[١٢] فمما جاء من آيات الصفات قول الله ﷿: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّك﴾ [الرحمن: ٢٧] .
الشرح
الصفات التي ذكرها المؤلف من صفات الله تعالى: ذكر المؤلف -﵀- من صفات الله الصفات الآتية وسنتكلم عليها حسب ترتيب المؤلف.
الصفة الأولى: الوجه: الوجه ثابت لله تعالى بدلالة الكتاب والسنة وإجماع السلف.
قال الله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] .
وقال النبي -ﷺ- لسعد بن أبي وقاص: "إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها". متفق عليه ١٤.
وأجمع السلف على إثبات الوجه لله تعالى فيجب إثباته له بدون تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل وهو وجه حقيقي يليق بالله.
_________________
(١) ١٤ البخاري: كتاب الجنائز: باب رثاء النبي -ﷺ- سعد بن خولة "١٢٩٥". ومسلم: كتاب الوصية: باب الوصية بالثلث "١٦٢٨" "٥". من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁.
[ ٤٨ ]
وقد فسره أهل التعطيل بالثواب ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة.
وقوله ﷾: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان﴾ [المائدة: ٦٤] .
الشرح
الصفة الثانية: اليدان: اليدان من صفات الله الثابتة له بالكتاب والسنة وإجماع السلف.
قال الله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان﴾ [المائدة: ٦٤] .
وقال النبي -ﷺ-: "يَمِينُ الله مَلْأى لا يَغِيضُها نَفَقَة سحَّاء اللَّيل والنَّهار" إلى قوله: "بِيَدِه الأُخْرى القَبْضُ يَرْفَعُ ويَخْفِض" رواه مسلم، والبخاري معناه ١٥.
وأجمع السلف على إثبات اليدين لله فيجب إثباتها له بدون تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل وهما يدان حقيقيتان لله تعالى يليقان به.
_________________
(١) ١٥ مسلم: كتاب الزكاة: باب الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف "٩٩٣" "٣٧". وأما رواية البخاري فعنده في كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي﴾ [ص: ٧٥] "٧٤١١" بلفظ "يد الله ملأى لا يغيضها نفقة ". من حديث أبي هريرة ﵁. لا يغيضها: بِالغين المعجمة والضاد المعجمة الساقطة: أي لا ينقصها. سحَّاء: بمهملتين مثقلا ممدودا: أي دائمة الصب، فتح الباري "٣٩٥/١٣". =
[ ٤٩ ]
وقد فسرها أهل التعطيل بالنعمة أو القدرة ونحوها ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة وبوجه رابع: أن في السياق ما يمنع تفسيرهما بذلك قطعًا كقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي﴾ [ص: ٧٥] .
وقوله ﷺ: "وَبِيَدِه الأُخْرَى القَبْضُ".
الأوجه التي وردت عليها صفة اليدين وكيف نوفق بينهما:
الأول: الإفراد كقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] .
الثاني: التثنية كقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] .
الثالث: الجمع كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس: ٧١] .
والتوفيق بين هذه الوجوه أن نقول الوجه الأول مفرد مضاف فيشمل كل ما ثبت لله من يد ولا ينافي الثنتين وأما الجمع فهو للتعظيم لا لحقيقة العدد الذي هو ثلاثة فأكثر وحينئذ لا ينافي التثنية على أنه قد قيل إن أقل الجمع اثنان فإذا حمل الجمع على أقله فلا معارضة بينه وبين التثنية أصلًا.
_________________
(١) = *فائدة: قال الحافظ في الفتح "٣٩٥/١٣" في الكلام على لفظ مسلم وروايته وأنها وقع فيها بدل يد الله "يمين الله" قال: "ويتعقب بها على من فسر اليد هنا بالنعمة وأبعد منه من فسرها بالخزائن وقال أطلق اليد على الخزائن لتصرفها فيها" أ. هـ. قلت: وفي هذا دلالة على رد الحافظ على المؤولة!!
[ ٥٠ ]
وقوله تعالى إخبارًا عن عيسى -﵇- أنه قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] .
الشرح
الصفة الثالثة: النفس:
النفس ثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة وإجماع السلف.
قال الله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] .
وقال عن عيسى -﵇- إنه قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] .
وقال النبي ﷺ: "سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِةِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِه" رواه مسلم ١٦، وأجمع السلف على ثبوتها على الوجه اللائق به فيجب إثباتها لله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.
وقوله سبحانه: ﴿وَجَاءَ رَبُّك﴾ [الفجر: ٢٢] .
وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّه﴾ [البقرة: ٢١٠] .
_________________
(١) ١٦ مسلم: كتاب الذكر والدعاء..: باب التسبيح أول النهار وعند النوم "٢٧٢٦" "٧٩" من حديث جويرية ﵂.
[ ٥١ ]
الشرح
الصفة الرابعة: المجيء:
مجيء الله للفصل بين عباده يوم القيامة ثابت بالكتاب والسنة وإجماع السلف.
قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّك﴾ [الفجر: ٢٢] . ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّه﴾ [البقرة: ٢١٠] .
