تأليف: الإمام العلامة الشهير الأمير
محمد بن إسماعيل اليمني الصنعاني
بسم الله الرحمن الرحيم
[قال الإمام العلامة الحَبر الفهَّامة الشيخ محمد بن إسماعيل الصنعاني رحمه الله تعالى] ١.
الحمد لله الذي لا يقبل توحيد ربوبيته من العباد حتى يُفردوه بتوحيد العبادة كلَّ الإفراد، فلا يتَّخذون له ندًّا، ولا يَدْعون معه أحدًا، ولا يتَّكلون إلاَّ عليه، ولا يَفزعون في كلِّ حال إلاَّ إليه، ولا يَدعونه بغير أسمائه الحسنى، ولا يتوصَّلون إليه بالشفعاء: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾؟
وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك٢ له ربًّا ومعبودًا، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، الذي أمره أن يقول: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾، وكفى بالله شهيدًا، صلى الله عليه وعلى آله٣ والتابعين له في السلامة من العيوب وتطهير القلوب، عن اعتقاد كلِّ شين يشوب٤.
_________________
(١) ١ ما بين القوسين من خ. ٢ لفظ: (وحده لا شريك له) من خ. ٣ لم يذكر هنا الصلاة على الصحابة مع الصلاة على النبيِّ ﷺ والآل، فلعلَّ المراد بآله أهل دينه، فيدخل أهل بيته وأصحابه وغيرهم، وقد ختم الكتاب بالصلاة على النَّبيِّ ﷺ والآل والأصحاب. ٤ اشتملت خطبة الكتاب على عبارات تدلُّ على موضوع الكتاب، وهو إفراد الله بالعبادة والتحذير من فتنة القبور والمغالاة في أهلها ودعائهم وسؤالهم قضاء الحاجات وكشف الكربات، وغير ذلك مِمَّا لا يُطلب إلاَّ من الله، ويُسمَّى اشتمال الخُطب في الكتب أو غيرها على موضوعات الكتب وغيرها براعة الاستهلال.
[ ٤٧ ]
وبعد:
فهذا (تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد) وجب عليَّ تأليفه، وتعيَّن عليَّ ترصيفه؛ لِمَا رأيته وعلمته يقينًا١ من اتخاذ العباد الأنداد في الأمصار والقرى وجميع البلاد، من اليمن والشام ومصر ونجد وتهامة وجميع ديار الإسلام.
وهو الاعتقاد في القبور وفي الأحياء مِمَّن يدَّعي العلم بالمغيَّبات والمكاشفات، وهو من أهل الفجور، لا يَحضر للمسلمين مسجدًا، ولا يُرَى لله راكعًا ولا ساجدًا، ولا يَعرف السنَّةَ ولا الكتاب، ولا يَهاب البعثَ ولا الحساب.
فوجب عليَّ أن أنكر ما أوجب الله إنكارَه، ولا أكون من الذين يكتمون ما أوجب الله إظهاره٢.
فاعلم أنَّ ههنا أصولًا هي من قواعد الدِّين، ومِن أهم ما تجب معرفته على الموحِّدين:
_________________
(١) ١ لفظ: (يقينا) من خ. ٢ هذا من المؤلِّف بيان سبب تأليفه الكتاب، و"نجد" فيه المراد بها الأماكن المرتفعة، وهو ما يُقابل "تهامة"، وهي الأماكن المنخفضة.
[ ٤٨ ]
الأصل الأول
أنَّه قد عُلم من ضرورة الدِّين أنَّ كلَّ ما في القرآن فهو حقٌّ لا باطل، وصِدْقٌ لا كذب، وهدى لا ضلالة، وعلمٌ لا جهالة، ويقين لا شك فيه.
فهذا الأصل أصلٌ لا يتمُّ إسلامُ أحد ولا إيمانه إلاَّ بالإقرار به، وهذا مُجمعٌ عليه لا خلاف فيه١.
الأصل الثاني
أنَّ رسلَ الله وأنبياءه - من أوِّلهم إلى آخرهم - بُعثوا لدعاء العباد إلى توحيد الله بتوحيد العبادة، فكلُّ رسول أوَّل ما يَقرَع به أسماعَ قومِه قوله: ﴿اقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، ﴿أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ﴾، ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾، وهذا هو الذي تضمَّنه قول (لا إله إلاَّ الله) .
فإنَّما دَعَت الرسلُ أمَمَها إلى قول هذه الكلمة واعتقاد معناها، لا مجرَّد قولها باللسان، ومعناها: هو إفراد الله بالإلهية والعبادة، والنفي لِما يُعبد من دونه والبراءة منه، وهذا الأصل لا مرية فيما تضمَّنه، ولا شكَّ فيه، وفي أنَّه لا يتم إيمانُ أحد حتى يعلمه ويحققه٢.
_________________
(١) ١ وكذلك يجب التصديق والعمل بما ثبتت به السنَّة عن رسول الله ﷺ؛ لأنَّها وحيٌ من الله، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾، ولدخول السنة في قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ٢ وقد تقدَّم في الفصل الثالث من المقدمة ذكر ما جاء عن الرسل من الآيات في ذلك إجمالًا وتفصيلًا، وذكر ما أجابتهم به أممهم من الآيات إجمالًا وتفصيلًا.
[ ٤٩ ]
الأصل الثالث
أنَّ التوحيد قسمان:
القسم الأول:
توحيد الربوبية والخالقية والرَّازقية ونحوها، ومعناه: أنَّ الله وحده هو الخالق للعالَم، وهو الرَّبُّ لهم والرازق لهم، وهذا لا ينكره المشركون ولا يجعلون لله فيه شريكًا، بل هم مُقرُّون به، كما سيأتي في الأصل الرابع.
والقسم الثاني:
توحيد العبادة، ومعناه: إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادات الآتي بيانها، فهذا هو الذي جعلوا لله فيه شركاء، ولفظ الشريك يُشعر بالإقرار بالله تعالى.
فالرسل ﵈ بُعثوا لتقرير الأول ودعاء المشركين إلى الثاني، مثل قولهم في خطاب المشركين: [١٤: ١٠] ١ ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾، [٣٥: ٣] ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾، ونهيهم عن شرك العبادة، ولذا قال الله تعالى: [١٦: ٣٦] ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، أي: قائلين لأمَمهم أنِ اعبدوا الله، فأفاد بقوله: ﴿فِي كُلِّ أُمَّةٍ﴾ أنَّ جميع الأمم لم تُرسل إليهم الرسل وتُبعث٢ إلاَّ لطلب توحيد العبادة، لا للتعريف بأنَّ الله هو الخالق للعالَم، وأنَّه ربُّ السموات والأرض، فإنَّهم مقرُّون بهذا.
_________________
(١) ١ الرقم الأول رقم السورة، والثاني الآية في السورة (إسماعيل) . ٢ لفظ: (وتبعث) من خ.
[ ٥٠ ]
ولهذا لم ترد الآيات فيه - في الغالب - إلاَّ بصيغة استفهام التقرير، نحو: [٣٥: ٣] ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾؟ [١٦: ٧] ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾؟ [١٤: ١٠] ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾؟ [٦: ١٤] ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾؟ [٣١: ١١] ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾؟ [٤٦: ٤] ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾؟ استفهام تقرير لهم لأنهم به مقرُّون.
وبهذا تعرف أنَّ المشركين لم يتخذوا الأصنام والأوثان١ ولم يعبدوها، ولم يتخذوا المسيح وأمَّه، ولم يتخذوا الملائكة شركاءَ لله تعالى، لأجل أنَّهم أشركوهم في خلق السموات والأرض، وفي خلق أنفسهم؛ بل اتخذوهم لأنَّهم يقرِّبونهم٢ إلى الله زلفى، كما قالوه، فهم مقرُّون بالله في نفس كلمات كفرهم، وأنَّهم شفعاء عند الله، قال الله تعالى: [١٠: ١٨] ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، فجعل الله تعالى اتِّخاذهم للشفعاء شركًا، ونزَّه نفسَه عنه؛ لأنَّه لا يشفع عنده أحدٌ إلاَّ بإذنه، فكيف يُثبتون شفعاءَ لهم لَم يأذن الله لهم في شفاعة، ولا هم أهل لها، ولا يغنون عنهم من الله شيئا؟! ٣
_________________
(١) ١ الصنم: ما كان منحوتًا على صورة، والوثن ما كان موضوعًا على غير ذلك، وقد يُسمَّى الصنم وثنًا (إسماعيل) . ٢ أي: يزعمون أنَّهم يقرِّبونهم (إسماعيل) . ٣ وقد تقدَّم في الفصل الثاني من المقدمة بيان أقسام التوحيد بالاستقراء لنصوص الكتاب والسنة، وأنَّ توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية، والمعنى أنَّ مَن أقرَّ بالربوبية يلزمه أن يقرَّ بالألوهية، وأنَّ توحيد الألوهية متضمِّنٌ لتوحيد الربوبية، والمعنى أنَّ من عَبَد اللهَ وحده فهو مقرٌّ بأنَّ الله هو الخالق وحده المحيي المميت وحده.
[ ٥١ ]
الأصل الرابع
أنَّ المشركين الذين بعث اللهُ الرسلَ إليهم مقرُّون أنَّ الله خالقُهم [٤٣: ٨٧] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، وأنَّه هو الذي خلق السموات والأرض [٤٣: ٩] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾، وأنَّه الرزَّاق الذي يُخرج الحيَّ من الميِّت ويُخرج الميِّتَ من الحي، وأنَّه الذي يُدبِّرُ الأمرَ من السماء إلى الأرض، وأنَّه الذي يَملك السمعَ والأبصار والأفئدة، [١٠: ٣١] ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾، [٢٣: ٨٤ - ٨٩] ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾؟ ١
وهذا فرعونُ مع غلُوِّه في كفره ودعواه أقبح دعوى ونطقه بالكلمة الشنعاء، يقول الله في حقِّه حاكيًا عن موسى ﵇: [١٧: ١٠٢] ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾، وقال إبليس: [٥٩: ١٦] ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، وقال: [١٧: ٣٩] ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾، وقال: [١٥: ٣٦] ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي﴾، وكلُّ مشرك مُقر بأنَّ الله خالقُه وخالق السموات والأرض وربُّهن٢ وربُّ ما فيهنَّ
_________________
(١) ١ فكيف تذهب عقولكم في عبادتكم غيره مع اعترافكم وعلمكم بذلك (إسماعيل) . ٢ لفظ: (هنَّ) في كلمة (ربهنَّ)، وفي كلمة (فيهنَّ) من خ، وعبارة المطبوعة (وربهما ورب ما فيهما) (إسماعيل) .
[ ٥٢ ]
ورازقُهم، ولهذا احتجَّ عليهم الرسل بقولهم: [١٦: ١٧] ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾، وبقولهم: [٢٢: ٧٢] ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾، والمشركون مقرُّون بذلك ولا ينكرونه.
الأصل الخامس
أنَّ العبادة أقصى باب الخضوع والتذلل، ولم تُستعمل إلاَّ في الخضوع لله؛ لأنَّه مُولي أعظم النِّعم، وكان لذلك حقيقًا بأقصى غاية الخضوع، كما في (الكشاف) ١.
ثمَّ إنَّ رأسَ العبادة وأساسَها التوحيدُ لله الذي تفيده كلمته التي إليها دعت جميع الرسل، وهي قول (لا إله إلاَّ الله)، والمراد اعتقاد معناها والعمل بمقتضاها، لا مجرَّد قولها باللسان.
ومعناها: إفراد الله بالعبادة والإلهية، والنفي والبراءة من كلِّ معبود دونه، وقد علم الكفار هذا المعنى؛ لأنَّهم أهلُ اللسان العربي، فقالوا: [٥: ٣٨] ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾
_________________
(١) ١ في تفسير الآية الكريمة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (إسماعيل) .
[ ٥٣ ]
فصل
إذا عرفتَ هذه الأصول فاعلم أنَّ الله تعالى جعل العبادة له أنواعًا:
اعتقادية: وهي أساسُها، وذلك أن يعتقد أنَّه الربُّ الواحد الأحدُ الذي له الخلق والأمر، وبيده النفع والضر، وأنَّه الذي لا شريك له، ولا يشفع عنده أحد إلاَّ بإذنه، وأنَّه لا معبود بحق غيره، وغير ذلك من لوازم الإلَهية.
ومنها لفظية: وهي النطق بكلمة التوحيد، فمَن اعتقد ما ذكر ولَم ينطق بها لم يحقن دمه ولا ماله، وكان كإبليس، فإنَّه يعتقد التوحيدَ، بل ويُقرُّ به كما أسلفناه عنه، إلاَّ أنَّه لم يَمتثل أمرَ الله بالسجود١ فكفر، ومَن نطق بها٢ ولَم يعتقد حقن ماله ودمه وحسابه على الله، وحكمُه حكم المنافقين.
وبدنية: كالقيام والركوع والسجود في الصلاة، ومنها الصوم وأفعال الحج والطواف.
ومالية: كإخراج جزء من المال امتثالًا لِمَا أمر الله تعالى به، وأنواع الواجبات والمندوبات في الأموال والأبدان والأفعال والأقوال كثيرة، لكن هذه أمهاتها.
وإذا تقرَّرت هذه الأمور، فاعلم أنَّ الله تعالى بعث الأنبياءَ عليهم الصلاة والسلام مِن أولهم إلى آخرهم يَدعون العبادَ إلى إفراد الله تعالى بالعبادة، لاَ إلى إثبات أنَّه خَلَقَهم ونحوه، إذ هم مقرُّون بذلك، كما
_________________
(١) ١ لفظ: (بالسجود) من خ. ٢ لفظ: (بها) من خ.
[ ٥٤ ]
قرَّرناه وكرَّرناه، ولذا قالوا [٧: ٦٩] ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾، أي: لنفردَه بالعبادة ونخصَّه بها من دون آلهتنا، فلم ينكروا إلاَّ طلب الرسل منهم إفراد العبادة لله، ولم ينكروا الله تعالى، ولا قالوا إنَّه لا يُعبد، بل أقرُّوا بأنَّه يُعبد، وأنكروا كونه يُفردُ بالعبادة، فعبدوا مع الله غيره، وأشركوا معه سواه، واتخذوا معه أندادًا، كما قال تعالى: [٢: ٢٢] ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، أي: وأنتم تعلمون أنَّه لا ندَّ له، وكانوا يقولون في تلبيتهم للحج: "لبيك لا شريك لك إلاَّ شريكًا هو لك، تملكه وما ملك"، وكان يَسمعهم النبيُّ ﷺ عند قولهم "لا شريك لك" فيقول: "قد قد"١ أي٢: أفردوه ﷻ لو تركوا قولهم: "إلاَّ شريكا هو لك"، فنفس شركهم بالله تعالى إقرار به تعالى.
كما قال تعالى: [٦: ٢٢] ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، [٧: ١٩٥] ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾، فنفسُ اتخاذ الشركاء إقرارٌ بالله تعالى، ولم يعبدوا الأندادَ بالخضوع لهم والتقرب بالنذور والنَّحر لهم؛ إلاَّ لاعتقادهم أنَّها تقرِّبهم إلى الله زلفى وتشفع لهم لديه٣.
فأرسل اللهُ الرسلَ تأمرهم٤ بترك عبادة كلِّ ما سواه، وتبيِّنُ أنَّ هذا الاعتقاد الذي يعتقدونه في الأنداد باطلٌ، وأنَّ التقرب إليهم باطل، وأنَّ
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم (١١٨٥) . (قد) الثانية، ولفظ (أي) من خ، وقد حصل خلل في المطبوعة بسقوطهما (إسماعيل) . ٣ إشارة إلى قوله تعالى في سورة يونس: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، وقوله في سورة الزمر: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٤ لفظ: (هم) في (تأمرهم) من خ.
[ ٥٥ ]
ذلك لا يكون إلاَّ لله وحده، وهذا هو توحيد العبادة، وقد كانوا مقرِّين
ـ كما عرفتَ في الأصل الرابع - بتوحيد الربوبية، وهو أنَّ الله هو الخالق وحده والرازق وحده.
ومِن هذا تعرف أنَّ التوحيد الذي دعتهم إليه الرسلُ مِن أولهم وهو نوح عليه السلام١، إلى آخرهم وهو محمد بن عبد الله (٢) ﷺ، هو توحيد العبادة، ولذا تقول لهم الرسل: ﴿أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ﴾، ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾
وقد كان المشركون منهم مَن يعبدُ الملائكةَ ويناديهم عند الشدائد، ومنهم مَن يعبد أحجارًا ويهتف بها عند الشدائد، وهي في الأصل صوَرُ رجال صالحين كانوا يُحبُّونهم ويعتقدون فيهم، فلمَّا هلكوا صوَّروا صوَرَهم تسليًّا بها، فلمَّا طال عليهم الأمَد عبدوهم، ثم زاد الأمد طولًا فعبدوا الأحجار، ومنهم مَن يعبد المسيح، ومنهم من يعبد الكواكبَ، ويهتف بها عند الشدائد، فبعث اللهُ محمدًا ﷺ يدعوهم إلى عبادة الله٥٦
_________________
(١) ١ قال الله ﷿: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾، وفي حديث الشفاعة يقول أهل الموقف: "يا نوح، أنت أوَّل رسول إلى أهل الأرض، وسمَّاك الله عبدًا شكورًا" رواه البخاري (٣٣٤٠)، وقد قال الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، فعموم هذه الآية يدلُّ على أنَّ من قبل نوح أُرسل فيهم رسل، وأوَّلهم آدم، ويُجمع بين ذلك بأنَّ الناس قبل نوح كانوا على الفطرة، وما جاءت به الرسلُ مطابق للفطرة، وأمَّا نوح فقد أُرسل بعد أن وُجد الشرك وخرج الناس عن الفطرة، فتكون أوَّليته بهذا الاعتبار، وانظر أضواء البيان لشيخنا الشيخ محمد الأمين الشنيقطي، عند قول الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ . ٢ قوله: (ابن عبد الله) من خ.
