١٢ - البصير٢:
قال المؤلف ﵀:
"البصير الذي أحاط بصره بجميع المبصرات في أقطار الأرض والسماوات، حتى أخفى ما يكون فيها فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، وجميع أعضائها الباطنة، والظاهرة، وسريان القوت في أعضائها الدقيقة، ويرى سريان المياه في أغصان الأشجار، وعروقها وجميع النباتات على اختلاف أنواعها، وصغرها، ودقتها، ويرى نياط٣ عروق النملة، والنحلة، والبعوضة، وأصغر من ذلك، فسبحان من تحدث العقول في عظمته، وسعة متعلقات صفاته، وكمال عظمته، ولطفه، وخبره بالغيب، والشهادة والحاضر، والغائب، ويرى خيانات الأعين، وتقلبات الأجفان، وحركات الجنان، قال تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ٤ ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ٥ ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ٦ أي مطلع، ومحيط علمه، وبصره، وسمعه بجميع الكائنات٧.
_________________
(١) ١ الحق الواضح المبين (ص٨٢ و٨٣) والتفسير (٥/ ٦٢١). ٢ ودليل هذا الاسم قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الإسراء: ١). ٣ النياط: أي العرق المستبطن. انظر: القاموس المحيط (ص٨٩٢). ٤ الشعراء (٢١٨ - ٢٢٠). ٥ غافر (١٩). ٦ البروج (٩). ٧ الحق الواضح المبين (ص٣٥ و٣٦).
[ ١٧٤ ]
يبصر ما تحت الأراضين السبع، كما يبصر ما فوق السماوات السبع وأيضًا سميع بصير بمن يستحق الجزاء بحسب حكمته، والمعنى الأخير يرجع إلى حكمته١.
وكثيرًا ما يقرن الله بين (السميع البصير) مثل قوله ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ٢ فكل من السمع، والبصر محيط بجميع متعلقاته الظاهرة، والباطنة فالسميع الذي أحاط سمعه بجميع المسموعات، فكل ما في العالم العلوي، والسفلي من الأصوات يسمعها سرها وعلنها وكأنها لديه صوت واحد، لا تختلف عليه الأصوات، ولا تخفى عليه جميع اللغات، والقريب منها، والبعيد، والسر، والعلانية عنده سواء ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ ٣.
﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ٤.
قالت عائشة ﵂: "تبارك الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة تشتكي إلى رسول الله ﷺ وأنا في جانب الحجرة وإنه ليخفي عليَّ بعض كلامها فأنزل الله ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ ٥ الآية٦.
١٣ - التواب٧:
[ ١٧٥ ]
قال رحمه الله تعالى: التواب الذي لم يزل يتوب على التائبين، ويغفر ذنوب المنيبين فكل من تاب إلى الله توبة نصوحا تاب الله عليه١.
وتوبته على عبده نوعان:
أحدهما: أنه يوقع في قلب عبده التوبة إليه، والإنابة إليه، فيقوم بالتوبة وشروطها من الإقلاع عن المعاصي، والندم على فعلها، والعزم على أن لا يعود إليها، وإستبدالها بعمل صالح.
والثاني: توبته على عبده بقبولها وإجابتها، ومحو الذنوب بها فإن التوبة النصوح تجب ما قبلها"٢.
[ ١٧٦ ]