طريقة أهل السنة والجماعة في إثبات الصفات واحدة، ومنهجهم واحد، وهو الاعتماد على الكتاب والسنة، والتعويل الكامل عليهما، والإيمان بما جاء فيهما، وإثبات ما ثبت فيهما، فلا يثبتون صفة من قبل أنفسهم، بل يقتصرون على ما نطق به الكتاب والسنة.
ولما كان هذا أصل الأصول وأساس العلم والإيمان، اقتضى المقام في مثل هذا المختصر - وكذلك في المطولات التي تكتب في الاعتقاد - أن يؤكد على هذا الأمر في أكثر من مناسبة، ولهذا يلاحظ القارئ الكريم أنَّ المصنف ﵀ لما ذكر صفة اليدين قال:
" ومن صفاته سبحانه الواردة في كتابه العزيز، الثابتة عن رسوله المصطفى الأمين: اليدان "
وهذا المعنى سبق أن قرره المصنف وأكد عليه، وكان يكفي ما قرره في صدر هذه الرسالة، لكن لما كان هذا المقام مقامًا عظيمًا وأصلًا متينًا وأساسًا لابد منه في جميع الصفات، اقتضى ذلك أن يؤكد عليه، حتى يستقر في النفوس ويتمكن في القلوب.
ولما كان أهل البدع يخوضون في مثل هذه الصفات إجمالًا وتفصيلًا بعقولهم القاصرة وأفهامهم الرديئة، كان من المناسب عند أهل السنة والجماعة أن يؤكدوا على أنَّ إثبات الصفات على وجه التفصيل مبني على الأصل العام الكلي في جميع الصفات، وهو الاعتماد اعتمادًا كليًا على ما جاء في الكتاب والسنة.
واليدان: من صفات الله تعالى الذاتية الثابتة في الكتاب والسنة، كالوجه
[ ١٢٩ ]
والقدم والساق والعين والعلو وغيرها، وهي صفات لا تنفك عن الذات، ولا تعلق لها بالمشيئة - بخلاف الصفات الفعلية - التي لها تعلق بالمشيئة.
وأهل السنة منهجهم في صفات الله الذاتية والفعلية واحد، ويقولون: باب الصفات واحد، فيثبتون ما ثبت في الكتاب والسنة كما جاء، ويؤمنون به كما ورد، بلا تعطيل ولا تحريف ولا تكييف ولا تمثيل.
واليدان ثابتتان لله ﷿، وهما اثنتان، كما دلت على ذلك نصوص كثيرة في الكتاب والسنة كما في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ١، وقوله سبحانه: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٢، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة عن النبي ﷺ.
وقد جاء في بعض النصوص ذكر هذه الصفة بالإفراد، كما في قوله ﷿: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ ٣، وكما في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ٤، وكما في حديث محاجة آدم موسى الآتي ذكره.
وجاءت في بعض النصوص بالجمع، كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ ٥.
وهذا لا يشكل على أنَّ الله ﷿ موصوف بأنَّ له يدين تليقان بجلاله وكماله وعظمته؛ لأنَّ لغة العرب تتسع للإخبار عن المثنى بالمفرد والجمع لأغراض معلومة في اللغة. فتقول العرب: رأيت بعينِي، وسمعت بأذنِي وذهبت إلى فلان بقدمِي، والمقصود: رأيته بعينَيَّ، وسمعته بأذنَيَّ، وذهبت إليه بقدمَيَّ.
ومن هذه الأغراض: المشاكلة بين المضاف والمضاف إليه، فلمَّا يكون المضاف إليه مفردًا يناسبه أن يكون المضاف مفردًا أيضًا، كما في قوله تبارك
_________________
(١) ١ الآية ٦٤ من سورة المائدة. ٢ الآية ٧٥ من سورة ص. ٣ الآية ١ من سورة الملك. ٤ الآية ١٠ من سورة الفتح. ٥ الآية ٧١ من سورة يس.
[ ١٣٠ ]
وتعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، يده أي: يد الله ﷿، يد: مضاف مفرد، والهاء الضمير: مضاف إليه، وهو مفرد أيضًا. ولمَّا يكون المضاف إليه جمعًا فمن المناسب أن يكون المضاف جمعًا كذلك، كما في قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ .
ومن أغراض التعبير بالجمع عن المفرد: التعظيم.
