١٦ - الجليل٣: (الجليل، الكبير)
قال رحمه الله تعالى: "الجليل الكبير الذي له أوصاف الجلال؛ وهي
_________________
(١) ١ التفسير (٥/ ٦٢٤). ٢ الحق الواضح المبين (ص٧٧) توضيح الكافية الشافية (ص١٢٦). ٣ أورد الشيخ ﵀ "الجليل" ضمن أسماء الله تعالى، ولم يثبت هذا الإسم لله تعالى، والله أعلم. ٤ ودليل هذا الاسم قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (سبأ: ٢٣).
[ ١٧٧ ]
أوصاف العظمة، والكبرياء ثابتة محققة لا يفوته منها وصف جلال وكمال١.
وهو الموصوف بصفات المجد، والكبرياء، والعظمة، والجلال، الذي هو أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، وأجلُّ وأعلى، وله التَّعظيم، والإجلال في قلوب أوليائه وأصفيائه، قد ملئت قلوبهم من تعظيمه، وإجلاله، والخضوع له، والتذلل لكبريائه"٢.
١٧ - الجميل٣:
قال رحمه الله تعالى: "الجميل من له نعوت الحسن والإحسان٤، فإنه جميل في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، فلا يمكن مخلوقًا أن يعبر عن بعض جمال ذاته، حتى أن أهل الجنة مع ما هم فيه من النعيم المقيم، واللذات، والسرور، والأفراح التي لا يقدر قدرها إذا رأوا ربهم، وتمتعوا بجماله نسوا ما هم فيه من النعيم، وتلاشى ما هم فيه من الأفراح، وودّوا أن لو تدوم هذه الحال، ليكتسبوا من جماله، ونوره جمالًا إلى جمالهم، وكانت قلوبهم في شوق دائم ونزوع إلى رؤية ربهم، ويفرحون بيوم المزيد فرحًا تكاد تطير له القلوب.
وكذلك هو جميل في أسمائه، فإنها كلها حسنى بل أحسن الأسماء على الإطلاق وأجملها، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ٥ وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ ٦ فكلها دالة على غاية الحمد، والمجد، والكمال، لا يسمى باسم منقسم إلى كمال وغيره.
_________________
(١) ١ الحق الواضح المبين (ص٢٩). ٢ التفسير (٥/ ٦٢٢) والكافية الشافية (ص١١٧). ٣ ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس وفيه أن النبي ﷺ قال: "إن الله جميل يحب الجمال " الحديث. مسلم (١/ ٩٣) كتاب الإيمان باب تحريم ٤ توضيح الكافية الشافية (ص١١٧). ٥ الأعراف (١٨٠). ٦ مريم (٦٥).
[ ١٧٨ ]
وكذلك هو الجميل في أوصافه فإن أوصافه كلها أوصاف كمال ونعوت ثناء وحمد، فهي أوسع الصفات، وأعمّها، وأكثرها تعلقًا، خصوصًا أوصاف الرحمة، والبر، والكرم، والجود.
وكذلك أفعاله كلها جميله فإنها دائرة بين أفعال البر والإحسان التي يحمد عليها ويثني عليه ويشكر، وبين أفعال العدل التي يحمد عليها لموافقتها للحكمة والحمد، فليس في أفعاله عبث ولا سفه، ولا سدى ولا ظلم، كلها خير وهدى ورحمة ورشد وعدل ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١.
فلكماله الذي لا يحصى أحد عليه به ثناء كملت أفعاله كلها فصارت أحكامه من أحسن الأحكام، وصنعه وخلقه أحسن خلق، وصنع وأتقن ما صنعه ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء﴾ ٢.
وأحسن ماخلق ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ ٣ ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ٤.
ثم استدل المصنف٥ بدليل عقلي على جمال الباري، وأن الأكوان محتوية على أصناف الجمال، وجمالها من الله تعالى فهو الذي كساها الجمال، وأعطاها الحسن، فهو أولى منها، لأن معطي الجمال أحق بالجمال فكل جمال في الدنيا، والآخرة باطني وظاهري، خصوصًا ما يعطيه المولى لأهل الجنة من الجمال المفرط في رجالهم ونسائهم، فلو بدا كف واحدة من الحور العين إلى الدنيا لطمس ضوء
_________________
(١) ١ هود (٥٦). ٢ النمل (٨٨). ٣ السجدة (٧). ٤ المائدة (٥٠). ٥ يعني بالمصنف ابن القيم رحمه الله تعالى في قصيدة النونية.
[ ١٧٩ ]
الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم، أليس الذي كساهم ذلك الجمال ومنَّ عليهم بذلك الحسن والكمال أحق منهم بالجمال الذي ليس كمثله شيء.
فهذا دليل عقلي واضح مسلم المقدمات على هذه المسألة العظيمة وعلى غيرها من صفاته، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ ١.
فكل ما وجد في المخلوقات من كمال لا يستلزم نقصًا، فإن معطيه - وهو الله - أحق به من المعطي بما لا نسبة بينه وبينهم كما لا نسبة لذواتهم إلى ذاته، وصفاتهم إلى صفاته، فالذي أعطاهم السمع، والبصر، والحياة، والعلم، والقدرة، والجمال، أحق منهم بذلك.
وكيف يعبر أحد عن جماله وقد قال أعلم الخلق به: "لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك"٢.
وقال ﷺ: "حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أنتهى إليه بصره من خلقه" ٣. فسبحان الله، وتقدّس عما يقوله الظالمون النافون لكماله علوًا كبيرًا، وحسبهم مقتًا وخسارًا أنهم حرموا من الوصول إلى معرفته والإبتهاج بمحبته.
وجمع المؤلف٤ بين (الجليل والجميل) لأن تمام التعبد لله هو التعبد بهذين الاسمين الكريمين فالتعبد بالجليل يقتضي تعظيمه، وخوفه، وهيبته، وإجلاله.
والتعبد باسمه الجميل يقتضي محبته، والتأله له، وأن يبذل العبد له خالص
_________________
(١) ١ النحل (٦٠). ٢ أخرجه مسلم (١/ ٣٥٢) كتاب الصلاة باب ما يقال في الركوع والسجود من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. ٣ أخرجه مسلم (١/ ١٦١) كتاب الصلاة باب في قوله ﵇: "إن الله لاينام" وفي قوله: "حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ماانتهى إليه بصره من خلقه". ٤ أي ابن القيم رحمه الله تعالى في قصيدته النونية.
[ ١٨٠ ]
المحبة، وصفو الوداد، بحيث يسبح القلب في رياض معرفته وميادين جماله، وينهج بما يحصل له من آثار جماله وكماله فإن الله ذو الجلال والإكرام"١.
[ ١٨١ ]