فصل
المؤمن مأمور بفعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠] وقال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠] . وقال عن لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾
[ ١٢٩ ]
[لقمان: ١٧] . وقال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٦٥] .
* ومأمور في جانب الطاعة بالإخلاص والاستغفار:
قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩] . وقال: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ* وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٢ - ٣] . وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوه﴾ [فصلت: ٦] .
وقال النبي ﷺ: "يا أيها الناس! توبوا إلى ربكم فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة". وقال: " إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة". أخرجهما مسلم.
وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة".
* والجامع لهذا: أنه لابد في الأمر من أصلين، ولابد في القدر من أصلين أيضًا:
أما الأصلان في الأمر فهما:
- أصل قبل العمل أو مقارن له وهو: الاجتهاد في الامتثال علمًا وعملًا، فيجتهد في العلم بالله تعالى، وأسمائه وصفاته، وأحكامه، ثم يعمل بما يقتضيه ذلك العلم من تصديق الأخبار، والعمل بالأحكام فعلًا للمأمور، وتركًا للمحظور.
- والثاني: أصل بعد العمل: وهو الاستغفار والتوبة من التفريط في المأمور، أو التعدي في المحظور، ولهذا كان من المشروع ختم الأعمال بالاستغفار كما قال الله تعالى:
[ ١٣٠ ]
﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧] . فقاموا الليل وختموه بالاستغفار.
وكان النبي ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا. ً
وآخر سورة نزلت عليه سورة النصر ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ١ - ٣] . فكان بعد نزولها يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي". وكان نزولها إيذانًا بقرب أجله ﷺ كما قال ابن عباس ﵄ في مجلس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بمحضر من الصحابة فأقره عمر ﵁ وقال: ما أعلم منها إلا ما تقول.
وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول قبل أن يموت: "سبحانك وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك". فجعل الاستغفار والتوبة خاتمة العمر كما جعلتا خاتمة العمل.
وأما الأصلان في القدر فهما:
- أصل قبل المقدور وهو: الاستعانة بالله ﷿، والاستعاذة به ودعاؤه رغبة ورهبة، فيكون معتمدًا على ربه، ملتجئًا إليه في حصول المطلوب ودفع المكروه.
- والثاني: بعد المقدور وهو: الصبر على المقدور حيث يفوت مطلوبه، أو يقع مكروهه فيوطن نفسه عليه بحيث يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الحال لا يمكن أن تتغير عما قدره والحزن.
كما قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ
[ ١٣١ ]
يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١] . قال ابن عباس ﵄: يهد قلبه لليقين فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وقال علقمة في الآية: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم.
* فإذا راعى الأمر والقدر على الوجه الذين ذكرنا عابدًا لله تعالى مستعينًا به متوكلًا عليه من الذين أنعم الله عليهم.
* وقد جمع الله بين هذين الأصلين في أكثر من موضع كقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] . وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] . وقوله: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨] .
[ ١٣٢ ]