[٢١] ومن صفات الله تعالى، أنه متكلم بكلام قديم، يسمعه منه من شاء من خلقه، سمعه موسى -﵇- منه من غير واسطة، وسمعه جبريل ﵇، ومن أذن له من ملائكته ورسله.
[٢٢] وأنه سبحانه يكلم المؤمنين في الآخرة ويكلمونه، ويأذن لهم فيزورونه، قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] .
وقال سبحانه:
﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] .
وقال سبحانه:
﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّه﴾ [البقرة: ٢٥٣] .
وقال سبحانه:
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] .
وقال سبحانه:
﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه: ١١، ١٢] .
وقال سبحانه:
﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤] .
وغير جائز أن يقول هذا أحد غير الله.
[ ٧٠ ]
[٢٣] وقال عبد الله بن مسعود ﵁: "إذا تكلم الله بالوحي، سمع صوته أهل السماء" روى ذلك عن النبي ﷺ.
[٢٤] وروى عبد الله بن أنيس عن النبي -ﷺ- أنه قال: "يحشر الله الخلائق يوم القيامة عراة حفاة غرلا بهما، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان". رواه الأئمة واستشهد به البخاري.
[٢٥] وفي بعض الآثار: أن موسى -﵇- ليلة رأى النار فهالته ففزع منها، فناداه ربه: يا موسى، فأجاب سريعًا استئناسًا بالصوت، فقال: لبيك لبيك، أسمع صوتك ولا أرى مكانك، فأين أنت؟ فقال: أنا فوقك وأمامك وعن يمينك وعن شمالك. فعلم أن هذه الصفة لا تنبغي إلا لله تعالى. قال: كذلك أنت يا إلهي، أفكلامك أسمع، أم كلام رسولك؟ قال: بل كلامي يا موسى.
الشرح
الصفة الخامسة عشرة: الكلام:
الكلام صفة من صفات الله الثابتة له بالكتاب والسنة وإجماع السلف.
قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] .
﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّه﴾ [البقرة: ٢٥٣] .
[ ٧١ ]
وقال النبي ﷺ: "إذا أراد الله أن يوحي بأمره تكلم بالوحي" أخرجه ابن خزيمة وابن جرير وابن أبي حاتم٣٥.
وأجمع السلف على ثبوت الكلام لله فيجب إثباته له من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. وهو كلام حقيقي يليق بالله يتعلق بمشيئته بحروف وأصوات مسموعة.
والدليل على أنه بمشيئته قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣] .
فالتكليم حصل بعد مجيء موسى فدل على أنه متعلق بمشيئته تعالى.
المخالفون لأهل السنة في كلام الله تعالى٣٦:
خالف أهل السنة في كلام الله طوائف نذكر منهم طائفتين:
الطائفة الأولى: الجهمية، قالوا ليس الكلام من صفات الله وإنما هو خلق من مخلوقات الله يخلقه الله في الهواء أو في المحل الذي يسمع منه وإضافته إلى الله إضافة خلق أو تشريف مثل: ناقة الله وبيت الله. ونرد عليهم بما يلي:
١- إنه خلاف إجماع السلف.
٢- خلاف المعقول؛ لأن الكلام صفة للمتكلم وليس شيئا قائما بنفسه منفصلا عن المتكلم.
_________________
(١) ٣٥ سيأتي تخريجه ص "٧٦". ٣٦ راجع: فصل: كشف تلبيس الجهمية المعتزلة في كلام الله تعالى، وفصل: كشف تلبيس الأشعرية في إثبات صفة الكلام لله تعالى. من كتاب العقيدة السلفية في كلام رب البرية وكشف أباطيل المبتدعة الردية لأخينا الفاضل عبد الله بن يوسف الجديع -كرمه الله- فقد أجاد فيه وأفاد.
[ ٧٢ ]
٣- إن موسى سمع الله يقول: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤] .
ومحال أن يقول ذلك أحد إلا الله ﷾.
