[٥٥] ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي -ﷺ- وصح به النقل عنه فيما شاهدناه أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه، ولم نطلع على حقيقة معناه، مثل حديث الإسراء والمعراج٥٩ وكان يقظة لا منامًا، فإن قريشًا أنكرته وأكبرته، ولم تنكر المنامات.
[٥٦] ومن ذلك أن ملك الموت لما جاء إلى موسى -﵇- ليقبض روحه لطمه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه فرد عليه عينه.
الشرح
السمعيات:
السمعيات كل ما ثبت بالسمع أي: بطريق الشرع ولم يكن للعقل فيها مدخل، وكل ما ثبت عن النبي -ﷺ- من أخبار فهي حق يجب تصديقه سواء شاهدناه بحواسنا أو غاب عنا وسواء أدركناه بعقولنا أم لم ندركه لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩] .
وقد ذكر المؤلف من ذلك أمورًا:
_________________
(١) ٥٩ البخاري "٣٢٠٧" "٣٨٨٧" ومسلم "١٦٤" "٢٦٤" من حديث أنس بن مالك -﵁- عن مالك بن صعصعة. وراجع "الآية الكبرى" في شرح قصة الإسراء للسيوطي. ونور المسرى لأبي شامة. والإسراء والمعراج لأبي شهبة.
[ ١٠١ ]
الأمر الأول: الإسراء والمعراج.
الإسراء لغة: السير بالشخص ليلًا وقيل: بمعنى سرى، وشرعًا: سير جبريل بالنبي -ﷺ- من مكة إلى بيت المقدس لقوله تعالى:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١] الآية.
والمعراج لغة: الآلة التي يُعْرَجُ بها وهي المصعد، وشرعًا: السلم الذي عرج به رسول الله -ﷺ- من الأرض إلى السماء لقوله تعالى:
﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ١، ٢] .
إلى قوله:
﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨] .
وكانا في ليلة واحدة عند الجمهور، وللعلماء خلاف متى كانت، فيروى بسند مُنْقَطِع عن ابن عباس وجابر -﵃ أنها ليلة الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول ولم يعيِّنا السنة. رواه ابن أبي شيبة.
وَيُرْوَى عن الزهري وعروة أنها قبل الهجرة بسنة رواه البيهقي فتكون في ربيع الأول ولم يُعَيِّنا الليلة، وقاله ابن سعد وغيره وجزم به النووي، وَيُرْوَى عن السدي أنها قبلة الهجرة بستة عشر شهرًا رواه الحاكم، فتكون في ذي القعدة وقيل: قبل الهجرة بثلاث سنين وقيل: بخمس وقيل: بست.
وكان يقظة لا منامًا لأن قريشا أكبرته وأنكرته، ولو كان منامًا لم تنكره لأنها لا تنكر المنامات.
وقصته أن جبريل أمره الله أن يسري بالنبي -ﷺ- إلى بيت المقدس على البراق ثم يعرج به إلى السموات العلا سماء سماء حتى بلغ مكانًا سمع فيه صريف الأقلام وفرض الله عليه الصلوات الخمس واطلع على الجنة والنار واتصل بالأنبياء الكرام
[ ١٠٢ ]
وصلى بهم إمامًا ثم رجع إلى مكة فحدث الناس بما رأى فكذبه الكافرون وصدق به المؤمنون وتردد فيه آخرون.
الأمر الثاني: مجيء ملك الموت إلى موسى ﷺ:
جاء ملك الموت بصورة إنسان إلى نبي الله موسى -﵊- ليقبض روحه فلطمه موسى ففقأ عينه فرجع الملك إلى الله وقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت فرد الله عليه عينه وقال: ارجع إليه وقل له: يضع يده على متن ثور فله بما غطى يده بكل شعرة سنة فقال موسى: ثم ماذا؟ قال: ثم الموت قال: فالآن فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية حجر، قال النبي ﷺ: "فلو كنت ثَمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر". وهذا الحديث ثابت في الصحيحين٦٠ وإنما أثبته المؤلف في العقيدة لأن بعض المبتدعة أنكره معللًا ذلك بأنه يمتنع أن موسى يلطم الملك، ونرد عليهم بأن الملك أتى موسى بصورة إنسان لا يعرف موسى من هو، يطلب منه نفسه، فمقتضى الطبيعة البشرية أن يدافع المطلوب عن نفسه، ولو علم موسى أنه ملك لم يلطمه ولذلك استسلم له في المرة الثانية حين جاء بما يدل أنه من عند الله وهو إعطاؤه مهلة من السنين بقدر ما تحت يده من شعر ثور٦١.
_________________
(١) ٦٠ البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء: باب وفاة موسى وذِكُره بعد "٣٤٠٧". ومسلم كتاب الفضائل: باب فضائل موسى "٢٣٧٢" "١٥٧". من حديث أبي هريرة -﵁- وراجع في الدفاع عن هذا الحديث ضد طعن الطاعنين وتلبيسات المضلين، تعليق الشيخ أحمد شاكر على المسند "٧٦٣٤" والأنوار الكاشفة للمعلمي اليماني "٢١٩، ٢٢٠". ٦١ قال الإمام ابن حبان في صحيحه تحت عنوان: ذكر خبر شنع به على منتحلي سنن المصطفى -ﷺ- من حُرِمَ التوفيق لإدراك معناه، ثم قال عقب روايته: "إن الله جلا وعلا بعث رسوله -ﷺ- معلما لخلقه فأنزله موضع الإبانة عن مراده فبلغ -ﷺ- رسالته وبيَّن عن آياته بألفاظ مجملة ومفصلة، عقلها عنه أصحابه أو بعضهم. وهذا الخبر من الأخبار التي يدرك معناه من لم يحرم التوفيق لإصابة الحق؛ وذاك أن الله جل وعلا أرسل ملك الموت إلى موسى عليه
[ ١٠٣ ]
[٥٧] ومن ذلك أشراط الساعة مثل: خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم -﵇- فيقتله. وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وأشباه ذلك مما صح به النقل٦٢.