[ ٥٦ ]
وحده، بأن يُفردوه بالعبادة كما أفردوه بالربوبية، بربوبيته للسَّموات والأرض، وأن يفردوه بمعنى ومُؤدى كلمة (لا إله إلاَّ الله)، معتقدين لمعناها، عاملين بمقتضاها، وأن لا يدعوا مع الله أحدًا، وقال تعالى: [١٣: ١٤] ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾
وقال تعالى: [٥: ٢٢] ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، أي: من شرط الصدق في الإيمان بالله أن لا يتوكلوا إلاَّ عليه، وأن يُفردوه بالتوكُّلِ كما يَجب أن يُفردوه بالدعاء والاستغفار، وأمر الله عبادَه أن يقولوا ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، ولا يَصْدُق قائلُ هذا إلاَّ إذا أفرد العبادة لله تعالى، وإلاَّ كان كاذبًا مَنهيًّا عن أن يقولَ هذه الكلمة١؛ إذ معناها: نخصُّك بالعبادة ونفردُك بها دون كلِّ أحد، وهو معنى قوله: [٢٩: ٥٦] ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾، [٢: ٤١] ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾؛ لما٢ عُرف مِن علم البيان أنَّ تقديم ما حقُّه التأخير يفيد الحصر، أي: لا تعبدوا إلاَّ الله ولا تعبدوا غيرَه، ولا تتَّقوا إلاَّ الله ولا تتقوا٣ غيرَه، كما في (الكشاف) .
فإفرادُ الله تعالى بتوحيد العبادة لا يتِمُّ إلاَّ بأن يكونَ الدعاءُ كلُّه له، والنداءُ في الشدائد والرخاء لا يكون إلاَّ لله وحده، والاستغاثة والاستعانةُ بالله وحده، واللّجوء إلى الله والنذر والنحر له تعالى، وجميع أنواع العبادات من الخضوع والقيام تذلُّلًا لله تعالى، والركوع والسجود والطواف والتجرد عن الثياب والحلق والتقصير كلُّه لا يكون إلاَّ لله ﷿.
_________________
(١) ١ تعبير المصنف بهذا فيه نظر؛ لأنَّه لا يُنهى عن قوله هذه الكلمة، وإنَّما يُنهى أن يضاف إليها عبادة غير الله معه. (لما) باللام هو لفظ خ، ووقع في المطبوعة (كما) بالكاف (إسماعيل) . ٣ قوله: (إلاَّ الله ولا تتقوا) من خ.
[ ٥٧ ]
ومَن فعل شيئًا مِن ذلك لمخلوق حيٍّ أو ميت أو جماد أو غيره، فقد أشرك في العبادة، وصار مَن تُفعل له هذه الأمور إلَهًا لعابديه، سواءٌ كان مَلَكًا أو نبيًّا أو وليًّا أو شجرًا أو قبرًا أو جنيًّا أو حيًّا أو ميتًا، وصار العابدُ بهذه العبادة أو بأيِّ نوع منها عابدًا لذلك المخلوق مشركًا بالله، وإن أقَرَّ بالله وعَبَدَه، فإنَّ إقرارَ المشركين بالله وتقرُّبَهم إليه لَم يُخرجهم عن الشركِ، وعن وجوب سَفك دمائِهم وسبي ذراريهم وأخذ أموالهم غنيمة، فالله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك، لا يقبل عملًا شورك فيه غيرُه، ولا يؤمن به مَن عَبَدَ معه غيرَه.
فصل
إذا تقرَّر عندك أنَّ المشركين لَم ينفعهم الإقرارُ بالله مع إشراكهم في العبادة، ولا يغني عنهم مِن الله شيئًا، وأنَّ عبادتَهم هي اعتقادُهم فيهم أنَّهم يَضرُّون وينفعون، وأنَّهم يقرِّبُونهم إلى الله زلفى، وأنَّهم يَشفعون لهم عند الله تعالى، فنَحَروا لهم النَّحائِر، وطافُوا بهم ونذروا النذور عليهم، وقاموا متذلِّلين متواضعين في خدمتهم وسجدوا لهم، ومع هذا كلِّه فهم مقرُّون لله بالربوبية وأنَّه الخالقُ، ولكنَّهم لَمَّا أشركوا في عبادته، جعلهم مشركين ولَم يَعْتَد بإقرارهم هذا؛ لأنَّه نافاه فعلُهم، فلم ينفعهم الإقرارُ بتوحيد الربوبية، فمِن شأن مَن أقرَّ لله تعالى بتوحيد الربوبية أن يُفردَه بتوحيد العبادة، فإذا لَم يفعل ذلك فالإقرارُ باطل.
وقد عرفوا ذلك وهم في طبقات النار فقالوا: [٢٦: ٩٧، ٩٨] ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، مع أنَّهم لم يُسَوُّوهم به من كلِّ وجه، ولا جعلوهم خالقين ولا رازقين، لكنَّهم علموا وهم في قَعْرِ جهنَّم أنَّ خلطَهم الإقرار بذرَّة من ذرَّات الإشراك في توحيد العبادة
[ ٥٨ ]
صيَّرهم كمَن سَوَّى بين الأصنام وبين رب الأنام.
قال الله تعالى: [١٢: ١٠٦] ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ أي: ما يُقرُّ أكثرُهم في إقراره بالله وبأنَّه خلَقَهم وخلَق السموات والأرض إلاَّ وهو مشركٌ بعبادة الأوثان.
بل سمَّى الله الرياء في الطاعات شركًا، مع أنَّ فاعلَ الطاعة ما قصد بها إلاَّ الله تعالى، وإنَّما أراد طلب المنزلة بالطاعة في قلوب الناس، فالمرائي عَبَدَ اللهَ لا غيرَه، لكنَّه خَلَطَ عبادتَه بطلب المنزلة في قلوب الناس، فلم يقبل له عبادة وسمَّاها شركًا، كما أخرج مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "يقول الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، مَن عَملَ عملًا أشركَ فيه معي غيري تركتُه وشركَه" ١، بل سمَّى الله التسميةَ بعبد الحارث شركًا، كما قال تعالى: [٧: ١٥٩] ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، فإنَّه أخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث سَمرة: أنَّ النبي ﷺ قال: " لَمَّا حملت حواء - وكان لا يعيش لها ولد - طاف بها إبليس، وقال: لا يعيش لك ولد حتى تسمِّيه عبد الحارث، فسمَّته فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره، فأنزل الله الآيات٢، وسمَّى هذه التسمية شركًا، وكان إبليس تسمى بالحارث"، والقصة في الدر المنثور وغيره٣.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (٢٩٨٥) . ٢ وهي قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ إلخ، (الأعراف - ١٦٠) (إسماعيل) . ٣ جزم ابن القيم في روضة المحبِّين (ص:٢٨٩) طبعة مطبعة السعادة بمصر، بأنَّ المراد باللذين جعلاَ له شركاء فيما آتاهما المشركون من أولاد آدم وحواء، قال: ولا يُلتفت إلى غير ذلك مِمَّا قيل أنَّ آدم وحواء كان لا يعيش لهما ولد، فأتاهما إبليس فقال: إن أحببتما أن يعيش لكما ولد فسمياه عبد الحارث، ففعلاَ، فإنَّ الله سبحانه اجتباه وهداه فلم يكن ليشرك به بعد ذلك، وقد سلك هذا المسلك الحافظ ابن كثير في تفسيره، وأطال الكلام في تعليل الروايات الواردة في أنَّ المراد بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ آدم وحواء. (إسماعيل)، وانظر: السلسلة الضعيفة (٣٤٢) . والقول الآخر أنَّ ضمائر التثنية تعود إلى آدم وحواء، وأنَّ ما حصل منهما في التسمية فقط، لا في الطاعة والعبادة، وهو اختيار ابن جرير، قال في تفسيره (١٣/٣١٥ - تحقيق محمود شاكر): "وأولى القولين بالصواب قول من قال: عنى بقوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ في الاسم لا في العبادة، وأنَّ المعنيَّ بذلك آدم وحواء؛ لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك"، وذكره الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مسائل كتاب التوحيد في باب قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ .
[ ٥٩ ]
فصل
قد عرفتَ مِن هذا كلِّه أنَّ مَن اعتقد في شجر أو حجر أو قبر أو مَلَكٍ أو جنيٍّ أو حيٍّ أو ميت أنَّه ينفع أو يضر، أو أنَّه يقرِّب إلى الله، أو يشفع عنده في حاجة من حوائج الدنيا بمجرد التشفع به والتوسل به إلى الرب تعالى، إلاَّ ما ورد في حديث فيه مقال في حقِّ نبيِّنا محمد ﷺ (١)
_________________
(١) ١ هو على كلِّ تقدير من قبيل التوسل بالدعاء كما بيَّنه شيخ الإسلام ابن تيمية في قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، قال: "حديث الأعمى الذي رواه الترمذي والنسائي هو من القسم الثاني - من التوسل بدعائه - فإنَّ الأعمى قد طلب من النَّبيِّ ﷺ أن يدعو له بأن يردَّ الله عليه بصره، فقال له: إن شئت صبرت وإن شئت دعوت لك، فقال: بل ادعه، فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين، ويقول: اللهم إنِّي أسألك بنبيِّك نبيِّ الرحمة، يا محمد! يا رسول الله! إنِّي أتوجَّه بك إلى ربِّي في حاجتي هذه ليقضيها، اللهمَّ فشفعه فيَّ)، فهذا التوسل بدعاء النبيِّ ﷺ وشفاعته، ودعا له النَّبيُّ ﷺ ولهذا قال: (فشفعه في)، فسأل الله أن يقبل شفاعة رسوله فيه، وهو دعاؤه" (إسماعيل) .
[ ٦٠ ]
أو نحو ذلك، فإنَّه قد أشرك مع الله غيره١، واعتقد ما لا يَحلُّ اعتقادُه، كما اعتقده المشركون في الأوثان، فضلًا عمَّن ينذر بماله وولده لميِّت أو حي، أو يطلبُ من ذلك الميت ما لا يُطلب إلاَّ من الله تعالى من الحاجات، من عافية مريضِه أو قدوم غائبه أو نيله لأيِّ مطلب من المطالب، فإنَّ هذا هو الشرك بعينه الذي كان ويكون عليه عُبَّادُ الأصنام.
والنَّذرُ بالمال للميت ونحوه، والنَّحر على القبر والتوسل به وطلب الحاجات منه، هو بعينه الذي كانت تفعله الجاهلية، وإنَّما كانوا يفعلونه لِمَا يسمُّونه وثنًا وصنمًا، وفعله القبوريون لِمَا يسمُّونه وليًّا وقبرًا ومَشهدًا، والأسماء لا أثر لها ولا تغيِّر المعاني ضرورة لغوية وعقلية وشرعية، فإنَّ مَن شرب الخمرَ وسمَّاها ماء، ما شربَ إلاَّ خَمرًا، وعقابُه عقابُ شارب الخمر، ولعلَّه يزيد عقابه للتدليس والكذب في التسمية.
وقد ثبت في الأحاديث أنَّه يأتي قومٌ يشربون الخمرَ يسمُّونها بغير اسمها٢، وصدق ﷺ، فإنَّه قد أتى طوائفُ من الفَسَقَة يشربون الخمر ويسمونها نبيذًا.
_________________
(١) ١ التوسل الذي هو شرك أن يجعل المتوسل به واسطةً بينه وبين الله، يدعوه ويطلب منه الشفاعة، أمَّا إذا سأل الله بجاه فلان مثلًا، فإنَّه بدعة وليس بشرك، وإذا توسَّل إلى الله ﷿ بدعاء الداعي فإنَّه سائغ؛ لثبوت ذلك عن عمر في صحيح البخاري (١٠١٠) قال: "اللَّهمَّ إنَّا كنَّا نتوسَّل إليك بنبيِّنا فتسقينا، وإنَّا نتوسَّل إليك بعمِّ نبيِّنا فاسقنا"، وقد توسَّلوا بدعاء النبيِّ ﷺ في حياته، ولم يطلبوا منه دعاء بعد موته، بل طلبوا من العباس أن يدعو، وتوسَّلوا بدعائه، ويدلُّ له أيضًا توسُّل الأعمى بدعاء رسول الله ﷺ له أن يردَّ إليه بصره، وهو حديث صحيح، أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة والطبراني والحاكم، انظر: التعليق على المسند (١٧٢٤٠)، وكتاب التوسل للألباني (ص:٦٧) . ٢ انظر: السلسلة الصحيحة للألباني (٨٩)، (٩٠)، (٤١٥) .
[ ٦١ ]
وأوَّلُ مَن سَمَّى ما فيه غضب الله وعِصيانه بالأسماء المحبوبة عند السامعين إبليس لعنه الله، فإنَّه قال لأبي البَشَر آدم ﵇: [٢٠: ١٢٠] ﴿يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾، فسَمَّى الشجرةَ التي نهى اللهُ تعالى آدمَ عن قُربانها شجرةَ الخُلد، جذبًا لطبعه إليها، وهَزًّا لنشاطه إلى قُرْبانها، وتدليسًا عليه بالاسم الذي اخترعه لها، كما يُسَمِّي إخوانُه المقلِّدون له الحشيشةَ بلُقْمَة الراحة، وكما يُسَمِّي الظَّلَمَةُ ما يَقبضونه من أموال عباد الله ظلمًا وعدوانًا أَدَبًا، فيقولون أدب القتل، أدب السرقة، أدب التهمة، بتحريف اسم الظلم إلى اسم الأدب.
كما يحرِّفونه في بعض المقبوضات إلى اسم النفاعة، وفي بعضها إلى اسم السياقة، وفي بعضها أدب المكاييل والموازين.
وكلُّ ذلك اسمه عند الله ظلمٌ وعدوان، كما يعرِفه مَن شمَّ رائحةَ الكتاب والسنة، وكلُّ ذلك مأخوذٌ عن إبليس حيث سَمَّى الشجرةَ المنهيّ عنها شجرةَ الخلد.
وكذلك تسمِيةُ القبرِ مَشهدًا، ومَن يعتقدون فيه وليًّا، لا تخرجه عن اسم الصَّنم والوثن؛ إذ هم مُعاملون لها معاملة المشركين للأصنام، ويطوفون بهم طواف الحجاج ببيت الله الحرام، ويَستلمونهم١ استلامَهم لأركان البيت، ويُخاطبون الميت بالكلمات الكفرية، مِن قولهم: على الله وعليك، ويَهتفون بأسمائِهم عند الشدائد ونحوها.
وكلُّ قوم لهم رَجل ينادونه.
فأهلُ العراق والهند يَدعون عبد القادر الجيلي.
_________________
(١) ١ كذا، ولعله (ويستلمونها) .
[ ٦٢ ]
وأهل التهائم لهم في كلِّ بلد ميتٌ يهتفون باسمه، يقولون: يا زيلعي! يا ابن العجيل!
وأهلُ مكة وأهل الطائف: يا ابن العباس!
وأهل مصر: يا رفاعي! يا بدوي! والسادة البكرية!
وأهلُ الجبال: يا أبا طير!
وأهل اليمن: يا ابن علوان!
وفي كلِّ قرية أمواتٌ يهتفون بهم وينادونهم ويرجونهم لجلب الخير ودفع الضر، وهذا هو بعينه فعلُ المشركين في الأصنام، كما قلنا في الأبيات النجدية١:
أعادوا بها معنى سواع ومثله يغوث وود، بئس ذلك من وُدِّ
وقد هتفوا عند الشدائد باسمها كما يهتف المضطر بالصَّمد الفرد
وكم نحروا في سوحها من نحيرة أهلَّت لغير الله جهرًا على عمد
وكم طائف حول القبور مقبِّلًا ويستلم الأركان منهنَّ باليد
فإن قال: إنَّما نحرتُ لله وذكرتُ اسمَ الله عليه.
فقل: إن كان النَّحرُ لله فلأيِّ شيء قَرَّبت ما تنحرُه مِن باب مَشهد مَن تفضله وتعتقد فيه؟ هل أردت بذلك تعظيمه؟
إن قال: نعم!
فقل له: هذا النَّحر لغير الله، بل أشركت مع الله تعالى غيره، وإن لَم تُرد تعظيمه، فهل أردت توسيخ باب المشهد وتنجيس الداخلين إليه؟
_________________
(١) ١ من قصيدة مدح بها المؤلف شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وأشاد فيها بدعوته (إسماعيل) .
[ ٦٣ ]
أنتَ تعلمُ يقينًا أنَّك ما أردت ذلك أصلًا، ولا أردت إلاَّ الأول، ولا خرجتَ من بيتك إلاَّ قصدًا له، ثم كذلك دعاؤهم له.
فهذا الذي عليه هؤلاء شرك بلا ريب.
وقد يعتقدون في بعض فَسقة الأحياء، وينادونه في الشِّدَّة والرَّخاء، وهو عاكفٌ على القبائح والفضائح، لا يحضر حيث أمرَ الله عبادَه المؤمنين بالحضور هناك، ولا يَحضر جمعة ولا جماعة، ولا يعود مريضًا ولا يشيِّع جنازة، ولا يكتسب حلالًا، ويضُمُّ إلى ذلك دعوى علم الغيب١، ويجلب إليه إبليس جماعة قد عَشَّشَ في قلوبهم وباض فيها وفرَّخ، يصدِّقون بهتانه، ويعظِّمون شأنه، ويَجعلون هذا ندًّا لربِّ العالمين ومِثلًا.
فيا للعقول أين ذهبت؟ ويا للشرائع كيف جهلت؟ [٧: ١٥٤] ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ .
