: من شغر مكان وحلول في مكان، ليست لوازم لصفة الرب، وإنما هي لوازم لصفة المخلوق.
واختار ابن القيم ﵀ قول الحافظ عبد الغني، فقال:"أما الذين أمسكوا عن الأمرين، وقالوا: لا نقول: يتحرك وينتقل ولا ننفي ذلك عنه. فهم أسعد بالصواب والاتباع، فإنهم نطقوا بما نطق به الكتاب، وسكتوا عما سكت عنه"١.
_________________
(١) ١ مختصر الصواعق " ٢/٢٥٧ "
[ ١٢٨ ]