_________________
(١) = السلام رسالة ابتلاء واختبار وأمره أن يقول له: "أجب ربك" أمر اختبار وابتلاء، لا أمرًا يريد الله جلا وعلا إمضاءه كما أمر خليله -صلى الله على نبينا وعليه- بذبح ابنه أمر اختبار وابتلاء دون الأمر الذي أراد الله جلا وعلا إمضاءه، فلما عزم على ذبح ابنه وتله للجبين، فداه بالذبح العظيم. وقد بعث الله جلا وعلا الملائكة إلى رسله في صور لا يعرفونها كدخول الملائكة على إبراهيم، ولم يعرفهم حتى أوجس منهم خيفة، وكمجيء جبريل إلى رسوله -ﷺ- وسؤاله إياه عن الإيمان والإسلام والإحسان فلم يعرفه المصطفى -ﷺ- حتى ولى. فكان مجيء ملك الموت إلى موسى -﵇- على غير الصورة التي كان يعرفه موسى -﵇- عليها، وكان موسى غيورًا فرأى في داره رجلًا لم يعرفه، فشال يده فلطمه، فأتت لطمته على فقء عينه التي في الصورة التي يتصور بها لا الصورة التي خلقه الله عليها ولما كان المصرح عن نبينا -ﷺ- في خبر ابن عباس حيث قال: "أمَّني جبريل عند البيت مرتين" فذكر الخبر وقال في آخره: "هذا وقتك ووقت الأنبياء قبلك" كان في هذا الخبر البيان الواضح أن بعض شرائعنا قد يتفق مع بعض شرائع من قبلنا من الأمم. ولما كان من شريعتنا أن من فقأ عين الداخل داره بغير إذنه، أو الناظر في بيته بغير أمره من غير جناح على فاعله ولا حرج على مرتكبه؛ للأخبار الجمّة الواردة فيه التي أمليناها في غير موضع من كتبنا كان جائزًا اتفاق هذه الشريعة: شريعة موسى، بإسقاط الحرج عمن فقأ عين الداخل داره بغير إذنه، فكان استعمال موسى هذا الفعل مباحًا له ولا حرج عليه في فعله، فلما رجع ملك الموت إلى ربه وأخبره بما كان من موسى فيه، أمره ثانيا بأمر آخر أمر اختبار وابتلاء -كما ذكرنا من قبل- إذ قال الله له: قل له: إن شئت فضع يدك على متن ثور، فلك بكل ما غطت يدك بكل شعرة سنة، فلما علم موسى كليم الله -صلى الله على نبينا وعليه- أنه ملك الموت وأنه جاءه بالرسالة من عند الله طابت نفسه بالموت ولم يستمهل وقال: فالآن. فلو كانت المرة الأولى عرفه موسى أنه ملك الموت ما استعمل ما استعمل في المرة الأخرى عند تيقنه وعلمه به ضد قول من زعم أن أصحاب الحديث حمالة الحطب ورعاة الليل يجمعون مالا ينتفعون به ويروون ما لا يؤجرون عليه، ويقولون بما يبطله الإسلام جهلًا منهم بمعاني الأخبار وترك التفقه والآثار، معتمدًا في ذلك على رأيه المنكوس وقياسه المعكوس. أ. هـ. ٦٢ راجع في ذلك: النهاية لابن كثير، و"الإذاعة" لصديق حسن خان.
[ ١٠٤ ]
الشرح
الأمر الثالث: أشراط الساعة:
الأشراط جمع شرط وهو لغةً: العلامة، والساعة لغةً: الوقت أو الحاضر منه، والمراد بها هنا القيامة، فأشراط الساعة شرعًا العلامات الدالة على قرب يوم القيامة قال الله تعالى:
﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] .
وذكر المؤلف من أشراط الساعة ما يأتي:
١- خروج الدجال، وهو لغة: صيغة مبالغة من الدجل وهو الكذب والتمويه وشرعًا: رجل مموه يخرج في آخر الزمان يدعي الربوبية. وخروجه ثابت بالسنة والإجماع، قال النبي ﷺ: "قولوا اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات" رواه مسلم٦٣. وكان النبي -ﷺ- يتعوذ منه في الصلاة متفق عليه٦٤. وأجمع المسلمون على خروجه.
وقصته: "أنه يخرج من طريق بين الشام والعراق فيدعو الناس إلى عبادته فأكثر من يتبعه اليهود والنساء والأعراب. ويتبعه سبعون ألفًا من يهود أصفهان فيسير
_________________
(١) ٦٣ مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة: باب ما يستعاذ منه في الصلاة "٥٩٠" "١٣٤" من حديث ابن عباس ﵄. ٦٤ البخاري: كتاب الأذان: باء الدعاء قبل السلام "٨٣٢" ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة: باب ما يُسْتعاذ منه في الصلاة "٥٨٩" "١٢٩" من حديث عائشة ﵂. وفي الباب عن أبي هريرة: عند مسلم "٥٨٨" "١٣٠".
[ ١٠٥ ]
في الأرض كلها كالغيث استدبرته الريح إلا مكة والمدينة فيمنع منهما ومدته أربعون يوما، يوم كسنةٍ، ويوم كشهر، ويوم كجمعةِ وباقي أيامه كالعادة. وهو أعور العين مكتوب بين عينيه (ك ف ر) يقرؤه المؤمن فقط، وله فتنة عظيمة منها أنه يأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت، معه جنة ونار فجنته نار وناره جنة، حذر منه النبي -ﷺ- وقال: "مَنْ سَمِعَ بهِ فلينأَ عنه، ومن أدركه فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف أو بفواتح سورة الكهف" ٦٥.
٢- نزول عيسى ابن مريم: نزول عيسى ابن مريم ثابت بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين.
قال الله تعالى:
﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] .
أي: موت عيسى وهذا حين نزول كما فسره أبو هريرة بذلك.
وقال النبي ﷺ: "والله لينزلن عيسى ابن مريم حكما وعدلًا". الحديث متفق عليه٦٦.
وقد أجمع المسلمون على نزوله فينزل عند المنارة البيضاء في شرقي دمشق واضعا كفيه على أجنحة ملكين فلا يحل لكافر يجد من ريح نفسه إلا مات ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه فيطلب الدجال حتى يدرك بباب لدٍ فيقتله، ويكسر الصليب
_________________
(١) ٦٥ راجع حديث النواس بن سمعان عند مسلم: كتاب الفتن: باب ذكر الدَّجال وصفته: "٢٩٣٧" "١١٠"، "١١١". ٦٦ البخاري: كتاب البيوع: باب قتل الخنزير "٢٢٢٢". كتاب الأنبياء: باب نزول عيسى ابن مريم ﵉ "٣٤٤٨". ومسلم: كتاب الإيمان: باب نزول عيسى ابن مريم حاكمًا بشريعة نبينا محمد -ﷺ- "١٥٥" "٢٤٢".
[ ١٠٦ ]
ويضع الجزية، وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين، ويحج ويعتمر، كل هذا ثابت في صحيح مسلم وبعضه في الصحيحين كليهما٦٧. وروى الإمام أحمد وأبو داود: "أن عيسى يبقى بعد قتل الدجال أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون"٦٨ وذكر البخاري في تاريخه أنه يدفن مع النبي -ﷺ- فالله أعلم٦٩.
_________________
(١) ٦٧ راجح حديث النواس بن سمعان عند مسلم "٢٩٣٧" "١١٠" "١١١". وأما قوله: "ويكسر الصليب ويضع الجزية وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين" ففي حديث أبي هريرة عند البخاري "٣٤٤٨" ومسلم "١٥٥" "٢٤٢". وعندهما: " حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها". واللفظ الذي ذكره الشيخ عزاه الحافظ في الفتح "٤٩٢/٦" لابن مردويه. وأما قوله: "ويحج ويعتمر" فعند مسلم من حديث أبي هريرة -﵁- قال: "والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجًا أو معتمرًا أو ليثنينهما" كتاب الحج: باب إهلال النبي -ﷺ- وهديه "١٢٥٢" "٢١٦". ٦٨ حديث صحيح: رواه أحمد "٩٢٥٩" وأبود داود "٤٣٢٤" وابن حبان "٢٧٧/٨" والحاكم "٥٩٥/٢" وصححه ووافقه الذهبي. وابن أبي شيبة "١٥٨/١٥" وابن جرير "٣٨٨/٩" من حديث أبي هريرة ﵁. وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند. ٦٩ البخاري في التاريخ الكبير "٢٦٣/١" والترمذي "٣٦١٧" والآجري في الشريعة ص "٣٨١" من طريق عثمان بن الضحاك عن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه عن جده قال: مكتوب في التوراة صفة محمد وصفة عيسى ابن مريم يدفن معه. قال البخاري: هذا لا يصح عندي ولا يتابع عليه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال الهيثمي في المجمع "٣٠٦/٨": في سنده عثمان بن الضحاك وثَّقه ابن حبان وضعفه أبو داود. وقال الحافظ في الفتح "٦٦/٧" وروى عنها -أي عائشة- في حديث لا يثبت أنها استأذنت النبي ﷺ إن عاشت بعده أن تدفن إلى جانبه فقال لها: "وأنى لك بذلك وليس في ذلك الموضع إلا قبري وقبر أبي بكر وعمر وعيسى ابن مريم" وفي أخبار المدينة من وجه ضعيف عن سعيد بن المسيب قال: إن قبور الثلاثة في صفة بيت عائشة وهناك موضع قبر يدفن فيه عيسى ابن مريم. أ. هـ.