فإن قلتَ: أفيصير هؤلاء الذين يعتقدون في القبور والأولياء والفسقة والخلعاء مشركين كالذين يعتقدون في الأصنام؟
قلتُ: نعم! قد حصل منهم ما حصل من أولئك وساووهم في ذلك، بل زادوا عليهم٢ في الاعتقاد والانقياد والاستعباد، فلا فرق بينهم.
فإن قلتَ: هؤلاء القبوريون يقولون: نحن لا نشرك بالله تعالى ولا نجعل له ندًّا، والالتجاءُ إلى الأولياء والاعتقاد فيهم ليس شركًا!
_________________
(١) (دعوى علم الغيب)، وهو لفظ خ، ووقع في المطبوعة: (دعوى التوكل وعلم الغيب) (إسماعيل) . ٢ لفظ (عليهم) من خ.
[ ٦٤ ]
قلتُ: نعم! ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾، لكن هذا جهل منهم بمعنى الشرك، فإنَّ تعظيمَهم الأولياء ونحرَهم النحائر لهم شركٌ، والله تعالى يقول: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ أي: لا لغيره، كما يفيدُه تقديم الظرف١، ويقول تعالى: [٧٢: ١٨] ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾
وقد عرفتَ بما قدَّمناه قريبًا أنَّه ﷺ قد سمَّى الرياءَ شركًا، فكيف بما ذكرناه؟!
فهذا الذي يفعلونه لأوليائهم هو عين ما فعَلَه المشركون وصاروا به مشركين، ولا ينفعهم قولهم: نحن لا نشركُ بالله شيئًا، لأنَّ فعلَهم أَكْذبَ قولَهم.
فإن قلتَ: هم جاهلون أنهم مشركون بما يفعلونه.
قلتُ: قد صرَّح الفقهاء في كتب الفقه في باب الرِّدة أنَّ مَن تكلَّم بكلمة الكفر يَكفر وإن لَم يقصد معناها٢، وهذا دالٌّ على أنَّهم لا
_________________
(١) ١ الذي في الآية جار ومجرور، وليس بظرف، وهو متعلق بـ ﴿فَصَلِّ﴾ قبلها، وقد حذف الجار والمجرور المتعلق بـ ﴿وَانْحَرْ﴾، وهو ما بعدها، أي: فصلِّ لربِّك وانحر له، وهو مثل قوله تعالى: ﴿يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾، أي: منه، والمثال المطابق لما ذكره المصنف من تقديم الجار والمجرور قوله: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾، أي: لا إلى غيره، وقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، أي: لا على غيره. ٢ هذا ليس على إطلاقه؛ فقد يحصل مثل ذلك عن إكراه أو سبق لسان بدون قصد للفرح الشديد مثلًا، كالذي وجد ناقته بعد أن يئس منها، وقال: "اللَّهمَّ أنت عبدي وأنا ربُّك" رواه مسلم (٢٧٤٧)، وقد مرَّ تفصيل القول في هذه المسألة في الفصل الخامس من المقدمة.
[ ٦٥ ]
يعرفون حقيقةَ الإسلام، ولا ماهية التوحيد، فصاروا حينئذ كفارًا كفرًا أصليَّا، فإنَّ الله تعالى فَرَضَ على عباده إفرادَه بالعبادة ﴿أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ﴾، وإخلاصها له [٩٨: ٥] ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، ومَن نادى الله ليلًا ونهارًا وسرًّا وجهارًا وخوفًا وطمعًا، ثمَّ نادى معه غيرَه فقد أشرك في العبادة، فإنَّ الدعاءَ من العبادة، وقد سمَّاه الله تعالى عبادةً في قوله تعالى: [٤٠: ٦٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ بعد قوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
فإن قلتَ: فإذا كانوا مشركين وجَب جهادُهم، والسلوك فيهم ما سلَكَ رسولُ الله ﷺ في المشركين.
قلتُ: إلى هذا ذهب طائفةٌ من أئمَّة العلم١، فقالوا: يَجب أوَّلًا دعاؤهم إلى التوحيد، وإبانةُ أنَّ ما يعتقدونه ينفعُ ويَضر، لا يغني عنهم من الله شيئًا وأنَّهم أمثالهم٢، وأنَّ هذا الاعتقاد منهم فيه شركٌ لا يتم الإيمانُ بما جاءت به الرسلُ إلاَّ بتركه والتوبة منه، وإفراد التوحيد اعتقادًا وعملًا لله وحده.
وهذا واجبٌ على العلماء، أي: بيان أنَّ ذلك الاعتقاد الذي تفرَّعت عنه النذور والنحائر والطواف بالقبور شركٌ محرَّم، وأنَّه عينُ ما كان يفعله المشركون لأصنامهم، فإذا أبان العلماءُ ذلك للأئمَّة والملوك،
_________________
(١) ١ يوهم هذا وجود طائفة أخرى من أئمَّة العلم لا ترى ما تراه هذه الطائفة منهم، وهو خلاف الحق، والمسألة مسألة نصوص الوحي لا مسألة خلاف (إسماعيل) . ٢ إشارة إلى قوله تعالى ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا﴾، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ .
[ ٦٦ ]
وَجَبَ على الأئمة والملوك بعثُ دعاة إلى الناس يَدعونهم إلى إخلاص التوحيد لله، فمَن رجع وأقرَّ حقن عليه دمه وماله وذراريه، ومَن أصَرَّ فقد أباح الله منه ما أباح لرسوله ﷺ من المشركين (١) .
فإن قلتَ: الاستغاثة قد ثبتت في الأحاديث، فإنَّه قد صَحَّ أنَّ العباد يوم القيامة يستغيثون بآدم أبي البشر، ثمَّ بنوح، ثمَّ بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، وينتهون إلى محمد ﷺ بعد اعتذار كلِّ واحد من الأنبياء (٢)، فهذا دليلٌ على أنَّ الاستغاثة بغير الله ليست بمنكر.
قلتُ: هذا تلبيس، فإنَّ الاستغاثة بالمخلوقين الأحياء فيما يقدرون عليه لا يُنكرُها أحد، وقد قال الله تعالى في قصة موسى مع الإسرائيلي والقبطي: [٢٨: ١٥] ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾، وإنَّما الكلام في استغاثة القبوريِّين وغيرهم بأوليائهم، وطلبهم منهم أمورًا لا يقدر عليها إلاَّ الله تعالى، مِن عافية المريض وغيرها، بل أعجَبُ من هذا أنَّ القبوريِّين وغيرهم من الأحياء مِن أتباع مَن يعتقدون فيه، قد يَجعلون له حصَّة مِن الولد إن عاش، ويشترون منه الحمل في بطن أمِّه ليعيش لهم٣، ويأتون بمنكرات ما بَلَغ إليها المشركون الأولون.
ولقد أخبرني بعضُ مَن يتولى قَبض ما ينذر القبوريُّون لبعض أهل القبور: أنَّه جاءه إنسانٌ بدراهم وحِلية نسائية، وقال هذه لسيِّده فلان - يريد صاحب القبر - نصف مهر ابنتي؛ لأنِّي زوجتها وكنتُ مَلكت
_________________
(١) ١ هذا يفيد أنَّ المصنف يرى أنَّه لا بدَّ من إقامة الحجة، وأنَّهم قبل ذلك معذورون لجهلهم. ٢ رواه البخاري (٣٣٤٠) . ٣ لفظ (لهم) من خ.
[ ٦٧ ]
نصفَ مهرها١ فلانًا - يريد صاحب القبر.
وهذه النذور بالأموال وجَعْلُ قِسط منها للقبر كما يجعلون شيئًا مِن الزرع يسمُّونه (تلما) في بعض الجهات اليمنية، وهذا شيءٌ ما بلغ إليه عُبَّادُ الأصنام، وهو داخلٌ تحت قول الله تعالى: [١٦: ٥٦] ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ بلا شكٍّ ولا ريب.
نعم! استغاثةُ العِباد يوم القيامة وطَلبهم من الأنبياء إنَّما٢ يدعون الله تعالى ليفصِلَ بين العباد بالحساب حتَّى يُريحَهم من هَوْل الموقف، وهذا لا شكَّ في جوازه، أعنِي طلبَ دعاء الله تعالى من بعض عباده لبعض، بل قد قال ﷺ لعمر ﵁ لَمَّا خَرَج معتمرًا: "لا تنسنا يا أُخَيَّ من دعائك"٣.
وأَمَرَنا سبحانه أن ندعو للمؤمنين ونستغفر لهم في قوله تعالى: [٥٩: ١٠] ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ﴾، وقد قالت أم سُليم ﵂: "يا رسولَ الله! خادمُك أنس، ادعُ الله له"٤.
وقد كان الصحابة ﵃ يطلبون الدعاءَ منه ﷺ وهو حي، وهذا أمرٌ متفق على جوازه، والكلام في طلب القبوريِّين من الأموات أو من الأحياء الذين لا يَملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، ولا
_________________
(١) ١ لفظ (مهرها) من خ. ٢ كذا، ولعله (أن يدعوا الله) . ٣ رواه أبو داود (١٤٩٨) وغيره، وفي إسناده عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر ابن الخطاب، وهو ضعيف كما في التقريب، ويُغني عنه حديث إرشاد النَّبيِّ ﷺ إلى طلب الدعاء من أُويس القرني، رواه مسلم (٢٥٤٢) . ٤ رواه البخاري (١٩٨٢) ومسلم (٢٤٨٠) .
[ ٦٨ ]
موتًا ولا حياةً ولا نشورًا أن يشفوا مرضاهم، ويردُّوا غائبَهم، وينفِّسوا عن حبلاهم، وأن يسقوا زرعَهم، ويُدِرُّوا ضروعَ مواشيهم، ويحفظوها من العين، ونحو ذلك من المطالب التي لا يقدر عليها أحدٌ إلاَّ الله تعالى.
هؤلاء هم الذين قال الله تعالى فيهم: [٧: ١٩٧] ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾، [٧: ١٩٤] ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾، فكيف يطلب الإنسانُ من الجماد أو من حي - الجماد خير منه - لأنَّه لا تكليفَ عليه، وهذا يبيِّن ما فعله المشركون الذين حكى الله ذلك عنهم في قوله تعالى: [٦: ١٣٦] ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ الآية، وقال: [١٦: ٥٩] ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾
فهؤلاء القبوريُّون والمعتقدون في جُهَّال الأحياء وضُلاَّلهم سَلَكوا مَسالكَ المشركين حَذو القُذَّة بالقُذَّة١، فاعتقدوا فيهم ما لا يجوز أن يُعتقد إلاَّ في الله، وجعلوا لهم جُزءًا من المال، وقَصدوا قبورَهم من ديارهم البعيدة للزيارة٢، وطافوا حول قبورهم وقاموا خاضعين عند قبورهم، وهتفوا بهم عند الشدائد، ونحروا تقربًا إليهم.
وهذه هي أنواع العبادات التي عرفناك، ولا أدري هل فيهم من يَسجد لهم؟ لا أستبعدُ أنَّ فيهم مَن يفعلُ ذلك، بل أخبرني مَن أثق به أنَّه رأى من يَسجُدُ على عَتَبَةِ باب مَشهد الوليِّ الذي يقصده تعظيمًا له
_________________
(١) ١ القُذَّة: بضم القاف، ريش السهم، والمراد نهجوا نهجهم (إسماعيل) . ٢ مجرَّد شدّ الرَّحل للزيارة ليس بشرك، بل هو من وسائله.
[ ٦٩ ]
وعبادة، ويُقسمون بأسمائهم، بل إذا حَلف مَن عليه حقٌّ باسم الله تعالى لَم يقبلوا منه، فإذا حلف باسم وليٍّ من أوليائهم قبلوه وصدَّقوه، وهكذا كان عُبَّاد الأصنام [٣٩: ٤٥] ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾
وفي الحديث الصحيح: "مَن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" ١، وسمع رسول الله ﷺ رجلًا يحلف باللاَّت فأمره أن يقول: "لا إله إلاَّ الله"٢، وهذا يدلُّ على أنَّه ارتدَّ بالحلف بالصَّنَم، فأمره أن يُجدِّد إسلامه، فإنَّه قد كَفَر بذلك، كما قرَّرناه في سبل السلام شرح بلوغ المرام، وفي منحة الغفار٣.
فإن قلتَ: لا سواء، لأنَّ هؤلاء قد قالوا (لا إله إلاَّ الله)، وقد قال النبيُّ ﷺ: "أُمرتُ أن أقاتلَ الناس حتى يقولوا لا إله إلاَّ الله، فإذا قالوها عَصَموا منِّي دماءَهم وأموالهم إلاَّ بحقِّها"٤.
_________________
(١) ١ رواه البخاري (٢٦٧٩) ومسلم (١٦٤٦) . ٢ حديث "من حلف فقال في حلفه: واللاَّت والعزى، فليقل: لا إله إلاَّ الله" أخرجه البخاري (٤٨٦٠) ومسلم (١٦٤٧) . ٣ ما قرَّره الصنعاني في هذا الحديث خلاف صنيع البخاري في باب (من حلف بملة سوى ملَّة الإسلام) من صحيحه، فقد قال فيه: "وقال النَّبيُّ ﷺ: من حلف باللاَّت والعزى فليقل: لا إله إلاَّ الله، ولم ينسبه إلى الكفر"، ومعلوم أنَّ ما يقع من الصحابة في ذلك ليس على سبيل القصد، وإنَّما هو من سبق اللسان، فأَمْره من وقع منهم في ذلك بقول: (لا إله إلاَّ الله) من باب الكفارة لا من باب تجديد الإسلام (إسماعيل) . وحصول ذلك من الصحابة لَمَّا كانوا حديثي عهد بالجاهلية، وكلام المصنف في سبل السلام أورده في شرح الحديث الأول من أحاديث كتاب الأيمان والنذور. ٤ رواه البخاري (٢٥) ومسلم (٢٢) .
[ ٧٠ ]
وقال لأسامة بن زيد: "لِمَ قَتلتَه بعدما قال لا إله إلاَّ الله؟ " ١، وهؤلاء يُصَلُّون ويصومون ويزكُّون ويَحجُّون بخلاف المشركين.
قلتُ: قال ﷺ: "إلاَّ بحقها"، وحقُّها: إفرادُ الإلهية والعبودية لله تعالى.
والقبوريُّون لَم يُفردوا الإلهيةَ والعبادة، فلم تنفعهم كلمةُ الشهادة، فإنَّها لا تنفع إلاَّ مع التزام معناها، كما لَم ينفع اليهود قولُها لإنكارهم بعض الأنبياء.
وكذلك مَن جعل غير مَن أرسله الله نبيًّا، لم تنفعه كلمةُ الشهادة، ألاَ تَرَى أن بني حَنِيفة كانوا يشهدون أن لا إله إلاَّ الله وأن محمدًا رسول الله، ويُصَلُّون، ولكنَّهم قالوا: إنَّ مُسيلمة نبيٌّ، فقاتلهم الصحابةُ وسَبَوْهُم، فكيف بمن يَجعل للوليِّ خاصَّةَ الإلهية ويُناديه للمهمَّات؟!
وهذا أميرُ المؤمنين على بن أبي طالب ﵁ حرَّق أصحابَ عبد الله ابن سبأ، وكانوا يقولون نشهد أن لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمدًا رسول الله، ولكنَّهم غَلَوا في علي ﵁، واعتقدوا فيه ما يَعتقد القبوريُّون وأشباهُهم، فعاقَبَهم عقوبةً لَم يُعاقب بها أحدًا من العصاة، فإنَّه حَفر لهم الحفائرَ، وأجَّجَ لهم نارًا، وألقاهم فيها وقال:
لَمَّا رأيتُ الأمرَ أمرًا منكرًا أجَّجتُ ناري ودَعَوتُ قُنْبرَا
وقال الشاعر في عصره:
لِتَرْم بي المنيَّة حيث شاءت إذا لَم ترم بي في الحُفرتَين
إذا ما أجَّجوا فيهنَّ نارًا رأيت الموت نقدًا غير دَيْن
_________________
(١) ١ رواه البخاري (٤٢٦٩) ومسلم (١٥٨) .
[ ٧١ ]
والقصَّة في فتح الباري وغيره من كتب الحديث والسير١.
وقد وقع إجماعُ الأمَّة على أنَّ مَن أنكر البعثَ كَفَر وقُتِل، ولو قال لا إله إلاَّ الله، فكيف بمن يجعل لله ندًّا؟!
فإن قلتَ: قد أنكر ﷺ على أسامة قتلَه لِمَن قال (لا إله إلاَّ الله)، كما هو معروف في كتب الحديث والسير.
قلتُ: لا شكَّ أنَّ مَن قال: (لا إله إلاَّ الله) من الكفار حَقَنَ دمَه ومالَه حتى يتبيَّن منه ما يُخالف ما قاله، ولذا أنزل الله في قصَّة محلم بن جثامة [٤: ٩٤] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية٢، فأمرهم الله تعالى بالتثبُّت في شأن مَن قال كلمةَ التوحيد، فإن تبيَّن التزامُه لمعناها كان له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، وإن تبيَّن خلافُه لَم يحقن دمه وماله بمجرد التلفظ.
وهكذا كلُّ مَن أظهر التوحيد وجب الكَفُّ عنه إلى أن يتبين منه ما يخالف ذلك، فإذا تبيَّن لَم تنفعه هذه الكلمةُ بمجردها، ولذلك لَم تنفع اليهود ولا نفعت الخوارج مع ما انضمَّ إليها من العبادة التي يحتقر الصحابةُ عبادتَهم إلى جنبها، بل أَمَرَ ﷺ بقتلهم، وقال: "لئن أدركتُهم لأقتلَنَّهم قتل عاد" ٣، وذلك لَمَّا خالفوا بعضَ الشريعة وكانوا شرَّ
_________________
(١) ١ قصة تحريق علي السبائيةَ هي في الفتح (١٢/٢٧٠)، ذكرها وقال: "وهذا سند حسن"، وهي في شرح حديث (٦٩٢٢) من صحيح البخاري، والبيتان ذكرهما في الفتح (٦/١٥١) في شرح حديث (٣٠١٧) . ٢ القصة في سبب نزول الآية في الصحيحين: البخاري (٤٥٩١) ومسلم (٣٠٢٥)، دون تسمية القاتل، وفي مسند الإمام أحمد (٢٣٨٨١) وغيره تسمية القاتل محلم بن جثامة، وفي إسنادها القعقاع بن عبد الله، وفيه مقال. ٣ رواه البخاري (٣٣٤٤) ومسلم (١٠٦٤) .
