وُجُوْبُ الدُّعَاءِ والاسْتِغْفَارِ لِلصَّحَابَةِ ﵃
وَاجِبٌ على كُلِّ مُسْلِمٍ جَاءَ بَعْدَ الصَّحَابَةِ ﵃ مِنْ عِبَادِ اللهِ المُؤْمِنِيْنَ أنْ يَدْعُوَ لَهُم، ويَسْتَغْفِرَ لَهُم، ويَتَرَحَّمَ عَلَيْهِم لِمَا لَهُم مِنَ القَدْرِ العَظِيْمِ، ولِمَا حَازُوْهُ مِنَ المَنَاقِبِ الحَمِيْدَةِ، والسَّوَابِقِ القَدِيْمَةِ، والمَحَاسِنِ المَشْهُوْرَةِ، ولِمَا لَهُم مِنَ الفَضْلِ الكَبِيْرِ على كُلِّ مَنْ أتَى بَعْدَهُم (١).
وأخْرَجَ عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وابنُ أبي حَاتِمٍ، وابنُ الأنْبَارِيِّ في (المَصَاحِفِ)، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «أُمِرُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لأصْحَابِ النَّبِي - ﷺ -، فَسَبُّوهُم!، ثُمَّ قَرَأتُ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ الآيَةُ» (٢).
_________________
(١) انْظُرْ «طَرِيْقَ الهِجْرَتَيْنِ» لابنِ القَيِّمِ (٥٣٧).
(٢) «الدُّرُّ المَنْثُوْرُ» للسِّيُوْطِيِّ (٨/ ١١٣).
[ ١١٣ ]
قَالَ النَّوَوَيُّ ﵀: «أمَّا قَوْلُهَا: (أُمِرُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لأصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَسَبُّوْهُم)، قَالَ القَاضِي: الظَّاهِرُ أنَّهَا قَالَتْ هذا عِنْدَما سَمِعَتْ أهْلَ مِصْرَ يَقُوْلُوْنَ في عُثْمَانَ ما قَالُوا، وأهْلَ الشَّامِ في عَلِيٍّ ما قَالُوا، والحَرُوْرِيَّةَ في الجَمِيْعِ ما قَالُوا!
وأمَّا الأمْرُ بالاسْتِغْفَارِ الَّذِي أشَارَتْ إلَيْهِ فَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ الآيَةُ.
وبِهَذا احْتَجَّ مَالِكٌ في أنَّهُ لاحَقَّ في الفَيْءِ لِمَن سَبَّ الصَّحَابَةَ ﵃؛ لأنَّ اللهَ تَعَالى إنَّمَا جَعَلَهُ لِمَن جَاءَ بَعْدَهُم ممَّنْ يَسْتَغْفِرُ اللهَ لَهُم، واللهُ أعْلَمُ» (١).
وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: «لا تَسُبُّوا أصْحَابَ مُحَمَّدٍ (، فَإنَّ اللهَ قَدْ أمَرَنا بالاسْتِغْفَارِ لَهُم، وَهُوَ يَعْلَمُ أنَّهُم سَيَقْتَتِلُوْنَ» (٢).
* * *
_________________
(١) «شَرْحُ مُسْلِمٍ» للنَّوَوِيِّ (١٨/ ١٥٨ - ١٥٩).
(٢) «الشَّرْحُ والإبانَةُ» لابنِ بَطَّةَ (١١٩)، وأوْرَدَهُ القُرْطُبيِّ في «الجامِعُ لأحْكامِ القُرآنِ» (١٨/ ٣٣).