[ ١٠٧ ]
٣- يأجوج ومأجوج اسمان أعجميان أو عربيان مشتقان من المأج وهو الاضطراب أو من أجيج النار وتلهبها.
وهما أمتان من بني آدم موجودتان بدليل الكتاب والسنة.
قال الله تعالى في قصة ذي القرنين:
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا، قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف: ٩٣، ٩٤] الآيات.
وقال النبي ﷺ: "يقول الله يوم القيامة: يا آدم قم فابعث بعث النار من ذريتك" إلى أن قال رسول الله ﷺ: "أبشروا فإن منكم واحدًا ومن يأجوج ومأجوج ألفًا" أخرجاه في الصحيحين٧٠.
وخروجهم الذي يكون من أشراط الساعة لم يأتِ بعد ولكن بوادره وجدت في عهد النبي -ﷺ- فقد ثبت في الصحيحين أن النبي -ﷺ- قال: "فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها" ٧١.
وقد ثبت خروجهم في الكتاب والسنة.
_________________
(١) ٧٠ البخاري: كتاب الرقاق: باب قوله ﷿ ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيم﴾ [الحج: ١] . "٦٥٣٠". ومسلم: كتاب الإيمان: باب قوله: يقول الله لآدم أخرج بعث النار "٢٢٢" "٣٧٩" من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، ولفظه عندهما: "يقول: أخرج بعث النار " وفي لفظ للبخاري "٦٥٢٩": "أخرج بعث جهنهم من ذريتك" وهذا اللفظ قريب من اللفظ الذي ذكره الشيخ صالح العثيمين. ٧١ البخاري: كتاب الفتن: باب يأجوج ومأجوج "٧١٣٥" ومسلم: كتاب الفتن: باب اقتراب الفتن وفتح ردم يأجوج ومأجوج "٢٨٨٠" "٢". من حديث زينب بنت جحش ﵂.
[ ١٠٨ ]
قال الله تعالى:
﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ، وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٦، ٩٧] .
وقال النبي ﷺ: "إنها لن تقوم الساعة حتى تروا قبلها عشر آيات.." فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى ابن مريم ويأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم. رواه مسلم٧٢، وقصتهم في حديث النواس بن سمعان أن النبي -ﷺ- قال في عيسى ابن مريم بعد قتله الدجال: "فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى أني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها ويمر آخرهم" ويقول: "لقد كان بهذه مرة ماء ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر وهو جبل بيت المقدس فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض هلم فلنقتل من في السماء فيرمون بنشابهم إلى السماء فيرد الله عليهم نشابهم محضوبة دما، ويحصر نبي الله وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل عليهم طيرًا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله" رواه مسلم٧٣.
_________________
(١) ٧٢ مسلم: كتاب الفتن: باب في الآيات التي تكون قبل الساعة "٢٩٠١" "٣٩". من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁. ٧٣ مسلم: كتاب الفتن: باب ذكر الدَّجال وصفته "٢٩٣٧" "١١٠". وراجع تعليق النووي على غريب الحديث في رياض الصالحين حديث "١٨١٧".
[ ١٠٩ ]
٤- خروج الدابة، الدابة لغة: كل ما دب على الأرض. والمراد بها هنا الدابة التي يُخْرجها الله قرب قيام الساعة، وخروجها ثابت بالقرآن والسنة.
قال الله تعالى:
﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢] .
وقال النبي ﷺ: "إنها لن تقوم الساعة حتى تروا قبلها عشر آيات وذكر منها الدابة" رواه مسلم٧٤.
وليس في القرآن والسنة الصحيحة ما يدل على مكان خروج هذه الدابة وصفتها وإنما وردت في ذلك أحاديث في صحتها نظر، وظاهر القرآن أنها دابة تنذر الناس بقرب العذاب والهلاك والله أعلم.
٥- طلوع الشمس من مغربها: طلوع الشمس من مغربها ثابت بالكتاب والسنة، قال الله تعالى:
﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] .
والمراد بذلك طلوع الشمس من مغربها.
وقال النبي ﷺ: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعين، وذلك حين: ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] . متفق عليه٧٥.
_________________
(١) ٧٤ تقدم تخريجه ص "١٠٩". ٧٥ البخاري: كتاب التفسير من سورة الأنعام: باب ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨] "٤٦٣٦"، ومسلم: كتاب الإيمان: باب الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان "١٥٧" "٢٤٨" من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١١٠ ]
[٥٨] وعذاب القبر ونعيمه حق، وقد استعاذ النبي -ﷺ- منه، وأمر به في كل صلاة.
[٥٩] وفتنة القبر حق، وسؤال منكر ونكير حق، والبعث بعد الموت حق، وذلك حين ينفخ إسرافيل -﵇- في الصور:
﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] .
الشرح
فتنة القبر:
الفتنة لغة: الاختبار، وفتنة القبر سؤال الميت عن ربه ودينه ونبيه.
وهي ثابتة بالكتاب والسنة. قال الله تعالى:
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] .
وقال النبي ﷺ: " المسلم إذا سئل في القبر شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله". فذلك قوله تعالى:
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] متفق عليه٧٦.
_________________
(١) ٧٦ البخاري: كتاب الجنائز: باب ما جاء في عذاب القبر "١٣٦٩". ومسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها: باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه "٣٨٧١" "٧٣" من حديث البراء بن عازب ﵁.
[ ١١١ ]
والسائل ملكان لقول النبي ﷺ: "إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم قال: يأتيه ملكان فيقعدانه..". رواه مسلم٧٧. واسمهما: منكر ونكير، كما رواه الترمذي عن أبي هريرة مروفعًا وقال: حسن غريب، قال الألباني: وسنده حسن وهو على شرط مسلم٧٨، والسؤال عام للمكلفين من المؤمنين والكافرين ومن هذه الأمة وغيرهم على القول الصحيح وفي غير المكلفين خلاف. وظاهر كلام ابن القيم في كتاب الروح ترجيح السؤال. ويستثنى من ذلك الشهيد لحديث رواه النسائي٧٩، ومن مات مرابطًا في سبيل الله لحديث رواه مسلم٨٠.
عذاب القبر أو نعيمه:
عذاب القبر أو نعيمه حق ثابت بظاهر القرآن وصريح السنة وإجماع أهل السنة قال الله تعالى في سورة الواقعة:
﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٣، ٨٤] .