[ ٧٢ ]
القتلى تحت أديم السماء، كما ثبتت به الأحاديث١.
فثبت أنَّ مجرَّدَ قول كلمة التوحيد غيرُ مانع من ثبوت شرك مَن قالَها؛ لارتكابه ما يُخالفها من عبادة غير الله.
فإن قلتَ: القبوريُّون وغيرُهم مِن الذين يَعتقدون في فَسَقَة الناس وجُهالِهم من الأحياء يقولون نحن لا نعبد هؤلاء، ولا نعبد إلاَّ الله وحده، ولا نصلي لهم، ولا نصوم ولا نحجُّ.
قلتُ: هذا جهلٌ بمعنى العبادة، فإنَّها ليست منحصرةً في ما ذكرتَ، بل رأسها وأساسها الاعتقاد، وقد حصل في قلوبهم ذلك، بل يسمُّونه معتقدًا، ويصنعون له ما سمعتَه مِمَّا تفرَّع عن الاعتقاد من دعائهم وندائهم والتوسل بهم والاستغاثة بهم والاستعانة والحلف والنذر، وغير ذلك.
وقد ذكر العلماءُ أن من تَزَيَّا بزيِّ الكفَّار صار كافرًا٢، ومَن تكلَّم
_________________
(١) ١ رواه الترمذي (٣٠٠٠) وابن ماجه (١٧٦)، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن". ٢ هذا فيما إذا تزيَّا عالمًا قاصدًا بزيِّهم الذي هو من خصائصهم، كألبسة رهبانهم، وكشدِّ الزنار في أوساطهم، أمَّا إذا نشأ مسلم على ارتداء لباس الكفار (اللباس الإفرنجي) حتى كأنَّه لا يعرف غيرَه فلا يكون له هذا الحكم، وقد روى البيهقي في مناقب الشافعي (ص:٤٧٤) بإسناده إلى الحميدي قال: "سأل رجلٌ الشافعيَّ بمصر عن مسألة فأفتاه، وقال: قال النَّبيُّ ﷺ كذا، فقال الرجلُ: أتقول بهذا؟! قال: أرأيتَ في وسطي زنارًا؟! أتراني خرجتُ من الكنيسة؟! أقول: قال النَّبيُّ ﷺ، وتقول لي: أتقول بهذا؟! أروي عن رسول الله ﷺ ولا أقول به؟! ". ومع هذا فإنَّ على المسلمين الذين ابتُلوا بالنشأة على هذا اللباس أن يعملوا على تعديل لباسهم بما يُغاير لباس الكفار، كتوسيع الألبسة، واللاَّئق بهم بل المتعيَّن عليهم أن يصيروا إلى التزيِّي بزيِّ المسلمين.
[ ٧٣ ]
بكلمة الكفر صار كافرًا١، فكيف بمن بَلَغَ هذه الرتبةَ اعتقادًا وقولًا وفعلًا.
فإن قلتَ: هذه النذورُ والنحائرُ ما حكمها؟
قلتُ: قد عَلِمَ كلُّ عاقل أنَّ الأموالَ عزيزةٌ عند أهلها، يَسعون في جَمعها ولو بارتكاب كلِّ معصية، ويَقطعون الفيافِيَ مِن أدنى الأرض والأقاصي، فلا يبذلُ أحدٌ مِن ماله شيئًا إلاَّ معتقدًا لِجلب نفعٍ أكثرَ منه أو دفع ضرٍّ، فالنَّاذرُ للقبر ما أخرَج مالَه إلاَّ لذلك، وهذا اعتقادٌ باطل، ولو عرَفَ النَّاذرُ بطلانَ ما أراده ما أخرَجَ درهمًا، فإنَّ الأموالَ عزيزةٌ عند أهلها، قال تعالى: [٤٧: ٣٦ - ٣٧] ﴿وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾
فالواجبُ تعريفُ مَن أخرج النذرَ بأنَّه إضاعةٌ لِمالِه، وأنَّه لا ينفعه ما يُخرجه ولا يدفع عنه ضررًا، وقد قال ﷺ: "إنَّ النَّذرَ لا يأتي بخير، وإنَّما يُستخرَج به من البخيل"٢، ويجب رده إليه.
وأمَّا القابض للنَّذر فإنَّه حرامٌ عليه قبضه؛ لأنَّه أكْلٌ لِمال الناذر بالباطل، لا في مقابلة شيء، وقد قال تعالى: [٢: ١٨٨] ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾، ولأنَّه تقريرٌ للناذر على شِركه وقُبحِ اعتقاده ورضاه بذلك، ولا يخفى حكمُ الراضي بالشرك، [٤: ٤٨] ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية، فهو مثل حُلوان الكاهن ومَهر البغي، ولأنَّه تدليسٌ على الناذر، وإيهامٌ له أنَّ الوليَّ ينفعه ويضره.
_________________
(١) ١ انظر: الفصل الخامس من المقدمة، والتعليق (ص: ٦٥، ٧٠) . ٢ رواه البخاري (٦٦٠٨) ومسلم (١٦٣٩) .
[ ٧٤ ]
فأيُّ تقرير لِمنكر أعظم مِن قبض النذر على الميت؟ وأيُّ تدليس أعظم؟ وأيُّ رضا بالمعصية العظمى أبلغ من هذا؟ وأيُّ تصيير لمنكر معروفًا أعجب مِن هذا؟ وما كانت النذورُ للأصنام والأوثان إلاَّ على هذا الأسلوب، يعتقدُ النَّاذرُ جلبَ النفع في الصنم ودفع الضرر، فينذرُ له جَزورًا من ماله، ويقاسمه في غلاَّت أطيانه، ويأتي به إلى سَدَنة الأصنام فيقبضونه منه، ويوهمونه حقيَّة عقيدته، وكذلك يأتي بنحيرته فينحرُها بباب بيت الصنم.
وهذه الأفعال هي التي بعث اللهُ الرسلَ لإزالتها ومَحوِها وإتلافها والنهي عنها.
فإن قلتَ: إنَّ الناذر قد يُدركُ النفعَ ودفع الضرر بسبب إخراجه للنذر وبذله!
قلتُ: كذلك الأصنام، قد يدرك منها ما هو أبلغُ من هذا، وهو الخطاب من جَوفها والإخبار ببعض ما يكتمه الإنسان، فإن كان هذا دليلًا على حقيَّة القبور وصحة الاعتقاد فيها؛ فليكن دليلًا على حقيَّة الأصنام، وهذا هدمٌ للإسلام وتشييدٌ لأركان الأصنام.
والتحقيقُ: أنَّ لإبليسَ وجنوده من الجنِّ والإنس أعظمَ العناية في إضلال العباد، وقد مكَّن اللهُ إبليس من الدخول في الأبدان والوسوسة في الصدور والتقام القلب بخرطومه، وكذلك يدخل أجوافَ الأصنام ويُلقي الكلامَ في أسماع الأقوام، ومثله يَصنعه في عقائد القبوريِّين١،
_________________
(١) ١ في طبعة رئاسة الإفتاء: (أهل القبوريِّين)، بزيادة: (أهل)، وفي طبعة المكتب الإسلامي (١٣٩٧هـ) تحقيق الشيخ إسماعيل الأنصاري بحذفها، وهو الصواب.
[ ٧٥ ]
فإنَّ الله تعالى قد أذن له أن يُجلب بخيلِه ورَجِلِه على بني آدم وأن يشاركهم في الأموال والأولاد.
وثبت في الأحاديث: أنَّ الشيطانَ يستَرق السمعَ بالأمر الذي يُحدثه الله، فيُلقيه إلى الكُهَّان، وهم الذين يُخبرون بالمغيَّبات ويزيدون فيما يلقيه الشيطان من عند أنفسهم مائة كذبة١.
ويقصدُ شياطينُ الجنِّ شياطينَ الإنس مِن سَدَنة القبور وغيرهم فيقولون: إنَّ الوليَّ فَعَل وفعل، يُرغِّبونهم فيه ويحذِّرونهم منه، وترى العامة ملوكَ الأقطار وولاةَ الأمصار مُعزِّزين لذلك ويُوَلُّون العمالَ لقبض النذور، وقد يتَولاَّها مَن يُحسنون فيه الظنَّ مِن عالم أو قاضٍ أو مُفت أو شيخ صوفي، فيتِمُّ التدليسُ لإبليس، وتقرُّ عينُه بهذا التلبيس.
فإن قلتَ: هذا أمرٌ عَمَّ البلادَ، واجتمعت عليه سكان الأغوار والأنجاد، وطبَّق الأرض شرقًا وغربًا، ويَمنًا وشامًا، وجنوبًا وعَدَنًا، بحيث لا تجدُ بلدةً من بلاد الإسلام إلاَّ وفيها قبور ومشاهد وأحياء، يعتقدون فيها ويعظِّمونها وينذرون لها، ويهتفون بأسمائها ويحلفون بها، ويطوفون بفناء القبور، ويُسرجونها ويلقون عليها الأوراد والرياحين، ويُلبسونها الثياب، ويصنعون كلَّ أمر يقدرون عليه من العبادة لها، وما في معناها من التعظيم والخضوع والخشوع والتذلُّل والافتقار إليها.
بل هذه مساجد المسلمين غالبُها لا يخلو عن قبر أو قريب منه، أو مَشهد يقصده المصلُّون في أوقات الصلاة، يَصنعون فيه ما ذكِر أو بعض ما ذكر، ولا يَسَعُ عقلُ عاقل أنَّ هذا منكرٌ يبلُغُ إلى ما ذكرتَ مِن
_________________
(١) ١ رواه البخاري (٥٧٦٢) ومسلم (٢٢٢٨) .
[ ٧٦ ]
الشناعة، ويَسكتُ عليه علماءُ الإسلام الذين ثبَتت لهم الوَطأة في جميع جهات الدنيا.
قلتُ: إن أردتَ العدلَ والإنصافَ، وتركتَ متابعة الأسلاف، وعرفتَ أنَّ الحقَّ ما قام عليه الدليلُ، لا ما اتَّفق عليه العوالِم جيلًا بعد جيل، وقَبيلًا بعد قبيل، فاعلم أنَّ هذه الأمور التي ندَندِنُ حولَ إنكارِها، ونسعى في هَدم منارها، صادرةٌ عن العامة الذين إسلامهم تقليدُ الآباء بلا دليل، ومتابعتهم لهم من غير فرق بين دبير وقبيل١، ينشأ الواحدُ فيهم فيجِدُ أهلَ قريته وأصحاب بلدته يُلَقِّنُونه في الطفولية أن يَهتِفَ باسم مَن يعتقدون فيه، ويراهم يَنذرون عليه، ويعظِّمونه، ويرحلون به إلى مَحلِّ قبره، ويلطخونه بترابه، ويجعلونه طائفًا على قبره، فيَنشأ وقد قَرَّ في قلبه عظمةُ ما يعظِّمونه، وقد صار أعظم الأشياء عنده مَن يعتقدونه.
فنشأ على هذا الصغير، وشاخَ عليه الكبيرُ، ولا يسمعون مِن أحد عليهم من نكير، بل تَرَى مِمَّن يتَّسِم بالعلمِ، ويَدَّعِي الفضلَ، وينتصب للقضاء والفتيا والتدريس، أو الولاية أو المعرفة أو الإمارة والحكومة، معظِّمًا لِمَا يعظِّمونه، مُكرمًا لِما يكرمونه، قابضًا للنذور، آكلًا ما يُنحر على القبور، فيَظنُّ العامَّة أنَّ هذا دينُ الإسلام، وأنَّه رأسُ الدِّين والسَّنَام٢.
ولا يَخفى على أحد يتأهَّل للنظر، ويعرفُ بارِقَةً مِن عِلم الكتاب
_________________
(١) ١ لفظ (دبير وقبيل) من خ (إسماعيل)، وفي طبعة المكتب الإسلامي (١٣٩٧هـ)، وطبعات أخرى: (دنيٍّ ومثيل) . ٢ من أعظم المصائب أن يكون بعض المنتسبين إلى العلم واقعًا في هذه الأمور الخطيرة التي ذكرها المصنف، فيكونون بذلك قدوة سيِّئة للعامة.
[ ٧٧ ]
والسنة والأثر، أنَّ سكوتَ العالِم أو العالم١ على وقوع مُنكر ليس دليلًا على جواز ذلك المنكر.
ولنضْرِبْ لك مثلًا مِن ذلك؛ وهي هذه المكُوسُ المسمَّاة بالمجابي، المعلوم مِن ضَرورة الدِّين تَحريمُها، قد مَلأَت الدِّيارَ والبقاع، وصارت أمرًا مأنوسًا، لا يلج إنكارُها إلى سَمع مِن الأسماع، وقد امتدَّت أيدي المكَّاسين في أشرف البقاع، في مكة أمِّ القرى، يَقبضون مِن القاصدين لأداء فَريضة الإسلام، ويلقون في البلد الحرام كلَّ فِعل حرام، وسُكَّانها مِن فُضلاء الأنام، والعلماءُ والحكَّامُ ساكتون على الإنكار، مُعرضون عن الإيراد والإصدار، أَفيَكون السكوتُ من العلماء، بل من العالم٢ دليلًا على حِلِّ أخذها وإحرازها؟ هذا لا يقولُه مَن له أدنى إدراك.
بل أضرب لك مثلا آخر؛ هذا حَرَمُ الله الذي هو أفضلُ بقاع الدنيا بالاتفاق وإجماع العلماء، أحدَث فيه بعضُ ملوك الشراكسة الجهلة الضُّلال هذه المقامات الأربعة، التي فرَّقت عبادات العِباد، واشتملت على ما لا يُحصيه إلاَّ الله ﷿ من الفساد، وفرَّقت عبادات المسلمين، وصيَّرتهم كالمِلَلِ المختلفة في الدِّين، بدعةٌ قرَّت بها عينُ إبليس اللعين، وصيَّرت المسلمين ضحكةَ الشياطين، وقد سكتَ الناسُ عليها، ووفَد علماء الآفاق والأبدال والأقطاب إليها٣، وشاهدها كلُّ ذي عينين، وسَمع بها كلُّ ذي أذنين.
_________________
(١) ١ لفظ (أو العالم) من خ. ٢ قوله: (من العلماء بل من العالم) من خ. ٣ مراد المصنف بالأبدال العلماء الذين يُظهر الله بهم الدِّين وينصر بهم الملَّة، ومن ذهب منهم أبدله الله بمن يقوم مقامه في ذلك، ومراده بالأقطاب العلماء الذين يُلقَّب الواحد منهم قطب الدِّين، ومن أمثلة ذلك قطب الدين الحنفي الذي ذكره الشيخ إسماعيل الأنصاري هنا ممثِّلًا بكلامه لإنكار العلماء إحداث هذه المقامات الأربعة.
[ ٧٨ ]
أفهذا السكوت دليلٌ على جوازها؟ هذا لا يقولُه مَن له إلْمَامٌ بشيء من المعارف١، كذلك سكوتُهم على هذه الأشياء الصادرة من القبوريِّين.
_________________
(١) ١ مقتضى هذا أنَّ العلماء لم يستنكروا هذا، وهو خلاف الواقع، فقد قال العلامة قطب الدين الحنفي في (الإعلام بأعلام بيت الله الحرام): "إنَّ تعدُّد المقامات في مسجد واحد لاستقلال كلِّ مذهب بإمام ما أجازه كثيرٌ من العلماء، وإنَّ تعدُّدَ المقامات في وقت حدوثه أنكره العلماء غاية الإنكار، ولهم في ذلك رسالات متعدِّدة باقية بأيدي الناس الآن، وإنَّ علماء مصر أفتوا بعدم جواز ذلك، وخطَّأوا مَن قال بجوازه". اهـ. وأمَّا إنكار المؤلف لهذا الصنيع فلا شكَّ في وجاهته، وقد برئت به ذمته، كما برئت ذمَّة من سبقه من العلماء، وقد حصل بفضل الله ما تمنَّوه بعد استيلاء الحكومة السعودية - حفظها الله - على الحرمين، فقد أزالت هذه المقامات، وجمعت المسلمين على إمام واحد في الصلاة، وفي هذا تنبيه على أنَّ ما يسجله الدعاة من الحقِّ إن لم ينتفع به معاصروهم فسينتفع به مَن وفَّقه الله مِمَّن يأتي بعدهم، والله المستعان (إسماعيل) . من أعظم حسنات الملك عبد العزيز ﵀ أنَّه منذ بدء ولايته قضى على هذا التفرُّق في الصلاة حول الكعبة، وجمع الناسَ على إمام واحد يُصلِّي بهم مجتمعين غير متفرِّقين، وقد سمعت من الدكتور محمد تقي الدين الهلالي ﵀ وهو مِمَّن أدرك ذلك الوقت - يذكر أنَّ واحدًا مِمَّن آلمهم ذلك التفرُّق تحدَّث مع واحد من المتعصِّبين لذلك التفرق، فكان جواب ذلكم المتعصِّب أن قال: الدليل على أنَّكم لستم على حق أنَّه ليس لكم مقام حول الكعبة، فكان جواب المنكِر لذلك التفرُّق: يكفي المسلمين جميعًا مقام إبراهيم، ولا يحتاجون إلى مقامات أخرى!! وقال أبو الطيب شمس الحق العظيم آبادي في كتابه (التعليق المغني على سنن الدارقطني) (٤/٢٢٦): "ومنها - يعني البدع - تكرار الجماعات بأئمة متعدِّدة، كما يُصنع الآن في الحرم الشريف، فيقولون: هذا المصلى للشافعي، وهذا للحنفي، وهذا للمالكي، وهذا للحنبلي، ويَسعون في تفريق الجماعة، قال القاضي الشوكاني في إرشاد السائل إلى دليل المسائل: وإنَّ من أعظمها خطرًا وأشدِّها على الإسلام ما يقع الآن في الحرم الشريف من تفريق الجماعة، ووقوف كلِّ طائفة في مقام من هذه المقامات، كأنَّهم أهل أديان مختلفة، وشرائع غير مؤتلفة، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون"، ثم ذكر نقولًا أخرى في إنكار ذلك عن علماء متقدِّمين ومتأخرين.
