حُكْمُ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ ﵃
إنَّ سَبَّ أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ -، مُحَرَّمٌ بالكِتَابِ والسُّنَّةِ وإجْمَاعِ السَّلَفِ والخَلَفِ، وهو ما عَلَيْهِ اعْتِقَادُ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ، وعَلى هَذا جَاءتِ الأدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ كَمَا يَلِي:
قَال تَعَالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
وكَذَا قَوْلُهُ - ﷺ -: «لا تَسُبُّوا أصْحَابي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أنَّ أحَدَكُم أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما أدْرَكَ مُدَّ أحَدِهِم ولا نَصِيْفَهُ» (١) البُخَارِيُّ.
وهو عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيْثِ أبي سَعِيْدٍ ﵁ بِلَفْظٍ، قَالَ: كَانَ بَيْنَ خَالِدِ بْنِ الوَلِيْدِ، وبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ شَيْءٌ فَسَبَّهُ خَالِدٌ فَقَالَ: رَسُوْلُ اللهِ - ﷺ - فَذَكَرَهُ (٢).
_________________
(١) أخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (٢/ ٢٩٢).
(٢) أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٤/ ١٩٦٧ - ١٩٦٨).
[ ١٢٢ ]
وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ سَبَّ أصْحَابي فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، والمَلائِكَةِ، والنَّاسِ أجْمَعِيْنَ» (١) الطَّبَرَانِيُّ.
وعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أيْضًا أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَعَنَ اللهُ مَنْ سَبَّ أصْحَابي» (٢).
قَالَ الإمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: «واعْلَمْ أنَّ سَبَّ الصَّحَابَةِ ﵃ حَرَامٌ مِنْ فَوَاحِشِ المُحَرَّمَاتِ، سَوَاءٌ مَنْ لابَسَ الفِتَنَ مِنْهُم ومِنْ غَيْرِهِم لأنَّهُم مُجْتَهِدُوْنَ في تِلْكَ الحُرُوبِ مُتَأوِّلُوْنَ» (٣).
قَالَ ابنُ تَيْمِيَةَ ﵀: «فإنْ قِيْلَ: فَلِمَ نَهَى (رَسُوْلُ اللهِ) خَالِدًا عَلى أنْ
يَسُبَّ أصْحَابَهُ إذْ كَانَ مِنْ أصْحَابِهِ أيْضًا؟ وقَالَ: «لو أنَّ أحَدَكُم أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بلغَ مُدَّ أحَدِهِم ولا نَصِيفَهِ».
_________________
(١) أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ (٣/ ١٧٤)، وقَدْ ذَكَرَه السِّيُوْطِيُّ في «الجَامِعِ الصَّغِيْرِ»، ورَمَزَ له بـ (بالحُسْنِ)، انْظُر «فَيْضَ القَدِيْرِ» للمُنَاوِيِّ (٦/ ١٤٦)، وأوْرَدَهُ الألْبَانِي في «صَحِيْحِ الجَامِعِ» (٥/ ٢٩٩)، وقَالَ: حَسَنٌ، و«الصَّحِيْحَةِ» (٢٣٤٠).
(٢) ذَكَرَه السِّيُوْطِيُّ في «الجَامِعِ الصَّغِيْرِ» ورَمَزَ له بـ (بالصَّحَةِ)، انْظُر «فَيْضَ القَدِيْرِ» للمُنَاوِيِّ (٥/ ٢٧٤)، وأوْرَدَهُ الألْبَانِي في «صَحِيْحِ الجَامِعِ» (٥/ ٢٣)، وقَالَ: حَسَنٌ.
(٣) «شَرْحُ صَحِيْحِ مُسْلِمٍ» للنَّوَوِيِّ (١٦/ ٩٣).
