[ ١٩٥ ]
البَابُ الثَّامِنُ خُلاصَةُ البَحْثِ
هَذِهِ خُلاصَةٌ جَمَعْنَاها بَيْنَ يَدَيْ القَارِئ بَعْدَ انْتِقَاءٍ مُحَرَّرٍ، فِيْها إجْمَالُ ما حَوَتْهُ الأبْوَابُ والفُصُوْلُ، بَعْدَ بَحْثٍ وتَحْقِيْقٍ تَأخُذُ بِيَدِ القَارِئ إلى رِيَاضِ الحَقِّ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الكِتَابُ، والسُّنَّةُ، والإجْمَاعُ، وأقْوَالُ السَّلَفِ نَحْوُ: أصْحَابِ الرَّسُوْلِ - ﷺ -، فَهِيَ إجْمَاعَاتٌ واتِّفاقَاتٌ يَأخُذُ بَعْضُها برِقَابِ بَعْضٍ وللهِ الحَمْدُ، فَهَاكَهَا في نُقَاطٍ ثَمَانٍ:
الأوْلى: أجْمَعَ أهْلُ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ على أنَّ أُمَّ المُؤْمِنِيْنَ عَائِشَةَ وطَلْحَةَ والزُّبَيْرَ ﵃ لَمْ يَقْصُدُوا بِخُرُوْجِهِم إلى البَصْرةِ إلاَّ الإصْلاحَ بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ.
الثَّانِيَةُ: وأجْمَعُوا (أيْضًا) على أنَّ عَائِشَةَ وطَلْحَةَ والزُّبَيْرَ لَمْ يَدَّعُوْا الخِلافَةَ لأحَدٍ مِنْهُم، ولَمْ يُنازِعُوا عَلِيًّا في خِلافَتِهِ.
وأنَّ الصُّلْحَ قَدْ حَصَلَ بَيْنَهُم، وهُوَ أخْذُ القَصَاصِ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ ﵁.
[ ١٩٧ ]
الثَّالِثَةُ: أنَّ ما وَقَعَ في (الجَمَلِ) مِنْ قِتَالٍ بَيْنَ عَليٍّ، وبَيْنَ عَائِشَةَ وطَلْحَةَ والزُّبَيْرِ كَانَ دُوْنَ عِلْمٍ مِنْهُم؛ بَلْ أصْحَابُ الفِتْنَةِ مِنَ الثُّوَّارِ والأعْرَابِ هُمُ الَّذِيْنَ انْشَبُوْا الحَرْبَ بَيْنَ الفَرِيْقَيْنِ مَكْرًا وزُوْرًا، فَعِنْدَئِذٍ وَقَعَ القِتَالُ بَيْنَ الفَرِيْقَيْنِ ظَنًّا مِنْهُما أنَّ الوَاحِدَ مِنْهُم يَدْفعُ عَنْهُ صَوْلَةَ الآخَرِ.
الرَّابِعَةُ: أنَّ مُعَاوِيَةَ بنَ أبي سُفْيَانَ ﵁ لَمْ يُقَاتِلْ أو يُنَازِعْ عَليًّا ﵁ على خِلافَةٍ، أو أفْضَلِيَّةٍ قَطُّ، اللَّهُمَّ أنَّه لَمْ يُعْطِ عَليًّا البَيْعَةَ حَتَّى يَقْتُلَ قَتَلَةَ عُثْمَانَ، أو يُسَلِّمَهُم إلَيْه، كَمَا أنَّ عَليًّا ﵁ لَمْ يُقْدِمْ عَلَى القِتَالِ حَتَّى أمْهَلَ مُعَاوِيَةَ عَسَاهُ يَرْضَى بتَقْدِيْمِ البَيْعَةِ أوَّلًا.
