" وأنَّ عيسى بن مريم ﵇ ينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق، فيأتيه وقد حُصِر المسلمون على عَقَبَة أَفْيَق، فيهرب منه، فيقتله عند باب لُد الشرقي. ولُد من أرض فلسطين بالقرب من الرملة على نحو ميلين منها "
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود " رقم ٤٣١٩ "، وأحمد " ٤/٤٣١ "، والحاكم " ٤/٥٧٦ وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم "، وصححه الألباني في صحيح الجامع " رقم ٦٣٠١ " ٢ انظر: التعليق على نهاية البداية لابن كثير " ١/١١٨ - ١١٩ "
[ ٣٢٥ ]
لما فرغ المصنف ﵀ من الكلام عن مسيح الضلالة الدجال انتقل للحديث عن نزول مسيح الهداية عيسى ﵇، وفي ذكر عيسى ﵇ عقب الدجال مراعاة من المصنف للترتيب؛ فإنَّ نزول عيسى ﵇ يكون بعد خروج الدجال، ويكون قتله على يده ﵇.
وإنَّما سمي عيسى ﵇ مسيحًا لأنَّه إذا مسح على المريض يبرأ بإذن الله وقيل: أقوال أخرى.
وهو آخر الرسل قبل رسولنا محمد ﷺ، وأحد أولي العزم من الرسل الذين ذكروا في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ ١ وقوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا﴾ ٢.
وقد وُجد من أم بلا أب، وكان هذا سببًا في اختلاف الناس فيه اختلافًا كبيرًا، فادعى فيه اليهود أنَّه ابن بغي وأنَّ أمه حملت به من الزنا، وحاولوا قتله. فكذبهم الله تعالى في كتابه، فقال فيما ذكره عن أمه مريم: ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ ٣. وادعى النصارى أنَّه ابن الله، وأنَّه جزء منه.
والقول الحق فيه هو قول أهل الإسلام، وهو أنَّه عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه. فهو عبد من بني آدم، ولد من أم بلا أب.
حاول اليهود قتله، فرفعه الله ﷿ إليه إلى السماء حقيقة بروحه وجسده حيًا، وشُبِّه عليهم برجل بقي مكانه فقتلوه وظنوا أنهم قتلوا عيسى ابن مريم، قال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ ٤ وقال سبحانه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ ٥. فهو
_________________
(١) ١ الآية ٧ من سورة الأحزاب. ٢ الآية ١٣ من سورة الشورى. ٣ الآية ٢٠ من سورة مريم. ٤ الآية ١٥٧ من سورة النساء. ٥ الآيتان ١٥٧، ١٥٨ من سورة النساء.
[ ٣٢٦ ]
الآن حي في السماء إلى أن يأذن الله ﷿ بنزوله آخر الزمان.
وهذا يؤمن به أهل الإيمان كما دل عليه القرآن الكريم وسنة النبي ﷺ، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ ١ قبل موته أي: عندما ينزل من السماء؛ لأنه يموت في آخر الزمان لما ينزل.
فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويحصل على يديه خير عظيم.
ونزوله يكون بعد خروج الدجال " على المنارة البيضاء شرقي دمشق "، واضعًا يديه على جناحي ملك، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جُمَّان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلب الدجال لقتله.
" فيأتيه وقد حُصِر المسلمون على عَقَبَة أَفِيق " وهي بلدة قريبة من دمشق، وقد ورد هذا في حديث عثمان بن أبي العاص في سياق طويل، لكن في إسناده ضعف ٢، وله شواهد كثيرة في الصحيحين وغيرهما، ولذكر عقبة أفيق شاهد من حديث سفينة ﵁ عند الإمام أحمد ٣.
" فيهرب منه، فيقتله عند باب لُد الشرقي. ولُد من أرض فلسطين بالقرب
_________________
(١) ١ الآية ١٥٩ من سورة النساء. ٢ أخرجه أحمد " ٤/٢١٦ ـ٢١٧ "، والطبراني في الكبير " ٩/٦٠ "، والحاكم في المستدرك " ٤/٥٢٤ وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم " وتعقبه الذهبي بقوله: ابن هبيرة واه. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد " ٧/٣٤٢ ": " رواه أحمد والطبراني، وفيه علي بن زيد وفيه ضعف وقد وثق، وبقية رجالهما رجال الصحيح ". ٣ المسند " ٥/٢٢١ " قال الهيثمي في المجمع " ٧/٣٤٠ ": " ورجاله ثقات، وفي بعضهم كلام لا يضر ".
[ ٣٢٧ ]
من الرملة على نحو ميلين منها " وهذا ثابت في صحيح مسلم ١ من حديث النواس بن سمعان، فلما يرى الدجالُ المسيحَ ابن مريم يتصاغر ويذوب كما يذوب الملح في الماء، ولو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكنَّه يتقدم ويضربه بحربته فيموت. فيقضى على مسيح الضلالة بيد مسيح الهداية عيسى ﵇.
