٥٥ - العظيم: (العظيم ٤ - الكبير)
قال ﵀: "العظيم الجامع فجميع صفات العظمة والكبرياء والمجد والبهاء الذي تحبه القلوب، وتعظمه الأرواح، ويعرف العارفون أن عظمة كل شيء، وإن جلت في الصفة، فإنها مضمحلة في جانب عظمة العلي العظيم٦.
والله تعالى عظيم له كل وصف ومعنى يوجب التعظيم فلا يقدر مخلق أن يثني عليه كما ينبغي له ولا يحصى ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه وفوق
_________________
(١) ١ الصافات (٩٦). ٢ البقرة (٢٤٩). ٣ الحق الواضح البين (ص٤٤ - ٤٥ - ٤٦) وانظر أيضًا: التفسير (١/ ٣٥٦ و٥/ ٥٦٣). ٤ ودليل هذا الاسم قال الله تعالى: ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (البقرة: ٢٥٥). ٥ ودليل هذا الاسم قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ (غافر: ١٢). ٦ التفسير (١/ ٣١٥).
[ ٢١٦ ]
ما يتثنى عليه عباده.
واعلم أن معاني التعظيم الثابتة لله وحده نوعان:
أحدهما: أنه موصوف بكل صفة كمال، وله من ذلك الكمال أكمله، وأعظمه وأوسعه، فله العلم المحيط، والقدرة النافذة، والكبرياء، والعظمة، ومن عظمته أن السماوات والأرض في كف الرحمن أصغر من الخردلة كما قال ذلك ابن عباس١ وغيره٢ وقال تعالى ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ٣.
وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ٤.
وقال تعالى وهو العلي العظيم: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ ٥ الآية.
وفي الصحيح عنه ﷺ: "إن الله يقول الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما عذبته" ٦ فلله تعالى الكبرياء والعظمة، والوصفان اللذان لا يقدر قدرهما ولا يبلغ كنههما.
النوع الثاني: من معاني عظمته تعالى أنه لا يستحق أحد من الخلق أن يعظم كما يعظم الله فيستحق ﷻ من عباده أن يعظموه بقلوبهم، وألسنتهم، وجوارحهم وذلك ببذل الجهد في معرفته، ومحبته، والذل له،
_________________
(١) ١ أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٢/ ٤٤٥) وأورده السيوطي في الدر (٧/ ٢٤٨) وعزاه إلى عبد ابن حميد وابن أبي حاتم وأبي الشيخ. ٢ روى ذلك عن أبي ذر ﵁. انظر: كتاب العظمة (٢/ ٦٣٥ و٦٣٦). ٣ الزمر (٦٧). ٤ فاطر (٤١). ٥ الشورى (٥٠). ٦ أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٢٣) كتاب البر والصلة والآداب باب ماجاء في الكبر.
[ ٢١٧ ]
والإنكسار له، والخضوع لكبريائه، والخوف منه وإعمال اللسان بالثناء عليه، وقيام الجوارح بشكره وعبوديته، ومن تعظيمه أن يتقى حق تقاته فيطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، ومن تعظيمه تعظيم ما حرمه وشرعه من زمان ومكان وأعمال ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ ١ و﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ ٢ ومن تعظيمه أن لايعترض على شيء مما خلقه أو شرعه٣.
٥٦ - العفو٤: (العفو٥ - الغفور٦ - الغفار)
قال رحمه الله تعالى: "العفو الغفور الغفار: الذي لم يزل، ولا يزال بالعفو معروفًا، وبالغفران، والصفح عن عباده موصوفًا.
كل أحد مضطر إلى عفوه، ومغفرته كما هو مضطر إلى رحمته، وكرمه وقد وعد بالمغفرة، والعفو لمن أتى بأسبابها قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ ٧ ٨.
٥٧ - العلي٩:
٥٨ - العليم١٠:
_________________
(١) ١ الحج (٣٢). ٢ الحج (٣٠). ٣ الحق الواضح المبين (ص٢٧ - ٢٨) وانظر: الكافية الشافية (ص١١٧). ٤ قال الله تعالى: ﴿إن الله لعفو غفور﴾ (الحج: ٦٠). ٥ سبق زيادة بيان لمعنى هذا الاسم مع اسمه تعالى "الحليم". ٦ سيأتي إن شاء الله زيادة إيضاح على هذه الأسماء مع اسمه تعالى: الغفور. ٧ طه (٨٢). ٨ التفسير (٥/ ٦٢٣). ٩ سبق الكلام على هذا الاسم مع اسمه ﷿ "الأعلى". ١٠ سبق الكلام على هذا الاسم مع اسمه تعالى "الخبير".
[ ٢١٨ ]
٥٩ - ٦٠ - الغفار: (الغفور)
قال رحمه الله تعالى: "الغفور الذي لم يزل يغفر الذنوب ويتوب عل كل من يتوب ففي الحديث: "إن الله يقول يابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة"٢.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ ٣.