وبهذا يزول تلبيس الجهمية ومشاكستهم في هذا المقام، حيث يقول بعضهم: يلزم من ذلك إثبات أيد كثيرة، أو أعين كثيرة، أو نحو ذلك مما يقوله هؤلاء.
فلله ﷿ يدان، ثبتتا في كتابه وسنة رسوله ﷺ، إحداهما: يمين، والثانية: أخرى، كما في الحديث الصحيح:"إن يمين الله ملأى، لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم ينقص ما في يمينه، وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القبض يرفع ويخفض" ١، وجاء في رواية في صحيح مسلم ٢ تكلم في إسنادها بعض أهل العلم فيها ذكر الشمال: " شماله "، فإن صحت هذه الرواية وثبتت يقال عن اليد الأخرى: إنها شمال، وإلا فيقال: " الأخرى ".
وكونه سبحانه له يمين وأخرى، لا يتنافى مع ما ثبت عنه ﷺ في الحديث
_________________
(١) ١ سبق تخريجه. ٢ " رقم ٤٦٩٨ " عن عبد الله بن عمر قال رسول الله ﷺ: " يطوي الله ﷿ السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون ".
[ ١٣١ ]
الصحيح أنه قال:"كلتا يدي ربي يمين مباركة"١؛ لأنَّ مقصوده ﷺ دفع توهم النقص؛ فإنه إذا قيل: يمين وأخرى أو شمال، قد يتوهم البعض أنَّ الأخرى أنقص في البذل والعطاء والقوة. فلدفع هذا التوهم قال ﷺ: " وكلتا يدي ربي يمين ".
فلله ﷿ يدان حقيقيتان تليقان بجلاله وكماله وعظمته، لا تشبهان أيدي المخلوقين، موصوفتان بالقبض، والبسط، والأخذ، والعطاء، والطي، وغير ذلك من الصفات التي هي صفات اليد الحقيقية. قال ابن القيم ﵀:"ورد لفظ اليد في القرآن والسنة وكلام الصحابة والتابعين في أكثر من مائة موضع ورودًا متنوعًا متصرفًا فيه، مقرونًا بما يدل على أنها يد حقيقية"ثم ذكر هذه الأوجه ٢.
وليس تشبيهًا أن يثبت لله ﷿ يدٌ تليق به، وإنما التشبيه أن يقاس ﷿ بالمخلوقين، فيقال: يد كأيدينا، ولهذا لما سئل إمام أهل السنة أحمد ابن حنبل عن المشبه من هو؟ قال:"من قال: بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي فقد شبه الله سبحانه بخلقه"٣. هذا هو التشبيه، أما من يقول: يد تليق بجلاله وعظمته وكماله سبحانه فهذا ليس تشبيهًا لا من قريب ولا من بعيد.
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي " رقم ٣٣٦٨ وقال: حسن غريب "، وابن خزيمة في التوحيد " رقم ٨٩ "، وابن حبان " رقم ٦١٦٧ "، والحاكم " ١/١٣٢ وقال: صحيح على شرط مسلم ". وأخرج مسلم " رقم ٤٦٩٨ " عن عبد الله بن عمرو قال رسول الله ﷺ: " إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن ﷿، وكلتا يديه يمين ". ٢ مختصر الصواعق " ٢/١٧١ " ٣ بيان تلبيس الجهمية " ٢/١٦٥ "، واجتماع الجيوش " ص١٣٢ "
[ ١٣٢ ]
ومن يجترئ أن يقول: إنها تشبه أيدي المخلوقين إلا من ابتلي بالزيغ والضلال وعدم تعظيم الرب ﷿ وعدم قدره ﷾ حق قدره، كما قال ﵎: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ١، فقد وصف الله ﷿ يده بهذه العظمة: أنَّ الأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه فكيف يقال يد كأيدينا!!
وبهذا يزول تشنيع المبتدعة على أهل السنة بأنهم مشبهة، إذ المشبه من يقيس الله ﷿ بخلقه فيقع صراحة في التشبيه، أو يعطل صفات الله فرارًا من التشبيه. ولهذا قال أئمة السلف ﵏: كل معطل مشبه، وكل مشبه معطل ٢.
لأنَّ من يعطل صفة الله إنما عطلها فرارًا من التشبيه الذي قام في نفسه، توهَّمَ أن إثبات هذه اليد لله حقيقة يقتضي التشبيه فأراد أن يفر منه فعطل الصفة، ولما عطَّل الصفة وقع في تشبيه آخر، وهو تشبيه الله ﷿ إما بالجمادات أو المعدومات أو الممتنعات حسب نوع تعطيله. ولهذا فإنَّ كلَّ تعطيل محفوف بتشبيهين: تشبيه قبل التعطيل وآخر بعده.
