صِفِّيْنُ: مَوْضِعٌ بِقُرْبِ الرِّقَةِ على شَاطِئِ الفُرَاتِ مِنَ الجَانِبِ الغَرْبِي بَيْنَ الرِّقَةِ وبالِسَ.
وفِيْهِ كانَتْ مَوْقِعَةُ صِفِّيْنَ الَّتي دَارَتْ رَحَاها بَيْنَ أهْلِ العِرَاقِ مِنْ أصْحَابِ عَلِيٍّ ﵁، وبَيْنَ أهْلِ الشَّامِ مِنْ أصْحَابِ مُعَاوِيَةَ ﵁؛ في شَهْرِ صَفَرَ سَنَةَ (٣٧).
* * *
وذَلِكَ أنَّ عَلِيًّا ﵁ لمَّا فَرَغَ مِنْ وَقْعَةِ الجَمَلِ، ودَخَلَ البَصْرَةَ، وشَيَّعَ أُمَّ المُؤْمِنِيْنَ عَائِشَةَ ﵂ لمَّا أرَادَتِ الرُّجُوْعَ إلى مَكَّةَ، ثمَّ سَارَ مِنَ البَصْرَةِ إلى الكُوْفَةِ فَدَخَلَهَا، وكان في نِيَّتِهِ أنْ يَمْضِيَ لِيُرْغِمَ أهْلَ الشَّامِ على الدُّخُوْلِ في طَاعَتِهِ كَمَا كان في نِيَّةِ مُعَاوِيَةَ ألاَّ يُبَايِعَ حتَّى يُقَامَ الحَدُّ على قَتَلَةِ عُثْمَانَ ﵁، أو يُسَلَّمُوا إلَيْهِ
_________________
(١) انظر مَوْقِعَةَ صِفِّيْنَ «تَارِيْخَ خَلِيْفَةَ» (١٩١ - ١٩٧)، و«تَارِيخَ اليَعْقُوْبِي» (٢/ ١٨٤) و«تَارِيخَ الطَّبَرِيِّ» (٤/ ٥٦١)، و«البِدَايَةَ والنِّهايَةَ» لابنِ كَثِيْرٍ (٧/ ٢٥٣)، و«تَارِيخَ ابنِ خُلْدُوْنٍ» (٢/ ١٦٩) و«مُعْجَمَ البُلْدَانِ» للحَمَوِيِّ (٣/ ٤١٤ - ٤١٥)
[ ٦١ ]
ليَقْتُلَهُم، ولمَّا دَخَلَ عَلِيٌّ ﵁ الكُوْفَةَ شَرَعَ في مُرَاسَلَةِ مُعَاوِيَةَ ابنِ أبي سُفْيَانَ ﵄، فَقَدْ بَعَثَ إلَيْهِ جَرِيْرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ البَجَلِيَّ، ومَعَهُ كِتَابٌ أعْلَمَهُ فِيْهِ باجْتِمَاعِ المُهَاجِرِيْنَ والأنْصَارِ على بَيْعَتِهِ، ودَعَاهُ فِيْهِ إلى الدُّخُوْلِ فِيْمَا دَخَلَ فِيْهِ النَّاسُ، فَلَمَّا انْتَهَى إلَيْهِ جَرِيْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أعْطَاهُ الكِتَابَ فَطَلَبَ مُعَاوِيَةُ عَمْرَو بْنَ العَاصِ ورُؤُوْسَ أهْلِ الشَّامِ، فاسْتَشَارَهُم فأبَوْا أنْ يُبَايِعُوا حتَّى يَقْتُلَ قَتَلَةَ عُثْمَانَ، أو أنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِم قَتَلَةَ عُثْمَانَ ﵁ فَرَجَعَ جَرِيْرٌ إلى عَلِيٍّ فأخْبَرَهُ بِمَا قَالُوا.