_________________
(١) ٧٧ البخاري: كتاب الجنائز: باب الميت يسمع خفق النعال "١٣٣٨". ومسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها: باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه "٢٨٧٠" "٧٠" من حديث أنس ﵁. ٧٨ حديث حسن: الترمذي "١٠٧١" وابن حبان "٧٨٠ - موارد" وابن أبي عاصم في السنة "٨٦٤" وقال الترمذي: حسن غريب وحسنه الألباني في ظلال الجنة في تخريج السنة "٨٦٤" وقال في الصحيحة "١٣٩١": إسناده جيد رجاله كلهم ثقات رجال مسلم. ٧٩ حديث صحيح: أخرجه النسائي "٢٧٩/١" عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ- أن رجلًا قال: يا رسول الله: ما بال المؤمنين يُفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: "كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة". وقال الألباني في أحكام الجنائز ص "٣٦": وسنده صحيح. أ. هـ. ٨٠ مسلم: كتاب الإمارة: باب فضل الرباط في سبيل الله ﷿: "١٩١٣" "١٦٣" من حديث سلمان الفارسي ﵁.
[ ١١٢ ]
إلى قوله:
﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ، فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٨، ٨٩] السورة.
وكان النبي -ﷺ- يتعوذ بالله من عذاب القبر وأمر أمته بذلك٨١. وقال النبي -ﷺ- في حديث البراء بن عازب المشهور في قصة فتنة القبر قال في المؤمن: "فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة فيأتيه من ريحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره" وقال في الكافر: "فينادي منادٍ من السماء أن كذب عبدي فأفرشوه من النار وافتحوا له بابا من النار فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه". الحديث رواه أحمد وأبوداود٨٢. وقد اتفق السلف وأهل السنة على إثبات عذاب القبر ونعيمه ذكره ابن القيم في كتاب الروح، وأنكر الملاحدة عذاب القبر متعللين بأننا لو نبشنا القبر لوجدناه كما هو ونرد عليهم بأمرين:
١- دلالة الكتاب والسنة وإجماع السلف على ذلك.
٢- أن أحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا فليس العذاب أو النعيم في القبر كالمحسوس في الدنيا.
_________________
(١) ٨١ مسلم: كتاب المساجد: باب ما يستعاذ منه في الصلاة "٥٩٠" "١٣٤" من حديث ابن عباس -﵄- عن النبي -ﷺ- أنه كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر "الحديث. وفي الباب عن عائشة: عند البخاري "١٠٤٩" ومسلم "٩٠٣" "٨". وعن أبي هريرة: عند مسلم "٥٨٨" "١٣٠". وزيد بن ثابت: عند مسلم "٢٨٦٧" "٦٧". ٨٢ حديث صحيح: أخرجه أحمد في المسند "٢٨٧/٤، ٢٨٨، ٢٩٥، ٢٩٦" وأبو داود "٤٧٥٣". وقد ساقه الألباني -حفظه الله- سياقًا واحدًا ضامًّا إليه جميع الزوائد والفوائد التي وردت في شيء من طرقة الثابتة فليراجع. قال الحافظ في الفتح "٢٨٢/٣": وهو أتمُّ الأحاديث سياقًا. أ. هـ.
[ ١١٣ ]
هل عذاب القبر أو نعيمه على الروح أو على البدن؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: مذهب سلف الأمة وأئمتها أن العذاب أو النعيم يحصل لروح الميت وبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحيانًا فيحصل له معها النعيم أو العذاب٨٣.
النفخ في الصور:
النفخ معروف. والصور لغة: القرن. وشرعًا: قرن عظيم التقمه إسرافيل ينتظر متى يؤمر بنفخه، وإسرافيل أحد الملائكة الكرام الذين يحملون العرش وهما نفختان إحداهما: نفخة الفزع ينفخ فيه فيفزع الناس ويصعقون إلا من شاء الله، والثانية نفخة البعث ينفخ فيه فيبعثون ويقومون من قبورهم.
وقد دل على النفخ في الصور الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
قال الله تعالى:
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] .
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] .
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "ثم ينفع في الصور فلا يسمعه أحدٌ إلا أصغى ليتا ورفع ليتا ثم لا يبقى أحد إلا صعق، ثم ينزل الله مطرًا كأنه الطل أو الظل -شك الراوي- فتنبت منه أجساد الناس ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون". رواه مسلم في حديث طويل.
وقد اتفقت الأمة على ثبوته.
_________________
(١) ٨٣ مجموع فتاوى ابن تيمية "٢٨٢/٤".
[ ١١٤ ]
[٦٠] ويحشر الناس يوم القيامة حفاةً عراةً غرلًا بُهْما، فيقفون في موقف القيامة، حتى يشفع، فيهم نبينا محمد -ﷺ- ويحاسبهم الله ﵎، وتنصب الموازين، وتنشر الدواوين، وتتطاير صحف الأعمال إلى الأيمان والشمائل:
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورا، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورا، وَيَصْلَى سَعِيرا﴾ [الانشقاق: ٧-١٢] .
الشرح
البعث والحشر:
البعث لغة: الإرسال والنشر، وشرعًا: إحياء الأموات يوم القيامة.
والحشر لغة: الجمع وشرعًا جمع الخلائق يوم القيامة لحسابهم والقضاء بينهم.
والبعث والحشر حق ثابت بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، قال الله تعالى:
﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُن﴾ [التغابن: ٧] .
وقال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٩، ٥٠] .
وقال النبي ﷺ: "يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد". متفق عليه٨٤.
_________________
(١) ٨٤ البخاري: كتاب الرقاق: باب يقبض الله الأرض يوم القيامة "٦٥٢١". ومسلم: كتاب صفة القيامة والجنة والنار: باب في البعث والنشور.. "٢٧٩٠" "٢٨" من حديث سهل بن سعد ﵁. *بيضاء عفراء: أي غير شديدة البياض، يضرب إلى الحمرة. والقرصة: الرغيف. والنَّقي: الدقيق المنخول المنظف. ليس فيها علم لأحد: ليس بها علامة سكنى ولا بناء ولا أثر.
[ ١١٥ ]
وأجمع المسلمون على ثبوت الحشر يوم القيامة.
ويحشر الناس حفاة لا نعال عليهم، عراة لا كسوة عليهم، غرلا لا ختان فيهم، لقوله تعالى:
﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُه﴾ [الأنبياء: ١٠٤] .
وقول النبي ﷺ: "إنكم تحشرون حفاة عراة غرلا ثم قرأ:
﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] .
وأول من يكسى إبراهيم" متفق عليه٨٥. وفي حديث عبد الله بن أنيس المرفوع الذي رواه أحمد: "يحشر الناس يوم القيامة عراة غرلا بهما، قلنا: وما بهما؟ قال: ليس معهم شيء" الحديث٨٦.
_________________
(١) ٨٥ البخاري: كتاب الأنبياء: باب قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا﴾ [النساء: ١٢٥] "٣٣٤٩". ومسلم: كتاب الجنة: باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة "٢٨٦٠" "٥٨". ٨٦ حديث حسن: تقدم تخريجه ص "٧٤".
[ ١١٦ ]
الحساب:
الحساب لغة: العدد، وشرعًا إطلاع الله عباده على أعمالهم.
