النُّصُوصُ الشَّرْعَيَّةُ
هُنَاكَ نُصُوصٌ شَرْعِيَّةٌ قَدْ أَشَارَتْ وَأَخْبَرَتْ بِمَا سَيَقَعُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ مِنْ قِتَالٍ ونِزَاعٍ مَعَ بَيَانِ فَضْلِهِم وَاصْطِفَائِهِم كَمَا مَرَّ مَعَنَا آنِفًا، فَمِنْهَا:
مَا رَوَاهُ الشَيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقْتَتِلَ فِئَتَانِ فَيَكُونَ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيْمَةٌ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ» (١) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
فَالمُرَادُ بِالفِئَتَيْنِ في هَذَا الحَدِيْثِ جَمَاعَةُ عَلِيٍّ، وَجَمَاعُةُ مُعَاوِيَةَ ﵄، والمُرَادُ بالدَّعْوَةِ أيْضًا الإسْلامُ على الرَّاجِحِ، وقِيْل المُرَادُ: اعْتِقَادُ كُلٍّ مِنْهُما الحَقَّ (٢).
* * *
_________________
(١) أخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (٤/ ٢٣١)، ومُسْلِمٌ (٤/ ٢٢١٤).
(٢) انظُرْ «فَتْحَ البارِي» لابنِ حَجَرٍ (١٢/ ٣٠٣).
[ ١٠٢ ]
وعَنْ أبي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: بَيْنَا النَّبيُّ - ﷺ - يَخْطُبُ جَاءَ الحَسَنُ،
فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، ولَعَلَّ اللهَ أنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِيْنَ» (١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
ففِي هَذَا الحَدِيْثِ شَهَادَةٌ مِنَ النَبِيِّ - ﷺ - بإسْلامِ الطَّائِفَتَيْنِ - أهْلِ العِرَاقِ وأهْلِ الشَّامِ - لِذَا كَانَ يَقُوْلُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنةَ ﵀: «قَوْلُهُ: فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِيْنَ، يُعْجِبُنَا جِدًّا».
قال البَيْهَقِيُّ: «وإنَّمَا أعَجَبَهُم لأنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سَمَّاهُمَا مُسْلِمِيْنَ، وهذا خَبَرٌ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ - بِمَا كَانَ مِنَ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ بَعْدَ وَفَاةِ عَلِيٍّ في تَسْلِيْمِهِ الأمْرَ إلى مُعَاوِيَةَ بْنِ أبي سُفْيَانَ» (٢).
* * *
وهَذَا عَلِيُّ بْنُ أبي طَالِبٍ ﵁ يَقُوْلُ فِيْمَا رَوَاهُ حَمْزَةُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ أبِيْهِ قَالَ: وقَفَ عَلِيُّ بْنُ أبي طَالِبٍ عَلَى قَتْلاهُ وقَتْلَى مُعَاوِيَةَ، فقَالَ: «غَفَرَ اللهُ لَكُم» لِلْفَرِيْقَيْنِ جَمِيْعًا» (٣).
_________________
(١) أخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (٢٧٠٤)، (٣٧٤٦).
(٢) «الاعْتِقَادُ» للبَيْهَقِيِّ ص (١٩٨)، و«فَتْحُ البارِي» لابنِ حَجَرٍ (١٣/ ٦٦).
(٣) «تَنْزِيهُ خَالِ المُؤْمِنِيْنَ مُعَاوِيَةَ بنِ أبي سُفْيانَ» لأبي يَعْلَى الحَنْبَلِيِّ (٩٢).
[ ١٠٣ ]
وقَالَ أيْضًا فِيْمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللهِ بنُ عُرْوَةَ (١٢٦) قالَ: أخْبَرَني مَنْ شَهِدَ
صِفِّيْنَ، قَالَ: رَأيْتُ عَلِيًّا خَرَجَ في بَعْضِ تِلْكَ اللَّيَالِي فَنَظَرَ إلى أهْلِ الشَّام، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ولَهُم» (١).
