٣٩ - الرفيق:
قال رحمه الله تعالى: "ومن أسمائه "الرفيق" في أفعاله وشرعه، وهذا قد أخذ من قوله ﷺ في الحديث الصحيح: "إن الله رفيق يحب أهل الرفق، وإن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف" ٢.
فالله تعالى رفيق في أفعاله خلق المخلوقات كلها بالتدريج شيئًا فشيئًا بحسب حكمته ورفقه مع أنه قادر على خلقها دفعة واحدة وفي لحظة واحدة٣.
ومن تدبر المخلوقات وتدبر الشرائع كيف يأتي بها شيئًا بعد شيء شاهد من ذلك العجب العجيب، فالمتأني الذي يأتي الأمور برفق وسكينة ووقار إتباعًا
_________________
(١) ١ الحق الواضح المبين (ص٧٨ و٧٩) والتفسير (٥/ ٦٣١). ٢ أخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ٢٠٠٣، ٢٠٠٤) كتاب البر والصلة باب فضل الرفق من حديث عائشة ﵂ بنحوه. ٣ الحق الواضح المبين (ص٦٣).
[ ٢٠٦ ]
لسنن الله في الكون وإتباعًا لنبيه ﷺ.
فإن كان هذا هديه وطريقه تتيسر له الأمور، وبالأخص الذي يحتاج إلى أمر الناس ونهيهم وإرشادهم، فإنه مضطر إلى الرفق واللين، وكذلك من آذاه الخلق بالأقوال البشعة وصان لسانه عن مشاتمتهم، ودافع عن نفسه برفق ولين، اندفع عنه من أذاهم ما لا يندفع بمقابلتهم بمثل مقالهم وفعالهم، ومع ذلك فقد كسب الراحة، والطمأنينة والرزانة والحلم.
ومن تأمل ما احتوى عليه شرعه من الرفق وشرع الأحكام شيئًا بعد شيء وجريانها على وجه السعة واليسر ومناسبة العباد وما في خلقه من الحكمة إذ خلق الخلق أطوارًا، ونقلهم من حالة إلى أخرى بحكم واسرار لا تحيط بها العقول.
والرفق من العبد لا ينافي الحزم، فيكون رفيقًا في أموره متأنيًا، ومع ذلك لا يفوت الفرص إذا سنحت، ولا يهملها إذا عرضت"١.
٤٠ - الرقيب: (الرقيب الشهيد)
قال ﵀: "الرقيب والشهيد من أسمائه الحسنى وهما مترادفان، وكلاهما يدل على إحاطة سمع الله بالمسموعات وبصره بالمبصرات، وعلمه بجميع المعلومات الجليّة والخفية، وهو الرقيب على ما دار في الخواطر، وما تحركت به اللواحظ، ومن باب أولى الأفعال الظاهرة بالأركان٢.
والرقيب المطلع على ما أكنته الصدور، القائم على كل نفس بما كسبت، الذي حفظ المخلوقات وأجراها على أحسن نظام وأكمل تدبير٣.
_________________
(١) ١ توضيح الكافية الشافية (ص١٢٣). ٢ الحق الواضح المبين (ص٥٨). ٣ التفسير (٥/ ٦٢٥).
[ ٢٠٧ ]
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ١ ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ٢ ولهذا كانت المراقبة التي هي من أعلى أعمال القلوب هي التعبد لله باسمه الرقيب الشهيد، فمتى علم العبد أن حركاته الظاهرة، والباطنة قد أحاط الله بعلمها، واستحضر هذا العلم في كل أحواله، أوجب له ذلك حراسة باطنة عن كل فكر، وهاجس يبغضه الله، وحفظ ظاهره عن كل قول أو فعل يسخط الله وتعبد بمقام الإحسان فعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه يراه"٣.
٤١ - ٤٢ - (الستار- الستير)
٤٣ - السلام: (القدوس- السلام)
قال رحمه الله تعالى: " ومن أسمائه القدوس السلام، أي: المعظم المنزه عن صفات النقص كلها وأن يماثله أحد من الخلق، فهو المتنزه عن جميع العيوب، والمتنزه عن أن يقاربه أو يماثله أحد في شيء من الكمال ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٦ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٧ ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ ٨ ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ ٩ فالقدوس كالسلام، ينفيان كل نقص من جميع
_________________
(١) ١ النساء (١). ٢ المجادلة (٦). ٣ الحق الواضح المبين (ص٥٨ - ٥٩) وانظر: توضيح الكافية الشافية (ص١٢٢). ٤ سبق الكلام على هذين الإسمين مع اسمه سبحانه "الحيي". ٥ ودليل هذا الاسم قال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلام ﴾ (الحشر: ٢٣). ٦ الشورى (١١). ٧ الإخلاص (٤). ٨ مريم (٦٥). ٩ البقرة (٢٢).
[ ٢٠٨ ]
الوجوه، ويتضمنان الكمال المطلق من جميع الوجوه، لأن النقص إذا انتفى ثبت الكمال كله١ فهو المقدس المعظم المنزه عن كل سوء، السالم من مماثلة أحد من خلقه ومن النقصان ومن كل ما ينافي كماله. فهذا ضابط ما ينزه عنه، ينزه عن كل نقص بوجه من الوجوه، وينزه ويعظم أن يكون له مثيل أو شبيه أو كفو أو سمي أو ند أو مضاد، وينزه عن نقص صفة من صفاته التي هى أكمل الصفات وأعظمها وأوسعها.
ومن تمام تنزيهه عن ذلك إثبات صفات الكبرياء والعظمة له فإن التنزيه مراد لغيره ومقصود به حفظ كماله عن الظنون السيئة كظن الجاهلية الذين يظنون به ظن السوء، ظن غير ما يليق بجلاله وإذا قال العبد مثنيًا على ربه "سبحان الله" أو "تقدس الله" أو "تعالى الله" ونحوها كان مثنيًا عليه بالسلامة من كل نقص وإثبات كل كمال "٢.
[ ٢٠٩ ]