إن تعظيمَ اللهِ ﷿ من أعظمِ العباداتِ التي غفلَ عنها كثيرٌ من الناسِ، فساءتْ أحوالُهم، وانقلبتْ موازينُهم، وتلاعبتْ بهم الشياطينُ والأهواءُ والأنفسُ الأمارةُ بالسوءِ.
فالتوحيدُ الذي هو رأسُ الأمرِ هو الأصلُ في تعظيمِ اللهِ ﷿ فاللهُ ﷿ أعظمُ من أن يُعْبَدَ معَهُ غيرُه قال تعالى في الحديثِ القُدْسِيِّ: «أنا أغنى الشركاءِ عن الشِّركِ، من عملَ عملًا أشركَ فيه معي غَيْرِي تركتُه وشِرْكَهُ» [مسلم].
ولمَّا عبدَ قومُ نوحٍ الأصنامَ أنكرَ عليهم نوحٌ ﵇ وقال لهم: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣]. قال ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ: أي ما لكم لا ترجونَ للهِ عظمةً، وقال سعيدٌ بنُ جبيرٍ: ما لكم لا تُعَظِّمُونَ اللهَ حقَّ عظمتِه، وقال الكلبيُّ: لا تخافونَ للهِ عظمةً (١).
وهدهدُ سليمانَ ﵇ لمّا كان معظمًا للهِ ﷿ استنكرَ أن يعبدَ قومٌ الشمسَ من دونِ الله تعالى: ﴿إِنّي وَجَدتّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدتّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشّمْسِ مِن دُونِ اللهِ وَزَيّنَ لَهُمُ الشّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدّهُمْ عَنِ السّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ * أَلاّ يَسْجُدُوا للهِ الّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل:٢٣ - ٢٦].
حتى الجماداتِ فإنها تستبشعُ افتراءَ الكذبِ على اللهِ وادعاءَ أن له ولدًا
_________________
(١) مدارج السالكين (٢/ ٤٩٥).
[ ١٥ ]
تعظيمًا لله ﷿ وإجلالًا له: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا *لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا *تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم:٨٨ - ٩٢].
قال الضحاكُ بنُ مزاحمٍ في قولِه تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ أي: يَتَشَقَّقْنَ من عظمةِ اللهِ ﷿ (١).
فعظمةُ اللهِ تعالى متقرِّرَةٌ لدى هذه الأجرامِ العظيمةِ، ولذلك فإنها لا تطيقُ هولَ تلك الكلمةِ الشنيعةِ وهي نسبةُ الولدِ إلى اللهِ تعالى، ولولا حلمُ اللهِ تعالى لخرَّ العالمُ وتبددْت قوائِمُه غضبًا على من تفوَّه بها.
قال محمدُ بنُ كعبٍ: كادَ أعداءُ اللهِ أن يُقيموا علينا الساعةَ.
وقدْ ذكرَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ ﵀ علاقةَ التعظيمِ بالوحدانيةِ فقالَ: «فمن اعتقدَ الوحدانيةَ في الألوهيةِ للهِ ﷾ والرسالةَ لعبدِه ورسولِه، ثم لم يُتْبِعْ هذا الاعتقادَ موجَبَهُ من الإجلالِ والإكرامِ، الذي هو حالٌ في القلبِ يظهرُ أثرُه على الجوارحِ، بل قارنَه الاستخفافُ والتسفيهُ والازدراءُ بالقولِ أو بالفعلِ كانَ وجودُ ذلك الاعتقادِ كعدمِهِ، وكانَ ذلك موجِبًا لفسادِ ذلك الاعتقادِ ومزيلًا لما فيه من المنفعةِ والصلاحِ، إذ الاعتقاداتُ الإيمانيةُ تُزكِّي النفوسَ وتصلِحُها، فمتى لم توجبْ زكاةَ النفسِ ولا صلاحَها، فما ذاك إلا لأنها لم ترسَخْ في القلبِ» (٢).
_________________
(١) الدر المنثور (٥/ ٥٤٤).
(٢) الصارم المسلول (١/ ٣٧٥).
[ ١٦ ]
ومن دلائلِ تعظيمِ اللهِ ﷿ عبوديةُ الكائناتِ لله تعالى وسجودُها لعظمتِه سبحانه كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:١٨].
وتعظيمُ اللهِ جل وعلا هو الذي يعطي العبادةَ روحَها وجلالَها، وهو الذي يجعلُها عبادةً مقبولةً خالصةً صحيحةً تامَّةَ الشروطِ والأركانِ، أمَّا عبادةٌ بلا تعظيمٍ فإنها كالجسدِ بلا روحٍ ولذلك قال ابنُ القيمِ ﵀: «وروحُ العبادةِ هو الإجلالُ والمحبةُ، فإذا تخلَّى أحدُهما عن الآخرِ فسدَتْ، فإذا اقترنَ بهذين الثناءُ على المحبوبِ المعظَّمِ فذلك حقيقةُ الحمدِ (١).
والنبيُّ - ﷺ - لما سألَهُ جبريلُ عن الإحسانِ قال: «أن تعبدَ اللهَ كأنَّك تراهُ، فإن لم تكن تراهُ فإنه يراك» (٢)، وهذه المراقبةُ في العبادةِ هي طريقُ التعظيمِ والإجلالِ للهِ تعالى قال ابنُ رجبٍ: «فقولُه - ﷺ - في تفسيرِ الإحسانِ: «أن تعبدَ اللهَ كأنك تراهُ» إلخ، يشيرُ إلى أنَّ العبدَ يعبدُ اللهَ على هذه الصفةِ، وهي استحضارُ قربِهِ، وأنه بين يديْهِ كأنَّه يراه، وذلك يوجبُ الخشيةَ والخوفَ والهيبةَ والتعظيمَ» (٣).
* * *
_________________
(١) مدارج السالكين (٢/ ٤٩٥).
(٢) أخرجه البخاري (٤٨)، ومسلم (٩).
(٣) جامع العلوم والحكم (١/ ١٢٦).
[ ١٧ ]