يوسف العظم
لا تمتَرُوا في ذاتِهِ فالكَونُ من آياتِه
إن ضجَّ في حَركاتِهِ أو نامَ في سكَناتَه
والصُّبحُ في إشراقِهِ واللَّيلُ في ظُلُماتِه
والشَّمسُ في كبِدِ السَّما والنَّجمُ في رَعَشَاتِه
والجوُّ في إعصارِهِ إن هَبَّ أو نَسَماتِه
والرَّعدُ دوَّى قاصِفًا والبرقُ في ومَضَاتِه
واللَّيثُ في فَلَواتِهِ يختَالُ في خُطُواتِه
والطَّيرُ حلَّقَ في الفضَا أو نامَ في وَكَناتِه
والوردُ والعِطرُ الشَّذِيُّ يفُوحُ من روضَاتِه
دَانت لهُ الأزهارُ والـ أشوَاكُ بعضُ حُماتِه
لا تَمتَروا في ذاتِهِ أو تهزَءُوا بدُعاتِه
سُبحانهُ قد حقَّقَ الـ إعجَازَ في كَلِماتِه
لا تمترُوا في ذَاتِهِ فالرِّزقُ من آياتِه
سُبحانهُ من خالقٍ برٍّ بمخْلُوقَاتِه
غَمَرَ الوجُودَ بفضلِهِ وأفاضَ من خَيْراتِه
[ ٢٣٩ ]
من نَبعِهِ الثَّرِّ الغَزيرِ يجُودُ من بَركاتِه
ناءَت بهِ السُّحُبُ الثِّقا لُ فسَالَ في رَبواتِه
والحقْلُ حانَ حصادُهُ نَقْتَاتُ من غَلَّاتِه
والنَّهرُ في السَّهل الفَسِيـ ـحِ يَرِقُّ عذبُ فُراتِه
والغَابُ ظلٌّ وارفٌ والرَّوضُ في ثَمَراتِه
والماءُ صافٍ في الغَديـ ـرِ يشِفُّ في مِرَأَىتِه
لا تقنطُوا من رحمَةِ الـ ـرَّحمنِ أو مَرضاتِه
فالحِلمُ والغُفرانُ والـ ـرضوانُ بعضُ صِفاتِه
لا تمتَرُوا في ذاتِهِ فالرُّوحُ من آياتِه
والصَّدرُ في أنفاسِهِ والقلبُ في خَفَقاتِه
والثُّغرُ في تسبيحِهِ والثَّغرُ في بسَماتِه
والصَّومُ في رمَضَانِهِ والحجُّ في ميقَاتِه
والمُؤمنُ البَرُّ الكَريـ ـمُ مُصدِّقًا بزَكاتِه
والصَّالحُ العَفُّ التَّقيُّ يهيمُ في صَلواتِه
يرجُو الرِّضى من ربِّهِ ليُقيمَ في جَنَّاتِه
والفاجِرُ الغِرُّ الجهُو لُ يَتِيهُ في نزَوَاتِه
لا يَسْتَقِيمُ ولا يسيـ ـرُ على طَريقِ هُداتِه
[ ٢٤٠ ]
والمرءُ في أفراحِهِ والمرءُ في مأسَاتِه
يمضِي علَى دَرْبِ الحيَا ةِ وينتَهِي بمَمَاتِه
لا تَمتَروا في ذَاتِهِ فالموتُ بعضُ عظَاتِه
لا تَمتَروا في ذاتِهِ فالوَحْيُ من آياتِه
والحقُّ من إلهَامِهِ والنُّورُ من مِشْكاتِه
والعَقلُ في إبداعِهِ والفِكرُ في سَبَحاتِه
والعلمُ في العَصرِ الحديـ ـثِ يضِجُّ في آلاتِه
يرتَادُ آفاقَ الفضَا ءِ ويمتطِي طيَّاتِه
والبَحْرُ يهدِرُ صاخبًا والفُلكُ في جنَبَاتِه
والذَّرَّةُ الصُّغْرى مَصِيـ ـرُ الكونِ في ذَرَّاتِه
فخرَابُهُ ودَمَارُهُ إن سادَ حِقْدُ طُغاتِه
وعَمَارُهُ وَصَلَاحُهُ إن سادَ عقلُ تُقاتِه
كم مِجْهَرٍ قَرُبت لنا ال أبعادُ في عَدَساتِه
أو هاتِفٍ حَمَل الحديـ ـثَ مُردِّدًا همساتِه
لا تمتَروا في ذَاتِهِ فالكُلُّ من آياتِهِ (١)
* * *
_________________
(١) قصيدة سبحان الله من ديوان في رحاب الأقصى ليوسف العظم، (٥٣١. ٢٤١)، المكتب الإسلامي. وانظر: رائق الشهد (ص:٣٢٥ - ٣٢٧).
[ ٢٤١ ]