[ ١٢٣ ]
قُلْنا: لأنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ونُظَرَاءهِ هُم مِنَ السَّابِقِيْنَ الأوَّلِيْنَ الَّذِيْنَ صَحِبُوهُ في وَقْتٍ كان خَالِدٌ وأمْثَالُهُ يُعَادُوْنَهُ فِيْهِ، وأنْفَقُوا أمْوَالَهُم قَبْلَ الفَتْحِ وقَاتَلُوا وهُمْ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِيْنَ أنْفَقُوا مِنْ بَعْدِ الفَتْحِ وقَاتَلُوا، وكُلًا وَعَدَ اللهُ الحُسْنى، فَقَدْ انْفَرَدُوا مِنَ الصُّحْبَةِ بِمَا لم يَشْرَكْهُم فِيْهِ خَالِدٌ ونُظَرَاؤُهُ ممَّن أسْلَمَ بَعْدَ الفَتْحِ - الَّذِي هُوَ صُلْحُ الحُدَيْبِيَّةِ - وقَاتَلَ، فَنَهَى أنْ يَسُبَّ أُوْلَئِكَ الَّذِيْنَ صَحِبُوهُ قَبْلَهُ، ومَنْ لم يَصْحَبْهُ قَطُّ نِسْبَتُهُ إلى مَنْ صَحِبَهُ كَنِسْبَةِ خَالِدٍ إلى السَّابِقِيْنَ وأبْعَدُ. وقَوْلُهُ: «لا تَسُبُّوا أصْحَابي» خِطَابٌ لِكُلِّ أحَدٍ أنْ لا يَسُبَّ مَنِ انْفَردَ عَنْهُ بِصُحْبَتِهِ ﵊، وهَذَا كَقَوْلِهِ ﵊ في حَدِيْثٍ آخَرَ: «أيُّها النَّاسُ إنِّي أتِيْتُكُم، فَقُلْتُ: إنِّي رَسُوْلُ اللهِ إلَيْكُم، فَقُلْتُم: كَذَبْتَ، وقَالَ أبُو بَكْرٍ: صَدَقْتَ، فَهَلْ أنتُمْ تارِكُوا لِي صَاحِبِي ؟» (١)، أو كَمَا قَالَ بأبِي هُوَ وأُمِّي (، قَالَ ذَلِكَ لَمَّا عَايَرَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ أبا بَكرٍ، وذَلِكَ الرَّجُلُ مِنْ فُضَلاءِ أصْحَابِهِ، ولَكِنِ امْتَازَ أبُو بَكْرٍ عَنْهُ بِصُحْبَتِهِ وانْفَرَدَ بِهَا عَنْهُ» (٢).
_________________
(١) أخْرَجَهُ البُخَارِيُّ «فَتْحُ البَارِي» (٨/ ٣٠٣).
(٢) «الصَّارِمُ المَسْلُوْلُ على شَاتِمِ الرَّسُوْلِ» لابنِ تَيْمِيَّةَ (٥٧٦ - ٥٧٧).
[ ١٢٤ ]
قَالَ بِشْرُ بنُ الحَارِثِ: «مَنْ شَتَمَ أصْحَابَ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ -، فَهُوَ كَافِرٌ وإنْ صَامَ وصَلَّى وزَعَمَ أنَّهُ مِنَ المُسْلِمِيْنَ» (١).
وقَالَ الأوْزَاعِيُّ: «مَنْ شَتَمَ أبا بَكْرٍ الصِدِّيْقَ ﵁ فَقَدْ ارْتَدَّ عَنْ دِيْنِهِ، وأبَاحَ دَمَه» (٢).
وقَالَ المَرْوَزِيُّ: سَألْتُ أبَا عَبْدِ اللهِ (الإمَامَ أحْمَدَ): عَمَّنْ شَتَمَ أبَا بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمَانَ، وعَائِشَةَ ﵃. فَقَالَ: «ما أَرَاهُ على الإسْلامِ» (٣).
وقَالَ أبُو طَالِبٍ لِلإمَامِ أحْمَدَ: الرَّجُلُ يَشْتُمُ عُثْمَانَ؟ فأخْبَرُوْنِي أنَّ رَجُلًا تَكَلَّمَ فِيْهِ فَقَالَ: «هَذِهِ زَنْدَقَةٌ» (٤) نَعُوْذُ باللهِ مِنَ الضَّلالِ!
_________________
(١) «الشَّرْحُ والإبَانَةُ» لابنِ بَطَّةَ (١٦٢).
(٢) السَّابِقُ (١٦١).
(٣) السَّابِقُ.
(٤) «السُّنةُ» للخَلاَّلِ (٣/ ٤٩٣).
[ ١٢٥ ]