وقال النبي ﷺ: "حتى إذا لم يبق إلا من يعبد الله أتاهم رب العالمين" متفق عليه١٧. في حديث طويل وأجمع السلف على ثبوت المجيء لله تعالى فيجب إثباته له من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل وهو مجيء حقيقي يليق بالله تعالى.
وقد فسره أهل التعطيل بمجيء أمره ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة.
وقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩] .
_________________
(١) ١٧ البخاري: كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ "٧٤٣٩". ومسلم: كتاب الإيمان: باب معرفة طريق الرؤية "١٨٣" "٣٠٢" من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ٥٢ ]
الشرح
الصفة الخامسة: الرِّضَى:
الرِّضَى من صفات الله الثابتة له بالكتاب والسنة وإجماع السلف.
قال الله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩] .
وقال النبي ﷺ: "إنَّ الله لَيَرضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمِدَه عَلَيْهَا أو يَشْرَبَ الشَّرْبَة فَيَحْمِدَه عَلَيْهَا". رواه مسلم١٨.
وأجمع السلف على إثبات الرِّضَى لله تعالى فيجب إثباته له من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.
وهو رِضَى حقيقي يليق بالله تعالى.
وقد فسره أهل التعطيل بالثواب ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة.
وقوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه﴾ [المائدة: ٥٤] .
_________________
(١) ١٨ مسلم: كتاب الذكر والدعاء: باب استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب "٢٧٣٤" "٧٩" من حديث أنس بن مالك ﵁. *الأكلة: الأكلة هنا بفتح الهمزة وهي المرة الواحدة من الأكل كالغداء والعشاء.
[ ٥٣ ]
الشرح
الصفة السادسة: المحبة:
المحبة من صفات الله الثابتة له بالكتاب والسنة وإجماع السلف.
قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] .
وقال النبي -ﷺ- يوم خبير: "لأُعْطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله". متفق عليه١٩.
وأجمع السلف على ثبوت المحبة لله يحب ويحب فيجب إثبات ذلك حقيقة من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.
وهي محبة حقيقية تليق بالله تعالى.
وقد فسرها أهل التعطيل بالثواب والرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة.
وقوله تعالى في الكفار: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم﴾ [الفتح: ٦] .
_________________
(١) ١٩ البخاري: كتاب المغازي: باب غزوة خيبر "٤٢١٠". ومسلم: كتاب فضائل الصحابة: باب من فضائل علي "٢٤٠٦" "٣٤". من حديث سهل بن سعد ﵁. *والرجل المقصود في الحديث: هو علي بن أبي طالب -﵁- كما وضحت الرواية.
[ ٥٤ ]
الشرح
الصفة السابعة: الغضب: الغضب من صفات الله الثابتة له بالكتاب والسنة وإجماع السلف.
قال الله تعالى فيمن قتل مؤمنا متعمدا: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣] .
وقال النبي ﷺ: "إن الله كتب كتابا عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي" متفق عليه٢٠.
وأجمع السلف على ثبوت الغضب لله فيجب إثباته من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. وهو غضب حقيقي يليق بالله.
وفسره أهل التعطيل بالانتقام ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة وبوجه رابع أن الله تعالى غاير بين الغضب والانتقام فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥] .
أي: أغضبونا.
﴿انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥] .
فجعل الانتقام نتيجة للغضب فدل على أنه غيره.
وقوله تعالى: ﴿اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ [محمد: ٢٨] .
_________________
(١) ٢٠ البخاري: كتاب التوحيد: باب قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١-٢٢] "٧٥٥٤". ومسلم: كتاب التوبة: باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه "٢٧٥١" "١٤" من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٥٥ ]
الشرح
الصفة السابعة: الغضب: الغضب من صفات الله الثابتة له بالكتاب والسنة وإجماع السلف.
قال الله تعالى فيمن قتل مؤمنا متعمدا: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣] .
وقال النبي ﷺ: "إن الله كتب كتابا عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي" متفق عليه٢٠.
وأجمع السلف على ثبوت الغضب لله فيجب إثباته من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. وهو غضب حقيقي يليق بالله.
وفسره أهل التعطيل بالانتقام ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة وبوجه رابع أن الله تعالى غاير بين الغضب والانتقام فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥] .
أي: أغضبونا.
﴿انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥] .
فجعل الانتقام نتيجة للغضب فدل على أنه غيره.
وقوله تعالى: ﴿اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ [محمد: ٢٨] .
_________________
(١) ٢٠ البخاري: كتاب التوحيد: باب قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١-٢٢] "٧٥٥٤". ومسلم: كتاب التوبة: باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه "٢٧٥١" "١٤" من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٥٦ ]
وقال النبي ﷺ: "إن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال" رواه البخاري٢٢.
وأجمع السلف على ثبوت ذلك لله فيجب إثباته من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. وهي كراهة حقيقية من الله تليق به.
وفسر أهل التعطيل الكراهة بالإبعاد ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة.
_________________
(١) ٢٢ البخاري: كتاب الأدب: باب عقوق الوالدين من الكبائر "٥٩٧٥". ومسلم: كتاب الأقضية: باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة. "٥٩٣" "١٣" واللفظ له من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.
[ ٥٧ ]