ورَوَى الشَّعْبِيُّ (١٠٤) قَالَ: قُلْتُ لِلْحَارِثِ بْنِ مَالِكٍ: ما شَأنُ الحَسَنِ (ابْنِ عَلِيٍّ) بايَعَ مُعَاوِيَةَ؟
قَالَ: إنَّه سَمِعَ مِنْ أمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ عَلِيِّ بْنِ أبي طَالِبٍ ما سَمِعْتُ.
قُلْتُ: ومَا سَمِعْتَ؟
قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: «لا تَكْرَهُوا إمَارَةَ مُعَاوِيَةَ، فإنَّكُم لَو فَقَدتُّمُوهُ رَأيْتُم رُؤُوْسًا تَبْدُرُ عَنْ كَوَاهِلِها كأنَّهَا الحَنْظَلُ» (٢) ابنُ أبي شَيْبَةَ.
وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: «لا تَسُبُّوا أصْحَابَ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، فِإنَّ اللهَ قَدْ أمَرَنَا بالاسْتِغْفَارِ لَهُمْ، وهُوَ يَعْلَمُ أنَّهُم سَيَقْتَتِلُونَ» (٣).
* * *
_________________
(١) أخْرَجَهُ ابنُ أبي شَيْبَةَ في «مُصَنَّفِهِ» (١٥/ ٢٩٧)، وانُظْر «تَنْزِيهُ خَالِ المُؤْمِنِيْنَ مُعَاوِيَةَ» لأبي يَعْلَى (٩٣).
(٢) أخْرَجَهُ ابنُ أبي شَيْبَةَ في «مُصَنَّفِهِ» (١٥/ ٢٩٣) وانُظْر «تَنْزِيهُ خَالِ المُؤْمِنِيْنَ مُعَاوِيَةَ» لأبي يَعْلَى (٩٣).
(٣) «الشَّرْحُ والإبانَةُ» لابنِ بَطَّةَ (١١٩)، وأوْرَدَهُ القُرْطُبيُّ في «تَفْسِيْرِه» (١٨/ ٣٣)
[ ١٠٤ ]
وهَذِهِ الأحَادِيْثُ والآثَارُ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهَا قَاطِعَةٌ بأنَّ أهْلَ العِرَاقِ مِنْ الصَّحَابَةِ الَّذِيْنَ كَانُوا مَعَ عَلِيِّ بنِ أبي طَالِبٍ، وأهْلَ الشَّامِ مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِيْنَ كَانُوا مَعَ مُعَاوِيَةَ بنِ أبي سُفْيَانَ بأنَّهُم مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، ومُتَعلِّقُوْنَ جَمِيْعًا بالحَقِّ، كَمَا شَهِدَ لَهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ - بِذَلِكَ (١).
«والكِتَابُ والسُّنَّةُ قَدْ دَلاَّ عَلَى أنَّ الطَّائِفَتَيْنِ مُسْلِمُوْنَ، وأنَّ تَرْكَ القِتَالِ كَانَ خَيْرًا مِنْ وُجُوْدِهِ، قَالَ تَعَالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ [الحجرات: ٩]، فَسَمَّاهُم مُؤْمِنِيْنَ إخْوَةً مَعَ وُجُودِ الاقتِتَالِ والبَغْي» (٢).
_________________
(١) وفي هذا رَدٌّ على طَائِفَتَيْنِ ضَالَّتَيْنِ: الخَوَارِجِ الَّذِيْنَ كَفَّرُوا الصَّحَابَةَ، والشِّيْعَةِ الَّذِيْنَ كَفَّرُوا مُعْظَمَ الصَّحَابَةِ ﵃!
(٢) انظُرْ «مِنْهَاجَ السُّنةِ» لابنِ تَيْمِيَّةَ (٤/ ٤٤٩ - ٤٥٠).
[ ١٠٥ ]