«ومَكَثَ عَلِيٌّ يَوْمَيْنِ لا يُكَاتِبُ مُعَاوِيَةَ، ولا يُكَاتِبُهُ مُعَاوِيَةُ، ثمَّ دَعَا عَلِيٌّ بَشِيْرَ بْنَ عَمْرٍو الأنْصَارِيَّ وسَعِيْدَ بْنَ قَيْسٍ الهَمْدَانِيَّ، وشَبْثَ بنَ رِبْعِيٍّ التَّمِيْمِيَّ فَقَالَ لَهُم: ائْتُوا هذا الرَّجُلَ (مُعَاوِيَةَ) فادْعُوْهُ إلى الطَّاعَةِ والجَمَاعَةِ، واسْمَعُوا ما يَقُوْلُ لَكُم: فَلَمَّا دَخَلُوا على مُعَاوِيَةَ جَرَى بَيْنَهُ وبَيْنَهُم حِوَارٌ لَمْ يُوصِلْهُم إلى نَتِيجَةٍ فَمَا كان مِنْ مُعَاوِيَةَ إلاَّ أنْ أخْبَرَهُم أنَّهُ مُصَمِّمٌ على القِيَامِ بِطَلَبِ دَمِ عُثْمَانَ الَّذِي قُتِلَ مَظْلُومًا» (١).
_________________
(١) انظر «تَارِيْخ الأُمَمِ والمُلُوْكِ» لابنِ جَرِيْرٍ الطَّبَرِيِّ (٤/ ٥٧٣)، و«الكَامِلَ» لابنِ الأثِيْرِ (٣/ ٢٨٥ - ٢٨٦)، و«البِدَايَةَ والنِّهايَةَ» لابنِ كَثِيْرٍ (٧/ ٢٨٠).
[ ٦٢ ]
ولمَّا رَجَعَ أُوْلَئِكَ النَّفَرُ إلى عَلِيٍّ ﵁، وأخْبَرُوهُ بِجَوَابِ مُعَاوِيَةَ ﵁ لَهُم، وأنَّهُ لَنْ يُبَايِعَ حَتَّى يَقْتُلَ القَتَلَةَ، أو يُسْلِمَهُم، عِنْدَ ذَلِكَ نَشَبَتِ الحَرْبُ بَيْنَ الفَرِيْقَيْنِ
فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَ أهْلُ الشَّامِ المَصَاحِفَ فَوْقَ الرِّمَاحِ، وقالُوا: هذا بَيْنَنَا وبَيْنَكُمْ، قَدْ فَنَى النَّاسُ فَمَنْ لِثُغُورِ أهْلِ الشَّامِ بَعْدَ أهْلِ الشَّامِ؟ ومَنْ لِثُغُوْرِ العِرَاقِ بَعْدَ أهْلِ العِرَاقِ؟ فَلَمَّا رَأَىَ النَّاسُ المَصَاحِفَ قَدْ رُفِعَتْ قالُوا: نُجِيْبُ إلى كِتَابِ اللهِ ﷿، ونُنِيْبُ إلَيْهِ» (١)، ولمَّا رُفِعَتِ المَصَاحِفُ فَوْقَ الرِّمَاحِ تَوَقَّفَتِ الحَرْبُ فَتَمَّ الاتِّفَاقُ بَيْنَ الفَرِيْقَيْنِ على التَّحْكِيْمِ بَعْدَ انتِهَاءِ مَوْقِعَةِ صِفِّيْنَ، وهو أنْ يُحَكِّمَ كُلُّ واحِدٍ مِنْهُمَا رَجُلًا مِنْ جِهَتِهِ، ثمَّ يَتَّفِقَ الحَكَمَانِ على مَا فِيْهِ مَصْلَحَةُ المُسْلِمِيْنَ، فَوَكَّلَ مُعَاوِيَةُ عَمْرَو بنَ العَاصِ، ووكَّلَ عَلِيٌّ أبا مُوْسَى الأشْعَرِيَّ ﵃ جَمِيْعًا، ثمَّ أخَذَ الحَكَمَانِ مِنْ عَلِيٍّ ومُعَاوِيَةَ ومِنَ الجُنْدَيْنِ العُهُوْدَ والمَوَاثِيْقَ أنَّهُمَا آمِنَانِ على أنْفُسِهِمَا وأهْلِهِمَا، والأمَّةُ لَهُمَا أنْصَارٌ على الَّذِي يَتَقَاضَيَانِ عَلَيْهِ، وعلى المُؤْمِنِيْنِ والمُسْلِمِيْنَ مِنَ الطَائِفَتَيْنِ كِلَيْهِمَا عَهْدُ اللهِ، ومِيْثَاقُهُ
_________________
(١) انظر «تَارِيْخَ الأُمَمِ والمُلُوْكِ» لابنِ جَرِيْرٍ الطَّبَرِيِّ (٤/ ٥٧٤ - ٥٧٥)، و«الكَامِلَ» لابنِ الأثِيْرِ (٣/ ٢٨٦ - ٢٨٧)، و«البِدَايَةَ والنِّهايَةَ» لابنِ كَثِيْرٍ (٧/ ٢٨٠ - ٢٨١)
[ ٦٣ ]
أنَّهُمَا على ما في ذَلِكَ الكِتَابِ، وأجَّلا القَضَاءَ إلى رَمَضَانَ، وإنْ أحَبَّا أنْ يُؤَخِّرَا ذَلِكَ فَعَلى تَرَاضٍ مِنْهُمَا (١).