الطائفة الثانية: الأشعرية قالوا: كلام الله معنى قائم بنفسه لا يتعلق بمشيئته وهذه الحروف والأصوات المسموعة مخلوقة للتعبير عن المعنى القائم بنفس الله ونرد عليهم بما يلي:
١- إنه خلاف إجماع السلف.
٢- خلاف الأدلة؛ لأنها تدل على أن كلام الله يسمع ولا يسمع إلا الصوت لا يسمع المعنى القائم بالنفس.
٣- خلاف المعهود؛ لأن الكلام المعهود هو ما ينطق به المتكلم لا ما يضمره في نفسه.
والدليل على أنه حروف قوله تعالى: ﴿يَا مُوسَى، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه: ١١، ١٢] .
فإن هذه الكلمات حروف وهي كلام الله.
والدليل على أنه بصوت قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] .
والنداء والمناجاة لا تكون إلا بصوت. وروى عبد الله بن أنيس عن النبي -ﷺ- أنه قال: "يحشر الله الخلائق فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان". علقه البخاري بصيغة التمريض، قال في الفتح
[ ٧٣ ]
وأخرجه المصنف في الأدب المفرد وأحمد وأبو يعلى في مسنديهما وذكر له طريقين آخرين٣٧.
وكلام الله تعالى قديم النوع حادث الآحاد، ومعنى قديم النوع: أن الله لم يزل ولا يزال متكلما ليس الكلام حادثًا منه بعد أن لم يكن، ومعنى حادث الآحاد: أن آحاد كلامه أي: الكلام المعين المخصوص حادث؛ لأنه متعلق بمشيئته متى شاء تكلم بما شاء كيف شاء.
تعليق على كلام المؤلف في فصل الكلام:
قوله: متكلم بكلام قديم يعني: قديم النوع حادث الآحاد لا يصلح إلا هذا المعنى على مذهب أهل السنة والجماعة، وإن كان ظاهر كلامه أنه قديم النوع والآحاد.
قوله: سمعه موسى من غير واسطة؛ لقوله تعالى:
﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه: ١٣] .
قوله: وسمعه جبريل، لقوله تعالى:
﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٠٢] .
_________________
(١) ٣٧ حديث حسن: علقه البخاري في صحيحه في موضعين أحدهما بصيغة الجزم "١٧٣/١" وبصيغة التمريض "٤٥٣/١٣". ووصله في كتابه الأدب المفرد "٩٧٠" وكتابه خلق أفعال العباد "ص ١٣١". وكذا الإمام أحمد في مسنده "٤٩٥/٣" والبيهقي في الأسماء والصفات ص "٧٨، ٧٩" وابن أبي عاصم في السنة ص "٥١٤" والحاكم في المستدرك "٤٣٧/٢-٥٧٤/٤، ٥٧٥" وصححه ووافقه الذهبي، وقواه الحافظ في الفتح "١٧٤/١" وذكر له أكثر من طريق، وقال عن أحدها: إنه صالح، وراجع التعليق له "٣٥٣/٥". وقال الألباني في تخريج السنة "٥١٤": "حديث صحيح". وأورده ابن قدامة في كتاب البرهان في بيان القرآن ص "٨٦".
[ ٧٤ ]
قوله: ومن أذن له من ملائكته ورسله، أما الملائكة: فلقوله ﷺ: "ولكنَّ ربنا إذا قضى أمرًا سبح حملة العرش، ثم يسبح أهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح أهل السماء الدنيا فيقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُم﴾ [سبأ: ٢٣] فيخبرونهم". الحديث رواه مسلم٣٨، وأما الرسل: فقد ثبت أن الله كلم محمدًا -ﷺ- ليلة المعراج٣٩.
قوله: وإنه سبحانه يكلم المؤمنين ويكلمونه، لحديث أبي سعيد الخدري أن النبي -ﷺ- قال: "يقول الله لأهل الجنة: يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك". الحديث متفق عليه٤٠.
قوله: ويأذن لهم فيزورونه، لحديث أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال: "إن أهل الجنة إذا دخلوا فيها نزلوا بفضل أعمالهم ثم يؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا فيزورون ربهم " الحديث رواه ابن ماجه والترمذي وقال: غريب، وضعفه الألباني٤١.
