[٣] قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل -﵁- في قول النبي -ﷺ: "إن الله ينزل إلى سماء الدنيا" و"إن الله يُرَى في القيامة" وما أشبه هذه الأحاديث٦: نؤمن بها، ونصدق بها، لا كيف، ولا معنى، ولا نرد شيئًا منها، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق، ولا نرد على رسول الله -ﷺ- ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .
ونقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه لا نتعدى ذلك، ولا يبلغه وصف الواصفين، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت، ولا نتعدَّى القرآن والحديث، ولا نعلم كيف كنه ذلك إلا بتصديق الرسول -ﷺ- وتثبيت القرآن٧.
_________________
(١) ٦ يأتي تخريج هذه الأحاديث ص "٥٨، ٨٦". ٧ راجع: الصواعق المنزلة لابن القيم "٢٦٥/١"، ومختصر الصواعق المرسلة لابن الموصلي "٢٥١/٢" ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص "١٥٦" وترجمة الإمام أحمد من تاريخ الإسلام للذهبي ص "٢٧". *قال الشيخ محمد صالح العثيمين في فتح رب البرية في تلخيص الحموية ص "٦٣": "المعنى الذي نفاه الإمام أحمد في كلامه هو المعنى الذي ابتكره المعطلة من الجهمية وغيرهم وصرفوا به نصوص الكتاب والسنة عن ظاهرها إلى معانٍ تخالفه، ويدل على ما ذكرنا أنه نفى المعنى ونفى الكيفية ليتضمن كلامه الرد على كلتا الطائفتين المبتدعتين: طائفة المعطلة، وطائفة المشبهة" أ. هـ.
[ ٣٥ ]
الشرح
ما تضمنه كلام الإمام أحمد في أحاديث النزول وشبهها:
تضمن كلام الإمام أحمد -﵀- الذي نقله عنه المؤلف ما يأتي:
١- وجوب الإيمان والتصديق بما جاء عن رسول الله -ﷺ- من أحاديث الصفات من غير زيادة ولا نقص ولا حد ولا غاية.
٢- إنه لا كيف ولا معنى أي: لا نكيف هذه الصفات؛ لأن تكييفها ممتنع لما سبق وليس مراده أن لا كيفية لصفاته لأن صفاته ثابتة حقا وكل شيء ثابت فلابد له من كيفية لكن كيفية صفات الله غير معلومة لنا.
وقوله: ولا معنى أي لا نثبت لها معنى يخالف ظاهرها كما فعله أهل التأويل وليسمرادة نفي المعنى الصحيح الموافق لظاهرها الذي فسرها به السلف فإن هذا ثابت ويدل على هذا قوله ولا نرد شيئا منها ونصفه بما وصف به نفسه ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت ولا نعلم كيف كنه ذلك فإن نفيه لرد شيء منها ونفيه لعلم كيفيتها دليل على إثبات المعنى المراد منها.
٣- وجوب الإيمان القرآن كله محكمة وهو ما اتضح معناه ومتشابهه وهو ما أشكل معناه فنرد المتشابه إلى المحكم ليتضح معناه فإن لم يتضح وجب الإيمان به لفظا وتفويض معناه إلى الله تعالى.
[٤] قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ﵁: آمنت بالله وبما جاء عن الله، على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله ٨.
_________________
(١) ٨ راجع: الرسالة المدنية لابن تيمية ص "١٢١" مع الفتوى الحموية. *قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أما ما قال الشافعي فإنه حق يجب على كل مسلم اعتقاده. ومن اعتقده ولم يأتِ بقول يناقضه، فإنه سلك سبيل السلامة في الدنيا والآخرة" أ. هـ.
[ ٣٦ ]
الشرح
ما تضمنه كلام الإمام الشافعي:
تضمن كلام الإمام الشافعي ما يأتي:
١- الإيمان بما جاء عن الله تعالى في كتابه المبين على ما أراده الله من غير زيادة ولا نقص ولا تحريف.
٢- الإيمان بما جاء به عن رسول الله -ﷺ- في سنة رسول الله -ﷺ- على ما أراده رسول الله -ﷺ- من غير زيادة ولا نقص ولا تحريف.
وفي هذا الكلام رد على أهل التأويل وأهل التمثيل؛ لأن كل واحد منهم لم يؤمن بما جاء عن الله ورسوله على مراد الله ورسوله فإن أهل التأويل نقصوا وأهل التمثيل زادوا.
[٥] وعلى هذا درج السَّلف وأئمة الخلف ﵃، كلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ- من غير تعرض لتأويله.
_________________
(١) = قلت: ومن أقوال الشافعي المهمة في باب الأسماء والصفات قوله: لله تعالى أسماء وصفات لا يسع أحد قامت عليه الحجة ردها، فإن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر فأما قبل ثبوت الحجة عليه فمعذور بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل، ولا بالروية والفكر، ويثبت هذه الصفات وينفي عنها التشبيه كما نفى عن نفسه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] راجع مختصر العلو للألباني ص "١٧٧" واجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم ص "٥٩".
[ ٣٧ ]
الشرح
طريق السلف الذي درجوا عليه في الصفات:
الذي درج عليه السلف في الصفات هو الإقرار والإثبات لما ورد من صفات الله تعالى في كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ- من غير تعرض لتأويله بما لا يتفق مع مراد الله ورسوله.
[ ٣٨ ]