" وكذلك الإيمان بمسألة منكر ونكير "
بعد أن فرغ المصنف من ذكر عذاب القبر أشار هنا إلى فتنة القبر، وأنَّ الناس يفتنون في قبورهم، فكلُّ عبد يدخل قبره يسأل، ويكون هذا السؤال فور إدراجه قبره والفراغ من دفنه، ولهذا""كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل " ٣.
وقد بيَّن لنا النبي ﷺ هذه الأسئلة، وهذا من تمام نصحه لأمته. فالامتحان واقع، والأسئلة محددة.
فيأتيه ملكان ويسألانه ثلاثة أسئلة: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فأهل الإيمان الذين حققوا هذه الأمور في الدنيا واعتنوا بها يثبتهم الله، وأما الكافر
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري " رقم ١٣٣٨ " ٢ الآية ٢٧ من سورة إبراهيم. ٣ أخرجه أبو داود " رقم ٣٢٢١ "، والحاكم في المستدرك " ١/٥٢٦ "، والبيهقي في الكبرى " ٤/٥٦ "، والضياء في المختارة " ١/٥٢٨ " وصححه الألباني في صحيح الجامع " رقم ٩٤٥ "
[ ٢٨٧ ]
والظالم فيضله الله، كما قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ ١.
وقد وُفِق شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ توفيقًا عظيمًا، ونصح للناس نصحًا بالغًا عندما أفرد هذه الأسئلة الثلاثة في رسالة عمَّ نفعها وشاع ذكرها وانتشرت بين الناس، منهم من حفظها، ومنهم من قرأها غير مرة، ومنهم من درسها مرات، وتُرجمت إلى لغات كثيرة.
ومن نصحه ﵀ وشدة عنايته بهذه الأصول الثلاثة أنَّه كتبها بأكثر من أسلوب، كتبها لطلبة العلم، وكتبها للعوام وللصبيان، كلٌّ باللهجة التي تناسبه، ووقفت على نسخة من الأصول الثلاثة كتبها الشيخ بلهجة العوام، حتى إنَّه كتب: " وإذا قيل: وش ربك؟ قل ربي الله ".
وبعض المبتدعة الذين أعمت البدع قلوبهم يحذرون من هذه الرسالة ويقولون: هذه كتب الوهابية. مع أنها ليس فيها إلا أجوبة هذه الأسئلة التي يسأل عنها كلُّ عبد في قبره، ولم نسمع إلى يومنا هذا أحدًا وجَّه انتقادًا علميًا على هذه الرسالة.
وقد جاء في بيان عظم هذه الأصول الثلاثة أحاديث كثيرة، مثل قول النبي ﷺ:""ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا " ٢. وقال ﷺ:""من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله. رضيت بالله ربًا، وبمحمد رسولًا، وبالإسلام دينًا، غفر له ذنبه " ٣. فعند كلِّ أذان يشرع للعبد أن
_________________
(١) ١ الآية ٢٧ من سورة إبراهيم. ٢ أخرجه مسلم " رقم ١٥٠ " ٣ أخرجه مسلم " رقم ٨٤٩ "
[ ٢٨٨ ]
يستذكر هذه الأصول الثلاثة.
" منكر ونكير " هما ملكان جاء وصفهما في السنة بأنهما سود الوجوه وزرق العيون، يأتيان العبد في قبره فيقعدانه ويسألانه من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فأمَّا المؤمن فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ، فينعم في قبره. وأمَّا الكافر فلا يحار جوابًا، فيضرب بمرزبة من حديد يصيح منها صيحة يسمعها كلُّ من يليه إلا الثقلين.
ومن الأحاديث الواردة في هذا: ما رواه أبو هريرة أن النبي ﷺ قال:""إذا قُبِر الميت - أو قال أحدكم - أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر والآخر: النكير. فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول ما كان يقول: هو عبد الله ورسوله. أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله. فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا " ١.
[ ٢٨٩ ]