فَلَمَّا اجْتَمَعَ الحَكَمَانِ وتَرَاوَضَا على المَصْلَحَةِ لِلمُسْلِمِيْنَ، ونَظَرَا في تَقْدِيْرِ الأمُوْرِ، ثمَّ اتَّفَقَا على أنْ يَكُوْنَ الفَصْلُ في مَوْضُوْعِ النِّزَاعِ بَيْنَ عَلِيٍّ ومُعَاوِيَةَ يَكُوْنُ لأعْيَانِ الصَّحَابَةِ الَّذِيْنَ تَوَفَّى رَسُوْلُ اللهِ - ﷺ - وَهو رَاضٍ عَنْهُم، هَذا ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ الحَكَمَانِ فِيْمَا بَيْنَهُمَا لا شَيْءَ سِوَاهُ (٢)!
* * *
قَالَ ابنُ كَثِيْرٍ: «والحَكَمَانِ كانَا مِنْ خَيَارِ الصَّحَابَةِ، وهُمَا: عَمْرُو بنُ العَاصِ السَّهْمِيُّ (مِنْ جِهَةِ أهْلِ الشَّامِ)، والثَّاني: أبُوْ مُوْسَى عَبْدُ اللهِ بْنُ قَيْسٍ الأشْعَرِيُّ (مِنْ جِهَةِ أهْلِ العِرَاقِ) وإنَّمَا نُصِّبَا لِيُصْلِحَا بَيْنَ النَّاسِ، ويَتَّفِقَا على أمْرٍ فِيْهِ رِفْقٌ بالمُسْلِمِيْنَ، وحَقْنٌ لِدِمَائِهِم وكَذَلِكَ وَقَعَ» (٣).
_________________
(١) انظر «تَارِيْخَ الأُمَمِ والمُلُوْكِ» لابنِ جَرِيْرٍ الطَّبَرِيِّ (٥/ ٤٨ - ٤٩)، و«الكَامِلَ» لابنِ الأثِيْرِ (٣/ ٣١٦ - ٣١٨)، و«البِدَايَةَ والنِّهايَةَ» لابنِ كَثِيْرٍ (٧/ ٢٩٨ - ٢٩٩)
(٢) «البِدَايَةُ والنِّهايَةُ» لابنِ كَثِيْرٍ (٧/ ٣٠٢ - ٣٠٩)، و«الأُمَمُ والمُلُوْكُ» للطَّبَريِّ (٥/ ٦٧)، و«الكَامِلُ» لابنِ الأثِيْرِ (٣/ ٣٢٩).
(٣) انْظُرْ «البِدَايَةَ والنِّهايَةَ» لابنِ كَثِيْرٍ (٦/ ٢٤٥).
[ ٦٤ ]
وإذَا كَانَ قَرَارُهُمَا الَّذي اتَّفَقَا عَلَيْهِ لم يَتِمَّ فَمَا في ذَلِكَ تَقْصِيْرٌ مِنْهُمَا؛ لأنَّهُمَا قَدْ قَامَا بِمُهِمَّتِهِمَا بِحَسَبِ ما أدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُمَا واقْتِنَاعُهُمَا، ولَوْ لم تُكَلِّفْهُمَا الطَّائِفَتَانِ مَعًا بأدَاءِ هذه المُهِمَّةِ لمَا تَعَرَّضَا لَهَا ولا أبْدَيا رَأيًا فِيْهَا، فَرَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وعَنْ بَقِيَّةَ الصَّحَابَةِ أجْمَعِيْنَ!
[ ٦٥ ]