وهو ثابت بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥، ٢٦] .
وكان النبي -ﷺ- في بعض صلاته: "اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا" فقالت عائشة ﵂: ما الحساب اليسير؟ قال: "أن ينظر في كتابه فيتجاوز عنه" رواه أحمد، وقال الألباني إسناده جيد٨٧.
وأجمع المسلمون على ثبوت الحساب يوم القيامة.
وصفة الحساب للمؤمن "أن الله يخلو به فيقرره بذنوبه حتى إذا رأى أنه قد هلك، قال الله له: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته. وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رءوس الخلائق، هؤلاء الذي كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين" متفق عليه من حديث ابن عمر٨٨.
_________________
(١) ٨٧ حديث صحيح: أخرجه أحمد "٤٨/٦" وابن أبي عاصم في كتاب السنة "٨٨٥" واللفظ لأحمد. وقال الألباني في تخريج السنة "٤٢٩/٢": إسناده صحيح. أ. هـ. وأصل الحديث في الصحيحين عند البخاري "١٠٣"، "٦٥٣٦"، "٦٥٣٧" ومسلم "٢٨٧٦" "٧٩" عنها بلفظ: "ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك، قلت: أو ليس يقول الله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابا يَسِيرا﴾ [الانشقاق: ٨] فقال: إنما ذلك العرض ولكن من نوقش الحساب يهلك". ٨٨ البخاري: كتاب المظالم: باب قول الله تعالى: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِين﴾ [هود: ١٨] "٢٤٤١". ومسلم: كتاب التوبة: باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله "٢٧٦٨" "٥٢". من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
[ ١١٧ ]
والحساب عام لجميع الناس إلا من استثناهم النبي -ﷺ- وهم سبعون ألفًا من هذه الأمة منهم عكاشة بن محصن يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، متفق عليه٨٩. وروى أحمد من حديث ثوبان مرفوعًا: "أن مع كل واحدٍ سبعين ألفًا" قال ابن كثير: حديث صحيح وذكر له شواهد٩٠.
_________________
(١) ٨٩ البخاري: كتاب الرقاق: باب يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب "٦٥٤١". ومسلم: كتاب الإيمان: باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب "٢٢٠" "٣٧٤". من حديث ابن عباس ﵄. وفي الباب: عن أبي هريرة ﵁: عند البخاري "٥٨١١" "٦٥٤٢" ومسلم "٢١٦" "٣٦٧" وعن عمران بن حصين ﵁: عند مسلم "٢١٨" "٣٧١". ٩٠ حسن: حديث ثوبان عند الطبراني في الكبير "١٤١٣" وأحمد "٢٨٠/٥، ٢٨١" من طريق محمد بن إسماعيل الحمصي، حدثني أبي عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "إن ربي ﷿ وعدني من أمتي سبعين ألفًا لا يحاسبون مع كل ألف سبعين ألفًا" وسكت عنه الهيثمي في المجمع "٤٠٧/١٠" ولم يتكلم عليه بشيء، مع أن فيه محمد بن إسماعيل بن عياش الحمصي. قال أبو داود لم يكن بذاك وقال أبو حاتم لم يسمع من أبيه شيئًا، راجع التهذيب "٥١/٩، ٥٢" والمغني في الضعفاء للذهبي "٥٥٥/٢". وللحديث شواهد كثيرة ذكرها ابن كثير في النهاية "٣٢٢- ٣٣٠" منها حديث أنس عند البزار فيه أبو عاصم العباداني لين الحديث كما في التقريب، ومنها: حديث أبي أمامة عند أحمد "٢٦٨/٥" والترمذي "٣٤٣٧" وابن ماجه "٤٢٨٦" وصححه ابن حبان "٢٦٤٢ - موارد". ومنها: حديث أبي سعيد الخدري عند ابن أبي عاصم في السنة "٨١٤" وضعف إسناده الألباني في تخريج السنة "٣٨٥/٢". وغير ذلك من الشواهد وراجع النهاية لابن كثير. وبالجملة فالحديث حسن على أقل أحواله بهذه الشواهد.
[ ١١٨ ]
وأول من يحاسب هذه الأمة، لقول النبي ﷺ: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة المقضي بينهم قبل الخلائق" متفق عليه٩١، وروى ابن ماجه عن ابن عباس مرفوعًا: "نحن آخر الأمم وأول من يحاسب" الحديث٩٢.
وأول ما يحاسب عليه العبد من حقوق الله الصلاة، لقول النبي ﷺ: "أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله وإن فسدت فسد سائر عمله" رواه الطبراني في الأوسط وسنده لا بأس به إن شاء الله، قاله المنذري في الترغيب والترهيب٩٣ "ص: ٢٤٦، ج: ١" وأول ما يقضى بين الناس في الدماء لقول النبي ﷺ: "أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء" متفق عليه٩٤.
[٦١] والميزان له كفتان ولسان توزن به الأعمال:
﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢، ١٠٣] .
_________________
(١) ٩١ الحديث بهذا اللفظ: عند مسلم كتاب الجمعة: باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة "٨٥٦" "٢٢" من حديث أبي هريرة وحذيفة -﵄- ولفظه عند البخاري "٨٧٦" ومسلم "٨٥٥" "٢١": "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا" من حديث أبي هريرة. ٩٢ أخرجه ابن ماجه "٤٢٩٠" وأحمد "٢٨٢/١، ٢٧٤/٢، ٣٤٢" والبيهقي في دلائل النبوة "٤٨٢/٥" من حديث ابن عباس ﵄، وقال البوصيري في الزوائد "٣١٧/٣": هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وصححه الشيخ الألباني. ٩٣ حديث صحيح: أخرجه الترمذي "٤١٣" والنسائي "٢٣٢/١" وابن ماجه "١٤٢٦" من حديث أبي هريرة -﵁- وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب "١٨٥/١". ٩٤ البخاري: كتاب الديات: باب قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] "٦٨٦٤". ومسلم: كتاب القسامة: باب المجازاة بالدماء في الآخرة "١٦٧٨" "٢٨"، من حديث ابن مسعود ﵁.
[ ١١٩ ]
الشرح
الموازين:
الموازين جمع ميزان، وهو لغة: ما تقدر به الأشياء خفة وثقلا، وشرعًا: ما يضعه الله يوم القيامة لوزن أعمال العباد، وقد دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف، قال الله تعالى:
﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢، ١٠٣] .
﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] .
وقال النبي ﷺ: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" متفق عليه٩٥، وأجمع السلف على ثبوت ذلك.
وهو ميزان حقيقي له كفتان لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي -ﷺ- في صاحب البطاقة قال: "فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة" الحديث رواه الترمذي وابن ماجه قال الألباني: إسناده صحيح٩٦.
_________________
(١) ٩٥ البخاري: كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] "٧٥٦٣". ومسلم: كتاب الذكر والدعاء: باب فضل التهليل "٢٦٩٤" "٣١"، من حديث أبي هريرة -﵁- وهو خاتمة صحيح البخاري. ٩٦ حديث صحيح: أخرجه أحمد "٢١٣/٢" والترمذي "٢٦٣٩" وابن ماجه "٤٣٠٠" وإسناده صحيح، وقد صححه ابن حبان "٢٥٢٤" والحاكم "٦/١، ٥٢٩" ووافقه
[ ١٢٠ ]
واختلف العلماء هل هو ميزان واحد أو متعدد؟
فقال بعضهم: متعدد بحسب الأمم أو الأفراد أو الأعمال؛ لأنه لم يرد في القرآن إلا مجموعًا، وأما إفراده في الحديث فباعتبار الجنس.
