[٤٣] ومن صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد، لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد عن القدر المقدور، ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور، أراد ما العالم فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعًا لأطاعوه، خلق الخلق وأفعالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، يهدي من يشاء بحكمته، قال الله تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] .
قال الله تعالى:
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] .
وقال تعالى:
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرا﴾ [الفرقان: ٢] .
وقال تعالى:
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢] .
وقال تعالى:
﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجا﴾ [الأنعام: ١٢٥] .
[ ٨٩ ]
[٤٤] وروى ابن عمر أن جبريل -﵇- قال للنبي ﷺ: ما الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره". فقال جبريل صدقت. رواه مسلم٥٣.
[٤٥] وقال النبي ﷺ: "آمنت بالقدر خيره وشره وحلوه ومره"٥٤.
[٤٦] ومن دعاء النبي -ﷺ- الذي علمه الحسن بن علي يدعو به في قنوت الوتر: "وقني شر ما قضيت"٥٥.
_________________
(١) ٥٣ مسلم: كتاب الإيمان: باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان "٨" "١" وفي الباب عن أبي هريرة ﵁: عند البخاري "٥٠" ومسلم "٩" "٥". ٥٤ إسناده ضعيف: أخرجه الحاكم في معرفة علوم الحديث "٣١، ٣٢" ومن طريقه العراقي في شرحه لألفيته ص "٣٢٧" كمثال للحديث المسلسل بأحوال الرواة القولية والفعلية معا من طريق يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "لا يجد العبد حلاوة الإيمان حتى يؤمن بالقدر خيره وشره حلوه ومره" ورأيت رسول الله -ﷺ- قبض على لحيته ثم قال: "آمنت بالقدر خيره وشره حلوه ومره" قال: وقبض أنس على لحيته فقال: آمنت بالقدر خيره وشره حلوه ومره الحديث. وقال الحاكم بعد أن ساق تسلسل الرواة على هذه الصفة: وأنا أقول عن نية صادقة وعقيدة صحيحة: آمنت بالقدر خيره وشره حلوه ومره، ويزيد الرقاشي ضعيف كما في التقريب "٧٦٨٣" بل قال النسائي فيه: متروك وقال أحمد: منكر الحديث كما في الميزان "٤١٨/٤". والحديث عزاه الشيخ ياسين الفاداني في ورقات في "مجموعة المسلسلات والأوائل الأسانيد العالية" ص "٦، ٧" للديلمي في مسند الفردوس. ٥٥ حديث صحيح: أخرجه أحمد "١٧٢٣" وأبو داود "١٤٢٥، ١٤٢٦" والترمذي "٤٦٤" والنسائي "٢٤٨/٣" وابن ماجه "١١٧٨" وإسناده صحيح وقد صححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على سنن الترمذي. =
[ ٩٠ ]
الشرح
القدر:
من صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد كما قال تعالى:
﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيد﴾ [هود: ١٠٧] .
فلا يخرج شيء عن إرادته وسلطانه ولا يصدر شيء إلا بتقديره وتدبيره، بيده ملكوت السموات والأرض يهدي من يشاء برحمته ويضل من يشاء بحكمته لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته وسلطانه وهم يُسْألون لأنهم مربوبون محكومون.
والإيمان بالقدر واجب وهو أحد أركان الإيمان الستة لقول النبي ﷺ: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر والقدر خيره وشره". رواه مسلم وغيره.
وقال النبي ﷺ: "آمنت بالقدر خيره وشره حلوه ومره" فالخير والشر باعتبار العاقبة، والحلاوة والمرارة باعتباره وقت إصابته. وخير القدر ما كان نافعا وشره ما كان ضارا أو مؤذيا.
