أبو محمد الأندلسي القحطاني
يَا مُنْزِلَ الآيَاتِ وَالفُرْقَانِ بَينِي وَبَيْنَكَ حرْمَةُ القُرْآن
اشْرَحْ بِهِ صَدْرِي لمعرِفَةِ الهُدَى وَاعْصِمْ بِهِ قَلبِي مِنَ الشَّيطَان
واحطُطْ بِهِ وِزْرِي وَأخْلِصْ نِيَّتِي وَاشدُدْ بِهِ أَزْرِي وأَصْلِحْ شَانِي
واكْشِفْ بِهِ ضُرِّي وحقِّقْ تَوبَتِي أرْبِحْ بِهِ بَيْعِي بِلَا خُسْرَان
طهِّر بِهِ قَلْبِي وصَفِّ سَرِيرَتِي أجمِلْ بِهِ ذِكْرِي وَأَعْلِ مكَانِي
وَاقْطَعْ بِهِ طَمَعِي وَشرِّفْ هِّمَتِي كَثِّرْ بِهِ وَرَعِي وَأحِي جِنَانِي
أسهِرْ بِهِ لَيْلِي وأظْمِ جَوَارِحِي أسبِلْ بِفيْضِ دُمُوعِهَا أجفاني
وَأمزِجْهُ يَا رَبِّي بلحْمِي مَعْ دَمِي وَاغْسِلْ بِهِ قَلْبِي مِنَ الأَضْغَان
أَنْتَ الَّذِي صَوَّرْتَنِي وَخَلقتَنِي وَهَديْتني لِشَرَائِعِ الإِيمَان
أَنْتَ الَّذِي عَلَّمْتَنِي ورَحِمْتَنِي وَجعلتَ صَدْرِيَ واعِيَ القُرْآن
أَنْتَ الَّذِي أَطْعَمْتَنِي وَسقَيْتَنِي مِنْ غَيْرِ كَسْبِ يَدٍ وَلَا دُكَّان
وجَبَرْتَنِي وَسَتَرْتَنِي وَنَصَرْتَنِي وَغَمَرْتَنِي بِالفَضْلِ والإِحْسَان
أَنْتَ الَّذِي آوَيْتَنِي وَحَبَوْتَنِي وَهَدَيْتَنِي مِنَ حِيرَةِ الخُذْلَان
وَزَرَعَتَ لِي بَيْنَ القُلُوبِ مَوَدَّةً وَالعَطْفَ مِنْكَ بِرَحْمَةٍ وَحَنَان
وَنَشرتَ لِي فِي العَالمِينَ مَحَاسِنًا وَسَتَرْتَ عَنْ أبصَارِهِمْ عِصْيَانِي
[ ١٩٠ ]
وجعلتَ ذكْرِيَ في البَرِيَّةِ شَائِعًا حَتَّى جَعلْتَ جَمِيعَهُم إِخوَانِي
وَاللهِ لَو عَلِمُوا قَبِيحَ سَرِيرَتِي لَأبَى السَّلَامَ عليَّ مَنْ يَلْقَانِي
ولَأعْرَضُوا عَنِّي ومَلُّوا صُحْبَتِي وَلَبُؤْتُ بَعْدَ كرامةٍ بَهَوان
لَكنْ سَتَرتَ مَعَايِبِي ومثَالِبِي وحَلُمْتَ عَنْ سَقَطِي وعَنْ طُغيَانِي
فَلَكَ المحَامِدُ والمدَائِحُ كُلُّهَا بَخوَاطِرِي وَجَوَارِحِي وَلِسَانِي
وَلقَدْ مَنَنْتَ عَلَيَّ رَبِّ بَأنْعُمٍ مَا لِي بشُكْرِ أقلِّهنَّ يَدَان
فَوَحَقِّ حِكْمَتِكَ التِي آتَيْتَنِي حَتَّى شَددتَ بِنُورِهَا بُرْهَانِي
لئنِ اجتَبَتْنِي مِنَ رِضَاكَ مَعُونَةٌ حتى تُقوِّيَ أيدُهَا إِيمَانِي
لأُسَبِّحَنَّكَ بُكْرةً وَعَشِيَّةً ولتخدمنَّكَ في الدُّجَى أَركَانِي
ولأذْكُرَنَّكَ قَائِمًا أَو قَاعِدًا ولَأشْكُرَنَّكَ سائِرَ الأَحيَان
ولأكتُمَنَّ عَنْ البَرِيَّةِ خِلَّتِيَّ ولاشْكُوَنَّ إليك جَهْدَ زمَانِي
ولأقْصِدنَّكَ في جَمِيعِ حَوَائِجِي مِنْ دُونِ قصدِ فُلانةِ وفُلان
ولأحسِمَنَّ عَنْ الأنَامِ مَطَامِعِي بحُسَامِ يَأسٍ لم تَشُبْهُ بَنَانِي
ولأجعلَنَّ رِضَاك أكبرَ هِمَّتي ولاضرِبَنَّ مِن الهَوَى شَيْطَانِي
ولأكسُوَنَّ عُيوبِ نَفسِي بالتُّقُى ولأقبِضَنَّ عَنِ الفُجُورِ عِنَانِي
ولأمنَعَنَّ النَّفْسَ عَنْ شَهَوَاتِهَا ولأجعَلَنَّ الزُّهْدَ مِنْ أعْوَانِي
ولأتْلُوَنَّ حُرُوفَ وَحْيِكَ فِي الدُّجَى ولأحْرِقَنَّ بنُورِهِ شَيْطَانِي
[ ١٩١ ]
أنت الذي يا ربّ قلتَ حروفَه ووصفته بالوعْظِ والتبيان
ونَظَمْتَه ببلاغةٍ أزليةٍ تكييفُها يخفَى على الأذْهان
وهو المحيطُ بكلِّ شيءٍ عِلْمُه من غير إغفالٍ ولا نِسْيان
من ذا يكيِّفُ ذاتَه وصفاتِه وهو القديمُ مكوِّنُ الأكوان
سبحانَه ملِكًا على العرشِ استوى وَحَوَى جميعَ الملكِ والسطانِ (١)
* * *
_________________
(١) مختارات من نوية القحطاني، ط. مكتبة السوادي - جدة.
[ ١٩٢ ]