الخَامِسَةُ: أنَّ مُعَاوِيَةَ بنَ أبي سُفْيَانَ ﵁ اجْتَهَدَ في تَأخِيْرِ البَيْعَةِ، وتَقْدِيْمِ أخْذِ القَصَاصِ مِنَ القَتَلةِ وللمُجْتَهِدِ أجْرُهُ، وحَسْبُنا أنَّ مُعَاوِيَةَ مِنْ أهْلِ الاجْتِهَادِ، مَعَ ما عِنْدَهُ مِنْ صِدْقِ نِيَّةٍ، وبَذْلِ وُسْعٍ فِيْمَا أقْدَمَ عَلَيْه، عِلْمًا أنَّ دَعْوَاهُما حَقٌّ، إلاَّ أنَّ عَلِيًّا كَانَ أقْرَبَ إلى الحَقِّ مِنْ مُعَاوِيَةَ ﵄.
السَّادِسَةُ: أنَّ عَدَدَ الصَّحَابَةِ الَّذِيْنَ حَضَرَوْا أيَّامَ الفِتْنَةِ (الجَمَلَ وصِفَّيْنَ) قَلِيْلٌ جِدًّا، لا يَكَادُوْنَ يَتَجَاوَزُونَ الثَّلاثِيْنَ قَطْعًا،
[ ١٩٨ ]
وهُمْ أيْضًا مَعَ حُضُوْرِهِم هَذا لَمْ يُقَاتِلْ مِنْهُم أحَدٌ، أمَّا أكَابِرُ الصَّحَابةِ رَضِيَ اللهُ عَنِ الجَمِيْعِ فَلَمْ يَدْخُلُوْا في فِتْنَةٍ قَطُّ!
السَّابِعَةُ: أجْمَعَ أهْلُ السُّنَّةِ قَاطِبَةً على وُجُوْبِ مَحَبَّةِ الصَّحَابَةِ ﵃، والدُّعَاءِ لَهُم، وأنَّهُم كُلَّهم عُدُوْلٌ بلا اسْتِثْنَاءٍ سَوَاءٌ مَنْ لابَسَ الفِتْنَةَ مِنْهُم أو لا، وأنَّ سَبَّهُم زَنْدَقَةٌ ورِدَّةٌ، وأنَّ مُعَاوِيَةَ ﵁ أفْضَلُ مُلُوكِ المُسْلِمِيْنَ قَاطِبَةً بَعْدَ الخُلَفَاءِ الأرْبَعَةِ (أبي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمَانَ، وعَليٍّ)، وأنَّ مُلْكَهُ مُلْكُ رَحْمَةٍ.
الثَّامِنَةُ: أجْمَعَ أهْلُ السُّنَّةِ على الكَفِّ والإمْسَاكِ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃، والسُّكُوْتِ عَمَّا حَصَلَ بَيْنَهُم مِنْ قِتَالٍ وحُرُوْبٍ.
وعَدَمِ البَحْثِ والتَّنْقِيْرِ عَنْ أخْبارِهِم أو نَشْرِها بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ لِمَا لَهَا أثَرٌ سَيْئٌ في إثَارَةِ الفِتْنَةِ والضَّغائِنِ، وإيْغَارِ الصُّدُوْرِ عَلَيْهِم، وسُوْءِ الظَّنِّ بِهِم مِمَّا يُقَلِّلُ الثِّقَةَ بِهِم !
* * *
وأخِيْرًا:
هَذا ما أحْبَبْتُ رَسْمُه في كِتَابِي: (تَسْدِيْدِ الإصَابَةِ فِيْمَا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ)
مِنْ خِلالِ ثَمانِيَةِ أبْوَابٍ، والثَّمانِيَةُ أيْضًا في ثَمَانِ نُقَاطٍ عَسَى أنْ تَكُوْنَ سَبَبًا لدُخُوْلِي مِنْ أيِّ أبْوَابِ الجَنَّةِ الثَّمانِيَةِ، اللَّهُمَّ أمِيْنَ!
[ ١٩٩ ]
واللهَ أسْألُ أنْ يُرِيَنا الحَقَّ حَقًّا ويَرْزُقَنا اتِّبَاعَهُ، والباطِلَ بَاطِلًا ويَرْزُقَنا اجْتِنَابَهُ آمِيْنَ!
والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى عَبْدِهِ ورَسُولِهِ الأمِيْنِ، وعلى آلِهِ وصَحْبِهِ المَيَامِيْنِ!
وكَتَبَهُ
ذِيابِ بنِ سَعْدٍ آلِ حَمْدَانَ الغَامِدِيِّ
[ ٢٠٠ ]