عبد الرحيم البرعي
عَسى من خَفِيِّ اللطفِ سُبحانَهُ لُطْفٌ بِعَطْفَةِ بِرٍّ فالكَرِيمُ لَهُ عَطفُ
عَسى مِن لَطِيفِ الصُّنعِ نَظرَةُ رَحمَةٍ إلى مَنْ جفَاهُ الأهلُ والصَّحبُ والإِلْفُ
عَسى فَرَجٌ يأتِي بِهِ اللهُ عاجِلًا يُسَرُّ بِهِ المَلْهُوفُ إن غَمَّهُ اللَّهفُ
عَسى لِغَريبِ الدَّارِ تَدبِيرُ رَأفَةٍ وبِرٌّ مِنَ البارِي إذا العَيشُ لَمْ يَصفُ
عَسى نَفحَةٌ فَردِيَّةٌ صَمَديَّةٌ بِها تنقَضِي الحاجاتُ والشَّمْلُ يُلتفُّ
فإنِّيَ والشَّكوى إلى اللهِ كالَّذِي رَمى نَفسَهُ في لُجَّةٍ مَوجُها يَطفُو
فَمِنْ مِحَنِ الأيَّامِ قَلبِي مُعَذَّبٌ ألَمَّ بِرَوحِي قَبلَ حَتفِ الفَنا حَتفُ
ومِنْ فُرقَةِ الأحبابِ قَلبِي مُقسَّمٌ ثلاثٌ وأرباعٌ ونِصفٌ ولا نَصفُ
[ ١٩٧ ]
وإني لأرضَى ما قَضَى اللهُ لي ولو عَبَدْتُ على حَرْفٍ لأَزْرَى بيَ الحرفُ
ولم أَبنِ حُسنَ الظَّنِّ في سيِّدي عَلى شفا جُرُفٍ هارٍ فَيَنهارُ بي الجَرفُ
ولكِنْ دَعَوتُ اللهَ يَكشِفُ كُربَتِي فَما كُربَةٌ إلَّا ومِنهُ لَها كَشفُ
فكَمْ بُسِطت كَفٌّ بسوءٍ تُرِيدُني فَقالَ لَها الكافِي ألا غُلَّتِ الكَفُّ
وَكَمْ هَمَّ صَرفُ الدّهْرِ يَصرِفُ نابَهُ عَلَيَّ فَجاءَ الموتُ وانصَرَفَ الصَّرفُ
ولمْ أَعتَصِمْ باللهِ إِلَّا وَمَدَّ لِي مَنَ البِرِّ ظِلًّا في رضاءٍ لَهُ وَكْفُ (١)
وإني لمُستغَنٍ بِفَقرِي وفاقَتِي إِليهِ ومُستقْوٍ وَإنْ كانَ بِي ضَعفُ
وفي الغَيبِ لِلعَبدِ الضَّعيفِ لَطائفٌ بِها جَفَّتِ الأقلامُ وانطَوَتِ الصُّحفُ
_________________
(١) وكْف: الوكف الجريان والتتابع.
[ ١٩٨ ]
بِقُدرَةِ مَنْ شَدَّ الهوا وبَنى السَّما طَرائِقَ فَوقَ الأرضِ فَهْي لَها سَقفُ
ومَنْ نَصَبَ الكُرسيَّ والعَرشَ واستَوى على العَرشِ، والأملاكُ مِن حَولِهِ حَفُّوا
ومَنْ بَسَطَ الأرضِينَ فَهِيَ بِلُطفِه لِحَيِّ بَنِي الدُّنيا ومَيِّتِهِمْ ظَرفُ
وألقى الجبِالَ الشُّمَّ فِيها رَواسِيًا فَلَيسَ لها مِنْ قَبلِ مَوعِدِها نَسفُ
وأَلبْسَها من سُندُسِ النَّبتِ بَهجَةً مِنَ النورِ ما صِنْفٌ يُشابِهُهُ صِنفُ
وسَخَّرَ من نَشْرِ السَّحابِ لواقِحًا إذا انتشَرَت دَرَّت سَحائِبُها الوَطفُ (١)
وأَنشَأ من أَلفافِها كُلَّ حَبَّةٍ به الأبُّ والريحانُ والحَبُّ والعَصْفُ
ويعلمُ مَسْعَى كلَّ سارٍ وساربٍ وما أعلنوه من خِطابٍ وما أخْفُوا
_________________
(١) الوطف: الماء المنهمر.
[ ١٩٩ ]
ويَدرِي دَبِيبَ النَّملِ في اللَّيلِ إن سَعَت وإن وَقَفَتْ ما أمكَنَ السَّعيُ والوقفُ
ووزنُ جِبالٍ كَمْ مَثاقِيلَ ذَرَّةٍ وكَيْلُ بِحارٍ لا يُغَيِّضُها نَزفُ
وكَمْ في غَرِيبِ المُلكِ والمَلَكُوتِ مِنْ عَجائِبَ لا يُحصِي لأيسَرِها وصفُ
فَسُبحانَ مَنْ إن هَمَّ وَهْمٌ يَقِيسُهُ بِكُفءٍ وتكيِيفٍ يُلَجِّمُهُ الكَفُّ
إِلَهِي أقِلنِي عَثرَتِي وتَوَلَّنِي بِعفوٍ فإنَّ النائِباتِ لها عُنفُ
خَلَعتُ عِذَارِي ثُمَّ جِئتُكَ عائِذًا بِعُذرِي فإن لم تَعفُ عَنِي فَمَنْ يَعفُو
* * *
[ ٢٠٠ ]