وقال بعضهم: هو ميزان واحد؛ لأنه ورد الحديث مفردًا، وأما جمعه في القرآن فباعتبار الموزون، وكلا الأمرين محتمل والله أعلم.
والذي يوزن العمل؛ لظاهر الآية السابقة والحديث بعدها وقيل: صحائف العمل، لحديث صاحب البطاقة، وقيل: العامل نفسه لحديث أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال: "إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة" وقال اقرءوا:
﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنا﴾ [الكهف: ١٠٥] متفق عليه٩٧.
وجمع بعض العلماء بين هذه النصوص بأن الجميع يوزن أو أن الوزن حقيقة للصحائف، وحيث إنها تثقل وتخف بحسب الأعمال المكتوبة صار الوزن كأنه للأعمال، وأما وزن صاحب العمل فالمراد به قدره وحرمته، وهذا جمع حسن والله أعلم.
نشر الدواوين:
النشر لغة: فتح الكتاب أو بث الشيء، وشرعًا: إظهار صحائف الأعمال يوم القيامة وتوزيعها.
_________________
(١) = الذهبي، وحسنه الترمذي، وصححه الألباني في الصحيحة "١٣٥"، وقال: والأحاديث في ذلك متضافرة إن لم تكن متواترة. أ. هـ. ٩٧ البخاري: كتاب التفسير من سورة الكهف: باب ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ [الكهف: ١٠٥] "٤٧٢٩". ومسلم: كتاب صفة القيامة والجنة والنار "٢٧٨٥" "١٨".
[ ١٢١ ]
والدواوين جمع ديوان، وهو لغة:الكتاب يحصى فيه الجند ونحوهم، وشرعًا: الصحائف التي أحصيت فيها الأعمال التي كتبها الملائكة على العامل، فنشر الدواوين إظهار صحائف الأعمال يوم القيامة فتتطاير إلى الأيمان والشمائل، وهو ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.
قال الله تعالى:
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا، وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧-١٢] .
﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥] .
وعن عائشة -﵂- أنها سألت النبي ﷺ: هل تذكرون أهليكم؟ قال: "أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحدًا: عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل؟ وعندتطاير الصحف حتى يعلم أين يقع كتابه في يمينه أم في شماله أم وراء ظهره؟ وعند الصراط إذا وضع بين ظهراني جهنم حتى يجوز" رواه أبو داود والحاكم وقال: صحيح على شرطهما٩٨.
وأجمع المسلمون على ثبوت ذلك.
_________________
(١) ٩٨ أخرجه أبو داود "٤٧٥٥" والحاكم في المستدرك "٥٧٨/٤" والآجري في الشريعة "٣٨٥" من طرق عن الحسن عن عائشة، وذكره الشيخ الألباني في ضعيف أبي داود. وقال الحاكم: صحيح إسناده على شرط الشيخين لولا إرسال فيه بين الحسن وعائشة وأقره الذهبي. وللحديث طريق آخر رواه أحمد "١١٠/٦" من طريق ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن القاسم بن محمد عن عائشة. وقال الهيثمي في المجمع "٣٥٩/١٠": عند أبي داود طرف منه رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف وقد وثق، وبقية رجاله رجال الصحيح.
[ ١٢٢ ]
صفة أخذ الكتاب:
المؤمن يأخذ كتابه بيمينه فيفرح ويستبشر ويقول:
﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] .
والكافر يأخذه بشماله أو من وراء ظهره فيدعو بالويل والثبور ويقول:
﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ، وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥، ٢٦] .
[٦٢] ولنبينا محمد -ﷺ- حوض في القيامة، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وأباريقه عدد نجوم السماء، ومن شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا.
الشرح
الحوض:
الحوض لغة: الجمع يقال حاض الماء يحوضه إذا جمعه، ويطلق على مجتمع الماء.
وشرعًا: حوض الماء النازل من الكوثر في عرصات القيامة للنبي ﷺ.
ودل عليه السنة المتواترة وأجمع عليه أهل السنة.
قال النبي ﷺ: "إني فرطكم على الحوض" متفق عليه٩٩.
_________________
(١) ٩٩ البخاري: كتاب الرقاق: باب في الحوض "٦٥٨٣"، "٦٥٨٤". ومسلم: كتاب الفضائل: باب إثبات حوض نبينا -ﷺ- "٢٢٩٠" "٢٦"، "٢٢٩١" "٢٦" من حديث سهل بن سعد وأبي سعيد الخدري ﵄.
[ ١٢٣ ]
وأجمع السلف أهل السنة على ثبوته، وقد أنكر المعتزلة ثبوت الحوض ونرد عليهم بأمرين:
١- الأحاديث المتواترة عن الرسول ﷺ.
٢- إجماع أهل السنة على ذلك.
صفة الحوض:
طوله شهر وعرضه شهر وزواياه سواء وآنيته كنجوم السماء، وماؤه أبيض من اللبن وأحلى من العسل وأطيب من ريح المسك، فيه ميزابان يمدانه من الجنة أحدهما من ذهب والثاني من فضة، يرده المؤمنون من أمة محمد، ومن يشرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدًا، وكل هذا ثابت في الصحيحين أو أحدهما١٠٠. وهو موجود الآن لقوله
_________________
(١) = *قال ابن أبي العز في شرح الطحاوية "٢٧٧/١": والأحاديث الواردة في ذكر الحوض تبلغ حد التواتر، رواها من الصحابة بضع وثلاثون صحابيًّا -﵃- ولقد استقصى طرقها شيخنا عماد الدين ابن كثير تغمده الله برحمته في آخر تاريخه الكبير المسمى بالبداية والنهاية. أ. هـ، وكذا انظر فتح الباري "٤٦٨/١١، ٤٦٩". وقوله: "إني فرطكم على الحوض"، أي: متقدمكم إليه، النهاية لابن الأثير "٤٣٤/٣". ١٠٠ البخاري: كتاب الرقاق: باب في الحوض "٦٥٧٩". ومسلم: كتاب الفضائل: باب إثبات حوض نبينا -ﷺ- وصفاته "٢٢٩٢" "٢٧". من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄. والبخاري: كتاب الرقاق: باب في الحوض "٦٥٨٠". ومسلم: كتاب الفضائل: باب إثبات حوض نبينا -ﷺ- وصفاته "٢٣٠٣" "٤٣" من حديث أنس بن مالك ﵁. ومسلم: في المصدر نفسه "٢٣٠١" "٣٧"، من حديث ثوبان ﵁.
[ ١٢٤ ]
ﷺ: "وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن" رواه البخاري١٠١، واستمداده من الكوثر لقوله ﷺ: "وأعطاني الكوثر وهو نهر في الجنة يسيل في حوض". رواه أحمد، قال ابن كثير: وهو حسن الإسناد والمتن١٠٢.