وكلُّ مشبه معطل، فمن ادعى أنَّ اليد في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ يد كيد المخلوق فهو معطل، ولم يعطل مرة واحدة، بل وقع في ثلاثة أنواع من التعطيلات:
الأول: تعطيله للرب العظيم عن صفة كماله اللائقة بجلاله، فإنَّه لم يثبت يدًا تليق به، بل عطَّلها بتشبيهه.
_________________
(١) ١ الآية ٦٧ من سورة الزمر. ٢ انظر: الصواعق المرسلة لابن القيم "١/٢٤٤ "
[ ١٣٣ ]
والثاني: تعطيله للنص المثبت لهذه الصفة عن مدلوله، فهو لم يؤمن بمدلول قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ وهذا نوع آخر من التعطيل وقع فيه.
والثالث: تعطيله للآيات الكثيرة النافية للتشبيه، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ١ وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ ٢، ونظائرها من الأدلة. فهذه أنواع من التعطيل وقع فيها المشبه.
ولا يسلم من التشبيه والتعطيل إلا صاحب السنة، الذي يثبت لله ﷿ صفة كماله، على الوجه الذي يليق بجلاله وعظمته سبحانه.
وفي هذا السياق الذي نحن بصدده أذكر قصة دارت بيني وبين شخص لا تخلو من فائدة مهمة في هذا الباب. مرة في المسجد النبوي صلى بجواري رجل من إحدى الدول، وجرى بيني وبينه بحث في موضوعات مختلفة، من بينها صفات الله جل وعلا، فقال لي: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ٣ - وأشار إلى يده - وقال: هذه جارحة، يده: قدرته. فلما تحدث وفعل ما فعل اتَّضح لي بالمعاينة ما قرره أهل العلم من أنَّ مرتكز التعطيل وأساسه: التشبيه الذي قام في نفوس هؤلاء، فإنه لما قرأ: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ كان يقرأ الآية وهو يشير إلى يد نفسه، وقال: يده قدرته. إذًا قوله: " يده قدرته " جاء من تلاوته للنص وفهمه منه يدًا كيد المخلوق. فلما لم يفهم من النص إلا التشبيه، فلابد أن ينزه الله عن هذا التشبيه. فقلت - بمجرد فراغه من كلامه ـ: لماذا تشبه الله؟ قال لي: أنا لا أشبه الله. قلت: بل أنت تشبه الله، أنت تقرأ الآية وتشير إلى يد نفسك، وهذا عين التشبيه، وهذا التشبيه الذي وقع منك هو الذي جرك إلى التعطيل. أما أهل السنة عندما يقرءون هذه الآية وغيرها من الآيات المثبتة لصفات الرب لا يخطر ببالهم - فضلًا عن أن يتكلموا به بألسنتهم
_________________
(١) ١ الآية ١١ من سورة الشورى. ٢ الآية ٦٥ من سورة مريم. ٣ الآية ١٠ من سورة الفتح.
[ ١٣٤ ]
أو يشيروا إليه بجوارحهم - أن الصفات المضافة إلى الله ﷿ مثل الصفات المضافة إلى المخلوقين، فأهل السنة في سلامة تامة وبعد كامل عن التشبيه والتعطيل، أما من يشبه فإنَّه سيعطل ولابد، ومن يعطل فإنَّه سيشبه ولابد، ولا سلامة من الأمرين إلا بإثبات الصفات لله جل وعلا على الوجه الذي يليق بجلاله وعظمته وكماله.
لما قرر المصنف ثبوت هذه الصفة ذكر بعض الأدلة من القرآن والسنة على إثباتها، فقال:
" قال الله ﷿: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ "
وهذا جزء من آية في سياق الرد على إفك اليهود وافترائهم على الله ﷾، إذ زعموا أن يد الله مغلولة - غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا - ومرادهم بذلك: أنَّ الله بخيل - تعالى الله ﷿ عما يقول هؤلاء الظالمون المعتدون علوًا كبيرًا ـ، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ فاليهود يثبتون لله يدًا، ولكنهم يصفونها بأنها مغلولة - مع أنهم أبخل الناس، فلا يعرف بالبخل مثلهم ـ، فجعلوا الوصف الذي لا ينفك عنهم في كلِّ وقت وصفًا للرب العظيم الذي يمينه ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار. وهذا من جملة مخازٍ وقبائح وشنائع كثيرة ذكرها الله عن هذه الأمة الغضبية الملعونة، وبيَّن بها حالهم وشدة قبحهم، وعظم افترائهم عليه.