_________________
(١) ٣٨ مسلم: كتاب السلام: باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان "٢٢٢٩" "١٢٤" من حديث ابن عباس ﵄. ٣٩ كما في الصحيحين من حديث أنس بن مالك -﵁- عن مالك بن صعصعة: البخاري "٣٢٠٧"، "٣٨٨٧"، ومسلم "١٦٤" "٢٦٤". ٤٠ البخاري: كتاب الرقاق: باب قوله ﷿: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] "٦٥٣٠". ومسلم: كتاب الإيمان: باب قوله: يقول الله لآدم: أخرج بعث النار "٢٢٢" "٣٧٩". من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. ٤١ حديث ضعيف: جزء من حديث طويل رواه الترمذي "٢٥٥٢" وابن ماجه "٤٣٣٦" وفي إسناده عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين كاتب الأوزاعي، قال في التقريب ص "٣٣٣": صدوق ربما أخطأ، قال أبو حاتم: كان كاتب ديوان ولم يكن صاحب حديث، ولذا ضعفه الترمذي بقوله: هذا حديث غريب يعني ضعيف.
[ ٧٥ ]
وقوله: وقال ابن مسعود إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء، وروى ذلك عن النبي -ﷺ- أثر ابن مسعود، ولم أجده بهذا اللفظ، وذكر ابن خزيمة طرقه في كتاب التوحيد بألفاظ منها: سمع أهل السموات للسموات صلصلة، وأما المروي عن النبي -ﷺ- فهو من حديث النواس بن سمعان مرفوعا "إذا أراد الله أن يوحى بأمره تكلم بالوحي فإذا تكلم أخذت السموات منه رجفة أو قال: رعدة شديدة من خوف الله فإذا سمع ذلك أهل السموات صعقوا " الحديث. رواه ابن خزيمة وابن أبي حاتم٤٢.
_________________
(١) ٤٢ حديث صحيح: قد ورد عن ابن مسعود موقوفا ومرفوعا: - أما الموقوف: فعلقه البخاري في صحيحه "٤٥٣/١٣ - فتح" وقد وصله ابن خزيمة في التوحيد ص "١٤٦، ١٤٧" وابن جرير "٩٠/٢٢" وعبد الله بن أحمد في السنة "٥٣٧" والبيهقي في الأسماء والصفات ص "٢٠١" وغيرهم من طريق أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله به موقوفًا بلفظ: "إن الله إذا تكلم بالوحي، سمع أهل السموات للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون " وسنده صحيح وفي لفظ آخر عند عبد الله بن أحمد في السنة "٥٣٦": "إذا تكلم الله ﷿ بالوحي سمع صوته أهل السماء" الحديث. وعزاه ابن قدامة في البرهان في بيان القرآن ص "٨٤، ٨٥" لعبد الله بن أحمد في الرد على الجهمية قال: قلت يا أبت إن الجهمية يزعمون أن الله لا يتكلم بصوت فقال كذبوا إنما يدورون على التعطيل ثم قال: حدثني عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال فذكره وإسناده جيد. وقد عزاه شيخ الإسلام في درء تعارض العقل والنقل "٣٨/٢" للخلال عن يعقوب بن بختان عن أحمد. - وأما المرفوع: فأخرجه أبو داود "٤٧٣٨" وابن خزيمة في التوحيد "٩٥، ٩٦" والبيهقي في الأسماء والصفات ص "٢٠٠" عن أبي معاوية عن الأعمش عن مسلم بن صبيح عن مسروق عن عبد الله قال: قال رسول الله -ﷺ: "إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة". وقال الألباني في الصحيحة "١٢٩٣": وإسناده صحيح على شرط الشيخين، ثم قال: والموقوف وإن كان أصح من المرفوع -ولذلك علقه البخاري في صحيحه- فإنه لا يعل المرفوع؛ لأنه لا يقال من قبل الرأي كما هو ظاهر، ثم ذكر له شاهدًا من حديث أبي هريرة عند البخاري "٤٧٠١" "٤٨٠٠".
[ ٧٦ ]