[ ٧٩ ]
فإن قلتَ: يَلزمُ مِن هذا أنَّ الأمَّة قد اجتمعت على ضلالة، حيث سكتت عن إنكارِها لأعظم جهالة.
قلتُ: حقيقةُ الإجماع اتفاقُ مجتهدي أمَّة محمد ﷺ على أمر بعد عصره، وفقهاءُ المذاهب الأربعة يُحيلون الاجتهاد من بعد الأربعة١، وإن كان هذا قولًا باطلًا وكلامًا لا يقوله إلاَّ مَن كان للحقائق جاهلًا، فعلى زعمهم لا إجماع أبدًا مِن بعد الأئمة الأربعة، فلا يرد السؤال؛ فإنَّ هذا الابتداعَ والفتنةَ بالقبور لم يكن على عهد أئمَّة المذاهب الأربعة، وعلى ما نحققه فالإجماع وقوعه محال.
فإنَّ الأمَّة المحمدية قد ملأت الآفاق، وصارت في كلِّ أرض وتحت كلِّ نجم، فعلماؤُها المحقِّقون لا ينحصرون، ولا يَتِمُّ لأحد معرفة أحوالهم، فمَن ادَّعى الإجماعَ بعد انتشار الدِّين وكثرة علماء المسلمين فإنَّها دعوى كاذبة، كما قاله أئمَّة التحقيق٢.
_________________
(١) ١ إحالة الاجتهاد من بعد الأئمة الأربعة ليس إلاَّ قول بعض المنتسبين إلى هذه المذاهب من المتأخرين، وقد اعتبر السيوطي ذلك القول منهم جهلًا، وألَّف في الردِّ عليه كتاب (الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أنَّ الاجتهاد في كلِّ عصر فرض)، وقد سرد نصوصَ فقهاء المذاهب الأربعة المعتبرين على خلاف ما ذكره الصنعاني هنا (إسماعيل) . ٢ إذا كان مراد المصنف نفي الإجماع مطلقًا ففيه نظر؛ فإنَّه هو نفسه ينقل في سبل السلام إجماع العلماء ولا يعترض عليه، كما في شرحه لحديث أبي أمامة (١/٢٤): "إنَّ الماء لا ينجسه شيء إلاَّ ما غلب على ريحه وطعمه ولونه"، بل إنَّه يحكي الإجماع كما في شرح حديث علي بن طلق: "إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف، وليتوضَّأ وليُعد الصلاة"، قال في شرحه (١/٢٠٢): "والحديث دليل على أنَّ الفساء ناقض للوضوء، وهو مجمع عليه".
[ ٨٠ ]
ثمَّ لو فُرض أنَّهم عَلِمُوا بالمنكر وما أنكروه، بل سكتوا عن إنكاره، لَمَا دلَّ سكوتُهم على جوازه؛ فإنَّه قد عُلِم من قواعد الشريعة أنَّ وظائفَ الإنكار ثلاثةٌ:
أوَّلها: الإنكارُ باليد، وذلك بتغيير المنكر وإزالته.
ثانيها: الإنكارُ باللسان مع عدم استطاعة التغيير باليد.
ثالثها: الإنكارُ بالقلب عند عدم استطاعة التغيير باليد واللسان.
فإن انتفى أحدُها لم ينتفِ الآخر، ومثاله: مُرورُ فرد من أفراد علماء الدِّين بأحد المكَّاسين وهو يأخذ أموالَ المظلومين، فهذا الفردُ مِن علماء الدِّين لا يستطيع التغييرَ على هذا الذي يأخذ أموالَ المساكين باليد ولا باللسان؛ لأنَّه إنَّما يكون سخريةً لأهل العصيان، فانتفى شرطُ الإنكار بالوظيفتين، ولَم يبق إلاَّ الإنكارُ بالقلب الذي هو أضعفُ الإيمان، فيجب على مَن رأى ذلك العالِمَ ساكتًا عن الإنكار مع مشاهدة ما يأخذه ذلك الجبَّار، أن يعتقدَ أنَّه تعذَّر عليه الإنكارُ باليد واللسان، وأنَّه قد أنكر بقلبه.
فإنَّ حُسنَ الظنِّ بالمسلمين أهلِ الدِّين واجبٌ، والتأويل لهم ما أمْكَنَ ضَربَةُ لازب، فالداخلون إلى الحَرم الشريف، والمشاهدون لتلك الأبنية الشيطانية التي فرَّقت شملَ١ الدِّين، وشتَّتَت صلوات المسلمين معذورون عن الإنكار إلاَّ بالقلب، كالمارِّين على المكَّاسين وعلى القبوريِّين.
ومِن هنا يُعلم اختلال ما استمرَّ عند أئمَّة الاستدلال مِن قولهم في
_________________
(١) ١ لفظ (شمل) من خ، ووقع بدله في المطبوعة (كلمةَ) (إسماعيل) .
[ ٨١ ]
بعض ما يستدلُّون عليه بالإجماع١: إنَّه وقع ولَم يُنكر، فكان إجماعًا.
ووجهُ اختلالِه أنَّ قولَهم: (ولَم يُنكَر) رجمٌ بالغيب؛ فإنَّه قد يكون أنكرته قلوبٌ كثيرة تعذَّر عليها الإنكارُ باليد واللسان، وأنت تشاهد في زمانك أنَّه كم مِن أمر يَقع لا تنكره بلسانك ولا بيدك، وأنت مُنكرٌ له بقلبك، ويقول الجاهلُ إذا رآك تشاهده: سكت فلانٌ عن الإنكار، يقوله إما لائمًا أو مُتَأسِّيًا بسكوته، فالسكوتُ لا يستدلُّ به عارف، وكذا يُعلم اختلالُ قولهم في الاستدلال: (فعلَ فلان كذا، وسكت الباقون فكان إجماعًا)، مُختلًاّ من جهتين:
الأولى: دعوى أنَّ سكوتَ الباقين تقريرٌ لفعل فلان؛ لِمَا عرفتَ مِن عدم دلالة السكوت على التقرير.
الثانية: قولهم: (فكان إجماعًا)؛ فإنَّ الإجماعَ اتفاقُ مجتهدي (٢) أمَّة محمد ﷺ، والساكتُ لا يُنسب إليه وِفاق ولا خلاف، حتَّى يُعْرِبَ عنه لسانُه.
قال بعض الملوك - وقد أثنى الحاضرون على شخص من عمَّاله وفيهم رجل ساكت - ما لَك لا تقول كما يقولون؟ فقال: إن تكلَّمتُ خالفتهم.
فما كلُّ سكوت رضًى؛ فإنَّ هذه منكراتٌ أسَّسَها مَن بيده السيفُ والسِّنان، ودماءُ العباد وأموالهم تحت لسانه وقلمه، وأعراضهم تحت قوله وكلمه، فكيف يَقوى فردٌ من الأفراد على دفعه عمَّا أراد؟
_________________
(١) ١ قوله (بالإجماع) من خ. ٢ لفظ (مجتهدي) من خ.
[ ٨٢ ]
فإنَّ هذه القِبابَ والمشاهدَ التي صارت أعظمَ ذريعة إلى الشرك والإلحاد، وأكبرَ وسيلة إلى هدم الإسلام وخراب بنيانه، غالبُ، بل كلُّ مَن يَعمُرُها هم الملوكُ والسلاطينُ والرؤساء والولاةُ، إمَّا على قريب لهم أو على مَن يُحسنون الظنَّ فيه، مِن فاضل أو عالِم أو صوفيٍّ أو فقير أو شيخ أو كبير، ويزورُه الناسُ الذين يعرفونه زيارة الأموات، مِن دون توسُّل به ولا هَتف باسمه، بل يَدْعون له ويستغفرون، حتَّى ينقرِضَ مَن يَعرفه أو أكثرُهم، فيأتي مَن بعدهم فيجد قبرًا قد شيد عليه البناءُ، وسُرِجَت عليه الشموعُ، وفُرِشَ بالفراش الفاخر، وأُرْخِيَت عليه الستورُ، وأُلْقِيَت عليه الأورادُ والزهور، فيعتقد أنَّ ذلك لنفع أو لدفع ضر، ويأتيه السَّدَنة يكذبون على الميِّت بأنَّه فعلَ وفعل، وأنزل بفلان الضَّرَرَ، وبفلان النفع، حتى يَغرسُوا في جِبلَّتِه كلَّ باطل، ولهذا الأمر ثبت في الأحاديث النبوية اللَّعنُ على مَن أَسْرَجَ على القبور، وكتب عليها وبنى عليها١، وأحاديثُ ذلك واسعةٌ معروفة، فإنَّ ذلك في نفسه منهي عنه، ثم هو ذريعةٌ إلى مفسدة عظيمة.
_________________
(١) ١ النهي عن البناء على القبور ثبت في صحيح مسلم (٩٧٠)، والنهي عن الكتابة رواه أبو داود (٣٢٢٦) والترمذي (١٠٥٢) والنسائي (٢٠٢٧) وابن ماجه (١٥٦٣) والحاكم (١/٣٧٠) عن جابر ﵁ وفي بعضها: عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن جابر، وروايته عن جابر مرسلة، وفي بعضها: عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، وفي جميعها عنعنة ابن جريج وأبي الزبير، وقد صححه الحاكم والذهبي والألباني. انظر: أحكام الجنائز وبدعها (ص:٢٠٤) . وليس في البناء والكتابة ذكر اللَّعن، وأمَّا إسراج القبور فقد ورد فيه اللَّعن عند أبي داود وغيره من رواية أبي صالح باذان، عن ابن عباس، وأبو صالح ضعيف، ويدلُّ لتحريمه قوله ﷺ: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد" متفق عليه، وقوله ﷺ: وكلُّ بدعة ضلالة" رواه مسلم، وانظر: السلسلة الصحيحة للألباني (٢٢٥) .
[ ٨٣ ]
فإن قلتَ: هذا قبرُ رسول الله ﷺ قد عُمّرت عليه قُبَّة عظيمةٌ أُنفقت فيها الأموال.
قلتُ: هذا جهلٌ عظيم بحقيقة الحال، فإنَّ هذه القبَّة ليس بناؤها منه ﷺ، ولا من أصحابه، ولا مِن تابعيهم، ولا تابعي التابعين، ولا مِن علماء أمَّته وأئمَّة مِلَّتِه، بل هذه القبَّة المعمولةُ على قبره ﷺ مِن أبنية بعض مُلوك مصر المتأخرين، وهو قَلاَوُون الصالحي المعروف بالملك المنصور، في سنة ثمان وسبعين وستمائة، ذكره في (تحقيق النصرة بتلخيص معالم دار الهجرة) (١)، فهذه أمورٌ دولية لا دليلية، يتبع فيها الآخرُ الأول.
وهذا آخرُ ما أردناه مِمَّا أوردناه لَمَّا عمَّت البلوى، واتُّبعت الأهواء وأعرض العلماء عن النكير، الذي يجب عليهم، ومالوا إلى ما مالت العامَّة إليه، وصارَ المنكرُ معروفًا والمعروف منكرًا، ولَم نجد من الأعيان ناهيًا عن ذلك ولا زاجرًا (٢) .
فإن قلتَ: قد يتَّفق للأحياء أو للأموات اتصالُ جماعة بهم، يفعلون
_________________
(١) ١ للعلامة زين الدين أبي بكر بن الحسين بن عمر أبي الفخر المراغي المتوفى سنة (٨١٦هـ)، والمشهور أنَّ اسمه كنيته، وقيل: اسمه عبد الله، وله ترجمة طويلة في الضوء اللامع للمؤرِّخ الناقد السخاوي (إسماعيل) . ٢ لعلَّه يريد بالنفي البلاد اليمنية، وقد أثنى في أبياته التي ذكر بعضها فيما مضى على الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في إنكار البناء على القبور والغلوِّ في أصحابها، وكثير من العلماء في مختلف العصور يُنكرون ذلك في مؤلفاتهم، ومن ذلك قول ابن كثير في البداية والنهاية (في حوادث سنة ٢٠٨هـ): "وأصل عبادة الأصنام من المغالاة في القبور وأصحابها، وقد أمر النَّبيُّ ﷺ بتسوية القبور وطمسها، والمغالاة في البشر حرام".
[ ٨٤ ]
خَوَارقَ من الأفعال يتَسمّون بالمجاذيب، فما حكم ما يأتون به من تلك الأمور؟ فإنَّها مِمَّا جُبلَت القلوب إلى الاعتقاد بها.
قلتُ: أما المتسمُّون بالمجاذيب الذين يلوكون لفظ الجلالة بأفواههم، ويقولونها بألسنتهم، ويخرجونها عن لفظها العربي، فهم مِن أجناد إبليس اللعين، ومِن أعظم حمر الكون الذين ألبستهم الشياطين حُلَل التلبيس والتزيين، فإنَّ إطلاقَ لفظ الجلالة منفردًا عن إخبار عنها بقولهم (الله الله) ليس بكلام ولا توحيد، وإنَّما هو تلاعبٌ بهذا اللفظ الشريف (١)، بإخراجه عن لفظه العربيِّ، ثم إخلاؤه عن معنى من المعاني، ولو أنَّ رجلًا عظيمًا صالحًا يُسَمَّى بزيد وصار جماعةٌ يقولون (زيد زيد) لَعَدَّ ذلك استهزاءً وإهانةً وسُخرية، ولا سيما إذا زادوا إلى ذلك تحريفَ اللفظ.
ثم انظر هل أتى في لفظةٍ من الكتاب والسنة ذكرُ الجلالة بانفرادها
_________________
(١) ١ حاول بعض المتأخرين الاستدلال لهذا الصنيع بقول الله تعالى ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ إلى قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾، وقال: "معنى قوله ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ لا يكون خطابك لهم إلاَّ هذه الكلمة: كلمة (الله)، وقد ردَّ عليه الحافظ ابن كثير في تفسيره بقوله: "وهذا الذي قاله هذا القائل يكون أمرًا بكلمة مفردة من غير تركيب، والإتيان بكلمة مفردة لا يُفيد في لغة العرب إفادة يحسن السكوت عليها" (إسماعيل) . والكلام هو المفيد، كما قال ابن مالك: "كلامنا لفظ مفيد كاستقم"، والتقدير في الآية: قل الله أنزله، وحُذف لدلالة السياق عليه، قال ابن مالك في الألفية: وحذف ما يُعلم جائز كما تقول زيد بعد من عندكما وفي جواب كيف زيد قل دنف فزيد استُغني عنه إذ عُرف.
[ ٨٥ ]
سحيق.
ثم قد يُضيفون إلى الجلالة الشريفة أسماءَ جماعة من الموتى، مثل (ابن علوان) و(أحمد بن الحسين) و(عبد القادر) و(العيدروس)، بل قد انتهى الحالُ إلى أنَّهم يفرُّون إلى أهل القبور من الظلم والجور، كعلي رومان وعلي الأحمر، وأشباههما، وقد صان الله ﷾ رسولَه ﷺ وأهل الكساء وأعيانَ الصحابة عن إدخالهم في أفواه هؤلاء الجهلة الضُّلاَّل، فيجمعون أنواعًا من الجهل والشرك والكفر.
فإن قلتَ: إنَّه قد يتفق مِن هؤلاء الذين يلوكون لفظ الجلالة، ويضيفون إليها عمل أهل الخلاعة والبطالة، خوارق عادات وأمور١ تُظنُّ كرامات، كطعن أنفسهم بالآلات الحادة، وحملهم لِمثل الحَنَش والحيَّة والعقرب، وأكلهم النَّار، ومسِّهم إياها بالأيدي، وتقلُّبهم فيها بالأجسام.
قلتُ: هذه أحوالٌ شيطانيَّة، وإنَّك لَمُلَبَّسٌ عليك أن ظننتَها كرامات للأموات، أو حسنات للأحياء؛ لَمَّا هَتفَ هذا الضال بأسمائهم، وجعلهم أندادًا وشركاءَ لله تعالى في الخلق والأمر، فهؤلاء الموتى أنت تفرض أنَّهم أولياء الله تعالى.
_________________
(١) ١ في الأصل المطبوع: (وأمورًا)، والصواب ما أثبته، وفي طبعة المكتب الإسلامي زيادة لفظ: (عمل) في جملة: (ويضيفون إليها عمل أهل الخلاعة ) .
[ ٨٦ ]
فهل يَرضَى وليُّ الله أن يجعلَه المجذوبُ أو السالكُ شريكًا له تعالى وندًّا؟ إن زعمتَ ذلك فقد جئت شيئًا إدًّا، وصيَّرتَ هؤلاء الأموات مشركين، وأخرجتهم - وحاشاهم عن ذلك - عن دائرة الإسلام والدِّين، حيث جعلتهم أندادًا لله، راضين فرحين، وزعمتَ أنَّ هذه كرامات لهؤلاء المجاذيب الضُّلاَّل المشركين، التابعين لكلِّ باطل، المنغمسين في بحار الرذائل، الذين لا يَسجدون لله سجدة، ولا يذكرون الله وحده.
