عَدَالَةُ الصَّحَابَةِ ﵃
أجْمَعَ أهْلُ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ على: أنَّ الصَّحَابَةَ جَمِيْعَهُم عُدُوْلٌ بِلاَ اسْتِثْنَاءٍ سَوَاءٌ مَنْ لابَسَ الفِتْنَةَ مِنْهُم أوْ لا، نَظَرًا لِمَا أكْرَمَهُمُ اللهُ بِهِ مِنْ شَرَفِ الصُّحْبَةِ لِنَبِيِّهِ - ﷺ -، ولِمَا لَهُمْ مِنَ المآثِرِ الجَلِيْلَةِ، والمَوَاقِفِ العَظِيْمَةِ مَعَ النَّبِي - ﷺ -، مِنْ مُنَاصَرَةٍ، ومُؤَازَرَةٍ، وإيْمَانٍ، ومُتَابَعَةٍ، وإيْثَارٍ، وجِهَادٍ، بَيْنَ يَدَيْهِ!
وقَدْ نَقَلَ الإجْمَاعَ على عَدَالَتِهِم جَمْعٌ غَفِيْرٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ.
قَالَ الخَطِيْبُ البَغْدَادِيُّ ﵀ (٤٦٣) بَعْدَ أنْ ذَكَرَ الأدِلَّةَ مِنْ كِتَابِ اللهِ، وسُنَّةِ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ -، الَّتِي دَلَّتْ على عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ وأنَّهُم كُلُّهُم عُدُوْلٌ، قَالَ: «هَذَا مَذْهَبُ كَافَّةِ العُلَمَاءِ، ومَنْ يَعْتَدُّ بِقَوْلِهِم مِنَ الفُقَهَاءِ» (١).
_________________
(١) «الكِفَايَةُ» للخَطِيْبِ (٦٧).
[ ١١٩ ]
وقَالَ ابنُ عَبْدِ البَرِّ أيْضًا: «ونَحْنُ وإنْ كَانَ الصَّحَابَةُ ﵃ قَدْ كُفِيْنَا البَحْثَ عَنْ أحْوَالِهِم لإجْمَاعِ أهْلِ الحَقِّ مِنَ المُسْلمِيْنَ وَهُم أهْلُ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ على: أنَّهُم كُلُّهُم عُدُوْلٌ، فَوَاجِبٌ الوُقُوْفُ على أسْمَائِهِم» (١).
وقَدْ نَقَلَ الإجْمَاعَ على عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ كَثِيْرٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ كالإمَامِ الجُوَيْنِيِّ، والغَزَالِيِّ، وابنِ الصَّلاحِ، والنَّوَوَيِّ، وابنِ كَثِيْرٍ، والعِرَاقِيِّ، وابنِ حَجَرٍ، والسَّخَاوِيِّ، والألُوْسِيِّ، وغَيْرِهِم ممَّا لا تَسَعُهُم هَذِهِ الرِّسَالَةُ (٢).
* * *
وبَعْدَ هذا؛ نَخْتِمُ بِقَوْلِ أبي زُرَعَةَ الرَّازِيِّ ﵀ كَمَا مَرَّ مَعَنَا: «إذا رَأيْتَ الرَّجُلَ يَنْتَقِصُ أحَدًا مِنْ أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ - فاعْلَمْ أنَّهُ
_________________
(١) «الاسْتِيْعَابُ» لابنِ عَبْدِ البَرِّ (١/ ٨).
(٢) انْظُر «فَتْحَ المَغِيْثِ» للسَّخَاوِيِّ (٣/ ١١٢)، و«تَدْرِيْبَ الرَّاوِي» للسِّيُوْطِيِّ (٢/ ١٦٤)، و«مَعْرِفَةَ عُلُوْمِ الحَدِيْثِ» لابنِ الصَّلاحِ (١٤٦ - ١٤٧)، و«شَرْحَ مُسْلِمٍ» للنَّوَوِيِّ (١٥/ ١٤٩)، و«شَرْحَ مُخْتَصَرِ عُلُوْمِ الحَدِيْثِ» لأحْمَدَ شَاكِرٍ (١٨١ - ١٨٢)، و«التَّبْصِرَةَ والتَّذْكِرَةَ» للعِرَاقِي (٣/ ١٣ - ١٤)، و«الإصَابَةَ» لابنِ حَجَرٍ (١/ ١٧).
[ ١٢٠ ]
زِنْدِيْقٌ وإنَّمَا يُرِيْدُوْنَ أنْ يَجْرَحُوا شُهُودَنا لِيُبْطِلُوا الكِتَابَ والسُّنَّةَ، والجَرْحُ بِهِم أوْلَى وهُم زَنَادِقَةٌ» (١) رَوَاهُ الخَطِيْبُ.
فَقَدْ صَدَقَ ﵀ فلا يَتَجَرَّأُ على تَجْرِيْحِ الصَّحَابَةِ إلاَّ مَجْرُوحٌ في دِيْنِهِ ودُنْيَاهُ، زِنْدِيْقٌ في مُعْتَقَدِهِ، عَبْدٌ لِهَوَاهُ، عَدُوٌ للهِ وأوْلِيَائِهِ.
وأخِيْرًا؛ فَهَذَا ما عَلَيْهِ اعْتِقَادُ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ في عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ: وهُوَ أنَّهُم كُلُّهُم عُدُوْلٌ مَنْ لابَسَ الفِتَنَ ومَنْ لم يُلابِسْها.
وما أحْسَنَ ما قَالَهُ الإمَامُ الذَّهَبِيُّ ﵀ (٧٤٨) في هَذِهِ المَسْألَةِ حَيْثُ قَالَ: «فأمَّا الصَّحَابَةُ ﵃ فَبُسَاطُهُم مَطْوِيٌّ وإنْ جَرَى ما جَرَى، إذْ على عَدَالَتِهِم وقَبُولِ ما نَقَلُوْهُ العَمَلُ، وبِهِ نَدِيْنُ اللهَ تَعَالى» (٢).
_________________
(١) «الكِفَايَةُ» للخَطِيْبِ البَغْدَادِيِّ (٩٧)، و«تَارِيخُ دِمِشْقَ» لابنِ عَسَاكِرَ (٣٨/ ٣٢).
(٢) «الرُّوَاةُ المُتَكَلَّمُ فِيْهِم بِمَا لا يُوْجِبُ الرَّدَّ» للذَّهَبِيِّ (٤٦).
[ ١٢١ ]