محمد عبد الله القولي
تباركَ اللهُ زانَ الأرضَ بالدُّررِ واستنطَقَ الحُسنَ في زَهرٍ وفي شَجَر
وهَزْهَزَ الأرضَ من نومٍ ليُوقِظَهَا ورشَّ في وجهِهَا الوسنَانِ بالمطَر
وأرسلَ الشَّمسَ تُذكيهَا بقُبلتِهَا فاستعذَبَتْ دفئَهَا المحفوفَ بالخدَر
وحرَّكَ الرِّيحَ مسَّت شَعْرَهَا بيدٍ كأنهَّا الطَّيفُ يغشَاهَا بلا كَدَر
وأرسلَ النَّهرَ تُطفِي فيهِ حُرقَتَها وتستَقي رَغَدًا ينسَابُ بالنَّهر
وأبهجَ الطَّيرَ فاهتزَّت مَعَازفُهَا تُدغدِعُ السَّمعَ في لحنٍ بلا وتَر
وغرَّد البُلبُلُ الصَّدَّاحُ يُطربُهَا فينتشِي الحسُّ ما في الكأسِ من سكَر
ففتَّحَتْ عينَهَا والنَّومُ يجذِبُهَا ومسَّحَتْ ذَيلَ طيفٍ عَادَ للسَّفر
وسبَّحتْ ربَّهَا الوهَّابَ واتَّكأتْ وأعتدَتْ مجْلِسًا كم طَابَ للبَشر
وفكَّرتْ أيَّ ثوبٍ تنتَقِي لَهُمُو تحيَّر القلبُ من أثوابِهَا الكُثُر
تنهَّدَتْ نشَرَتْ أزهَى ملابِسَهَا وقلَّبت تَصْطَفِي الفتَّانَ للنَّظر
وسارَعتْ لحِلَاها تنتَقِي قمَرَا عِقْدًا تألَّقَ في نَجْماتِهِ الزُهُر
تقلدَّتهُ وفي حبَّاتِهِ بَهَرٌ قد هيَّجَ اللؤلؤَ الوضَّاءَ كالقمَر
تبسَّمتْ وارتدَتْ ثوبًا يُزيِّنُها وصفَّقَتْ للجَواري إقتفِي أثَرِي
تباركَ اللهُ أعطَى الحُسنَ مُقتَدِرًا فاختَالتِ الأرضُ في وَشيٍ من الزَّهَر
وجَرجَرتْ ثوبَهَا المعطُورَ مَنْسَجُهُ وأفرَدَت ذَيلَهُ المرشُوشَ بالصُّور
[ ٢٣٠ ]
وأشرقَتْ بعَطاءِ اللهِ تلبَسُهُ وتزدَهِي بجمَالٍ سارَ في زُمَرِ (١)
ترنو إلى المَاءِ تلقَى فيهِ صُورتَهَا وتَنْتَشِي فرَحًا من آيِهَا الغُرَر
شتَّى من النَّبتِ هذِي الأرضُ قَد وَلَدَتْ وأودَعَتها الدُّنا للعيشِ والنَّظر
ففي الرُّبا شَجَرٌ أفنانُهُ ضَحِكَتْ ويبسُمُ الزَّهرُ مَطْوِيًّا على ثَمَر
وفي البحارِ نباتٌ راقَ سَاكنَهَا تحيَا عليهِ ويحمِيها من الخطَر
والنَّهرُ قِيعَانُهُ بالنَّبتِ قد فُرِشَتْ تباركَ اللهُ بثَّ الخَيرَ في النَّهَر
والماءُ مُدْهِشَةٌ في الأرضِ صنعَتُهُ والنَّبتُ مُختَلِفٌ في الذَّوْقِ والصُّور
تباركَ اللهُ أَعطَى الأرضَ فتنَتَها واستنطقَ الشِّعرَ آياتٍ من الدُّرَرِ (٢)
* * *
_________________
(١) زمر: جماعات.
(٢) رائق الشهد (ص:٣٣٢ - ٣٣٤).
[ ٢٣١ ]