فإن زعمتَ هذا، فقد أثبتَّ الكرامات للمشركين الكافرين وللمجانين، وهدمتَ بذلك ضوابطَ الإسلام وقواعد الدِّين المبين والشرع المتين.
وإذا عرفتَ بطلان هَذين الأمرين علمتَ أنَّ هذه أحوالٌ شيطانيةٌ، وأفعالٌ طاغوتيَّةٌ، وأعمالٌ إبليسيَّة، يفعلها الشياطين لإخوانهم مِن هؤلاء الضالِّين، معاونةً من الفريقين على إغواءِ العباد.
وقد ثبتَ في الأحاديث أنَّ الشياطينَ والجانَّ يتشكَّلون بأشكال الحيَّة والثعبان١، وهذا أمرٌ مقطوعٌ بوقوعه، فهم الثعابين التي يُشاهدها الإنسانُ في أيدي المجاذيب، وقد يكون ذلك مِن باب السِّحر٢ وهو أنواع، وتعلُّمُه ليس بالعسير، بل بابُه الأعظمُ هو الكفرُ بالله وإهانةُ ما عظَّمه الله، مِن جعل مُصحَف في كَنيف ونحوه.
فلا يَغتَرَّ مَن يشاهدُ ما يَعظُمُ في عينيه من أحوال المجاذيب من الأمور التي يراها خوارق، فإنَّ للسِّحرِ تأثيرًا عظيمًا في الأفعال، وهكذا الذين
_________________
(١) ١ كما في صحيح مسلم (٢٢٣٦) . ٢ وقد تكون حيَّات وثعابين حقيقية خُلعت أنيابها وأُزيل مكان السُّمِّ منها.
[ ٨٧ ]
يقلبون الأعيانَ بالأسحار وغيرها، وقد ملأَ سَحَرَةُ فرعون الوادي بالثعابين والحيات، حتى أَوْجَسَ في نفسه خِيفَةً موسى ﵇، وقد وصفه اللهُ بأنَّه سِحرٌ عظيمٌ، والسِّحرُ يَفعَلُ أعظمَ من هذا؛ فإنَّه قد ذكرَ ابنُ بَطوطة وغيرُه أنَّه شاهد في بلاد الهند قومًا توقَدُ لهم النارُ العظيمةُ، فيلبسون الثيابَ الرقيقة، ويخوضون في تلك النار، ويخرجون وثيابُهم كأنَّها لَم يَمسَّها شيءٌ.
بل ذكر أنَّه رأى إنسانًا عند بعض ملوك الهند أتى بوَلَدَيْن معه، ثم قَطَعَهُما عضوًا عضوًا، ثمَّ رَمَى بكلِّ عُضوٍ إلى جهة فِرَقًا، حتى لَم يرَ أحدٌ شيئًا من تلك الأعضاء، ثمَّ صاح وبكى، فلم يَشعر الحاضرون إلاَّ وقد نزل كلُّ عضوٍ على انفراده، وانضمَّ إلى الآخر، حتى قام كلُّ واحد منهما على عادته حيًّا سَوِيًّا، ذكر هذا في رحلته، وهي رحلة بَسيطة وقد اختُصِرَت، طالعتُها بمكة عام ست وثلاثين ومائة وألف، وأملاها علينا العلامةُ مفتي الحنفية في المدينة، السيد محمد بن أسعد ﵀.
وفي الأغاني لأبي الفَرَج الأصفهاني١ بسنده: أنَّ ساحرًا كان عند الوليد بن عقبة، فجعل يَدخُلُ في جَوف بقرة ويخرج، فرآه جندب ﵁،
_________________
(١) ١ هو علي بن الحسين الأصبهاني الأموي، صاحب كتاب الأغاني، شيعي، وهذا نادر في أموي، كذا ذكر الذهبي في ميزان الاعتدال، ثم قال: "وكان إليه المنتهى في معرفة الأخبار وأيَّام الناس والشعر والغناء والمحاضرات، يأتي بأعاجيب بحدَّثنا وأخبرنا، وكان طلبه في حدود الثلاثمائة، فكتب ما لا يوصف كثرة حتى لقد اتُّهم، والظاهر أنَّه صدوق، وقد قال أبو الفتح بن أبي الفوارس: خلط قبل موته"، وأطال الذهبي ترجمته (إسماعيل) . في طبعة رئاسة الإفتاء: (حدَّثنا وأخبرنا)، وما أثبته من طبعة المكتب الإسلامي.
[ ٨٨ ]
فذهب إلى بيته فاشتمل على سيفه، فلما دخل الساحرُ في البقرة، قال جندب: أتأتون السِّحر وأنتم تبصرون، ثمَّ ضرب وسط البقرة، فقطعها، وقطع الساحرَ معها، فانذعر الناسُ، فحَبَسَه الوليدُ، وكتب بذلك إلى عثمان ﵁، وكان على السجن رجل نصراني، فلمَّا رأى جندبًا يقوم الليلَ ويصبحُ صائمًا، قال النصراني: والله إنَّ قومًا هذا شرُّهم لَقَوْمُ صِدق، فوَكَّلَ بالسِّجن رجلًا، ودخل الكوفةَ فسأل عن أفضل أهلها، فقالوا: الأشعث بنُ قيس، فاستضافه فرأى أبا محمد يعني الأشعث ينام الليلَ ويصبح فيدعو بغدائه، فخرج مِن عنده وسأل: أيُّ أهل الكوفة أفضل؟ فقالوا: جَرير بن عبد الله، فوجده ينام، ثم يصبح فيدعو بغدائه. فاستقبل القبلةَ فقال: رَبِّي رَبُّ جُندُب، وديني دينُ جندب، وأَسْلَمَ.
وأخرجها البيهقي١ في السنن الكبرى بمغايرة في القصة، فذكر بسنده إلى أبي الأسود٢: "أنَّ الوليد بنَ عقبة كان في العراق يلعب بين يديه ساحر، فكان يضرب رأسَ الرجل ثم يصيح به، فيقوم صارخًا، فيَرُدُّ إليه رأسَه، فقال الناس: سبحان الله! يُحيي الموتى! ورآه رجلٌ من صالحي المهاجرين، فلمَّا كان مِن الغَدِ اشتمل على سيفه، فذهب يلعب لعبَه ذلك، فاخترط الرَّجل سيفَه فضرب عنقه، وقال: إن كان صادقًا
_________________
(١) ١ هو أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي الحافظ، بلغت تصانيفه ألف جزء، وقد نفع الله المسلمين بها شرقًا وغربًا، لإمامة الرجل ودينه وفضله وإتقانه، توفي في عاشر جمادى الأولى بنيسابور سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. اهـ ملخصًا من خبر من غبر للحافظ الذهبي. (إسماعيل) . ٢ وهو: "أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، ثنا أبو العباس الأصم، ثنا بحر بن نضر، ثنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن أبي الأسود. (إسماعيل) . وانظر: السلسلة الضعيفة للألباني (١/٦٤٢) .
[ ٨٩ ]
فليحي نفسَه! فأمر به الوليد دينارًا صاحبَ السجن فسجَنَه"١.
بل أعجبُ من هذا ما أخرجه الحافظ البيهقي بإسناده في قصة طويلة، وفيها: "أنَّ امرأةً تعلَّمت السِّحرَ مِن المَلَكَيْن ببابل هاروت وماروت، وأنَّها أخذت قمحًا، فقالت له بعد أن ألقته: [اطلع، فطلع، فقالت: أحقل، فأحقل، ثمَّ تركته، ثم قالت إيبَس، فيبس، ثم قالت له: اطحن، فأطحن]، ثمَّ قالت له: اختبز فاختبز، وكانت لا تريد شيئا إلاَّ كان"٢.
والأحوال الشيطانيةُ لا تنحصر، وكفى بما يأتي به الدَّجَّال، والمعيار اتِّباع الكتاب والسنة ومخالفتهما٣.
_________________
(١) ١ كذا في الأصل، وعبارة البيهقي ج٨ ص ١٣٦: "وأمر به الوليد دينارًا صاحب السجن، وكان رجلًا صالحًا، فسجنه فأعجبه نحو الرجل، قال: أفتستطيع أن تهرب؟ قال: نعم! قال: فاخرج! لا يسألني الله عنك أبدًا" اهـ (إسماعيل) . ٢ روى البيهقي تلك القصة الطويلة المشار إليها في باب (قبول توبة الساحر وحقن دمه) من السنن الكبرى (إسماعيل) . وأورد ابن كثير في تفسيره عند قول الله ﷿: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ﴾ الآية القصة مطولة إسنادًا ومتنًا عند ابن جرير وابن أبي حاتم، وقال: "فهذا إسناد جيد إلى عائشة ﵂". ٣ هذه كلمة جميلة ختم بها المصنف كتابه، وهي مسك الختام؛ فالحق والهدى ما جاء في الكتاب والسنة، والباطل والضلال ما كان بخلافهما، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على المنطقيين (ص:٥١٥ - ٥١٦): "وقال غيرُ واحد من الشيوخ والعلماء: لو رأيتم الرجلَ يطير في الهواء ويمشي على الماء فلا تغتروا به حتى تنظروا وقوفه عند الأمر والنهي"، وقال ابن كثير في تفسيره (١/٣٦٢ ط مكتبة أولاد الشيخ) عند قوله تعالى من سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾: "وقد قال يونس بن عبد الأعلى الصدفي: قلت للشافعي: كان الليث بن سعد يقول: إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة، فقال الشافعي: قصَّر الليث ﵀، بل إذا رأيتم الرجل بمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة".
[ ٩٠ ]
انتهى ما أوردناه ولله الحمد أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا١، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، كلَّما ذكره الذاكرون، وغَفَلَ عن ذكره الغافلون.
جاء في آخر طبعة رئاسة الإفتاء:
تم الكتاب والحمد لله.
وقد قوبل على نسخة خطية ضمن مجموعة تحتوي على كتب قيمة، وهي من مكتبة سماحة مفتي الديار السعودية ورئيس قضاتها العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى، والنسخة المذكورة محفوظة في مكتبة الرياض السعودية برقم ٣٠٧/ ٨٦.
وقد قام بتلك المقابلة وبالتصحيح والتعليق إسماعيل بن محمد الأنصاري، وإلى المخطوطة المذكورة يرمز في بعض تعليقاته بحرف (خ) .
_________________
(١) ١ لفظ (وظاهرًا وباطنًا) من خ.
[ ٩١ ]
شرح الصدور بتحريم رفع القبور
تصنيف
الإمام محمد بن علي الشوكاني
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالَمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله المطَهَّرين وصحبه المكرمين.
وبعد:
فاعلم أنَّه إذا وقع الخلاف بين المسلمين في أنَّ هذا الشيء بدعة أو غير بدعة، أو مكروه أو غير مكروه، أو محرَّم أو غير محرَّم، أو غير ذلك، فقد اتفق المسلمون - سلفهم وخلفهم - من عصر الصحابة إلى عصرنا هذا - وهو القرن الثالث عشر منذ البعثة المحمدية - أنَّ الواجبَ عند الاختلاف في أيِّ أمر من أمور الدِّين بين الأئمَّة المجتهدين هو الرد إلى كتاب الله سبحانه وسنة رسوله ﷺ، الناطق (١) بذلك الكتاب العزيز [٤: ٥٩] ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، ومعنى الرد إلى الله سبحانه الرد إلى كتابه، ومعنى الرد إلى رسوله ﷺ الرد إلى سنَّته بعد وفاته، وهذا مِمَّا لا خلاف فيه بين جميع المسلمين، فإذا قال مجتهدٌ من المجتهدين: هذا حلال، وقال الآخر: هذا حرام، فليس أحدهما أولَى بالحقِّ من الآخر، وإن كان أكثرَ منه علمًا أو أكبرَ منه سنًّا أو أقدمَ منه عصرًا؛ لأنَّ كلَّ واحد منهما فرد من أفراد عباد الله، ومتعبَّد بما في الشريعة المطهرة مِمَّا في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ومطلوب منه ما طلب الله من غيره من العباد، وكثرةُ علمه وبلوغه درجة الاجتهاد أو
_________________
(١) ١ في الفتح الرباني: (كما نطق بذلك) .
[ ٩٧ ]
مجاوزته لها لا يُسقط عنه شيئًا من الشرائع التي شرعها الله لعباده، ولا يخرجه من جملة المكلَّفين من العباد، بل العالم كلَّما ازداد علمًا كان تكليفه زائدًا على تكليف غيره، ولو لم يكن من ذلك إلاَّ ما أوجبه الله عليه من البيان للناس، وما كلفه به من الصَّدع بالحق وإيضاح ما شرعه الله لعباده: [٣: ١٨٧] ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾، [٢: ١٥٩] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ﴾
فلو لم يكن لِمَن رزقه الله طرفًا من العلم إلاَّ كونه مكلفًا بالبيان للناس لكان كافيًا فيما ذكرناه من كون العلماء لا يخرجون عن دائرة التكليف، بل يزيدون بما علموه تكليفًا، وإذا أذنبوا كان ذنبُهم أشدَّ من ذنب الجاهل وأكثرَ عقابًا، كما حكاه الله سبحانه عمَّن عمل سوءًا بجهالة ومن عمله بعلم، وكما حكاه في كثير من الآيات عن علماء اليهود حيث أقدموا على مخالفة ما شرعه الله لهم، مع كونهم يعلمون الكتاب ويدرسونه، ونعى ذلك عليهم في مواضع متعدِّدة من كتابه، وبَكَتَهم أشدَّ تبكيت، وكما ورد في الحديث الصحيح: "إنَّ من أوَّل من تسعَّر بهم جهنم: العالم الذي يأمر الناس ولا يأتمر، وينهاهم ولا ينتهي"١.
وبالجملة فهذا أمرٌ معلوم، أنَّ العلم وكثرتَه وبلوغ حامله إلى أعلى درجات العرفان لا يُسقط عنه شيئًا من التكاليف الشرعية، بل يزيدها
_________________
(١) ١ رواه الترمذي (٢٣٨٢)، وقال: "هذا حديث حسن غريب"، ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٢٤٨٢)، والحاكم في المستدرك (١/٤١٩)، وصححه ووافقه الذهبي، وانظر تعليق الشيخ الألباني عليه في صحيح ابن خزيمة.
[ ٩٨ ]
عليه شدة، ويخاطَب بأمور لا يخاطَب بها الجاهل، ويكلَّف بتكاليف غير تكاليف الجاهل، ويكون ذنبُه أشدَ وعقوبتُه أعظمَ، وهذا لا يُنكره أحدٌ مِمَّن له أدنى تمييز بعلم الشريعة١، والآيات والأحاديث الواردة في هذا المعنى لو جُمعت لكانت مؤلَّفًا مستقيمًا٢، ومصنَّفًا حافلًا، وليس ذلك من غرضنا في هذا البحث، بل غاية الغرض من هذا ونهاية القصد منه هو بيان أنَّ العالِمَ كالجاهل في التكاليف الشرعية والتعبُّد بما في الكتاب والسنة، مع ما أوضحناه لك من التفاوت بين الرتبتين، رتبة العالم ورتبة الجاهل في كثير من التكاليف واختصاص العالم منهما٣ بما لا يجب على الجاهل.
وبهذا يتقرَّر لك أن ليس لأحد من العلماء المختلفين، أو من التابعين لهم والمقتدين بهم أن يقول: الحقُّ ما قاله فلان دون فلان، أو فلان أولى بالحق من فلان، بل الواجب عليه - إن كان مِمَّن له فهم وعلم وتمييز - أن يردَّ ما اختلفوا فيه إلى كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ، فمَن كان دليلُ الكتاب والسنة معه فهو على الحق وهو الأولى بالحق (٤)، ومَن كان دليلُ الكتاب والسنة عليه لا له كان هو المخطئ، ولا ذنب عليه في هذا الخطأ، إن كان قد وفَّى الاجتهاد حقَّه، بل هو معذور، بل مأجور، كما ثبت في الحديث الصحيح أنَّه: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن
_________________
(١) ١ وفي هذا المعنى يقول الشاعر: إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم ٢ في الفتح الرباني بدل (مستقيمًا): (مستقلًاّ) . ٣ في الفتح الرباني: (منها) . ٤ قال الشافعي: "أجمع الناس على أنَّ من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد"، ذكره ابن القيم في كتاب الروح (ص:٣٩٦) .
[ ٩٩ ]
اجتهد فأخطأ فله أجر"١، فناهيك بخطأ يُؤجر عليه فاعلُه، ولكن هذا إنَّما هو للمجتهد نفسه إذا أخطأ، ولكن لا يجوز لغيره أن يتبعه في خطئه، ولا يُعذر كعذره، ولا يُؤجر كأجره، بل واجبٌ على مَن عداه من المكلَّفين أن يترك الاقتداء به في الخطأ ويرجع إلى الحقِّ الذي دَلَّ عليه الكتاب والسنة.
وإذا وقع الرَّدُّ لِما اختلف فيه أهل العلم إلى الكتاب والسنة كان من معه دليل الكتاب والسنة هو الذي أصاب الحق ووافقه، وإن كان واحدًا، والذي لم يكن معه دليلُ الكتاب والسنة هو الذي لم يصب الحق، بل أخطأه، وإن كان عددًا كثيرًا، فليس لعالِم ولا لمتعلِّم ولا لمن يفهم - وإن كان مقصرًا - أن يقول: إنَّ الحقَّ بيد مَن يقتدى به من العلماء، إن كان دليل الكتاب والسنة بيد غيره، فإنَّ ذلك جهل عظيم، وتعصُّب ذميم، وخروج من دائرة الإنصاف بالمرة؛ لأنَّ الحقَّ لا يُعرف بالرجال، بل الرجال يُعرفون بالحق، وليس أحد من العلماء المجتهدين والأئمة المحققين بمعصوم، ومَن لَم يكن معصومًا فإنَّه يجوز عليه الخطأ كما يجوز عليه الصواب، فيصيب تارة ويخطئ أخرى، ولا يتبيَّن صوابُه من خطئه إلاَّ بالرجوع إلى دليل الكتاب والسنة، فإن وافقهما فهو مصيب، وإن خالفهما فهو مخطئ، ولا خلاف في هذه الجملة بين جميع المسلمين أولهم وآخرهم، سابقهم ولاحقهم، كبيرهم وصغيرهم، وهذا يعرفه كلُّ مَن له أدنى حظ من العلم، وأحقر نصيب من العرفان، ومَن لَم يفهم هذا ويعترف به فليتَّهم نفسه، ويعلم أنه قد جَنى على نفسه بالخوض فيما ليس من شأنه، والدخول فيما لا تبلغ إليه قدرتُه، ولا ينفذ فيه فهمُه،
_________________
(١) ١ رواه البخاري (٧٣٥٢) ومسلم (١٧١٦) .
