للشاعر محمد العلائي
لك الأمرُ لا يدري عبادُك ما بِيَا لك الأمرُ لا للنَّاصِحينَ ولا لِيَا
وهذي مَعَاذِيري وتلكَ صَحَائفٌ عليها خَطَاياي .. وفيها اعترافِيَا
وفيها من الأمسِ الدفينِ وحاضِري وفيها من الآتي وفيها ابتِهَاليا
وفيها تهاويلٌ .. ومهجةُ شاعرٍ ينامُ بها يأسًا ويصْحُو أَمَانيا
وفيها أعاجيبٌ يكفِّرُ همُّها ذنوبي وإن كانتْ جِبَالًا رواسِيا!
ونازعني شوقٌ إليك وهَزَّني من الغيبِ ما يهفُو إليه رَجَائيا
فجئتُ من الدنيا الأثيمةِ هاربًا بصَفْويَ من أكْدَارِها ونَقَائِيَا
وناديتُ أحلَامي إليكَ وخَافقًا تهيَّب أسبابَ المُنَى والتمادِيا!
[ ١٦٦ ]
أناديك في ضَعفٍ وأخجلُ أن ترَى جراحَ أمانيه ولونَ دِمَائيا
لك الأمرُ أشواقي ببابِك والمنَى ولي أملٌ ألَّا يطولَ انتظارِيَا
لك الأمرُ ما لي أرتجيك فيَلْتَوِي لساني وأمضِي بالتوسُّلِ شَاكِيا
ذكرتُك في نفسٍ هَدَاها ضلالُها إليك وعافتْ وِحْدَتي وارتِيَابِيا
ومنَّيتُ رُوحي من سَنَاك بلمْحَةٍ أُضمِّدُ آلامي بها وجِرَاحِيا
تعاليتَ لم أذكُرْ سواك بمِحْنَتِي ولم أرجُ إلا مِنْ يدَيْك جَزَائِيا
وفوَّضتُ عن عِلْمٍ إليك إِرَادتي وَحَسْبي ما أدَّى إليه اخْتِيَاريا
لك الأمرُ شَاقْتنِي سماؤُك وانتَهى إليك بأحلامِ الضَّميرِ مَطَافِيا
وأنزلتُ آمالي وفيها ملامِحٌ تَردُّ أمَامي ما تركتُ وَرَاءِيا!
[ ١٦٧ ]
يُطَالِعُنِي منها زمانٌ عرفتُهُ بريحِ ليالِيه ولونِ سُهَادِيا!!
ضياؤُك أغْرَى باليقينِ جَوَارِحي وفَجَّرَ أَعْمَاقي وأفضى بِذَاتِيا
لك الأمرُ أسبابٌ ضعافٌ وخَاطري ببابِك يخشَى رَجْعَتِي وانْحِرَافيا
دعوتُك مِلءَ النفسِ ألا تردَّه مغيظًا وألَّا تستعيدَ سُؤَالِيا
وحاشَاك أن ترضَى مع النفسِ مذهَبًا بغيرِ يقينٍ منك يهدِي شُعَاعِيا
لك الأمرُ هذا من يديك عدالةٌ وهذا قليلٌ في مقامِ اتِّصَالِيا
أتيتُك والحقُّ الصريحُ يمُدُّني إليك ولحنُ البشرِ ملءُ فؤاديا
وفي النفسِ فجْرٌ من يقينٍ ومَوْكِبٌ من الخيرِ يحدُوهُ إليك وَلَائِيا
وفيها رجاءٌ فاضَ منك جلالُه وآفاقُ نورٍ يَسْتَحِيها ضِيَائيا
[ ١٦٨ ]
وأحببتُ حتى أَسْكَرَتْنِي مَوَدَّتي وذابَ يميني رحمةً وشِمَالِيا
وهامَتْ بآلامِ الحياةِ وسَائِلي وفاضَتْ على ما ليسَ مني هِبَاتِيا
وأرسلتُ أنسَامي عبيرًا وبهجةً لتنفحَ أشواكَ الرُّبى والأفَاعِيا
وآمنتُ حتى كادَ يذهبُ خَاطِري وتصعَدُ أنفاسًا إليك حَيَاتِيا!
ولم يبقَ حرفٌ منك إلا أسرَّهُ ضَمِيري وأبدتْه إليك سَمَائيا!!
لك الأمرُ آفاقٌ تَرَاءَتْ لخَوَاطِرِي وعاوَدَني منها دبيبُ شِكَاتيا!
وذكرني بِشْرُ المساءِ منازلًا أتيتُك منها عابسَ الوجهِ دامِيَا
أقلِّبُ أَوْهَامي يمينًا ويُسْرَةً وأرفعُ آمالًا إليك رَوَانِيا!!
ينازِعُني ماضٍ شَرِقْتُ بعَذْبِه وراودتُ فيه ما أشابَ النَّواصِيَا
[ ١٦٩ ]
إذا طافَ منه حولَ نفسِي طائفٌ ذكرتُ زماني والسنينَ الخَوَاليا
هناك وفي أرضٍ عليها مَلَاعِبِي وأطيافُ آبائي ولغوُ دِيارِيا
وفيها تَعِلَّاتي ورَاحُ مَشَارِبي وزلاتُ أَهْوَائِي ودمعُ مَتَابِيا
وأحْلَامِي الموتَى وذاتُ مواجِعي وأطلالُ ماساتِي ورجعُ بَلَائِيا
لك الأمرُ ألهاني حديثٌ أعادَهُ عليك ضَمِيري واستحَاه لِسَانِيا!
وأسرفتُ في ذكرِ المساءِ ولم أكُنْ لأُسرفَ لولا رجفةٌ من صَبَاحِيا
لك الأمرُ نادتْ بالرحيلِ خَوَاطري وهبَّتْ على نَفْسِي رياحُ اغْتِرَابِيا
وذكَّرتُها أنَّ الشعابَ جديدةٌ وأن عليها من سَنَاك هَوَادِيا!
وأنَّ شعابَ الأمسِ واجهتُ غَيَّها على غيرِ إيمانٍ فكانت مَهَاوِيا!!
[ ١٧٠ ]
لك الأمرُ مالي في وداعِك باهتًا ومالي أَخْطُو شاحبَ النفسِ نَائِيا
لك الأمرُ لاحَتْ من بعيدٍ مَذَاهِبِي وآذنَ حاديها وآنَ ارتحَالِيا!!
ورَفَّتْ عليها من سَنَاكَ مآثرٌ ورَفَّتْ عليها غَايَتِي وَصَلاتِيَا
تنسّمتُ أمواجَ الرحيلِ وأشرفَتْ عَليَّ أمانِيه فبارِكْ شِرَاعيا (١)
* * *
_________________
(١) الله أهل الثناء والمجد (ص:١٦٦ - ١٧١).
[ ١٧١ ]