[ ١١٤ ]
وذَكَرَ البَغَوَيُّ ﵀ عِنْدَ تَفْسِيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآيَةُ، عَنْ مَالِكِ بنِ مِغْوَلٍ قَالَ: قَالَ عَامِرُ بنُ شُرَاحِيْلِ الشَّعْبِيُّ: يا مَالِكُ تَفَاضَلَتْ (أيْ: فَضُلَتْ) اليَهُوْدُ والنَّصَارَى الرَّافِضَةَ بِخِصْلَةٍ، سُئِلَتِ اليَهُوْدُ مَنْ خَيْرُ أهْلِ مِلَّتِكُم؟ فَقَالَتْ: أصْحَابُ مُوْسَى ﵇، وسُئِلَتِ النَّصَارَى: مَنْ خَيْرُ أهْلِ مِلَّتِكُم؟ فَقَالُوا: حَوَارِيُّ عِيْسَى ﵊، وسُئِلَتِ الرَّافِضَةُ: مَنْ شَرُّ أهْلِ مِلَّتِكُم؟ فَقَالُوا: أصْحَابُ مُحَمَّدٍ - ﷺ -. أُمِرُوا بالاسْتِغْفَارِ لَهُم فَسَبُّوهُم، فالْسَّيْفُ عَلَيْهِم مَسْلُوْلٌ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، لا تَقُوْمُ لَهُم رَايَةٌ، ولا يَثْبُتُ لَهُم قَدَمٌ، ولا تَجْتَمِعُ لَهُم كَلِمَةٌ، كُلَّمَا أوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأهَا اللهُ بِسَفْكِ دِمَائِهِم وتَفْرِيْقِ شَمْلِهِم وإدْحَاضِ حُجَّتِهِم، أعَاذَنَا اللهُ وإيَّاكُم مِنَ الفِتَنِ المُضِلَّةِ» (١).
_________________
(١) «تَفْسِيْرُ البَغَوِيِّ» (٧/ ٥٤)، وذَكَرَه القُرْطُبيُّ في «الجَامِعِ لأحْكَامِ القُرْآنِ» (١٨/ ٣٣)، وانْظُر أيْضًا «مِنْهَاجَ السُّنةِ» لابنِ تَيْمِيَّةَ (١/ ٦ - ٧)، و«شَرْحَ الطَّحاوِيَّةِ» لابنِ أبي العِزِّ (٥٣١ - ٥٣٢).
[ ١١٥ ]
وأخِيْرًا هَاكَ ما قَالَهُ الإمَامُ الشَّوْكَانِيُّ ﵀ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ قَوْلَهُ تَعَالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآيَةُ: «أمَرَهُمُ اللهُ سُبْحَانَهُ بَعْدَ الاسْتِغْفَارِ لِلْمُهَاجِرِيْنَ والأنْصَارِ أنْ يَطْلُبُوا مِنْ اللهِ سُبْحَانَهُ أنْ يَنْزِعَ مِنْ قُلُوبِهِمُ الغِلَّ لِلَّذِيْنَ آمَنُوا على الإطْلاقِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الصَّحَابَةُ دُخُولًا أوَّلِيًّا لِكَوْنِهِم أشْرَفَ المُؤْمِنِيْنَ، ولِكَوْنِ السِّيَاقُ فِيْهِم، فَمَن لم يَسْتَغْفِرْ لِلْصَّحَابَةِ على العُمُومِ، ويَطْلُبْ رِضْوَانَ اللهِ لَهُم فَقَدْ خَالَفَ ما أمَرَ اللهُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، فإنْ وَجَدَ في قَلْبِهِ غِلًاّ لَهُم فَقَدْ أصَابَهُ نَزْغٌ مِنَ الشَّيْطَانِ وحَلَّ بِهِ نَصِيْبٌ وافِرٌ مِنْ عِصْيَانِ اللهِ لِعَدَاوَةِ أولِيَائِهِ وخَيْرِ أُمَّةِ نَبِيِّهِ - ﷺ -، وانْفَتَحَ لَهُ بَابُ الخُذْلانِ يَفِدُ بِهِ على نارِ جَهَنَّمَ إنْ لم يَتَدَارَكْ نَفْسَهُ باللَّجَأ إلى اللهِ سُبْحَانَه، والاسْتِغَاثَةِ بِهِ بِأنْ يَنْزِعَ عَنْ قِلْبِهِ ما طَرَقَهُ مِنَ الغِلِّ لِخَيْرِ القُرُونِ وأشْرَفِ هَذِهِ الأمَّةِ، فإنْ جَاوَزَ ما يَجِدُهُ مِنَ الغِلِّ إلى شَتْمِ أحَدٍ مِنْهُم، فَقَدْ انْقَادَ لِلْشَّيْطَانِ بِزِمَامٍ وَوَقَعَ في غَضَبِ اللهِ وسَخَطِهِ، وهذا الدَّاءُ العُضَالُ إنَّمَا يُصَابُ بِهِ مَنِ ابْتُلِيَ بِمُعَلِّمٍ مِنَ الرَّافِضَةِ، أو صَاحِبٍ مِنْ أعْدَاءِ خَيْرِ الأمَّةِ الَّذِيْنَ تَلاعَبَ بِهِمُ الشَّيْطَانُ، وزَيَّنَ لَهُم الأكَاذِيْبَ المُخْتَلَقَةَ، والأقَاصِيْصَ المُفْتَرَاةَ، والخُرَافَاتِ المَوْضُوْعَةَ، وصَرَفَهُم عَنْ كِتَابِ اللهِ الَّذِي لا يَأتِيْهِ