[ ١٠٠ ]
وعليه أن يُمسك قلمَه ولسانه، ويشتغل بطلب العلم، ويفرغ نفسه لطلب علوم الاجتهاد التي يتوصل بها إلى معرفة الكتاب والسنة وفهم معانيهما، والتمييز بين دلائلهما، ويجتهد في البحث في السنة وعلومها، حتى يتميز عنده صحيحها من سقيمها، ومقبولها من مردودها، وينظر في كلام الأئمة الكبار من سلف هذه الأمة وخلفها حتى يهتدي بكلامهم إلى الوصول إلى مطلوبه١، فإنَّه إن لَم يفعل هذا وقدَّم الاشتغال بما قدَّمنا، ندم على ما فرط فيه قبل أن يتعلَّم هذه العلوم غاية الندم، وتَمَنَّى أنَّه أمسك عن التكلُّم بما لا يعنيه، وسكت عن الخوض فيما لا يَدْرِيه، وما أحسن ما أدَّبنا به رسول الله ﷺ فيما صح عنه من قول "رحم الله امرءًا قال خيرًا أو صمت"٢، وهذا في الذي تكلَّم في العلم قبل أن يفتح الله عليه بما لا بدَّ منه، وشغل نفسه بالتعصب للعلماء، وتصدَّر للتصويب والتخطئة في شيء لَم يعلمه ولا فهمه حقَّ فهمه، ولم يقل خيرًا ولا صمت، فلم يتأدَّب بالأدب الذي أرشد إليه رسولُ الله ﷺ.
وإذا تقرَّر لك من مجموع ما ذكرناه وجوبُ الرد إلى كتاب الله وسنِّة رسوله ﷺ بنصِّ الكتاب العزيز وإجماع المسلمين أجمعين، عرفت أنَّ مَن زعم من الناس أنَّه يُمكن معرفة المخطئ من العلماء من غير هذه الطريق
_________________
(١) ١ أوضح ابن القيم في كتاب الروح (ص:٣٩٥) أنَّه يُرجع إلى كلام العلماء للاستعانة بذلك للوصول إلى الدليل، فإذا وصل إليه استغنى به عن غيره، وضرب لذلك مثلًا بالنجم الذي يُستدلُّ به على جهة القبلة، فإذا وصل إليها لم يبق لاستدلاله بالنجم معنى. ٢ لم أقف عليه بهذا اللفظ، ورواه البخاري (٦٤٧٥) ومسلم (٧٤)، ولفظه: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت".
[ ١٠١ ]
عند اختلافهم في مسألة من المسائل، فهو مخالفٌ لِما في كتاب الله، ومخالفٌ لإجماع المسلمين أجمعين، فانظر أرشدَك الله إلى أيِّ جناية جنى على نفسه بهذا الزعم الباطل، وأيِّ مصيبة وقع فيها بهذا الخطأ الفاحش، وأىِّ بلية جلبها عليه القصور والتقصير، وأيِّ محنة شديدة ساقها إليه التكلُّم فيما ليس من شأنه؟
وها أنا أوضح لك مثالًا لما ذكرناه من الاختلاف بين أهل العلم، ومِن كيفية الرد إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ليتبيَّن المصيبُ من المخطئ، ومَن بيده الحق ومَن بيده غيره، حتى تعرف الحقَّ حق معرفته، ويتضح لك غاية الاتضاح، فإنَّ الشيء إذا ضُربت له الأمثلة وصُوِّرَت له الصور بلغ من الوضوح والجلاء إلى غاية لا يخفى معها على مَن له فهم صحيح وعقل رجيح، فضلًا عمَّن لم يكن له في العلم نصيب، وفي العرفان حظ، ولنجعل هذه المسألة التي جعلناها مثالًا لِما ذكرناه وإيضاحًا لِما أمليناه: هى المسألة التي لَهَجَ بالكلام فيها أهلُ عصرنا ومصرنا، خصوصًا في هذه الأيام لأسباب لا تخفى، وهي: مسألة رفع القبور والبناء عليها، كما يفعله الناس من بناء المساجد والقباب على القبور.
فنقول:
اعلم أنَّه قد اتفق الناس، سابقهم ولاحقهم، وأوَّلهم وآخرهم من لدن الصحابة ﵃ إلى هذا الوقت: أنَّ رفعَ القبور والبناء عليها بدعةٌ من البدع التي ثبت النهيُ عنها، واشتدَّ وعيدُ رسول الله لفاعلها - كما يأتي بيانه - ولَم يخالف في ذلك أحدٌ من المسلمين أجمعين،
[ ١٠٢ ]
لكنَّه وقع للإمام يحي بن حمزة مقالة تدلُّ على أنَّه يرى أنَّه لا بأس بالقباب والمشاهد على قبور الفضلاء، ولم يقل بذلك غيرُه، ولا روي عن أحد سواه، ومَن ذكرها من المؤلفين في كتب الفقه من الزيدية فهو جَرْيٌ على قوله واقتداءٌ به، ولم نجد القول بذلك مِمَّن عاصره، أو تقدَّم عصره عليه، لا من أهل البيت ولا من غيرهم، وهكذا اقتصر صاحب البحر الذي هو مدرس كبار الزيدية، ومرجع مذهبهم ومكان البيان لخلافهم في ذات بينهم، وللخلاف بينهم وبين غيرهم، بل اشتمل على غالب أقوال المجتهدين وخلافاتهم في المسائل الفقهية، وصار هو المرجوع إليه في هذه الأعصار وهذه الديار لِمَن أراد معرفة الخلاف في المسائل، وأقوال القائلين بإثباتها أو نفيها من المجتهدين، فإنَّ صاحب هذا الكتاب الجليل لم ينسب هذه المقالة - أعني جواز رفع القباب والمشاهد على قبور الفضلاء - إلاَّ إلى الإمام يحيى وحده، فقد قال ما نصه:
مسألة: الإمام يحيى: لا بأس بالقباب والمشاهد على قبور الفضلاء والملوك لاستعمال المسلمين ولم يُنكر. انتهى.
فقد عرفتَ من هذا أنَّه لم يقل بذلك إلاَّ الإمام يحيى، وعرفت دليله الذي استدل به، وهو استعمال المسلمين مع عدم النكير، ثم ذكر صاحب البحر هذا الدليل الذي استدل به الإمام يحيى في الغيث واقتصر عليه، ولم يأت بغيره.
فإذا عرفتَ هذا، تقرَّر لك أنَّ هذا الخلاف واقعٌ بين الإمام يحيى وبين سائر العلماء، من الصحابة والتابعين، ومن المتقدِّمين من أهل البيت والمتأخرين، ومن أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، ومن جميع
[ ١٠٣ ]
المجتهدين أولهم وآخرهم١، ولا يعترض هذا بحكاية من حكى قول الإمام يحيى في مؤلَّفه مِمَّن جاء بعده من المؤلِّفين، فإنَّ مجرَّد حكاية القول لا يدلُّ على أنَّ الحاكي يختاره ويذهب إليه، فإن وجدتَ قائلًا من بعده من أهل العلم يقول بقوله هذا ويرجِّحه، فإن كان مجتهدًا كان قائلًا بما قاله الإمام يحيى، ذاهبًا إلى ما ذهب إليه بذلك الدليل الذي استدلَّ به، وإن كان غيرَ مجتهد فلا اعتبار بموافقته؛ لأنَّها إنما تعتبر أقوال المجتهدين لا أقوال المقلِّدين.
فإذا أردتَ أن تعرف هل الحق ما قاله الإمام يحيى، أو ما قاله غيره من أهل العلم، فالواجب عليك رد هذا الاختلاف إلى ما أمرنا الله بالرد إليه، وهو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
فإن قلتَ: بيِّن لي العمل في هذا الرد حتى تتمَّ الفائدة، ويتَّضِح الحق من غيره، والمصيب من المخطئ في هذه المسألة.
قلتُ: افتح لِمَا أقوله سمعًا، وأرهف له ذهنًا، وها أنا أوضح لك الكيفية المطلوبة، وأبيِّن لك ما لا يبقى عندك بعده ريب، ولا يصاحب ذهنك وفهمك عنده لبس، فأقول:
قال الله سبحانه: [٥٩: ٧] ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، فهذه الآية فيها الإيجاب على العباد بالائتمار بما أمر به
_________________
(١) ١ على قاعدة ابن جرير التي ذكرها ابن كثير عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، وهي أنَّ خلاف الواحد أو الاثنين لا يؤثِّر في الإجماع، فإنَّ هذه المسألة من مسائل الإجماع، وعلى قول الحافظ ابن حجر في الفتح (٢/٢١٩) أنَّه لا يُعتدُّ بخلاف الزيدية، فإنَّ المسألة أيضًا من مسائل الإجماع.
[ ١٠٤ ]
الرسول ﷺ والأخذ به، والانتهاء عما نهى عنه ﷺ وتركه، وقال الله سبحانه: [٣: ٣١] ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، ففي هذه الآية: تعليق محبة الله الواجبة على كلِّ عبد من عباده باتِّباع رسوله ﷺ، وأنَّ ذلك هو المعيارُ الذي يُعرف به محبةُ العبد لربِّه على الوجه المعتبَر، وأنَّه السبب الذي يستحق به العبد أن يحبه الله، وقال الله سبحانه: [٤: ٨٠] ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، ففي هذه الآية: أنَّ طاعةَ الرسول طاعةٌ لله، وقال: [٤: ٦٩] ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾، فأوجب هذه السعادة لِمَن أطاع الله ورسولَه، وهى أن يكون من هؤلاء الذين هم أرفع العباد درجة عنده، وأعلاهم منزلة، وقال: [٤: ١٣ - ١٤] ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (، وقال سبحانه: [٢٤: ٥٢] ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، وأنزل الله على رسوله أن يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ والآيات الدالة عل هذا المعنى في الجملة أكثر من ثلاثين آية.
ويُستفاد من جميع ما ذكرناه: أنَّ ما أمر به رسول الله ﷺ ونهى عنه كان الأخذ به واتباعه واجبًا بأمر الله سبحانه، وكانت الطاعة لرسول الله
[ ١٠٥ ]
في ذلك طاعة لله، وكان الأمر من رسول الله أمرًا من الله١.
وسنوضح لك ما صحَّ عن رسول الله ﷺ في غير حديث من النهى عن رفع القبور والبناء عليها، ووجوب تسويتها، وهدم ما ارتفع منها، ولكنَّا هنا نبتدئ بذكر أشياء في حكم التوطئة والتمهيد لذلك، ثم ننتهي إلى ذكر ما هو المطلوب، حتى يعلم من اطَّلع على هذا البحث أنَّه إذا وقع الرد فيما قاله الإمام يحيى وما قاله غيره في القباب والمشاهد إلى ما أمر الله بالردِّ إليه، وهو كتاب الله سبحانه وسنة رسوله ﷺ كان في ذلك ما يشفي ويكفي، ويقنع ويغني ذكر بعضه، فضلًا عن ذكر جميعه، وعند
_________________
(١) ١ السنةُ وحيٌ من الله أوحاه إلى رسوله ﷺ، قال الله ﷿: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، وفي صحيح البخاري (١٤٥٤) كتاب أبي بكر إلى أنس الطويل في بيان فرائض الصدقة، وفي أوله قال: "هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله"، وروى مسلم في صحيحه (١٨٨٥) عن أبي قتادة أنَّه حدَّث عن رسول الله ﷺ أنَّه قام فيهم، فذكر لهم: "أنَّ الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال، فقام رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت إن قُتلتُ في سبيل الله تكفَّر عنِّي خطاياي؟ فقال له رسول الله ﷺ: نعم، إن قُتلتَ في سبيل الله وأنت صابر محتسب، مُقبل غير مدبر، ثم قال رسول الله ﷺ: كيف قلتَ؟ قال: أرأيت إن قُتلتُ في سبيل الله أتُكفَّر عنِّي خطاياي؟ فقال رسول الله ﷺ: نعم، وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر، إلاَّ الدَّين؛ فإنَّ جبريل ﵇ قال لي ذلك" ورواه النسائي (٣١٥٥) عن أبي هريرة، وفي آخره: "نعم، إلاَّ الدَّين، سارَّني به جبريل آنفًا"، وفي صحيح البخاري (١٧٨٩) ومسلم (١١٨٠) عن يعلى بن أمية في قصة الرجل الذي عليه جبة وهو متضمِّخ بالخَلوق، وقد سأل النَّبيَّ ﷺ بالجعرَّانة: "كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ "، فنزل عليه الوحي، وفي آخر الحديث: "فلمَّا سُرِّي عن الرسول ﷺ قال: "أين السائل عن العمرة؟ اخلع عنك الجبَّة، واغسل أثرَ الخلوق منك، وأنق الصفرة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجِّك".
[ ١٠٦ ]
ذلك يتبيَّن لكلِّ مَن لهم فهم، ما في رفع القبور من الفتنة العظيمة لهذه الأمة، ومن المكيدة البالغة التي كادهم الشيطان بها، وقد كاد بها مَن كان قبلهم من الأمم السالفة، كما حكى الله ﷾ ذلك في كتابه العزيز.
وكان أول ذلك في قوم نوح، قال الله سبحانه: [٧١: ٢١ - ٢٣] ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ " كانوا١ قومًا صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صوَّرناهم كان أشوقَ لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوَّروهم، فلمَّا ماتوا وجاء آخرون دَبَّ إليهم إبليس، فقال: إنَّما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم، ثم عبدتهم العرب بعد ذلك"، وقد حكي معنى هذا في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما٢، وقال قوم من السلف: "إنَّ هؤلاء كانوا قومًا صالحين من قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم".
ويؤيِّد هذا ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن عائشة ﵂: "أنَّ أمَّ سلمة ﵂ ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وذكرت له ما رأت فيها من الصُّوَر، فقال رسول الله
_________________
(١) ١ في نسخة الفتح الرباني: (قال جماعة من السلف الصالح: إنَّ يغوث ويعوق ونسرًا كانوا قومًا صالحين ) . ٢ صحيح البخاري (٤٩٢٠) .
[ ١٠٧ ]
ﷺ: أولئك قومٌ إذا مات فيهم العبدُ الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوَّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله"١.
وأخرج ابن جرير في تفسير قوله تعالى: [٥٣: ١٩] ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ قال: "كان يلُتُّ السَّويق للحاج، فمات فعكفوا على قبره"٢.
وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يَموت يقول: "ألاَ وإنَّ مَن كان قبلكم كانوا يتَّخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإنِّي أنهاكم عن ذلك"٣.
وفي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: "لَمَّا نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خَميصة على وجهه، فإذا اغتمَّ كشفها، فقال - وهو كذلك ـ: لعنةُ الله على اليهود والنصارى، فقد اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذِّر ما صنعوا" ٤.
وفي الصحيحين مثله أيضًا من حديث ابن عباس رضي الله عنهما٥.
وفيهما أيضًا من حديث أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "قاتل الله اليهود والنصارى اتَّخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد" ٦.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري (٤٢٧) ومسلم (٥٢٨) . ٢ هو عنده بأسانيد صحيحة عن مجاهد، قال: "كان يلتُّ السَّويق للحاج، فعُكف على قبره"، وعنده وعند البخاري في صحيحه (٤٨٥٩) عن ابن عباس ﵄: "كان اللاَّت رجلًا يلتُّ سويق الحاج". ٣ صحيح مسلم (٥٣٢)، وفيه: "قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد". ٤ صحيح البخاري (٤٣٥) ومسلم (٥٣١) . ٥ صحيح البخاري (٤٣٦) ومسلم (٥٣١) . ٦ صحيح البخاري (٤٣٧) ومسلم (٥٣٠)، وليس فيهما ذكر النصارى.
[ ١٠٨ ]
وفي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنَّه خشي أن يكون مسجدًا" (١) .
وأخرج الإمام أحمد في مسنده بإسناد جيد، من حديث عبد الله بن مسعود ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ من شرار الناس مَن تُدْرِكُهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد" ٢.
وأخرج أحمد وأهل السنن من حديث زيد بن ثابت ﵁: أنَّه ﷺ قال: "لعن الله زائرات القبور والمتَّخذين عليها المساجد والسُّرُج" ٣.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري (١٣٣٠) ومسلم (٥٢٩) . ٢ المسند (٣٨٤٤) . ٣ الحديث بهذا اللفظ أخرجه الإمام أحمد (٢٠٣٠) وأبو داود (٣٢٣٦) والنسائي (٢٠٤٣) والترمذي (٣٢٠) عن ابن عباس، وليس عن زيد بن ثابت، وأخرجه ابن ماجه (١٥٧٥) عن ابن عباس، ولفظه: "لعن رسول الله ﷺ زوَّارات القبور"، وعند الجميع هو من رواية أبي صالح باذان عن ابن عباس، وقد قال عنه الحافظ في التقريب: "ضعيف مدلس". وقد اشتمل الحديث على ثلاث جُمل: الأولى: لعن زائرات القبور، وفي لفظ ابن ماجه: "زوَّارات"، وهو بلفظ: "لعن الله زوَّارات القبور" عن أبي هريرة عند أحمد (٨٤٤٩) والترمذي (١٠٥٦) وابن ماجه (١٥٧٦)، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، ولفظ "زوَّارات" فيه للنسبة لا للمبالغة، والمعنى: ذوات زيارة، نظير قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، أي: ليس بذي ظلم. الثانية: لعن المتخذين المساجد على القبور، وقد تواترت بذلك الأحاديث، وقد ذكر المصنف جملة منها. الثالثة: لعن المتَّخذين السُّرُج على القبور، وقد جاء من هذه الطريق الضعيفة عن ابن عباس، لكن يدلُّ لتحريم ذلك عموم قوله ﷺ: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد"، وقوله ﷺ: "وكلُّ بدعة ضلالة".
