قال الشيخ الإمام العالم موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي -عليه رحمة الله-: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله المحمود بكل لسان، المعبود في كل زمان، الذي لا يخلو من علمه مكان، ولا يشغله شأن عن شأن جل عن الأشباه والأنداد، وتنزه عن الأصحاب والأولاد، ونفذ حكمه في جميع العباد لا تمثله العقول بالتفكير ولا تتوهمه القلوب بالتصوير ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (١) له الأسماء الحسنى والصفات العلى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧)﴾ (٢) أحاط بكل شيء علما، وقهر كل مخلوق عزة وحكما، ووسع كل شيء رحمة وعلما، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما، موصوف بما وصف به نفسه في كتابه العظيم وعلى لسان نبيه الكريم.
_________________
(١) - سورة الشورى آية: ١١.
(٢) - سورة طه آية: ٥-٧.
[ ١٩ ]
هذا كله حق مأخوذ من النصوص فالله سبحانه هو المحمود. المحمود من الحمد، والحمد ذكر أوصاف المحمود مع حبه وإجلاله وتعظيمه، وهو أبلغ من المدح، المدح هو أن تثني على الشخص بصفاته ولا يلزم من ذلك أن تحبه. تثني على الشيء سواء كان إنسانا أو حيوانا أو غيره بأوصاف ولا يلزم من ذلك المحبة، كما تثني على الأسد تقول: إنه قوي مفتول العضلات، هذا ثناء ولا يقال إنه حب بخلاف الحب فإنه ذكر أوصاف المحبوب مع حبه وإجلاله وتعظيمه؛ ولهذا جاء في جناب الرب الحمد دون المدح: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ (١) ولم يقل أمدح الله رب العالمين، الحمد هو ذكر أوصاف المحمود مع حبه وإجلاله وتعظيمه، الله تعالى هو المحمود له الصفات الكاملة وله الحب والإجلال والتعظيم -﷾-، وفيه إثبات قضاء الله وقدره إثبات أسمائه وصفاته، وأنه ﷾ يعلم كل شيء، وأنه مستحق للعبادة، وأنه سبحانه لا يحيط به أحد من خلقه، ولا تمثله العقول، ولا تصوره القلوب -﷾- فهو لا يماثله شيء من خلقه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٢) وقد أحاط بكل شيء علما، ووسع كل شيء رحمة وعلما كل هذا من صفاته -﷾-.