_________________
(١) = *فائدة مهمة: قال الشيخ محمد صالح العثيمين في دروس فتاوى في الحرم المكي عام ١٤٠٨هـ، ص "١٣٦": في شرح دعاء القنوت: "وقنا شر ما قضيت"، الله ﷿ يقضي بالخير ويقضي بالشر. أما قضاؤه بالخير فهو خير محض في القضاء والمقضي مثال: أن يقضي الله -﷿- للناس بالرزق الواسع والأمن والطمأنينة والهداية والنصر.. إلخ، فهذا خير في القضاء والمقضى. وأما قضاؤه بالشر فهو خير في القضاء شر في المقضي ومثال ذلك: القحط وامتناع المطر فهذا شر لكن قضاء الله به خير، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١] . فلهذا الفساد غاية حميدة وهي الرجوع إلى الله تعالى من معصيته إلى طاعته فصار المقضي شرا، وصار القضاء خيرا. ونحن نقول "شر ما قضيت": و"ما" هنا اسم موصول، أي شر الذي قضيته، فإن الله تعالى قد يقضي بالشر لحكمة بالغة حميدة. أ. هـ.
[ ٩١ ]
والخير والشر هو بالنسبة للمقدور وعاقبته فإن منه ما يكون خيرا كالطاعات والصحة والغنى، ومنه ما يكون شرًا كالمعاصي والمرض والفقر، أما بالنسبة لفعل الله فلا يقال: إنه شر؛ لقول النبي -ﷺ- في دعاء القنوت الذي علمه الحسن بن علي: "وقني شر ما قضيت" فأضاف الشر إلى ما قضاه لا إلى قضائه.
والإيمان بالقدر لا يتم إلا بأربعة أمور:
الأول: الإيمان بأن الله عالم كل ما يكون جملة وتفصيلا بعلم سابق لقوله تعالى:
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] .
الثاني: أن الله كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء لقوله تعالى:
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢] .
أي: نخلق الخليقة، ولقوله ﷺ: "إن الله قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة". رواه مسلم٥٦.
الثالث: أنه لا يكون شيء في السموات والأرض إلا بإرادة الله ومشيئته الدائرة بين الرحمة والحكمة يهدي من يشاء برحمته ويضل من يشاء بحكمته لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته وسلطانه وهم يسألون وما وقع من ذلك فإنه مطابق لعلمه السابق ولما كتبه في اللوح المحفوظ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] .
_________________
(١) ٥٦ مسلم: كتاب القدر: باب حجاج آدم وموسى ﵉ "٢٦٥٣" "١٦" من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ولفظ: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة..".
[ ٩٢ ]
﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] .
فأثبت وقوع الهداية والضلال بإرادته.
الرابع: أن كل شيء في السموات والأرض مخلوق لله تعالى لا خالق غيره ولا رب سواه لقوله تعالى:
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢] .
وقال على لسان إبراهيم:
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُون﴾ [الصافات: ٩٦] .
[٤٧] ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه، بل يجب أن نؤمن ونعلم أن لله علينا الحجة بإنزال الكتب وبعثة الرسل. قال الله تعالى:
﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] .
الشرح
القدر ليس حجة للعاصي على فعل المعصية:
أفعال العباد كلها من طاعات ومعاصٍ كلها مخلوقة لله كما سبق ولكن ليس ذلك حجة للعاصي على فعل المعصية وذلك لأدلة كثيرة منها:
[ ٩٣ ]
١- أن الله أضاف عمل العبد إليه وجعله كسبا له فقال:
﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧] .
ولو لم يكن له اختيار في الفعل وَقْدرة عليه ما نُسِبَ إليه.
٢- أن الله أمر العبد ونهاه ولم يكلفه إلا ما يستطيع لقوله تعالى:
﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] .
ولو كان مجبورا على العمل ما كان مستطيعا على الفعل أو الكف؛ لأن المجبور لا يستطيع التخلص.
٣- أن كل واحد يعلم الفرق بين العمل الاختياري والإجباري وأن الأول يستطيع التخلص منه.