فرد الله عليهم بقوله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ فموجب اللعن الذي حلَّ عليهم ونزل بهم: قولهم في الله ﷿ هذا القول العظيم.
وفي هذا فائدة، وهي أنَّ الافتراء على الله والقول عليه في أسمائه وصفاته، وانتقاص عظمته سبحانه يوجب اللعن - الذي هو الطرد والإبعاد من
[ ١٣٥ ]
رحمة الله ـ، وهكذا من يقول في الله وعلى الله بغير علم، وينتقص الرب وعظمته أو يتهكم بشيء من صفاته.
والجهمية الذين لا يثبتون لله ﷿ يدًا - إمعانًا منهم في الضلال - ادَّعوا أنَّ الرد هنا على اليهود لإثباتهم اليد لله، ويريدون أن يتوصلوا بذلك إلى نفي اليد عن الله ﷿، وأنه جل وعلا لا يوصف بها.
وكيف يستقيم استدلالهم، ولم ينكر الله ﷿ على اليهود إثبات اليد، بل أكد ثبوتها له ﷾، وذكر أن له يدين؟!
أيمكن أن يرد على من يصف الله بصفة ليست ثابتة له بتأكيدها؟!، فقال سبحانه: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ فأثبت جل وعلا لنفسه اليدين، ووصفهما بأنهما مبسوطتان خلافًا لما يدعيه هؤلاء.
ومن دلالات هذه الآية أن لله ﷿ يدين كما أخبر، فالمقام هنا مقام إثبات وثناء وتمجيد وتعظيم وتنزيه لله ﷿ عن افتراء اليهود.
وفي الآية وصف اليدين بالبسط، والبسط هو كثرة الإنفاق والعطاء والجود، ولهذا جاء في الحديث الصحيح:"إن الله ﷿ يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها" ١، وقال ﷺ في الحديث الآخر:"إن يمين الله ملأى، لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنَّه لم ينقص ما في يمينه، وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القبض يرفع ويخفض" ٢.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم " رقم ٦٩٢١ " ٢ سبق تخريجه.
[ ١٣٦ ]
وفي هذه الآية رد واضح على من يتأول اليد بالقدرة أو النعمة، كما يفعله معطلة هذه الصفة؛ لأنَّه سبحانه ذكر اليد بالتثنية وأنهم يدان، فهل يقول من يجعل اليد بمعنى القدرة في هذا المقام: قدرتاه مبسوطتان!! فيجعل لله قدرتين، مع اتفاق المسلمين على أنَّ لله ﷿ قدرة شاملة على كلِّ شيء، ومشيئة نافذة في كلِّ شيء، ولم يقل أحد منهم إنَّ لله قدرتين.
وهل يقولون: نعمتان، وقد قال الله ﵎: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ ١، أي نعم الله لا تعد ولا تحصى. فمع التثنية لليدين في هذا النص ونظائره يَبطلُ قول من تأول اليد بالقدرة أو النعمة.
وقد بين أهل العلم بطلان هذا القول من وجوه كثيرة، وقد أنهى ابن القيم ﵀ هذه الوجوه إلى عشرين وجهًا، كلها قوية واضحة في إبطاله ٢.
" وقال ﷿: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ "
والسياق في هذه الآية الكريمة في الرد على إبليس الذي امتنع عن السجود لأبينا آدم تجبرًا وتكبرًا عما أمره الله ﷿ به، فقد أمره الله والملائكةَ أن يسجدوا لآدم فسجدوا كلُّهم إلا إبليس أبى واستكبر، فقال الله جل وعلا مخاطبًا إبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ أي ما المانع الذي جعلك تمتنع عن السجود لهذا الذي خلقته بيدي. والسياق سياق تشريف لآدم ﵇، وتمييز له، وتعلية لقدره، حيث جعله في هذا المقام العظيم أن أسجد له ملائكته، فسجدوا كلُّهم إلا إبليس امتنع تكبرًا وعلوًا.