ولكل نبي حوض ولكن حوض النبي -ﷺ- أكبرها وأعظمها وأكثرها واردة؛ لقول النبي ﷺ: "إن لكل نبي حوضًا وإنهم ليتباهون أيهم أكثر واردة وإني لأرجو أن أكون أكثرهم واردة". رواه الترمذي وقال: غريب، وروى ذلك ابن أبي الدنيا وابن ماجه من حديث أبي سعيد وفيه ضعف لكن صححه بعضهم من أجل تعدد الطرق١٠٣.
[٦٣] والصراط حق يَجُوزه الأبرار، وَيَزِلّ عنه الفجار.
_________________
(١) ١٠١ البخاري: كتاب الرقاق: باب في الحوض "٦٥٩٠"، من حديث عقبة بن عامر ﵁. ١٠٢ نهاية البداية والنهاية "٢٤٤/٢" وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف. ١٠٣ حديث صحيح: الترمذي "٢٤٤٣" من طريق الحسن عن سمرة، وقال الترمذي: هذا حديث غريب. قال الحافظ في الفتح "٤٦٧/١١": وأشار -أي: الترمذي- إلى أنه اختلف في وصله وإرساله، وأن المرسل أصح، قلت: والمرسل أخرجه ابن أبي الدنيا بسند صحيح عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: "إن لكل نبي حوضًا وهو قائم على حوضه بيده عصا يدعو من عرف من أمته، إلا أنهم يباهون أيهم أكثر تبعًا، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تبعًا"، وأخرجه الطبراني من وجه آخر عن سمرة موصولا ومرفوعًا مثله وفي سنده لين، وأخرج ابن أبي الدنيا أيضًا حديث أبي سعيد رفعه: "وكل نبي يدعو أمته، ولكل نبي حوض، فمنهم من يأتيه الفئام ومنهم من يأتيه العصبة ومنهم من يأتيه الواحد ومنهم من يأتيه الاثنان ومنهم من لا يأيته أحد، وإني لأكثر الأنبياء تبعًا يوم القيامة" وفي إسناده لين. وإن ثبت فالمختص بنبينا -ﷺ- الكوثر الذي يصب من مائه في حوضه فإنه لم ينقل نظيره لغيره. أ. هـ. وصححه الألباني في الصحيحة "١٥٨٩".
[ ١٢٥ ]
الشرح
الصراط:
الصراط لغة: الطريق، وشرعًا: الجسر الممدود على جهنم ليعبر الناس عليه إلى الجنة، وهو ثابت بالكتاب والسنة وقول السلف.
قال الله تعالى:
﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] .
فّسَّرها عبد الله بن مسعود وقتادة وزيد بن أسلم بالمرور على الصراط، وفسرها جماعة منهم ابن عباس بالدخول في النار لكن ينجون منها.
وقال النبي ﷺ: "ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون: اللهم سلم سلم"، متفق عليه١٠٤. واتفق أهل السنة على إثباته.
صفة الصراط:
سئل النبي -ﷺ- عن الصراط فقال: "مدحضة مزلة عليها خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفاء تكون بنجد يقال لها السعدان" رواه البخاري١٠٥، وله من حديث أبي هريرة: "وبه كلاليب مثل شوك السعدان غير
_________________
(١) ١٠٤ جزء من حديث أبي سعيد الخدري الطويل الذي أخرجه: البخاري: كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] "٧٤٣٩". ومسلم: كتاب الإيمان: باب معرفة طريق الرؤية "١٨٣" "٣٠٢". * الجسر: بفتح الجيم وكسرها لغتان مشهورتان وهو الصراط. شرح النووي لمسلم "٢٩/٣". ١٠٥ جزء من حديث أبي سعيد الخدري المتقدم عند البخاري ومسلم.
[ ١٢٦ ]
أنها لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله، يخطف الناس بأعمالهم" ١٠٦، وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد -﵁- قال: "بلغني أنه أدق من الشعر وأحد من السيف" ١٠٧، وروى الإمام أحمد نحوه عن عائشة -﵂- مرفوعًا.
العبور على الصراط وكيفيته:
لا يعبر الصراط إلا المؤمنون على قدر أعمالهم لحديث أبي سعيد -﵁- عن النبي -ﷺ- وفيه: "فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب فناجٍ مسلم ومخدوش مرسل ومكدوس في جهنم". متفق عليه١٠٨، وفي صحيح مسلم: "تجرى بهم أعمالهم ونبيكم قائم على الصراط يقول: يا رب سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفًا" ١٠٩، وفي صحيح البخاري: "حتى يمر آخرهم يسحب سحبا" ١١٠.
_________________
(١) ١٠٦ البخاري: كتاب الرقاق: باب الصراط جسر جهنم "٦٥٧٣". ومسلم: كتاب الإيمان: باب معرفة طريق الرؤية "١٨٢" "٢٩٩". من حديث أبي هريرة مطولا. ١٠٧ ذكره الإمام مسلم في صحيحه عقب روايته لحديث أبي سعيد الخدري "١٨٣" "٣٠٢" المتقدم، قال: قال أبو سعيد: بلغني أن الصراط أحدُّ من السيف وأدَقٌ من الشَّعرة، وراجع تعليق الحافظ ابن حجر في الفتح "٤٥٤/١١" على هذا البلاغ في بحث جيد. ١٠٨ تقدم تخريجه ص "١٢٦". ١٠٩ مسلم: كتاب الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة "١٩٥" "٣٢٩"، من حديث حذيفة وأبي هريرة ﵄. ١١٠ البخاري: كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] "٧٤٣٩" من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ١٢٧ ]
وأول من يعبر الصراط من الأنبياء محمد -ﷺ- ومن الأمم أمته لقوله النبي ﷺ: "فأكون أنا وأمتي أول من يجيزها ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل ودعاء الرسل يومئذ اللهم سلم سلم" رواه البخاري١١١.
[٦٤] ويشفع نبينا -ﷺ- فيمن دخل النار من أمته من أهل الكبائر فيخرجون بشفاعته بعدما احترقوا وصاروا فحمًا وحممًا فيدخلون الجنة بشفاعته.
[٦٥] ولسائر الأنبياء والمؤمنين والملائكة شفاعات، قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] .
[٦٦] ولا تنفع الكافر شفاعة الشافعين.
الشرح
الشفاعة:
الشفاعة لغة: جعل الوتر شفعًا، واصطلاحًا: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة والشفاعة يوم القيامة نوعان خاصة بالنبي -ﷺ- وعامة له ولغيره.
فالخاصة به ﷺ شفاعته العظمى في أهل الموقف عند الله ليقضي بينهم حين يلحقهم من الكرب والغم ما لا يطيقون فيذهبون إلى آدم فنوح فإبراهيم فموسى فعيسى وكلهم يعتذرون فيأتون إلى النبي ﷺ فيشفع فيهم إلى الله فيأتي ﷾ للقضاء بين عباده.
_________________
(١) ١١١ البخاري كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] "٧٤٣٧" من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١٢٨ ]
وقد ذكرت هذه الصفة في حديث الصُّور المشهور لكن سنده ضعيف متكلم فيه١١٢، وحذفت من الأحاديث الصحيحة فاقتصر منها على ذكر الشفاعة في أهل الكبائر.
قال ابن كثير وشارح الطحاوية: وكان مقصود السلف من الاقتصار على الشفاعة في أهل الكبائر هو الرد على الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة.