وقد فتح الله الأسباب لنيل مغفرته بالتوبة، والاستغفار، والإيمان، والعمل الصالح، والإحسان إلى عباد الله، والعفو عنهم، وقوة الطمع في فضل الله، وحسن الظن بالله، وغير ذلك مما جعله الله مقربًا لمغفرته"٤.
٦١ - ٦٢ - الغني المغني٥:
قال رحمه الله تعالى: قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد﴾ ٦.
فهو الغني بذاته، الذي له الغنى التام المطلق، من جميع الوجوه، والاعتبارات لكماله، وكمال صفاته.
فلا يتطرق إليها نقص بوجه من الوجوه، ولا يمكن أن يكون إلا غنيًا،
_________________
(١) ١ سبق زيادة إيضاح لهذين الاسمين مع اسمه تعالى "العفو". ٢ أخرجه الإمام أحمد في المسند (٥/ ١٤٧) بنحوه، والترمذي في سننه (٥/ ٥٤٨) كتاب الدعوات باب في فضل التوبة والاستغفار، وابن ماجه (٢/ ١٢٥٥) كتاب الآداب باب فضل العمل، والدارمي (٢/ ٢٣٠) كتاب الرقاق باب إذا تقرب العبد إلى الله عن أنس، وقال الترمذي هذا حديث غريب لانعرفه إلا من هذا الوجه، وصححه الشيخ الألباني بمجموع طرقه. انظر: السلسلة الصحيحة (١/ ٢٠٠). ٣ النجم (٣٢). ٤ الحق الواضح المبين (ص٧٣، ٧٤). ٥ ودليل هذا الاسم قال الله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ (الضحى: ٨). ٦ فاطر (١٥).
[ ٢١٩ ]
لأن غناه من لوازم ذاته، كما لا يكون إلا خالقًا قادرًا رازقًا محسنًا فلا يحتاج إلى أحد بوجه من الوجوه.
فهو الغني الذي بيده خزائن السماوات والأرض، وخزائن الدنيا والآخرة المغني جميع خلقه غني عامًا، والمغني لخواص خلقه مما أفاض على قلوبهم من المعارف الربانية والحقائق الإيمانية١.
ومن كمال غناه وكرمه أنه يأمر عباده بدعائه، ويعدهم بإجابة دعواتهم، وإسعافهم بجميع مراداتهم، ويؤتيهم من فضله ما سألوه، وما لم يسألوه، ومن كمال غناه أنه لو اجتمع أول الخلق وآخرهم في صعيد واحد فسألوه، فأعطى كلًا منهم ما سأله وما بلغت أمانيه ما نقص من ملكه مثقال ذرة، ومن كمال غناه، وسعة عطاياه ما يبسطه على أهل دار كرامته من النعيم، واللذات المتتابعات، والخيرات المتواصلات، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
ومن كمال غناه أنه لم يتخذ صاحبًا ولا ولدًا ولا شريكًا في الملك، ولا وليًا من الذل، وهو الغني الذي كمل بنعوته، وأوصافه، المغني لجميع مخلوقاته٢.
٦٣ - الفتاح٣:
قال رحمه الله تعالى: "الفتاح: الذي يحكم بين عباده، بأحكامه الشرعية، وأحكامه القدرية، وأحكام الجزاء، الذي فتح بلطفه بصائر الصادقين، وفتح
_________________
(١) ١ التفسير (٥/ ٦٢٩). ٢ الحق الواضح المبين (ص٤٧ - ٤٨). ٣ ودليل هذا الاسم قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ (سبأ: ٢٦).
[ ٢٢٠ ]
قلوبهم لمعرفته، ومحبته، والإنابة إليه، وفتح لعباده أبواب الرحمة والأرزاق المتنوعة، وسبب لهم الأسباب التي ينالون بها خير الدنيا والآخرة١.
وفتحه تعالى قسمان:
أحدهما: فتحه بحكمه الديني، وحكمه الجزائي.
والثاني: الفتاح بحكمه القدري.
ففتحه بحكمه الديني هو شرعه على الّسنة رسله جميع ما يحتاجه المكلفون، ويستقيمون به على الصراط المستقيم، وأما فتحه بجزائه فهو فتحه بين أنبيائه ومخالفيهم وبين أوليائه وأعدائه بإكرام الأنبياء واتباعهم ونجاتهم، وبإهانة أعدائهم وعقوباتهم، وكذلك فتحه يوم القيامة، وحكمه بين الخلائق حين يوفى كل عامل ما عمله. وأما فتحه القدري فهو ما يقدره على عباده من خير، وشر، ونفع، وضر، وعطاء، ومنع، قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٢.
فالرب تعالى هو الفتاح العليم الذي يفتح لعباده الطائعين خزائن جوده وكرمه، ويفنح على أعدائه ضد ذلك، وذلك بفضله وعدله٣.
[ ٢٢١ ]