ومن تشريف آدم: ما ذكره الله ﷿ في هذا السياق من أنَّه خلقه بيديه، أي باشر خلقه بيده ﵎، كما قال عبد الله بن عمر رضي الله
_________________
(١) ١ الآية ٣٤ من سورة إبراهيم. ٢ انظر: مختصر الصواعق " ٢/١٥٣ - ١٦٨ "
[ ١٣٧ ]
عنهما:"خلق الله أربعة أشياء بيده: العرش، والقلم، وعدن، وآدم. ثم قال لسائر الخلق: كن فكان"١.
قال الدارمي ﵀:"أفلا ترى أيها المريسي كيف ميز ابن عمر وفرق بين آدم وسائر الخلق في خلقه باليد؟ ! أفأنت أعلم من ابن عمر بتأويل القرآن وقد شهد التنزيل وعاين التأويل، وكان بلغات العرب غير جهول"٢. وقال ابن القيم ﵀:"وفي قول عبد الله بن عمر ﵄: " إن الله لم يباشر بيده أو لم يخلق بيده إلا ثلاثًا: خلق آدم، وغرس جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده " أفيصح في عقل أو نقل أو فطرة أن يقال: لم يخلق بقدرته أو بنعمته إلا ثلاثًا"٣.
وهذا مما يبطل تأويل هذه الصفة، فمن يقول: يد الله قدرته ماذا يصنع بهذا، هل يقول: لم يخلق الله بقدرته إلا ثلاثة؟ إذًا سائر المخلوقات بأي شيء خلقت؟!
وفي هذا فائدة جليلة في غاية الأهمية نبه عليها أهل العلم، وهي: أنك إذا أردت أن تعرف بطلان أي تأويل من التأويلات فضعه في موارد هذه الصفة في النصوص. فعندما يقول لك قائل: اليد القدرة. قل: سأقرأ عليك الآيات والأحاديث التي فيها ذكر اليد، وضع لي هذا الذي جعلته معنى لليد
_________________
(١) ١ أخرجه الدارمي في الرد على المريسي " ١/٢٦١ "، وابن جرير في تفسيره " رقم ٣٠٠٢٩ "، والآجري في الشريعة " ص٣٠٣ "، واللالكائي في شرح الاعتقاد " رقم ٧٢٩، ٧٣٠ "، والبيهقي في الأسماء والصفات " رقم ٦٩٣ " وقال الذهبي في العلو " ص٤٨ " " إسناده جيد "، وقال الألباني في مختصره " ص١٠٥ ": " صحيح على شرط مسلم ". ٢ الرد على المريسي " ١/٢٦٢ " ٣ مختصر الصواعق " ٢/١٥٥ "
[ ١٣٨ ]
مكانها، وننظر هل يستقيم المعنى أم لا. اقرأ عليه هذا الحديث، ثم اقرأ الحديث الآخر:"إن يمين الله ملأى، لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم ينقص ما في يمينه، وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القبض يرفع ويخفض"١، وانظر ماذا يصنع، إذا قال: " قدرة الله ملأى، لا يغيضها نفقة وبقدرته الأخرى القبض " لا يستقيم الكلام.
وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهم من أهل العلم ممن توسع في مناقشة أهل البدع يستعملون هذه الطريقة بكثرة جدًا في إبطال التأويلات. وهو رد مسكت من خلال الأدلة، وفيه قطع للجدل، بدل أن يخوض السني مع المبتدع في جدل عريض، يريح نفسه من ذلك، ويمضي معه في تلاوة الآيات وقراءة الأحاديث، وتنتهي الجلسة بانقطاعه ولابد.
: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ قال أهل العلم: إن قيل إنَّ اليد هنا بمعنى القدرة لم تكن لآدم أيُّ ميزة أو خصيصة على غيره، بل قالوا: إنَّ هذا التأويل عقوق من هؤلاء لأبيهم آدم، شرفه الله وخصه وميزه بأن خلقه بيده، فنفوا هذه الميزة وسلبوه إياها.
ولو تأملت السياق: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ أضاف الخلق إلى نفسه، فقال سبحانه: " خلقتُ ". وثنى اليدين فقال: " بيديَّ "، وعدى ذلك بالباء. وكلُّ هذا يؤكد أنَّ اليدين ثابتتان لله سبحانه.
عندما تقول: كتبت ذلك بيدي. لا يمكن أن تنصرف أذهان المخاطبين إلى أنك كلفت غيرك بالكتابة؛ لأنك أسندت الكتابة إلى نفسك، ثم عديتها بالباء
_________________
(١) ١ سبق تخريجه.
[ ١٣٩ ]
التي تؤكد مباشرتك للفعل بنفسك.
