خير الدين وانلي
كم في كتابِ الكونِ من عِبرٍ لأولي النُّهى والبحْثِ والنَّظر
في الأرضِ في الآفاقِ قاطبةً في النفسِ في الأصواتِ في الصُّور
في ذرةٍ عَمْياءَ هائجةٍ في الشمسِ ذاتِ الوهْجِ والشَّرر
في النَّجْمِ في الأفلاكِ سابحةً في الشُّهْبِ ذاتِ الخَطْفِ للبصَر
في الزهرةِ الأخاذِ رونقُها في الطيرِ صدّاحًا على الشَّجَر
في البحرِ والأمواجُ صاخبةٌ تعلو تَرومُ تَنَاولَ القمَر
في الراسِياتِ الشمِّ عمَّمَها ثلجُ الشتاءَ يسيلُ في النَّهر
في السَّفْحِ والأعشابُ مائسةٌ (١) ترنو إلى الوديانِ في خَفَر
* * *
ماذا أقولُ لغافلٍ لاهٍ عن كلِّ ما في الكونِ من عِبَر
أيظنُّ خلقَ الكونِ عن عَبَثٍ كلَّا فخلقُ الكونِ عن قَدَر
ما فيهِ من وَهَنٍ ولا خَللٍ ما فيه من واهٍ ومُنفطِر
الشمسُ في الأفلاكِ جاريةٌ كالأرضِ ذات الماءِ والمَدَرِ (٢)
لا الليلُ يسبقُ لا النهارُ ولا تُفني البحارُ رواسِيَ الجُزُر
_________________
(١) مائسة: مائلة متبخترة.
(٢) المَدَر: الطين.
[ ٢٥٢ ]
النبتَةُ الخَضْراءُ ضاربةٌ أطْنَابَها في الصَّخْرِ والحَجَر
والزهرةُ البيضاءُ فائحةٌ والجذْرُ بين الطينِ والكَدَر
والغيمةُ السوداءُ مُثْقَلَةٌ تجْرِي بأطنابٍ من المطر
والهرةُ السَّمراءُ حانيةٌ فوق الصِّغارِ العُمْي عن خَطَر
الكونُ متَّسِقٌ ومنتظِمٌ كم فيهِ من ذِكْرَى لمُعتَبر
سبحانَ من باللُّطْفِ قدَّرَهُ أعظِمْ بقيومٍ ومُقتَدِرِ (١)
* * *
_________________
(١) ديوان النصر للإسلام (ص:١٣٤).
[ ٢٥٣ ]