[ ١٠٩ ]
وفي صحيح مسلم وغيره عن أبى الهيَّاج الأسدي قال: "قال لي علي بن أبي طالب ﵁: ألاَ أبعثك على ما بعثني عليه رسولُ الله ﷺ: أن لاَ أَدع تمثالا إلاَّ طَمَسته، ولا قبرًا مشرِفًا إلاَّ سوَّيتُه" (١) .
وفي صحيح مسلم أيضًا عن ثمامة بن شفي نحو ذلك٢.
وفي هذا أعظمُ دلالة على أنَّ تسويةَ كلِّ قبر مشرِف بحيث يرتفع زيادة على القدر المشروع واجبةٌ متحتِّمة، فمِن إشراف القبور: أن يرفع سمكها، أو يجعل عليها القباب أو المساجد، فإنَّ ذلك من المنهيِّ عنه بلا شك ولا شبهة، ولهذا فإنَّ النبيَّ ﷺ بعث لِهدمِها أميرَ المؤمنين عليًّا، ثم إنَّ أمير المؤمنين بعث لِهدمِها أبا الهيَّاج الأسدي في أيام خلافته.
وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي - وصححه - والنسائي وابن حبان من حديث جابر قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يُجَصَّص القبر، وأن يُبنَى عليه، وأن يُوطَأ" (٣) .
وزاد هؤلاء المخرِّجون لهذا الحديث عن مسلم: "وأن يُكتب عليه". قال الحاكم: "النهى عن الكتابة على شرط مسلم، وهي صحيحة غريبة"٤.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (٩٦٩) . ٢ صحيح مسلم (٩٦٨) . ٣ المسند (١٤١٤٨) وصحيح مسلم (٩٧٠) وسنن أبي داود (٣٢٢٥) والترمذي (١٠٥٢) والنسائي (٢٠٢٨)، ولفظه عند مسلم: "نهى رسول الله ﷺ أن يُجصَّص القبر، وأن يُقعد عليه، وأن يُبنى عليه"، ولفظ الوطء على القبر عند الترمذي. ٤ مستدرك الحاكم (١/٣٧٠)، والنهي عن الكتابة صححه الحاكم والذهبي والألباني. انظر: أحكام الجنائز وبدعها (ص:٢٠٤) .
[ ١١٠ ]
وفي هذا التصريحُ بالنهى عن البناء على القبور، وهو يصدق على ما بُنِي على جوانب حفرة القبر، كما يفعله كثيرٌ من الناس من رفع قبور الموتى ذراعًا فما فوقه؛ لأنَّه لا يُمكن أن يجعل نفس القبر مسجدًا، فذلك مِمَّا يدلُّ على أنَّ المراد بعض ما يقربه مِمَّا يتصل به، ويصدُق على من بنى قريبًا من جوانب القبر كذلك، كما في القباب والمساجد والمشاهد الكبيرة، على وجه يكون القبر في وسطها أو في جانب منها، فإنَّ هذا بناء على القبر، لا يخفى ذلك على من له أدنى فهم، كما يقال: بَنَى السلطانُ على مدينة كذا، أو على قرية كذا سورًا، وكما يقال: بَنَى فلانٌ في المكان الفلاني مسجدًا، مع أنَّ سمكَ البناء لم يباشر إلاَّ جوانب المدينة أو القرية أو المكان، ولا فرق بين أن تكون تلك الجوانب التي وقع وضع البناء عليها قريبة من الوسط، كما في المدينة الصغيرة والقرية الصغيرة والمكان الضيق، أو بعيدة من الوسط كما في المدينة الكبيرة والقرية الكبيرة والمكان الواسع، ومَن زعم أنَّ في لغة العرب ما يَمنع من هذا الإطلاق فهو جاهلٌ لا يعرف لغةَ العرب، ولا يَفهم لسانَها ولا يدري بما استعملته في كلامها.
وإذا تقرَّر لك هذا علمتَ أنَّ رفعَ القبور ووضع القباب والمساجد والمشاهد عليها قد لَعَنَ رسولُ الله ﷺ فاعله تارة، كما تقدم، وتارة قال: "اشتدَّ غضبُ الله على قوم اتَّخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد"، فدعَا عليهم بأن يشتدَّ غضب الله عليهم بما فعلوه من هذه المعصية، وذلك ثابت في الصحيح١، وتارة نهى عن ذلك، وتارة بعث مَن يهدمه،
_________________
(١) ١ لا وجود للحديث بهذا اللفظ في الصحيحين، وقد جاء صحيحًا مرسلًا ومتصلًا بإسناد ضعيف، انظر: تحذير الساجد للألباني (ص:٢٥ - ٢٦) .
[ ١١١ ]
وتارة جعله مِن فعل اليهود والنصارى، وتارة قال: "لا تتخذوا قبري وثنًا" ١، وتارة قال: "لا تتخذوا قبري عيدًا" ٢، أي: مَوسِمًا يجتمعون فيه كما صار يفعله كثيرٌ من عُبَّاد القبور! يَجعلون لِمن يعتقدون من الأموات أوقاتًا معلومة يجتمعون فيها عند قبورهم، يَنسكون لها المناسك، ويعكفون عليها٣، كما يعرف ذلك كلُّ أحد من الناس من أفعال هؤلاء المخذولين، الذين تركوا عبادةَ الله الذي خلقهم ورزقهم ثم يُميتهم ويحييهم، وعبدوا عبدًا من عباد الله، صار تحت أطباق الثرَى، لا يقدر على أن يَجلب لنفسه نفعًا ولا يدفع عنها ضرًّا، كما قال رسول الله ﷺ فيما أمره الله أن يقول: [٧: ١٨٨] ﴿لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا﴾، فانظر كيف قال سيد البشر وصفوة الله من خلقه بأمر ربه: إنَّه لا يَملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، وكذلك قال فيما صح عنه: "يا فاطمةَ بنت محمد! لا أُغني عنك من الله شيئًا"٤.
فإذا كان هذا قول رسول الله ﷺ في نفسه وفي أخصِّ قرابته به وأحبِّهم إليه، فما ظنُّك بسائر الأموات الذين لَم يكونوا أنبياءَ معصومين، ولا رُسُلًا مرسلين؟ بل غاية ما عند أحدهم أنَّه فردٌ من أفراد هذه الأمة المحمدية، وواحد من أهل هذه الملة الإسلامية، فهو أعجز وأعجز أن ينفع (٥) أو يدفع عنها ضررًا.
_________________
(١) ١ رواه أحمد (٧٣٥٨) وغيره بإسناد صحيح، انظر: تحذير الساجد (ص:٢٥) . ٢ رواه أبو داود (٢٠٤٢) وغيره بإسناد صحيح، انظر: تحذير الساجد (ص:١٢٨) . ٣ ويُحتمل أن يكون المراد من اتخاذه عيدًا تكرار الزيارة؛ بدليل قوله بعده: "وصلُّوا عليَّ؛ فإنَّ صلاتَكم تبلغني حيث كنتم". ٤ رواه البخاري (٤٧٧١) ومسلم (٢٠٤) . ٥ في الفتح الرباني: (عن أن ينفع نفسه ) .
[ ١١٢ ]
وكيف لا يعجز عن شيء قد عَجَز عنه رسولُ الله ﷺ، وأخبر به أمَّتَه كما أخبر الله عنه، وأمره بأن يقول للناس بأنَّه لا يَملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، وأنَّه لا يُغنى عن أخصِّ قرابته من الله شيئًا؟ فيا عجبًا! كيف يَطمع من له أدنى نصيب من علم أو أقلّ حفظ مِن عرفان أن ينفعه أو يضره فردٌ من أفراد أمَّة هذا النبيِّ الذي يقول عن نفسه هذه المقالة؟ والحالُ أنَّه فرد من التابعين له المقتدين بشرعه.
فهل سمعت أذناك - أرشدك الله - بضلال عقل أكبر من هذا الضلال الذي وقع في عُبَّاد أهل القبور (١)؟! إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.
وقد أوضحنا هذا أبلغَ إيضاح في رسالتنا التي سمَّيناها "الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد"، وهي موجودة بأيدي الناس، فلا شكَّ ولا ريبَ أنَّ السبب الأعظم الذي نشأ منه هذا الاعتقاد في الأموات هو ما زيَّنه الشيطانُ للناس من رَفع القبور، ووضع الستور عليها، وتجصيصها وتزيينها بأبلغ زينة، وتحسينها بأكمل تحسين، فإنَّ الجاهل إذا وقعت عينُه على قبر من القبور قد بُنيت عليه قبة فدخلها، ونظر على القبور (٢) الستور الرائعة، والسُّرُجَ المتلألئة، وقد سطعت حوله مَجامرُ الطِّيب، فلا شكَّ ولا ريبَ أنَّه يَمتلئُ قلبُه تعظيمًا لذلك القبر، ويَضيق ذهنه عن تصوُّر ما لهذا الميت من المنزلة، ويدخله مِن الروعة والمهابة ما يزرع في قلبه من العقائد الشيطانية، التي هي من أعظم مكائد الشيطان للمسلمين، وأشدِّ وسائله إلى ضلال العباد، ما يُزلزلُه عن
_________________
(١) ١ في الفتح الرباني: (الذي وقع فيه أهل القبور)، وقد سقط منه كلمة (عُبَّاد)، والمقام يقتضيها. ٢ في الفتح الرباني: (على القبر) .
[ ١١٣ ]
الإسلام قليلًا قليلًا، حتى يطلب من صاحب ذلك القبر ما لا يقدر عليه إلاَّ الله سبحانه، فيصير في عداد المشركين.
وقد يحصل له هذا الشرك بأوَّل رؤية لذلك القبر الذي صار على تلك الصفة، وعند أوَّل زَوْرَة له؛ إذ لا بدَّ أن يخطر بباله أنَّ هذه العنايةَ البالغة من الأحياء بمثل هذا الميت لا تكون إلاَّ لفائدة يرجونها منه، إما دنيوية أو أخروية، فيستصغرُ نفسَه بالنسبة إلى مَن يراه من أشباه العلماء زائرًا لذلك القبر، وعاكفًا عليه ومتمَسِّحًا بأركانه (١) .
وقد يَجعلُ الشيطانُ طائفةً من إخوانه من بني آدم يقفون على ذلك القبر، يخادعون من يأتي إليه من الزائرين، يهوِّلون عليهم الأمرَ، ويصنعون أمورًا من أنفسهم، وينسبونها إلى الميت على وجه لا يَفطن له مَن كان من المغفَّلين، وقد يصنعون أكاذيبَ مشتملة على أشياء يسمُّونها كرامات لذلك الميت، ويبُثُّونها في الناس، ويكرِّرون ذكرَها في مجالسهم، وعند اجتماعهم بالناس، فتشيع وتستفيض، ويتلقاها مَن يحسنُ الظنَّ بالأموات، ويقبل عقلُه ما يُروى عنهم من الأكاذيب، فيرويها كما سمعها، ويتحدَّث بها في مجالسه، فيقع الجهَّالُ في بليَّة عظيمة من الاعتقاد الشركي، وينذرون على ذلك الميِّت بكرائم أموالهم، ويحبسون على قبره مِن أملاكهم ما هو أحبها إلى قلوبهم؛ لاعتقادهم أنَّهم ينالون بجاه ذلك الميت خيرًا عظيمًا وأجرًا كبيرًا، ويعتقدون أنَّ ذلك قُربةٌ عظيمة، وطاعةٌ نافعة، وحسنةٌ متقبَّلة، فيحصل بذلك مقصود أولئك الذين جعلهم الشيطانُ من إخوانه مِن بني آدم على ذلك القبر.
_________________
(١) ١ من أعظم المصائب أن يكون بعض مَن ينتسب إلى العلم أو يُنسب إليه واقعًا في هذا البلاء العظيم، فيكون قدوةً سيئة لغيره في ذلك.
[ ١١٤ ]
فإنَّهم إنَّما فعلوا تلك الأفاعيل، وهوَّلوا على الناس بتلك التهاويل، وكذبوا تلك الأكاذيب؛ لينالوا جانبًا من الحطام من أموال الطغام الأغتام (١)، وبهذه الذريعة الملعونة والوسيلة الإبليسية تكاثرت الأوقافُ على القبور، وبلغت مبلغًا عظيمًا، حتى بلغت غَلاَّت ما يوقف على المشهورين منهم ما لو اجتمعت أوقافُه لبلغ ما يقتاته أهلُ قرية كبيرة من قرى المسلمين، ولو بيعت تلك الحبائس الباطلة لأغنى اللهُ بها طائفةً عظيمةً من الفقراء (٢)، وكلُّها من النذر في معصية الله، وقد صحَّ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا نذر في معصية الله"٣، وهى أيضًا من النذر الذي لا يُبتغي به وجه الله، وقد قال ﷺ: "النذر ما ابتغي به وجه الله"٤، بل كلُّها من النذور التي يستحق بها فاعلُها غضب الله وسخطه؛ لأنَّها تفضي بصاحبها إلى ما يفضي به اعتقادُ الإلهية في الأموات من تزلزل قدم الدِّين؛ إذ لا يسمح بأحبِّ أمواله وألصقها بقلبه، إلاَّ وقد زرع الشيطانُ في قلبه مِن مَحبَّة وتعظيم وتقديس ذلك
_________________
(١) ١ الطغام: جمع طغامة، وهو الأحمق، والطغام أوغاد الناس، والوغد: الأحمق الضعيف الرَّذل الدنيء. والأغتم من لا يُفصح شيئًا، كما في القاموس المحيط. ٢ وفي هذا المعنى يقول الشاعر المصري حافظ إبراهيم: أحياؤنا لا يرزقون بدرهم وبألف ألفٍ تُرزق الأمواتُ من لي بحظ النائمين بحفرة قامت على أحجارها الصلواتُ يسعى الأنام لها ويجرى حولها بحرُ النذور وتُقرأ الآياتُ ويُقال هذا القطب باب المصطفى ووسيلة تُقضى بها الحاجات ٣ صحيح مسلم (١٦٤١) . ٤ رواه الإمام أحمد (٦٧١٤)، وأبو داود (٢١٩٢)، وإسناده حسن.
[ ١١٥ ]
الطوائف بالنهي عن بناء المساجد على القبور، ثم قال: "وصرَّح أصحابُ أحمد ومالك والشافعي بتحريم ذلك، وطائفةٌ أطلقت الكراهة، لكن ينبغي أن يُحمل على كراهة التحريم، إحسانًا للظنِّ بهم، وأن لا يُظنَّ بهم أن يُجوِّزوا ما تواتر عن رسول الله ﷺ لعنُ فاعله والنهى عنه". انتهى.
فانظر كيف حكى التصريح عن عامة الطوائف؟ وذلك يدلُّ على أنَّه إجماع من أهل العلم على اختلاف طوائفهم، ثم بعد ذلك جَعل أهلَ ثلاثة مذاهب مصرِّحين بالتحريم، وجعل طائفةً مصرِّحةً بالكراهة، وحملها على كراهة التحريم، فكيف يُقال: إنَّ بناء القباب والمشاهد على القبور لم ينكره أحد؟
ثم انظر كيف يَصحُّ استثناء أهل الفضل برفع القباب على قبورهم، وقد صحَّ عن النبي ﷺ كما قدَّمناه - أنَّه قال: "أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا"، ثم لعنهم بهذا السبب.
فكيف يسوغ من مسلم أن يستثني أهلَ الفضل بفعل هذا المحرَّم الشديد على قبورهم، مع أنَّ أهل الكتاب الذين لعنهم الرسول ﷺ وحذَّر الناس ما صنعوا لَم يعمروا المساجد إلاَّ على قبور صلحائهم.
ثم هذا رسول الله ﷺ سيِّدُ البشر وخير الخليقة وخاتم الرسل وصفوة الله من خلقه، ينهى أمَّتَه أن يَجعلوا قبرَه مسجدًا أو وثنًا أو عيدًا، وهو القدوة لأمَّتِه، ولأهل الفضل من القدوة به والتأسِّي بأفعاله وأقواله الحظُّ الأوفر، وهم أحقُّ الأمَّة بذلك وأولاهم به، وكيف يكون فعل١
_________________
(١) ١ في الفتح الرباني: (فضل) .
[ ١١٩ ]
بعض الأمة وصلاحه مسوغًا لفعل هذا المنكر على قبره؟ وأصلُ الفضل ومرجعُه هو رسول الله ﷺ، وأيُّ فضل يُنسب إلى فضله أدنى نسبة، أو يكون له بجنبه أقلّ اعتبار؟ فإن كان هذا محرَّمًا منهيًّا عنه ملعونًا فاعله في قبر رسول الله ﷺ، فما ظنُّك بقبر غيره من أمته؟
وكيف يستقيم أن يكون للفضل مدخلٌ في تحليل المحرَّمات وفعل المنكرات؟ اللَّهمَّ غفرًا.
والحمد لله الذي هدانا للحقِّ ووفَّقنا لاتِّباعه، وصلى الله على محمد عبد الله ورسوله وعلى آله أجمعين.
[ ١٢٠ ]