والمعنى في هذه الآية يختلف عما في قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾؛ لأن الأمور الثلاثة منتفية هنا، فأضاف العمل إلى الأيدي " عملت أيدينا "، وذكر الأيدي بالجمع، ولم يذكر الباء. فمن يجعل قول الله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ كقوله جل وعلا: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ فقد جعل خلق آدم وخلق الأنعام سواء، وليس هناك تشريف ولا تفضيل لآدم.
" وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال:"التقى آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم، أنت أبونا، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، خيبتنا وأخرجتنا من الجنة. فقال آدم: أنت موسى، كلمك الله تكليمًا، وخط لك التوراة بيده، واصطفاك برسالته، فبكم وجدت في كتاب الله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾؟ قال: بأربعين سنة. قال: فتلومني على أمر قدره الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟! قال النبي ﷺ: فحج آدم موسى""
ثم ذكر المصنف ﵀ حديث أبي هريرة المخرج في الصحيحين ١، وهو مشهور عند أهل العلم بحديث المحاجة بين آدم وموسى، وفيه فوائد عظيمة، منها: الإيمان بالقدر، وأنَّ الأمور كلَّها بتقدير الله ﷿، وأنَّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
" التقى آدم وموسى " في بعض الروايات احتج آدم وموسى.
" خلقك الله بيده ": قل في هذه مثل قولك في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فقد أسند الخلق إلى الله، وذكر الباء، لكن لم يثن اليد، وإنما عبر بالمفرد عن المثنى، وهو سائغ كما سبق، بل إنَّ في
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري " رقم ٦٦١٤ "، ومسلم " رقم ٦٦٨٤ - ٦٦٨٦ "
[ ١٤٠ ]
الجمع بين الآية والحديث دليلًا لما قرره أهل العلم من أنَّه يصح التعبير عن المثنى بالمفرد.
" خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته " أي خصك بهذه الأمور وميزك وشرفك بها.
" خيبتنا وأخرجتنا من الجنة " هذا فيه لوم من موسى لآدم ﵉: يلومه على الإخراج من الجنة - وهو مصيبة - لا على الذنب، فقال: " خيبتنا وأخرجتنا " ولم يقل: خيبتنا وأذنبت وعصيت، لأن آدم وقع في الذنب وتاب منه، وأخبرنا الله ﷿ أنه قبل توبته، قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ ١ ولا يلام أحد على ذنب تاب منه ولو كان شركًا. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ ٢ أي لمن تاب. والشرك داخل في قوله سبحانه: ﴿الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، أما قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ ٣ فهذا في حق من مات على ذلك.
" أنت موسى، كلمك الله تكليمًا، وخط لك التوراة بيده، واصطفاك برسالته " أي ميزك الله بهذه الأمور.
" فبكم وجدت في كتاب الله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ " أي: هذا الذي ترتب على هذه المعصية متى كُتِب عليَّ ومتى قُدِّر.
" قال: بأربعين سنة " أي أنه كتب عليك قبل خلقك بأربعين سنة. وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ في صحيح مسلم ٤ أنَّ
_________________
(١) ١ الآية ٣٧ من سورة البقرة. ٢ الآية ٥٣ من سورة الزمر. ٣ الآية ١١٦ من سورة النساء. ٤ الصحيح " رقم ٦٦٩٠ "
[ ١٤١ ]
النبي ﷺ قال:"كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات بخمسين ألف سنة". قال أهل العلم: هذا تقدير من بعد تقدير، فهناك تقدير عام قبل خلق السماوات دل عليه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وقوله: " بأربعين سنة " في هذا الحديث تقدير خاص داخل في التقدير العام ١.
يشبه هذا تمامًا ما يتعلق بتقدير كلِّ إنسان عندما يكون في بطن أمه، كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ المشهور بحديث الصادق المصدوق ـ:"إنَّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد" ٢ فهذا تقدير وكتابة داخلة في التقدير العام الذي هو قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
" قال: فتلومني على أمر قدره الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟! " الأمر الذي لامه عليه هو الإخراج، وهو مصيبة قدرها الله عليه قبل أن يخلق.