فإذا قُتلَ الدجال يفاجأ الناس بخروج يأجوج ومأجوج، وهما قبيلتان عظيمتان من بني آدم، موجودتان على وجه الأرض، سواء رآهم الناس أو لم يروهم. أما ما يقوله بعض الناس من أنَّ الأرض اكتشفت بالوسائل الحديثة"ولم يُر فيها سدٌّ ولا هؤلاء القوم. واتخذوا هذا ذريعة للإنكار، فهذا شأن من ليس لنصوص الشرع عنده مكانة ولا يقيم لها وزنًا.
ولا يليق بمسلم أن يشك في الأخبار الصحيحة، أو يتوقف فيها، أو يظن فيها الظنون بناء على أقاويل قوم كفار، أو بناء على النظريات والمكتشفات الحديثة؛ فإنَّ الله قادر على كل شيء، وهو قادر سبحانه على أن يُعجز الناس عن الوقوف على مكانهم، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ ٢.
وإذا أراد المسلم عبرة في هذا الباب فليقرأ قصة بني إسرائيل عندما قضى الله ﷿ عليهم أن يتيهوا في الأرض، فتاهوا في أرض سيناء أربعين سنة. قال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ ٣ وإذا نظرت إلى الخريطة تجدها منطقة صغيرة، فهي الزاوية التي في رأس البحر الأحمر، فلولا أنَّ الله ﷿ أعمى قلوبهم
_________________
(١) ١ الصحيح " رقم ٧٢٩٩ " ٢ الآية ٤٤ من سورة فاطر. ٣ الآية ٢٦ من سورة المائدة.
[ ٣٢٨ ]
وصرفهم عن الاهتداء لما ضاعوا في مثل هذا المكان الصغير هذه المدة الطويلة. فلله الأمر من قبل ومن بعد، وهو على كلِّ شيء قدير.
وأمَّا قول من قال: إنهم بعض أمم الكفر، وحددها بعضهم بالصين ونحوها، وحملوا قوله تعالى ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ ١ على أنهم يأتون بالطائرات والسيارات: ففيه تكلف ونظر؛ لأنَّ النصوص تأباه، خاصة تلك التي تبين أنَّهم منحازون خلف السد، وأنَّهم إذا خرجوا حصل منهم ما حصل.
فنحن نؤمن بوجودهم ونصدق به للأحاديث الصحيحة والأخبار الصريحة الدالة على ذلك. فيخرجون على الناس بعد أن كانوا منحصرين خلف السد الذي بناه ذو القرنين، فيحاولون في كلِّ يوم فتحه، ويجتهدون ويبالغون في فتحه حتى إذا كادوا أن يخرقوه، يقول الذي عليهم: ارجعوا فستخرقونه غدًا. ولا يقول إن شاء الله. فيعيده الله ﷿ كأشد ما كان. حتى إذا أذن الله بفتحه، يقول قائلهم: قولوا: إن شاء الله. فيقولون: إن شاء الله فيجدونه كهيئته حين تركوه فيخرقونه ويخرجون على الناس، ويحصل منهم فساد عظيم وبلاء وشر، ينهبون ويقتلون ويسفكون ويعتدون، ويمرون على بحيرة طبرية فيشربها أولهم، فإذا مر آخرهم قال: لقد كان في هذه البحيرة ماء. روى الإمام أحمد ٢ والترمذي ٣عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:""إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدًا،
_________________
(١) ١ الآية ٩٦ من سورة الأنبياء. ٢ المسند " ٢ / ٥١٠ - ٥١١ " ٣ السنن " رقم ٣١٥٣ وقال حسن غريب " وصححه الألباني في الصحيحة " رقم ١٧٣٥ "
[ ٣٢٩ ]
فيعودون إليه كأشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم، وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدًا إن شاء الله، ويستثني، فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه ويخرجون على الناس، فينشفون المياه، ويتحصن الناس منهم في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء، فترجع وعليها كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء ".
وتكون نهايتهم بإذن الله ﷿، حيث يرغب عيسى نبي الله ﵇ ومن معه إلى الله أن يخلص الناس من شرهم، فيرسل الله ﷿ عليهم دابة صغيرة تسمى النغف، يسلطها على كلِّ واحد منهم فتكون في قفاه، فيصبحون صرعى كموت نفس واحدة، ثم تتأذى الأرض من نتنهم وجيفهم وعفنهم فيرسل الله ﷿ طيورًا تحملهم إلى حيث يشاء الله ﷿، ثم يرسل مطرًا لا يَكُنُّ منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة أي كالمرآة في الصفاء والنقاء ١.
فهذا شيء من أشراط الساعة، وفي معرفتها فائدة للمسلم ومنفعة له؛ لأنَّها تحرك في قلبه الإيمان والخوف من الله، والحذر من الفتن والإقبال على الله ﷿ وطاعته.
والإيمان بها من الإيمان باليوم الآخر؛ فهي علامات له ودلالات عليه.
_________________
(١) ١ انظر في هذا حديث النواس بن سمعان ﵁، وهو في صحيح مسلم " رقم ٧٢٩٩ "
[ ٣٣٠ ]