وأمَّا حُكْمُ مَنْ سَبَّ غَيْرَ عَائِشَةَ مِنْ أزْوَاجِهِ - ﷺ - فَفِيْهِ لأهْلِ العِلْمِ قَوْلانِ:
أحَدُهُمَا: أنَّهُ كَسَابِّ غَيْرِهِنَّ مِنَ الصَّحَابَةِ على حَسَبِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ (٣).
الثَّاني: أنَّ مَنْ قَذَفَ واحِدَةً مِنْهُنَّ فَهُوَ كَقَذْفِ عَائِشَةَ ﵂، وهُوَ الأصَحُّ مِنَ القَوْلَيْنِ على ما سَيَتَّضِحُ مِنْ أقْوَالِ أهْلِ العِلْمِ.
_________________
(١) «شَرْحُ مُسْلِمٍ» للنَّوَوِيِّ (١٧/ ١١٧ - ١١٨).
(٢) «زَادُ المَعَادِ» لابنِ القَيِّمِ (١/ ١٠٦).
(٣) انْظُرْ ص (١٣٩).
[ ١٣٣ ]
قَالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ: «وأمَّا مَنْ سَبَّ غَيْرَ عَائِشَةَ مِنْ أزْوَاجِهِ - ﷺ - فَفِيْهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُمَا: أنَّهُ كَسَابِّ غَيْرِهِنَّ مِنَ الصَّحَابَةِ.
والثَّاني: وهُوَ الأصَحُّ أنَّهُ مَنْ قَذَفَ واحِدَةً مِنْ أمَّهَاتِ المُؤْمِنِيْنَ فَهُوَ كَقَذْفِ عَائِشَةَ ﵂ وذَلِكَ لأنَّ هَذَا فِيْهِ عَارٌ وغَضَاَضَةٌ على رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ -، وأذَىً لَهُ أعْظَمُ مِنْ أذَاهُ بِنِكَاحِهِنَّ» (١).
وممَّا يُرَجِّحُ القَوْلَ الثَّاني (أنَّهُنَّ مِثْلُ عَائِشَةَ في حُكْمِ السَّبِّ)؛ أنَّه لمَّا كَانَ رَمِيُ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِيْنَ أذَىً لِلْنَّبِيِّ - ﷺ - لُعِنَ صَاحِبُهُ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ، ولِهَذا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «لَيْسَ فِيْهَا تَوْبَةٌ»؛ لأنَّ مُؤْذِي النَّبِيَّ (لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ إذا تَابَ مِنَ القَذْفِ حَتَّى يُسْلِمَ إسْلامًا جَدِيْدًا، وعلى هَذَا فَرَمْيَهُنَّ نِفَاقٌ مُبِيْحٌ لِلدَّمِ.
* * *
وممَّا يَدُلُّ على أنَّ قَذْفَهُنَّ أذَىً لِلْنَبِيِّ - ﷺ - ما خَرَّجَاهُ في الصَّحِيْحَيْنِ في حَدِيْثِ الإفْكِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: فَقَامَ رَسُوْلُ اللهِ - ﷺ -
_________________
(١) «الصَّارِمُ المَسْلُوْلُ» لابنِ تَيْمِيَّةَ (٥٦٧).
[ ١٣٤ ]
فاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُوْلٍ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ على المِنْبَرِ: «يامَعْشَرَ المُسْلِمِيْنَ مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أذَاهُ في أهْلِ بَيْتِي، فَوَاللهِ مَا عَلِمْتُ على أهْلِي إلاَّ خَيْرًا، ولَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا ما عَلَمْتُ عَلَيْهِ إلاَّ خَيْرًا، وما كَانَ يَدْخُلُ على أهْلِي إلاَّ مَعِي»، فَقَامَ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ الأنْصَارِيُّ، فَقَالَ: «أنا أعْذُرُكَ مِنْهُ يا رَسُوْلَ اللهِ إنْ كَانَ مِنَ الأوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ، وإنْ كاَنَ مِنْ إخْوَانِنَا مِنَ الخَزْرَجِ أمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أمْرَكَ» (١)، وهُنَالِكَ أدِلَّةٌ غَيْرُ ما ذُكِرَ (٢).
والحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ، ولا عُدْوَانَ إلاَّ على الظَّالِمِيْن
_________________
(١) أخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (٣/ ١٦٣)، ومُسْلِمٌ (٤/ ٢١٢٩ - ٢١٣٦).
(٢) انْظُرْ «عَقِيدَةَ أهْلِ السُّنةِ والجَمَاعةِ في الصَّحابَةِ» لنَاصِرٍ الشَّيْخِ (٢/ ٨٧٨).
[ ١٣٥ ]