" قال النبي ﷺ: فحج آدم موسى حجَّه بالقدر، وحجته مقبولة؛ لأنَّه احتج بالقدر على المصيبة لا على الذنب، إذ لا يصح أن يحتج أحد على ذنبه بالقدر: فلا يصلي ولا يصوم ويقول: قضاء وقدر، ويترك الطاعات ويرتكب المحرمات ويقول: قضاء وقدر. فلا يصح الاحتجاج بالقدر على المعائب، وإنما يصح الاحتجاج به على المصائب. قال تعالى - مبينًا ضلال من احتج بالقدر على المعائب ـ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا
_________________
(١) ١ انظر: شفاء العليل لابن القيم "ص١٣ " ٢ أخرجه البخاري " رقم ٣٣٣٢ "، ومسلم " رقم ٦٦٦٥ "
[ ١٤٢ ]
َرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ ١، فبين سبحانه أنَّ احتجاج هؤلاء المشركين بالمشيئة والقدر باطل، إذ لو كان كذلك لما أذاقهم بأسه. وهكذا كل من يحتج بالقدر على ذنوبه ومعاصيه احتجاجه باطل.
وأضرب هنا مثالًا ذكره أهل العلم: لو أن شخصًا قتل آخر خطأً، فلاموه في ذلك فقال: هذا قضاء وقدر. قبل منه. لكن لو أن آخر أمسك بسلاحه واتجه إلى شخص وقتله متعمدًا، ولاموه في ذلك فقال: قضاء وقدر لا يقبل منه. وكله قتل، لكن هذا عمد وذاك خطأ.
الشاهد من الحديث: قوله: " خلقك الله بيده "، وهذا فيه إثبات اليد لله ﷿، وأن الله باشر خلق آدم بيده تشريفًا وتكريمًا، وكذلك قوله: " وخط لك التوراة بيده ".
ثم لما ذكر ﵀ منهج أهل السنة في هذه الصفة - وهو الإثبات ـ، وذكر شيئًا من أدلتهم عليها حذر من الأباطيل التي وقع فيها أهل الضلال مثل التشبيه والتكييف والتأويل والتعطيل، فقال:
" فلا نقول: يد كيد، ولا نكيف، ولا نشبه، ولا نتأول اليدين على القدرتين كما يقول أهل التعطيل والتأويل، بل نؤمن بذلك ونثبت له الصفة، من غير تحديد ولا تشبيه "
فهذه هي المحاذير التي يجب على كلِّ من أثبت صفات الله ﵎ إجمالًا وتفصيلًا أن يحترز منها. وقد سبق للمصنف أن أشار إليها، لكن لما كان الوقوع فيها خطيرًا، وضررها على من وقع فيها كبيرًا ناسب أن يؤكد عليها.
" فلا نقول يد كيد " لأنَّ هذا القول تشبيه، والتشبيه كفر، والمشبه كافر،
_________________
(١) ١ الآية ١٤٨ من سورة الأنعام.
[ ١٤٣ ]
والله ﷿ ليس كمثله شيء، كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ١، وقال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ ٢، وقال: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ ٣، وقال ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾:٤ فإنَّ الله ﷿ لا مثيل له، ولا نظير له لا في ذاته ولا في أسمائه وصفاته.
" ولا نكيف " أي: لا نبحث في عقولنا وأفهامنا عن كيفية لهذه اليد، ولا نسأل عن كيفيتها؛ لأنَّ السؤال عن كيفية يد الله أو غيرها من صفاته بدعة، كما قال الإمام مالك عندما سئل عن الاستواء.
وكيف السبيل إلى إدراك كيفية صفات الله ﵎، والمخلوق عاجز عن إدراك كيفية كثير من صفات المخلوقين، والله أكبر من كلِّ شيء، وكلُّ وصفِ كمالٍ يدور في خاطر الإنسان يظنه كبيرًا وعظيمًا ولائقًا بالله فالله أعظم من ذلك، فهو سبحانه فوق ما يصفه الواصفون.
وأهل العلم يقولون: لا يمكن معرفة كيفية الشيء إلا بإحدى طرق ثلاث:
١ـ إما برؤيته.
٢ـ أو برؤية مثيله.
٣ـ أو بالخبر الصادق المبين لكيفيته.
والله ﵎ لم يره المؤمنون، فهذا نفي للطريق الأولى. وليس لله مثيل فانتفت الطريق الثانية. والخبر الصادق فيه إثبات الصفات وليس فيه تعرض للكيفية، فانتفت الطريق الثالثة.
ولهذا فإنَّ إثبات أهل السنة والجماعة للصفات إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف.