[ ١١٦ ]
البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِنْ خَلْفِهِ، وعَنْ سُنَّةِ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ - المنقُوْلَةِ إلَيْنَا بِرِوَايَاتِ الأئِمَةِ الأكَابِرِ في كُلِّ
عَصْرٍ مِنَ العُصُوْرِ فاشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بالهُدَى، واسْتَبْدَلُوا الخُسْرَانَ العَظِيْمَ بالرِّبْحِ الوَافِرِ، وما زَالَ الشَّيْطَانُ الرَّجِيْمُ يَنْقُلُهُم مِنْ مَنْزِلَةٍ إلى مَنْزِلَةٍ، ومِنْ رُتْبَةٍ إلى رُتْبَةٍ حَتَّى صَارُوا أعْدَاءَ كِتَابِ اللهِ، وسُنَّةِ رَسُوْلِهِ، وخَيْرِ أُمَّتِهِ، وصَالِحِي عِبَادِهِ، وسَائِرِ المُؤْمِنِيْنَ، وأهْمَلُوا فَرَائِضَ اللهِ، وهَجَرُوا شَعَائِرَ الدِّيْنَ، وسَعُوا في كَيْدِ الإسْلامِ وأهْلِهِ كُلَّ السَّعْي، ورَمُوا الدِّيْنَ وأهْلَهُ بِكُلِّ حَجَرٍ ومَدَرٍ واللهُ مِنْ ورَائِهِم مُحِيْطٌ» (١).
* * *
فَهَذِهِ النُّصُوْصُ الَّتِي سُقْنَاهَا في هذا المَبْحَثِ عَنِ المُتَقَدِّمِيْنَ والمُتَأخِّرِيْنَ مِنْ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ كُلُّهَا تُبَيِّنُ: أنَّهُم هُمُ الفَائِزُوْنَ بِسَلامَةِ الصُّدُورِ مِنَ الغِلِّ والحِقْدِ لأصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ -، وأنَّهُم يَعْتَقِدُوْنَ أنَّ مِنْ حَقِّ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ على مَنْ بَعْدَهُم التَّرَحُّمَ عَلَيْهِمْ، والاسْتِغْفَارَ لَهُم، فأهْلُ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ يَتَرَحَّمُوْنَ على أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ -، صَغِيْرِهِم وكَبِيْرِهِم، وأوَّلِهِم وآخِرِهِم، ويَذْكُرُونَ مَحَاسِنَهُم
_________________
(١) «فَتْحُ القَدِيْرِ» للشَّوْكانِيِّ (٥/ ٢٠٢).
[ ١١٧ ]
ويَنْشُرُونَ فَضَائِلَهُم، ويَقْتَدُوْنَ بِهَدْيِهِم، ويَقْتَفُونَ آثارَهُم، ويَعْتَقِدُوْنَ أنَّ الحَقَّ في كُلِّ مَا قَالُوْهُ، والصَّوَابَ فِيْمَا فَعَلُوْهُ (١).
وبَعْدَ هَذَا؛ فَلَيْسَ مِنْ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ مَنْ لم يَتَرَحَّمْ على الصَّحَابَةِ، ويَسْتَغْفِرْ لَهُم، ولَيْسَ لَهُ حَظٌ في شَيْءٍ مِنْ فَيْءِ المُسْلِمِيْنَ كَمَا ذَكَرَهُ الإمَامُ مَالِكُ ﵀ وغَيْرُهُ.
_________________
(١) انْظُر «الشَّرْحَ والإبَانَةَ على أُصُوْلِ السُّنةِ والدِّيانَةِ» لابنِ بَطَّةَ (٢٦٤ - ٢٦٥).
[ ١١٨ ]