والنبيُّ - ﷺ - أرشدَ إلى تعظيمِ اللهِ؟ في أمَّهاتِ العبادةِ فالصلاةُ وهي أعظمُ الشعائرِ التعبديةِ بعد الشهادتينِ كلُّها قائمةٌ على التعظيمِ للهِ ﷿، وكان - ﷺ - يستفتحُ الصلاةَ بعباراتِ التعظيمِ والتمجيدِ والإجلالِ للهِ ﷿. ففي السننِ عن عائشةَ وأبي سعيدٍ أن النبيَّ - ﷺ - كانَ إذا استفتحَ الصلاةَ قال: «سبحانك اللهمَّ وبحمدِك وتبارَكَ اسمُكَ، وتعالى جدُّك ولا إله غيرُك» (١).
وفي صحيح مسلمٍ عن عليٍّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ قالَ: كان رسولُ اللهِ - ﷺ - إذا قامَ إلى الصلاةِ قال: «وجَّهْتُ وجهِيَ للذي فطرَ السمواتِ والأرضَ حنيفًا وما أنا من المشركينَ إنَّ صَلاتي ونسُكي ومحيايَ ومماتي للهِ ربِّ العالمينَ، لا شريكَ له وبذلكَ أمرتُ وأنا من المسلمينَ، اللَّهُمَّ أنت الملِكُ لا إله إلَّا أنت، أنت ربي وأنا عبدُك، ظلمتُ نفسي، واعترفتُ بذنبي فاغفِرْ لي ذنوبِي جميعًا إنَّه لا يغفرُ الذنوبَ إلَّا أنتَ، واهدني لأحسنِ الأخلاقِ لا يهدي لأحسَنِهَا إلَّا أنتَ، واصرِفْ عني سيئَهَا لا يصرفُ عني سيِّئَهَا إلا أنتَ، لبيك وسعدَيْك، والخيرُ كلُّه في يديْك، والشرُّ ليس إليك، أنا بك وإليك تباركْتَ وتعالَيْتَ، أستغفِرُك وأتوبُ إليك» (٢).
وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة في جوف الليل قال: «اللهم لك الحمد أنت نور السموات
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٢٥)، والنسائي (٨٨٩).
(٢) رواه مسلم (١٢٩٠)، والترمذي (٣٣٤٤).
[ ١٨ ]
والأرضِ ومَن فيهن ولكَ الحمدُ، أنت قَيَّامُ السمواتِ والأرضِ ومَنْ فيهن، ولكَ الحمدُ، أنت ربُّ السموات والأرض ومن فيهن، أنت الحقُّ، ووَعدُك الحقُّ، وقولُك الحقُّ، ولقاؤُك حَقٌّ، والجنةُ حَقٌّ، والنارُ حَقٌّ، والنبيون حَقٌّ، ومحمد - ﷺ - حَقٌّ، والسَّاعة حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أسْلمتُ، وبك آمنتُ، وعليكَ توكلتُ، وإليكَ أنبتُ، وبكَ خاصمتُ، وإليكَ حاكمتُ، فاغفر لي ما قدَّمتُ وما أخرّتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، أنت إلهي لا إله إلَّا أنت» (١).
فهو - ﷺ - أعظمُ الناسِ تعظيمًا لربِّه تعالى، وأحسنُهم ثناءً عليه وافتقارًا إليه ورغبةً في فضْلِه ورهبةً من عذابِه. وفاتحةُ الكتابِ كذلكَ من أعظمِ ما عُظِّمَ به اللهُ ﵎، ولذلكَ جاءَ في الحديثِ القُدْسِيِّ: «قسمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفينِ، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبدُ: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله تعالى: حَمِدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله تعالى: أثنَى عليَّ عبدي، وإذا قال: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال: مَجَّدني عبدي - وقال مرةً فَوَّضَ إليَّ عبدي - فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذا بيني وبينَ عبدي ولعبدِي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ قال: هذا لعبدِي ولعبدِي ما سألَ» (٢).
_________________
(١) رواه البخاري (١٠٥٣)، ومسلم (١٢٨٨).
(٢) صحيح مسلم (ح٥٩٨) كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، وسنن الترمذي (٢٨٧٧)، وسنن النسائي (٩٠٠)، وأبي داود (٦٩٩)، وابن ماجه (٧٧٤)، وأحمد (٩٥٥٢).
[ ١٩ ]
والركوعُ كذلكَ من مواضِعِ تعظيمِ اللهِ جل وعلا في الصلاةِ لقولِه - ﷺ -: «أما الركوعُ فعظِّمُوا فيه الربَّ» (١). وفي السننِ عن حذيفةَ ﵁ أنه سَمِعَ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ إذا ركعَ: «سبحانَ ربي العظيمِ» ثلاث مراتٍ، وإذا سجَدَ قال: «سبحانَ ربي الأعلى» ثلاثَ مراتٍ (٢).
وهذا يدلُّ على أن التعظيمَ يكونُ في الركوعِ والسجودِ إلَّا أنَّه في الركوعِ يكونُ الثناءُ والتعظيمُ أكثرُ أما السجودُ فيكونُ فيه التسبيحُ الذي هو تعظيمٌ للهِ؟ ويكونُ فيه الدعاءُ والمسألةُ قال - ﷺ -: «أما الركوعُ فعظِّمُوا فيه الربَّ وأما السجودُ فاجتهدُوا في الدعاءِ فَقَمِنٌ أنْ يُستجَابَ لكم» (٣).