٤- أن العاصي قبل أن يقدم على المعصية لا يدري ما قُدَّر له وهو باستطاعته أن يفعل أو يترك فكيف يسلك الطريق الخطأ ويحتج بالقدر المجهول، أليس من الأحرى أن يسلك الطريق الصحيح ويقول هذا ما قُدَّر لي؟!
٥- أن الله أخبر أنه أرسل الرسل لقطع الحجة:
﴿لئلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] .
ولو كان القدر حجة للعاصي لم تنقطع بإرسال الرسل.
[٤٨] ونعلم أن الله ﷾ ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك، وأنه لم يجبر على معصية ولا اضطره إلى ترك طاعةٍ، قال الله تعالى:
﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
[ ٩٤ ]
وقال الله تعالى:
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم﴾ [التغابن: ١٦] .
وقال تعالى:
﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٧] .
[٤٩] فدل على أن للعبد فعلًا وكسبًا يُجزى على حسنه بالثواب، وعلى سيئه بالعقاب، وهو واقع بقضاء الله وقدره.
الشرح
التوفيق بين كون فعل العبد مخلوقًا لله وكونه كسبًا للفاعل:
عرفت مما سبق أن فعل العبد مخلوق لله وأنه كسب للعبد يجازى عليه: الحسن بأحسن والسيئ بمثله فكيف نوفق بينهما؟
التوفيق بينهما أن وجه كون فعل العبد مخلوقًا لله تعالى أمران:
الأول: أن فعل العبد من صفاته، والعبد وصفاته مخلوقان لله تعالى.
الثاني: أن فعل العبد صادر عن إرادة قلبية وقدرة بدنية ولولاهما لم يكن فعل، والذي خلق هذه الإرادة والقدرة هو الله تعالى وخالق السبب خالق للمسبب، فنسبة فعل العبد إلى خلق الله له نسبة مُسَبَّب إلى سبب لا نسبة مباشرة؛ لأن المباشر حقيقية هو العبد فلذلك نُسِبَ الفعل إليه كسبا وتحصيلا ونُسِبَ إلى الله خلقا وتقديرا فلكل من النسبتين اعتبار والله أعلم.
[ ٩٥ ]
المخالفون للحق في القضاء والقدر والرد عليهم:
المخالفون للحق في القضاء والقدر طائفتان:
الطائفة الأولى: الجبرية، يقولون: العبد مجبور على فعله وليس له اختيار في ذلك. ونرد عليهم بأمرين:
١- أن الله أضاف عمل الإنسان إليه وجعله كسبًا له يعاقب ويثاب بحسبه ولو كان مجبورًا عليه ما صح نسبته إليه ولكان عقابه عليه ظلمًا.
٢- أن كل واحد يعرف الفرق بين الفعل الاختياري والاضطراري في الحقيقة والحكم، فلو اعتدى شخص على آخر وادعى أنه مجبور على ذلك بقضاء الله وقدره لَعُدَّ ذلك سَفَهًا مخالفًا للمعلوم بالضرورة.
الطائفة الثانية: القدرية، يقولون: العبد مستقل بعمله ليس لله فيه إرادة ولا قدرة ولا خلق ونرد عليهم بأمرين:
١- أنه مخالف لقوله تعالى:
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء﴾ [الزمر: ٦٢] .
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُون﴾ [الصافات: ٩٦] .
٢- أن الله مالك السموات والأرض فكيف يكون في ملكه ما لا تتعلق به إرادته وخلقه؟!
[ ٩٦ ]
أقسام الإرادة والفرق بينهما:
إرادة الله تنقسم إلى قسمين كونية وشرعية:
فالكونية: هي التي بمعنى المشيئة كقوله تعالى:
﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] .
والشرعية: هي التي بمعنى المحبة كقوله تعالى:
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُم﴾ [النساء: ٢٧] .
والفرق بينهما أن الكونية يلزم فيها وقوع المراد ولا يلزم أن يكون محبوبًا لله، وأما الشرعية فيلزم أن يكون المراد فيها محبوبًا لله ولا يلزم وقوعه.
[ ٩٧ ]