" ولا نُشبِّه " أي: لا نشبه صفة الله ﷿ بصفات المخلوقين، وهو
_________________
(١) ١ الآية ١١ من سورة الشورى. ٢ الآية ٦٥ من سورة مريم. ٣ الآية ٢٢ من سورة البقرة. ٤ الآية ٤ من سورة الإخلاص.
[ ١٤٤ ]
بمعنى قوله: " لا نقول يد كيد ".
" ولا نتأول اليدين على القدرتين كما يقول أهل التعطيل والتأويل " وسبق الكلام على إبطال هذا التأويل.
والتعطيل: هو النفي، نفي صفات الله. والتأويل: صرفها عن ظاهرها. والمصنف ﵀ لما قال هنا أهل التعطيل والتأويل أراد أن يؤكد على شيء، وهو أنَّ كلَّ مؤول معطل؛ لأنَّ السياق في مناقشة أهل التأويل الذين يقولون إنَّ اليد القدرة. فلا انفكاك للمؤول من التعطيل؛ لأنَّ تأويله انبنى على تعطيله للصفة الثابتة لله ﷿، فمن قال: اليد القدرة، فقد عطل اليد الحقيقية الثابتة لله ﷿، وزاد على تعطيله تأويل اليد بصرفها عن ظاهرها.
" بل نؤمن بذلك ونثبت له الصفة " أي نثبت له هذه الصفة على الوجه اللائق بجلاله وكماله.
" من غير تحديد " أي بشيء نحده للصفة بأفهامنا وأوهامنا، فلا نحد الصفة بحد، وعليه فمعنى قوله: " من غير تحديد " أي من غير تكييف.
" ولا تشبيه " أي نثبتها لله ﷿ إثباتًا حقيقيًا يليق بجلاله وكماله من غير تشبيه.
" ولا يصح حمل اليدين على القدرتين؛ فإنَّ قدرة الله ﷿ واحدة، ولا على النعمتين؛ فإنَّ نعم الله ﷿ لا تحصى، كما قال ﷿: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ "
ذكر في إبطال تأويل اليد بالقدرة وجهًا واحدًا، وفي إبطال تأويلها بالنعمة
[ ١٤٥ ]
وجهًا واحدًا أيضًا، وإلا فالوجوه في إبطال هذين التأويلين كثيرة جدًا.
" وكل ما قال الله ﷿ في كتابه، وصح عن رسوله بنقل العدل عن العدل " هذا تأكيد لما سبق تقريره في هذه الرسالة غير مرة من أهمية لزوم الكتاب والسنة، والتعويل عليهما، والاعتماد على ما جاء فيهما، وأن أهل السنة ﵏ في إثباتهم لصفات الله جل وعلا لا يتجاوزون الكتاب والسنة.
" بنقل العدل عن العدل " هذا ضابط لابد منه في الاحتجاج بالسنة، وهو أن تكون صحيحة ثابتة عن النبي ﷺ. فقول المصنف: " بنقل العدل عن العدل " يخرج الضعيف وما لم يثبت، وما كان في إسناده علة، وما لم يتصل، ونحو ذلك من العلل المعروفة عند أئمة هذا الشأن، فلا يحتجون في باب الصفات بأيِّ حديث يجدونه دون دراسة لإسناده، ومعرفة لصحته من سقمه.
وفي هذا دلالة على أنَّ إثبات أهل السنة والجماعة للصفات مبني على ما صح عن النبي ﷺ بنقل العدل عن العدل، وأنهم لا يحتجون بكلِّ حديث يرفع إلى النبي ﷺ. بخلاف ما يدعيه عليهم أهل البدع، الذين يلمزون أهل السنة بأنهم حشوية، لا يميزون بين الغث والسمين، والصحيح والسقيم، وإنما يجمعون كلَّ شيء ويحتجون بكلِّ حديث. وحاشا أهل السنة أن يكونوا كذلك.
فقول المصنف هذا، كما أنَّه يقرر منهج أهل السنة في هذا الباب، فهو يرد على طائفتين من أهل البدع:
الأولى: طائفة تلمز أهل السنة وترميهم بالاحتجاج بكلِّ حديث ينسب إلى النبي ﷺ، ولهذا وصفوهم بالحشوية.
[ ١٤٦ ]
والثانية: المعتزلة الذين لا يحتجون بخبر الآحاد في العقيدة، ففي قول المصنف: " العدل عن العدل " الاكتفاء برواية واحد عن واحد، وعدم اشتراط التواتر.
[ ١٤٧ ]