وعن عائشة ل قالت: كان رسولُ الله - ﷺ - يُكثِرُ أن يَقُولَ في ركوعِه وسجودِه: «سبحانَكَ اللهمَّ ربَّنا وبحمدِكَ اللهمَّ اغفِرْ لي» (٤). وعنها ل قالت: كان رسولُ الله غ يقولُ في ركوعِه وسجودِه: «سُبوحٌ قُدوسٌ، ربُّ الملائكةِ والروحِ» (٥).
وكذلك جعلَ النبيُّ - ﷺ - ذِكْرَ ما بعد الرفعِ من الركوعِ منصبًّا على تعظيمِ اللهِ جلَّ وعلا، فعن أبي سعيدٍ رضي الل عنه قال: كان رسولُ اللهِ - ﷺ - إذا رفَعَ رأسَه من الركوعِ قال: «اللهم ربَّنا لك الحمدُ ملْءَ السمواتِ ومِلْءَ الأرضِ، ومِلْءَ ما بينهما، وملءَ ما شئتَ من شيءٍ بعدُ، أهلَ الثناءِ والمجدِ، أحقُّ ما قال
_________________
(١) مسند أحمد (١٨٠١)، ومسلم (٤٧٩)، وأبو داود (٧٤٢)، والنسائي (١٠٤٥).
(٢) الترمذي (٢٦١)، وابن ماجه (٨٨).
(٣) مسلم (٤٧٩)، النسائي (١٠٤٥)، أحمد (١٨٠١).
(٤) البخاري (٧٦١)، مسلم (٤٨٤).
(٥) مسلم (٤٨٧)، النسائي (١١٣٤)، أبو داود (٨٧٢).
[ ٢٠ ]
العبدُ وكلُّنَا لك عبدٌ، اللهمَّ لا مانعَ لما أعطيتَ، ولا معطيَ لما منعتَ، ولا ينفعُ ذا الجدِّ منك الجدُّ» (١).
أما الحجُّ فإنه كذلك من العباداتِ التي يَتَجَلَّى فيها تعظيمُ الربِّ ﷻ في كلِّ منسكٍ من مناسكِهِ فإن هناك كثيرًا من أفعالِ الحجِّ غيرُ معقولةِ المعنى، غير أنَّ المعنى الذي يجمَعُها جميعًا هو الطاعةُ المطلقةُ والتعظيمُ المطلقُ للهِ تعالى، فالطوافُ يكونُ حولَ البيتِ الذي هو من الحجارةِ، والحجرُ الأسودُ يُقَبَّلُ مع كونِه حجرًا، ورَمْيُ الجِمارِ إنما هو حَجَرٌ يُرمى به حَجَرٌ، فما الذي جعلَ هذا الحجَرَ يُرْمَى وهذا الحَجَرَ يُقَبَّلُ وهذا الحَجَرُ يُطافُ حولَه سِوَى العبوديةِ المحضةِ والتعظيمِ الخالصِ للهِ تعالى!
وفي التلبيةِ التي هي شعارُ الحجِّ أعظمُ عباراتِ الثناءِ والتعظيمِ للهِ جل وعلا: «لبيك اللهُمَّ لبيك، لبيك لا شريكَ لك لبيك، إن الحمدَ والنعمةَ لك والملكُ، لا شريكَ لك».
ذكر ابنُ القيمِ ﵀ في معنى التلبيةِ كلامًا جميلًا نذكرُ منهُ ما يدلُّ على تعظيمِ الربِّ تعالى حيثُ ذكرَ من مَعَانيها: إجابةً لك بعدَ إجابةٍ، أو انقيادًا لك بعد انقيادٍ، أي انقدتُ لك، وَسَعَتْ نفسِي خاضعةً ذليلةً، أو حبًّا لك بعد حبٍّ، أو أخلَصْتُ لُبِّي وقَلْبِي لك، فهي شعارُ التوحيدِ ملةِ إبراهيمَ الذي هو روحُ الحجِّ ومقصدُه، بلْ روحُ العباداتِ كلِّها والمقصودُ منها، ولهذا كانت التلبيةُ مفتاحَ هذه العبادةِ التي يُدْخَلُ فيها بها.
_________________
(١) البخاري (١٥٤٩)، مسلم (١١٨٤)، أبو داود (١٧٤٧).
[ ٢١ ]
وكذلك فإنها مشتملةٌ على الاعترافِ للهِ بالنعمةِ كلِّها ولهذا عَرَّفَها باللامِ المفيدةِ للاستغراقِ أي النعمُ كلُّها لك وأنت مُوليها والمنعمُ بها.
ومشتملةٌ كذلك على الاعترافِ بأن المُلْكَ كلَّه للهِ وحده، فلا مُلْكَ على الحقيقةِ لغيرِه.
واللهُ سبحانه يفرَّقُ في صفاتِه بين الملكِ والحمدِ، وسَوَّغَ هذا المعنى أنَّ اقترانَ أحدُهُما بالآخرِ من أعظمِ الكمالِ والملكِ. والملكُ وحدَه كمالٌ، والحمدُ كمالٌ، واقترانُ أحدِهما بالآخرِ كمالٌ، فإذا اجْتمعَ الملكُ المتضمِّنُ للقدرةِ، مع النعمةِ المتضمِّنةِ لغايةِ النفعِ والإحسانِ والرحمةِ، مع الحمدِ المتضمِّنِ لعامةِ الجلالِ والإكرامِ الداعِي إلى محبَّتِه، كان في ذلك من العظمةِ والكمالِ والجلالِ ما هو أولى به وهو أهلُه» (١).
* * *
_________________
(١) تهذيب سنن أبي داود (١/ ٢٢٤ - ٢٢٩) باختصار.
[ ٢٢ ]