وهذه الشفاعة لا ينكرها المعتزلة والخوارج ويشترط فيها إذن الله لقوله تعالى:
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِه﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
النوع الثاني: العامة، وهي الشفاعة فيمن دخل النار من المؤمنين أهل الكبائر أن يخرجوا منها بعدما احترقوا وصاروا فحمًا وحميمًا. لحديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: "أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناس أو كما قال تصيبهم النار بذنوبهم أو قال بخطاياهم فيميتهم إماتة حتى إذا صاروا فحمًا أذن في الشفاعة" الحديث رواه أحمد١١٣.
قال ابن كثير في النهاية ص: ٢٠٤، ج: ٢، وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه من هذا الوجه.
وهذه الشفاعة تكون للنبي -ﷺ- وغيره من الأنبياء والملائكة والمؤمنين لحديث أبي سعيد عن النبي -ﷺ- وفيه: "فيقول الله تعالى: شفعت الملائكة وشفع النبيون
_________________
(١) ١١٢ حديث ضعيف: وهو حديث طويل جدًا في إسناده إسماعيل بن رافع وهو ضعيف، ومحمد بن يزيد أو زياد: هو مجهول، وقد أورده الحافظ ابن كثير في تفسيره "١٤٦/٢- ١٤٨" عن الطبراني، وقال: هذا حديث مشهور وهو غريب جدًا، ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة، وفي بعض ألفاظه نكارة، تفرد به إسماعيل بن رافع قاص أهل المدينة، وقد اختلف فيه، فمنهم من وثقه، ومنهم من ضعفه، ونصَّ على نكارة حديثه غير واحد من الأئمة، وراجع النهاية لابن كثير "٢٥٣/١". ١١٣ أحمد في مسنده "٩٤/٣".
[ ١٢٩ ]
وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومًالم يعملوا خيرًا قط قد عادوا حممًا" متفق عليه١١٤.
وهذه الشفاعة ينكرها المعتزلة والخوارج بناء على مذهبهم أن فاعل الكبيرة مخلد في النار فلا تنفعه الشفاعة ونرد عليهم بما يأتي:
١- أن ذلك مخالف للمتواتر من الأحاديث عن النبي ﷺ.
٢- أنه مخالف لإجماع السلف.
ويشترط لهذه الشفاعة شرطان:
الأول: إذن الله في الشفاعة لقوله تعالى:
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِه﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
الثاني: رضا الله عن الشافع والمشفوع له لقوله تعالى:
﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]
فأما الكافر فلا شفاعة له لقوله تعالى:
﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] .
أي: لو فرض أن أحدًا شفع لهم لم تنفعهم الشفاعة.
وأما شفاعة النبي -ﷺ- لعمه أبي طالب حتى كان في ضحضاح من نار وعليه نعلان يغلي منهما دماغه، وإنه لأهون أهل النار عذابا، قال النبي ﷺ: "ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار" رواه مسلم١١٦. فهذا خاص بالنبي -ﷺ- وبعمه
_________________
(١) ١١٤ حديث أبي سعيد الخدري تقدم تخريجه ص "١٢٦". ١١٥ مسلم: كتاب الإيمان: باب شفاعة النبي -ﷺ- لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه "٢٠٩" "٣٥٧" من حديث العباس بن عبد المطلب أنه قال: يا رسول الله، هل نفعت أبا طالب بشيء، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: "نعم هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار".
[ ١٣٠ ]
أبي طالب فقط، وذلك -والله أعلم- لما قام به من نصرة النبي -ﷺ- والدفاع عنه، وعما جاء به.
[٦٧] والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان، فالجنة مأوى أوليائه، والنار عقاب لأعدائه، وأهل الجنة فيها مخلدون:
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ، لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٤، ٧٥] .
الشرح
الجنة والنار:
الجنة لغة: البستان الكثير الأشجار، وشرعًا: الدار التي أعدها الله في الآخرة للمتقين.
والنار لغة: معروفة، وشرعًا: الدار التي أعدها الله في الآخرة للكافرين.
وهما مخلوقتان الآن لقوله تعالى في الجنة:
﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين﴾ [آل عمران: ١٣٣] .
وفي النار:
﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِين﴾ [البقرة: ٢٤] .
والإعداد: التهيئة ولقوله ﷺ حين صلى صلاة الكسوف: "إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقودًا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار فلم أر كاليوم منظرًا قط أفظع منها". متفق عليه١١٦.
_________________
(١) ١١٦ البخاري: كتاب الكسوف: باب صلاة الكسوف جماعة "١٠٥٢". مسلم: كتاب الكسوف: باب ما عرض على النبي -ﷺ- في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار "٩٠٧" "١٧" من حديث عبد الله بن عباس ﵄.
[ ١٣١ ]
والجنة والنار لا تفنيان لقوله:
﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [البينة: ٨] .
والآيات في تأبيد الخلود في الجنة كثيرة، وأما في النار فذكر في ثلاثة مواضع في النساء:
﴿وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا، إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ١٦٨، ١٦٩] .
وفي الأحزاب:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا، خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٦٤، ٦٥] .
وفي الجن:
﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] .
وقال الله تعالى:
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ، لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٤، ٧٥] .
مكان الجنة والنار:
الجنة في أعلى عليين لقوله تعالى:
﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] .
[ ١٣٢ ]
وقوله -ﷺ- في حديث البراء بن عازب المشهور في قصة فتنة القبر: "فيقول الله -عزوجل- اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض"١١٧.
والنار في أسفل سافلين لقوله تعالى:
﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] .
وقوله ﷺ في حديث البراء بن عازب السابق: "فيقول الله تعالى اكتبوا كتاب عبدي في سجين في الأرض السفلى" ١١٨.
أهل الجنة وأهل النار:
أهل الجنة كل مؤمن تقي؛ لأنهم أولياء الله، قال الله تعالى في الجنة:
﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين﴾ [آل عمران: ١٣٣] .
﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: ٢١] .
وأهل النار كل كافر شقي، قال الله تعالى في النار:
﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤] .
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّار﴾ [هود: ١٠٦] .
[٦٨] ويؤتى بالموت في صورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت.
_________________
(١) ١١٧، ١١٨ تقدم تخريجه من حديث البراء بن عازب المشهور في أحوال الموتى وفتنة القبر.
[ ١٣٣ ]
الشرح
ذبح الموت:
الموت زوال الحياة، وكل نفس ذائقة الموت، وهو أمر معنوي غير محسوس بالرؤية، ولكن الله تعالى يجعله شيئًا مرئيا مجسما، وَيُذْبَح بين الجنة والنار لحديث أبي سعيد الخدري -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: "يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادي مناديًا أهل الجنة فيشرئبون وينظرون فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت وكلهم قد رآه ثم ينادي يا أهل النار فيشرئبون وينظرون فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت" ثم قرأ: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩] .
أخرجه البخاري في تفسير هذه الآية١١٩، وروى نحوه في صفة الجنة والنار من حديث ابن عمر مرفوعًا١٢٠.
_________________
(١) ١١٩ البخاري: كتاب التفسير من سورة مريم: باب ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم: ٣٩] "٤٧٣٠". ١٢٠ البخاري: كتاب الرقاق: باب صفة الجنة والنار "٦٥٤٨".
[ ١٣٤ ]